بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسم اللَّهِ الذي سخَّرَ لنا الفُلْكَ والأنعامَ، الرَّحمنِ الذي قسَمَ المعيشة بين الأنام، الرَّحيمِ الذي أمَرَ بالصَّفْح والسَّلام.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ ﴿حم﴾ الزُّخْرُف كان ممَّنْ يُقالُ له يوم القيامة: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] " (^١).
وهذه السورة مكِّيَّةٌ.
وهي ثمان وثمانون آيةً، وقيل: تسعٌ وثمانون آيةً، الاختلافُ في قوله: ﴿هُوَ مَهِينٌ﴾.
وكلماتُها: ثمان مئة وثلاثون.
وحروفُها: ثلاثة آلاف وخمس مئة وعشرون.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ خَتْمَ تلك السورة بذِكْرِ وَحْيِ القرآن، وأنَّ اللَّهَ يهدي به، والرَّسولَ يدعو إليه، وأولَّ هذه السورة في صفة القرآن
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٢٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٦٣)، وهو قطعة من حديث أبي بن كعب ﵁ الموضوع، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٨٥).
[ ١٣ / ٢٦٣ ]
والقَسَمِ به، وذِكْرِ أُمِّ الكتاب الذي كان القرآن مكتوبًا فيه.
وانتظامُ السورتين: أنَّهما في مُخاطبات المشركين ومُحاجَّتهم وترغيبِهم وترهيبِهم، وتسليةِ الرسول الأمين، وتثبيت المؤمنين.
* * *
(١ - ٤) - ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: مرَّ تفسيرُه.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: أنزَلْناه بلُغَتِكم معاشرَ العربِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لِتَعقلوه وتفهَموه وتنتفعوا به.
﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: أي: اللَّوحِ المحفوظِ الذي ننسَخُ منه الكتبَ، فهو كالأصل لها.
وقولُه تعالى: ﴿لَدَيْنَا﴾: أي: محفوظٌ عندنا.
﴿لَعَلِيٌّ﴾: أي: عالي القَدْرِ، رفيعُ الشَّأنِ.
﴿حَكِيمٌ﴾: أي: مُحْكَمٌ لا اختلافَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا ناسِخَ له، ولا مُعارِضَ.
* * *
(٥) - ﴿فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾: أي: أنُمْسِكُ عنكم إنزالَ القرآن، والتَّذكيرَ بالوعد والوعيد ﴿صَفْحًا﴾؛ أي: إعراضًا عن تنبيهكم؟! وهو كأنه مصدرُ قولِه: ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ مِن خِلاف لفظِه ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: بأنْ كنتُم قومًا
[ ١٣ / ٢٦٤ ]
مُفْرِطين في الجهالة، مُجاوِزين الحدَّ في الضلالة؟! استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: لا نفعلُ كذلك.
وقيل: ﴿صَفْحًا﴾: أي: جانبًا، وصفحةُ الوجهِ جانبُه.
وقيل: هو استعارة، فإنَّ مَن أرادَ صَرْفَ مَرْكَبِه عن جِهَتِه ضرَبَ صفحَتَه بسَوطه، فحوَّلَه عن وجهه.
و﴿الذِّكْرَ﴾: قيل: هو القرآن.
وقيل: هو التَّذْكير.
وقيل: هو أنْ يُذَكَّروا بالعقوبة؛ أي: يُعاقَبوا.
وقيل: ضَرْبُ الذِّكْرِ صَفْحًا هو رَفْعُ القرآنِ مِن بين أظهرهم بعد إنزاله فيهم.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: أي: أفنقطَعُ عنكم خِطابَنا وتعريفَنا بإسرافكم في خلافكم؟! أي: لا نقطَعُ الكلامَ عنكم وإنْ أسرَفْتم، والإشارةُ فيه أنه لا يَقْطَعُ خطابَه اليوم عمَّن تمادى في عِصْيانه، وأسرَفَ في طُغْيانه، نرجو (^١) أنَّ مَن لم يُقَصِّرْ في إيمانه -وإنْ تلَطَّخَ بعِصْيانه- ولم يدخُلْ خلَلٌ في عِرْفانه، أنْ لا يَمنَعَ عنه لطائفَ غُفْرانِه، وعوارفَ إحسانِه (^٢).
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
_________________
(١) في "لطائف الإشارات": (فأحرى).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٦١).
[ ١٣ / ٢٦٥ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾: أي: وما كان يأتيهم مِن نبيٍّ.
﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: كقومِكَ يا محمَّدُ، ولمْ يمنَعْنا ذلك مِن مُتابعة الرسل إليهم تأكيدًا للإعذار، وحَسْمًا للاعتذار (^١).
* * *
(٨) - ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾: أي: أهلَكْنا مَن كان أقوى مِن هؤلاء المشركين في أبدانهم، وأكثرَ منهم في أتباعهم وأنصارهم.
﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: خبَرُ ما نزَلَ بالأولين مِن وقائعِ اللَّهِ تعالى.
أي: فليس هؤلاء إلا كأولئك في استحقاق العِقاب.
وقيل: صار عذابُ الأوَّلين عِظَةً للآخِرين.
وقيل: مضتْ سُنَّةُ الأولين.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾: أي: هؤلاء المُشركين المُسرفين: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: اللَّهُ المَنيعُ بسُلْطانه (^٢) فلا يُغالَبُ، العليمُ بكل شيء.
_________________
(١) في (ف): "للأعذار".
(٢) في (ر): "سلطانه".
[ ١٣ / ٢٦٦ ]
وقولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾: صفة ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿مَهْدًا﴾ (^١): أي: موضِعَ قرارٍ.
وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرو (^٢): ﴿مِهادًا﴾؛ أي: بِساطًا، وقيل: هو جَمْعُ مَهْد.
وقرأ الباقون: ﴿مَهْدًا﴾ (^٣): أي: مَوْضِعًا مُمَهَّدًا كمَهْد الصَّبِيِّ.
وقيل: هما واحدٌ؛ كالفِراشِ والفَرْش.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: أي: طُرُقًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: مِن بلد إلى بلد.
وقيل: تستدِلُّون بها، فتهتدون إلى الرُّشْد والإسلام.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: صفةٌ له ﴿مَاءً﴾: أي: المطر.
﴿بِقَدَرٍ﴾: أي: على قَدْرِ حاجةِ الخَلْق إليه.
﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾: أي: فأحَيْينا به بلدةً ميتًا، رُجوعٌ عن المُغايبة إلى الإخبار عن نفْسِه، وهو مِن تلوين الكلام، وذلك مِن أقسام البلاغة.
﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾: أي: يابسةً مُقْفِرةً مِن النبات.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مهادًا".
(٢) وهي قراءة ابن عامر أيضًا.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥١).
[ ١٣ / ٢٦٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: مِن قُبوركم حين تُعادُون أحياءً بعد موتكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: صفةٌ له أيضًا.
﴿الْأَزْوَاجَ﴾: يحتملُ أنه أراد به أصنافَ النبات؛ كما قال: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧] ويحتملُ أنه أراد به أصنافَ كلِّ الأشياء؛ كما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾: أي: السُّفُن ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾؛ أي: الإبلِ وغيرِها ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ في الأسفارِ، والضَّرْبِ في الأمصار؛ لِقضاء الأَوْطار.
* * *
(١٣) - ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
﴿لِتَسْتَوُوا﴾: أي: لِتَركبوا مُسْتَوِين ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾: ولم يقُلْ: (ظُهُورِها)؛ ذهابًا إلى الجنس، ولم يقُلْ: (ظَهْرِها)؛ ذهابًا إلى الجَمْع.
قال الأخفش: إنما قال: ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ لأن الذي سبَقَ ذِكْرُه هو قولُه: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾، وهو كقولك: عندي مِن النساء ما يسُرُّكَ ويُوافِقُكَ (^١).
﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾: بقُلوبكم.
﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾: أي: على ما سبَقَ ذِكْرُه.
﴿وَتَقُولُوا﴾: أي: بألسنتكم:
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥١٣).
[ ١٣ / ٢٦٨ ]
﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾: أي: ذلَّلَهُ وليَّنَه لنا.
﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أي: مُطيقِين (^١).
وقيل: ضابِطين؛ يعني: لِكِبَرِ أجسامِها، وصُعوبةِ أخلاقِها، وأَمْرُ السُّفُنِ أعجبُ منه وأهيبُ، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣]، ويقول: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤].
* * *
(١٤) - ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾: أي: لَراجعون إلى جزائه؛ يعني: لم يُسَخِّرْ لنا هذه المراكبَ إلا لِيَسْتَأْدِيَ شُكْرَنا عليها وعلى سائر نِعَمِه، ويُحاسِبَنا على ذلك يومَ القيامةِ، ويجزيَنا على وَفْقِ أعمالِنا.
ثمَّ الكلامُ إلى هذا الموضع يتَّصِلُ بقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ صفةً له، وليس هو على معنى حكايةِ لفظ الكفار المسؤولين عمَّن خلَقَهم؛ لأن قوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لا يَليقُ بذلك، وإنما قولُهم إذا سُئِلوا عن هذا: مَن خلَقَ السموات والأرض؟ قالوا: اللَّهُ، فيكون هذا اعترافًا منهم للَّه تعالى بالخَلْق، وفي ذلك ما يَكفي لِتَبْيينِ جَهْلِهم في الإشراك به ما لا يَقْدِرُ على شيء.
ثم لَمَّا كان اللَّه تعالى موصوفًا بهذه الصفات المذكورة في الآيات (^٢) أتبَعَ ذِكْرَ اعترافِهم بهذه الصفات؛ كأنه قال تعالى: ولئن سألتَهم عن ذلك لأَضافوا ذلك إلى اللَّه الذي هو موصوف بهذه الصفات.
_________________
(١) في (ف): "مطيعين".
(٢) في (ر) و(ف): "في القرآن والآيات".
[ ١٣ / ٢٦٩ ]
(١٥) - ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾: أي: ومِن جَهْلِهم أنَّهم مع اعترافِهم أنَّه خالقُ السماوات والأرض يجعلون له مِن خَلْقِه ولَدًا؛ لأنَّ الولدَ جزءٌ مِن الوالد.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾: أي: إنَّ الكافرَ باللَّه الجاهلَ به كفورٌ نِعَمَه، ظاهِرُ الكُفْران، مُجاهِرٌ بالشرك.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قالت الثَّنَوِيَّةُ: إنَّ اللَّه تعالى خالِقُ الخَيْراتِ، وخالِقُ الشُّرورِ غيرُه، فيَحتَمِلُ أنْ يكون المرادُ أنَّهم جعلوا للَّه جُزْءًا مِن الخَلْق لا كُلَّه، وكذلك مُشْرِكو العرب كانوا يجعلون مِن الحَرْث والأنعام للَّه جُزْءًا، ولآلهتهم جُزْءًا (^١).
وقيل: معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾؛ أي: مِثْلًا وشَبَهًا، ومجازُه: أنَّهم عبَدوا عِبادَه كما عبَدوه.
* * *
(١٦) - ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار والتَّوْبيخ.
﴿أَمِ﴾: يُعطَفُ بها على ألف الاستفهام، وتقديرُه: أتقولون أنَّ اللَّه ولَدَ ولَدًا أم اتَّخَذَ مِن خَلْقِه بناتٍ؟!
وقولُه تعالى: ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾: أي: خَصَّكم ﴿بِالْبَنِينَ﴾: وهو كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] الآيات، وقد فسَّرْناها هناك.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٩/ ١٥٤).
[ ١٣ / ٢٧٠ ]
يقول: جمَعْتُم في هذا الوصف نوعين مِن الجَهالة:
أحدُهما: وصفُ اللَّهِ ﷻ باتِّخاذِ الأولاد.
والثاني: وصفُه باتِّخاذِ وَضْعِ الجنسين، ولو أنَّ الواحدَ منكم فعَلَ هذا لَنسبتموه إلى سوء الاختيار.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي: بقِيَ في كلِّ يومه مُتَغَيِّرَ اللَّونِ، ظاهِرًا عليه أثَرُ المُساءَةِ والكآبة.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أي: مَمْلوءٌ غَمًّا وغَيْظًا.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ بضم الياء وتشديد الشين؛ أي: يُرَبَّى، وقرأ الباقون بفتح الياء وتخفيف الشين؛ أي: يَتربَّى (^١).
يُقال: أَنْشَأَه اللَّهُ ونَشَّأَه فنَشَأَ؛ كما يُقال: أَنْبَتَه اللَّهُ ونبَّتَه فنبَتَ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥]، وأصلُ الكلمةِ مِن الظُّهور والطُّلوع؛ يُقال: نشَأَتِ السَّحابةُ، إذا ظهَرَتْ وطلَعَتْ.
وقولُه تعالى: ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾؛ أي: في الزِّينة؛ أي: يُنَفَّقُ مما يُحَلَّى به مِن الذهب والفضة واللُّؤْلُؤ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٦).
[ ١٣ / ٢٧١ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أي: المُخاصَمة.
وقيل: هو جَمْع (خَصْمٍ)؛ أي: بين الخُصوم.
﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾: أي: للكلام على وَجْهٍ تقومُ به حُجَّتُه.
والمُرادُ به: البنتُ، وإنما لم يُؤَنِّثِ الفِعْلَ والكِنايةَ؛ لأنَّه بدأَ بكلمة (مَن)، وبنى الفعلَ والكنايةَ عليه.
وقيل: أرادَ به الصَّنَمَ؛ لأنَّهم كانوا يُحَلُّون الأصنامَ.
وفي أول هذه الآية مُضمَرٌ، وتقديرُه: ويَنسبون إليه مَن يُنَشَّأُ، أو يُشركون به مَن يُنَشَّأُ.
* * *
(١٩) - ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالنون، مِن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وهو بيانُ قُرْبِ المنزلةِ والكرامة.
وقرأ الباقون: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بالباء والألف، وهو جمع: (عَبْد)، وهو كقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] (^١).
يقول: ومن جَهْلِهم أيضًا أنهم جعلوا الملائكةَ شُرَكاءَ لنا آلهةً معنا، وسمَّوْهم إناثًا.
_________________
(١) انظر المصدرين السابقين.
[ ١٣ / ٢٧٢ ]
قولُه تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾: قرأ نافع: ﴿أَأُشْهِدُوا﴾؛ كما في قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ [الكهف: ٥١].
وقرأ الباقون: ﴿أَشَهِدُوا﴾؛ كما في قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] (^١).
وهو استفهامٌ بمعنى النَّفْيِ، أبطَلَ مقالتَهم بكل الوجوه.
﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾؛ أي: أقالوا هذا عن مُشاهدة أنهم شاهَدوا خَلْقَ اللَّهِ إياهم إناثًا؟! ولا مُشاهدةَ لهم على هذا، ولو ادَّعَوا ذلكَ لكابروا.
﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾: أي: على الملائكة بالزُّورِ ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾: عنها، فلا يَجدون مَخْرَجًا عنها، فيُعاقَبون.
وقيل: ستُكتَبُ دَعْواهم أنهم شهِدوا خَلْقَهم.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾: أي: مِن قَبْل قولِهم هذا.
وقيل: أي: مِن قَبْل القرآن، فقد سبَقَ ذِكْرُه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾: أي: أم قالوا ذلك بحُجَّةِ سَمْعٍ أتاهم مِن عند اللَّه مِن كتابٍ أنزلَه اللَّه؟! وليس لهم ذلك، وإذا لم يكن لهم سَمْعٌ ولا عَقْلٌ ولا مُشاهدةٌ بطَلَ قولُهم.
_________________
(١) انظر المصدرين السابقين.
[ ١٣ / ٢٧٣ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: ادَّعَوا أنَّ اللَّهَ أمرَهم بعبادة الملائكة، وقالوا: لو شاء ألَّا نعبُدَها لنهانا عنها، فإذْ لم يَنْهَنا عنها فقد أمَرَنا بها.
وقيل: معناه: لو شاء اللَّه ألَّا نعبُدَهم لمنَعَنا عن عبادتها مَنْعَ قَهْرٍ واضطرارٍ، وإذا لم يفعلْ ذلك فقد أباحَ لنا.
وقولُه تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: أي: يَكْذِبون؛ أي: هذا القولُ منهم ليس لهم عليه حُجَّةٌ، وهو جَهْلٌ منهم وكَذِبٌ.
وقيل: إنهم قالوا هذا القولَ استهزاءً بقول أهل الحق: إنَّ الكائناتِ كلَّها بمشيئة اللَّه تعالى؛ لا اعتقادًا منهم ذلك، فأكذبَهم اللَّهُ فيه وجهَّلَهم حيث لم يقولوه عن اعتقاد؛ كما قال مُخْبِرًا عنهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، وهذا حقٌّ في الأصل، ولكنْ قالوا ذلك استهزاءً، فأكذَبَهم اللَّهُ بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، وكذلك قوله: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]؛ لأنَّهم لم يقولوه اعتقادًا.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾: فسَّرْناه؛ لأنَّه مُتَّصلٌ بالأول ومُقَدَّمٌ في المعنى، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في النَّظْم.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾: أي: طريقةٍ. وقيل: مِلَّةٍ. وقيل: دِينٍ.
[ ١٣ / ٢٧٤ ]
يعني: لم يقولوا هذا القولَ عن مُشاهدةٍ، ولا حُجَّةٍ عقليَّةٍ، ولا حُجَّةٍ سمعيَّةٍ، بل تقليدًا لآبائهم الضالين، وقالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: أمرٍ مُجتَمَعٍ عليه ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾: راشدون.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾: أي: في بَلْدةٍ مِن رسول.
﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: أي: جبابرتُها ومُتَنعِّمُوها مِثْلَ (^١) هذا القول.
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾: أي: مُتَّبِعون؛ أي: التَّقليدُ لأهل الجهل أمرٌ مُتقادِمٌ.
* * *
(٢٤) - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المُقَلِّدين: أرأيتم لو جئتُكم بما هو أرشدُ وأقومُ طريقةً مما وجدتُم عليه آباءَكم، وبانَ لكم ذلك، أتُقِيمون على تقليدكم أم تترُكُونه بهذا الاهتداء؟
فإنْ كانوا عُقلاء قالوا: نترُكُ التقليدَ، فإذا قالوا ذلك فقل لهم: هلُمُّوا أُرِكُمْ (^٢) آيةً أهدى، فإنِ امتنعوا فقد حادوا (^٣) ولم يُنْصِفوا، وأنْ أجابوا صاروا إلى النَّظَر، فحينئذ يبطُلُ التَّقْليد لوضوح حُجَجِ اللَّه.
وقرأ عاصمٌ في رواية حفصٍ: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ (^٤)، ومعناه: قال كلُّ نذيرٍ ذلك لقومه.
_________________
(١) "مثل" ليس من (أ).
(٢) في (أ): "فهلموا أريكم" بدل من "فقل لهم: هلموا أركم".
(٣) في (ر) و(ف): "جادلوا".
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، وهي قراءة ابن عامر أيضًا.
[ ١٣ / ٢٧٥ ]
﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: هذا تمامُ كلامِ الكفار، ويتَّصِلُ بقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، ولما اعتَرضَ كلامٌ آخرُ زِيدَ: ﴿قَالُوا﴾.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: عاقَبْناهم بما استحقُّوه على إصرارهم.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ وأنذِرْ قومَكَ مِثْلَه لِيَرْتَدعوا.
قال ابن عباس ﵄: نزلَتِ الآياتُ في أبي جهلٍ والوليدِ وعُتْبةَ وشَيْبةَ لعنَهم اللَّه (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾: أي: واذكُرْ إذ قال ﴿إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: بَريءٌ مِن أصنامكم، مصدرٌ أُقيمَ مقام النَّعْت، ويَستوي فيه الواحدُ والتَّثْنيةُ والجَمْعُ والذَّكَر والأنثى؛ كالعدل والرضا.
أخبَرَ أنَّ إبراهيم كان على الإسلام والإخلاص، ووَرَّثَ ذلك عَقِبَه، وهُمْ هؤلاء، لكنَّهم خالفوه، وقومُ إبراهيمَ ﵇ أجابوه أيضًا بمِثْل جواب هؤلاء المُقَلِّدين لكَ (^٢): ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٣ - ٥٤].
* * *
_________________
(١) هو قول مقاتل، كما في "تفسيره" (٣/ ٧٩٢)، ونقله عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٢١)، ولم أقف عليه عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (ر): "ذلك".
[ ١٣ / ٢٧٦ ]
(٢٧ - ٢٨) - ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: قيل: كان في قومه مَن يعبُدُ اللَّهَ ويعبُدُ معه غيرَه، فصَحَّ الاستثناءُ بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مِن قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ لذلك.
وقيل: الاستثناءُ مُنقَطِعٌ بمعنى (لكنْ)، و﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ مُقْتَصِرٌ على الأصنام، ومعناه: لكنِ الذي خلَقَني أعبُدُه.
﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: أي: سيُثَبِّتُني على الرُّشْد.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: أي: جعَلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ باقيةً في ولَدِه وولَدِ ولَدِه، فتوارثوا البراءةَ عن الأصنام، والتَّديُّنَ بالإسلام، وتواصَوا به.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: لِيَرجِعَ المشركون مِن قومهم إلى طاعة ربهم مِن كفرهم وشركهم.
وقيل: أي: جعلَها اللَّهُ باقيةً في عقِبِ إبراهيمَ؛ أي: شرَعها فيهم لِيَرْجِعَ إليها كلُّ مَن كان على غيرها مِن عقِبِه؛ إذ علِموا أنَّ اللَّه تعالى ألزمَهمُ التَّدَيُّنَ بها.
وقال قتادة: هي التوحيدُ والإخلاصُ، لا يزالُ في ذُرِّيَّته ونَسْله مَن يُوحِّدُ اللَّهَ ويعبدُه (^١).
* * *
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٦١)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٧٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٠٩).
[ ١٣ / ٢٧٧ ]
(٢٩ - ٣٠) - ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾: ﴿بَلْ﴾: لِرَدِّ ما قبلَه؛ يعني: ليس شركُ هؤلاء ولا شركُ آبائِهم لِقُصور البيان مِن جهة الرسل، بل أمهلتُ هؤلاء وآباءَهم، وأخَّرْتُ العذابَ عنهم، فاغترُّوا بذلك، وظنُّوا أنهم على حقٍّ، فقلَّدوا الآباءَ حتى جاءهم رسولُ محمَّدٍ (^١) بالحقِّ، وهو الإسلامُ والتوحيدُ الذي هو دينُ إبراهيمَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾: أي: ولَمَّا جاءَهم القرآنُ قالوا باهِتين: ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾، وقالوا مُعانِدين ومُكابِرين: ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.
* * *
(٣١) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: مُتَحَكِّمين بالباطل: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: أي: على رجلٍ عظيمِ الرِّياسة بالمال والأتباع مِن هاتين البلْدتينِ: مكَّةَ والطَّائفِ.
أي: كيف خُصَّ محمَّدٌ بهذه الفضيلة التي تُوجِبُ انقيادَ العُظماءِ له مع فَقْره وضَعْفِ حاله في أسباب الدنيا.
قال ابن عباس ﵄: يَعْنون بالعظيم مِن القريتين: الوليدُ بنُ المغيرة القُرَشِيُّ، وحبيبُ بنُ عمرو بنِ عُمَيرٍ الثَّقَفِيُّ (^٢).
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: رسولنا محمد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٨٠)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٣٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٢٣).
[ ١٣ / ٢٧٨ ]
وقال مجاهد: عُتْبةُ بن ربيعةَ مِن أهل مكة، وابنُ عبدِ يَالِيلَ مِن أهل الطائف (^١).
وقال قتادة: الوليدُ بن المُغيرة مِن أهل مكة، وعُرْوةُ بن مسعود الثَّقَفِيُّ مِن أهل الطائف (^٢)، وهو جَدُّ المختارِ.
وقال السُّدِّي: مِن الطائف كِنانةُ بن عبدِ بن عمرٍو (^٣).
* * *
(٣٢) - ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
فعرَّفَهم اللَّهُ تعالى جهلَهم في هذا، فقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: أي: النُّبُوَّةَ، استفهامٌ بمعنى الإنكار والتوبيخ.
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: نحن قسَمْنا أرزاقَهم فيما بينهم وهو أدنى مِن الرسالة، فلم أترُكِ اختيارَها إليهم، فكيف يكون لهم اختيارُ ما هو أفضلُ وأعظم من ذلك، وهو الرسالة؟!
وقولُه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾: فجعَلْنا منهم مالِكًا ومملوكًا، ورئيسًا ومَرْؤوسًا، وصاحِبَ صَنْعَةٍ رئيسةٍ رفيعةٍ وصاحِبَ صنعةٍ (^٤) خَسيسةٍ.
﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: أي: لِينتفِعَ كلُّ طبَقةٍ منهم بالطَّبَقة الأخرى بأنْ
_________________
(١) المصادر السابقة.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٦٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٨١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٨٢)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٣٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٢٣).
(٤) في (أ): "مهنة".
[ ١٣ / ٢٧٩ ]
يستعملَه فيما يَحتاجُ إليه بما يتعلَّقُ بصنعته، وينتفِعَ العاملُ بما يأخذُه مِن أجره، فيتعيَّشَ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبه.
وفي "ديوان الأدب": ﴿سُخْرِيًّا﴾: ما كان مِن السُّخْرة فهو مضموم، وما كان مِن الهُزْء فهو مكسور (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: أي: النبوةُ خيرٌ مِن الأموال المجموعة، وإذا كانت قِسْمةُ هؤلاء إلى اللَّه تعالى دون خَلْقِه، فالأوَّلُ أولى بذلك.
وقيل: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: النبوةُ يا محمد (^٢) ﴿خَيْرٌ مِمَّا﴾ كانوا (^٣) ﴿يَجْمَعُونَ﴾ مِن الأموال التي هي لهؤلاء، فليس لهم فضيلةٌ عليه، بل له عليهم.
وقيل: ورحمةُ اللَّهِ عبادَه بالإسلام خيرٌ مما يجمعون مِن الأموال، فلا ينبغي لهم أنْ يتعظَّموا بها، بل يلزَمُهم الانقيادُ لِمَن خصَّه اللَّه بالنبوةِ، والإيمانُ به لِيَنالوا رحمةَ اللَّهِ.
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
ثم ذكَرَ قِلَّةَ خطَرِ الأموال، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: ولولا أنْ يرغَبَ الناسُ في الكفر إذا رأوا الكفار في سَعَةٍ.
وقال الحسن ﵀: لولا أنْ يتتابعُوا في الكفر (^٤).
_________________
(١) انظر: "ديوان الأدب" للفارابي (١/ ١٧٦).
(٢) في (أ): "بمحمد"، وفي (ر): "لمحمد" بدل: "يا محمد".
(٣) "كانوا" ليست في (أ).
(٤) ذكره عنه بهذا اللفظ السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٥٧). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٨٧).
[ ١٣ / ٢٨٠ ]
﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾: أي: يكفُرُ بنا ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾: قال الزَّجَّاج: يجوزُ أنْ يكون تَكرارُ اللام على البدل، وتقديرُه: لَجعَلْنا لبيوت مَن يكفُرُ بالرحمن.
ويصلُحُ أنْ تكون اللام الثانية بمعنى (على)؛ أي: لَجعَلْنا لِمَن يكفُرُ على بيوتهم (^١).
﴿سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو: ﴿سُقُفًا﴾ بفتح السين وتسكين القاف، وهو سماءُ البيتِ، وهو واحد بمعنى الجَمْع، أو على إرادة أنْ يكون لكلِّ بيتٍ سَقْفٌ؛ كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] على الوجهين، وقرأ الباقون: ﴿سُقُفًا﴾ بالضم (^٢)، وهو جَمْعٌ، كالرَّهْن والرُّهُن. قاله قُطْرُب (^٣).
وقيل: هو جَمْعُ (سَقيفة).
وقيل: هو جَمْعُ الجَمْعِ: سَقْفٌ وسُقُوفٌ وسُقُفٌ، كقولهم: رَهْنٌ ورُهُونٌ ورُهُنٌ؛ لأنها مُضافةٌ إلى الجَمْع، وهي البيوت.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ﴾: أي: مراقِيَ ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾: أي: يَعْلُونَ على السُّقوف؛ كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧].
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
_________________
(١) = بلفظ: لولا أن يكون الناس كفارًا أجمعون يميلون إلى الدنيا لجعل اللَّه ﵎ الذي قال.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٤١٢).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٦).
(٤) ذكره الأخفش في "معاني القرآن" (١/ ٢٠٦) عن أبي عمرو بن العلاء، وهو قول الزجاج كما في "معاني القرآن" (٤/ ٤١٠)، وأبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٠٣) وغيرهما.
[ ١٣ / ٢٨١ ]
﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾: أي: وجعَلْنا لبيوتهم أبوابًا مِن فضة ﴿وَسُرُرًا﴾: مِن فضة ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾.
﴿وَزُخْرُفًا﴾: قيل: ذهبًا، وقيل: زينةً. أي: وجعَلَ لهم تَزْيِيناتٍ تُزَيَّنُ بها البيوتُ مِن الذهب والفضة.
وقيل: هي (^١) الأواني.
وقيل: أي: ثِيابًا وفُرُشًا تُزَيَّنُ بها البيوتُ (^٢).
وقيل: ذهبًا مِن الدَّنانير ونحوِها يحصُلُ له بها الغِنى.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: قرأ عاصمٌ وحمزةُ وابنُ عامرٍ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد بمعنى (إلَّا)؛ أي: وما كلُّ ذلك إلَّا متاعُ الحياة الدنيا.
وقرأ الباقون بالتخفيف (^٣)، و(ما) صِلةٌ زائدةٌ، وتقديرُه: وإنْ كلُّ ذلك لَمتاعُ الحياةِ الدنيا، وله وجهان:
أحدُهما: أنَّ (إنْ) للتَّأكيد، واللامَ كذلك.
والثاني: أنَّ (إنْ) للنَّفْي، واللامَ بمعنى (إلَّا)، فيَصيرُ كقراءة التشديد.
وقولُه تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: وهو ترغيبٌ في العُقْبى، وترهيبٌ في الدنيا.
* * *
_________________
(١) في (ف): "من".
(٢) "تزين بها البيوت" ليس في (ف).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٦)، ورواية هشام عن ابن عامر موافقة لقراءة البقية، ورواه عنه ابن ذكوان بالتخفيف.
[ ١٣ / ٢٨٢ ]
(٣٦) - ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾.
قال قتادة والسُّدِّي: أي: يُعْرِضْ عن القرآن (^١).
وقال أبو عُبيدة: ومَن يُظْلِمْ بصرُه (^٢)، يُقال: عَشَوْتُ بالليل في الظُّلْمة إلى نارٍ مِن بعيد، قال الشاعر:
متى تأتِه تَعْشو إلى ضوء نارِه تجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ (^٣)
فإذا كان قولك: (عَشَوْتُ إليه) نظَرًا إليه، كان قولُك: (عَشَوْتُ عنه) صَرْفًا للنَّظَر عنه.
وقولُه تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: أي: نُهَيِّئْ.
وقيل: أي: نُسَلِّطْ.
وقيل: أي: نُقَدِّرْ شيطانًا يُزِلُّه ويُضِلُّه.
قال ابن عباس ﵄: أي: نُسَلِّطْه عليه ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾: فهو معه في الدنيا والآخرة (^٤).
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٩٦)، وذكره عن قتادة الماورديُّ في "النكت والعيون" (٥/ ٢٢٥)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٠٢)، وقال الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٣): هو قول قتادة، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو اختيار الفراء وأبي إسحاق.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٠٤)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٩٧).
(٣) البيت للحُطيئة جرول بن أوس. انظر: "ديوانه" (ص: ٧٠)، و"العين" للخليل (٢/ ١٨٧)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٠٤)، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت (ص: ١٤٨).
(٤) انظر: "تفسير السمرقندي" (٣/ ٢٥٨)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ٣٣٥)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٢١٣).
[ ١٣ / ٢٨٣ ]
وقال مُقاتلٌ: أي: نضُمُّ إليه شيطانَه إذا بعَثناه (^١).
وقال أبو سعيد الخُدْريُّ ﵁: إذا بُعِثَ الكافرُ زُوِّجَ بقَرينه مِن الشياطين، فلا يُفارِقُه (^٢).
وقال عطاء: في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]؛ أي: قُرِنَتْ نُفوسُ المؤمنين بالحُورِ العِين، ونُفوسُ الكفار بالشياطين (^٣).
وقال سفيان بن عُيَيْنة: ما مِن مثَلٍ للعرب إلا وهو في القرآن، كقولهم: أعطِ أخاك تمرةً، فإنْ أبى فجَمْرةً، هو في هذه الآية (^٤).
* * *
(٣٧ - ٣٨) - ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي: وإنَّ الشياطين يَصْرِفون العاشِينَ عن الذِّكْر وعن السبيل المستقيم بالخُدَع.
﴿وَ﴾ العاشون ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: جُمِعَ في هذه الآية وهو مُوَحَّدٌ في الآية الأولى؛ لأنَّه قال: ﴿وَمَنْ﴾، وهو اسمُ جنسٍ، فكان واحدًا بلفظه جَمْعًا بمعناه، وهو دليل على التَّقْيِيض في الدنيا، ثم في الآخرة لا يُفارِقُه.
_________________
(١) لم أقف عليه عن مقاتل، وروى معناه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٦٧) عن سعيد الجريري.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٣٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٢٢٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢١٤).
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٢٩)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٧).
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٥٨).
[ ١٣ / ٢٨٤ ]
قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾: يومَ القيامة هذا العاشي، وَحَّدَ لأنه ردَّه إلى أول الكلام.
وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ على التَّثْنِية (^١)؛ أي: العاشي وشيطانُه، وأُدْخِلا النارَ.
﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: أي: قال هذا العاشي: ليتني لم أكنْ صَحِبْتُكَ ولا عرَفْتُكَ، ولا كانت بيني وبينكَ وُصْلَةٌ ولا تقاربٌ، حتى كنا في التَّباعد كأنَّ أحدَنا بالمشرق والآخرَ بالمغرب، لا يلتقيان ولا يتقاربان.
وجعلُهما مَشْرِقَينِ على الازدواج؛ كالقمَرين وسُنَّةِ العُمَرين.
وقيل: هما مَشْرِقُ الشتاء، ومَشْرِقُ الصيف؛ كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].
وقولُه تعالى: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: كنتَ لي في الدنيا، أضلَلْتَني عن السبيل، وأَوْرَدتَني ونفْسَكَ عذابَ الجحيم.
وقيل: أي: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: أنتَ لي الآنَ.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: أي: إنَّ اشتراكَكم في العذاب الذي استوجبْتُموه بشِرْكِكم لنْ يُخَفِّفَ عنكم شيئًا، ولا
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٦)، والتثنية قراءة ابن عامر أيضًا.
[ ١٣ / ٢٨٥ ]
يقَعُ به التَّسَلِّي حتى (^١)؛ كما يكون في الدنيا يَنْزِلُ بالجُملة فيقعُ به بعضُ (^٢) السَّلْوَةُ.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: استفهام بمعنى النَّفْي؛ يعني: إنَّكَ يا محمد لستَ بقادرٍ على أنْ تُسْمِعَ مَن أصمَمْناه، وتُبْصِرَ مَن أعميناه، وتُرْشِدَ مَن أغويناه، آيَسَه عن إيمان قومٍ علِمَ أنهم لا يُؤمنون أبدًا.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾.
ثم طيَّبَ قلبَه فقال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: (إما) كلمتان: (إنْ) للشرط، و(ما) للتأكيد، والنونُ للقسَم.
يقول: إنْ ذهَبْنا بكَ عن الدنيا، فإنا ننتقِمُ لكَ ممَّنْ آذاكَ وأساءَ إليكَ وجَفاكَ.
﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾: عاقَبْناهم في حياتكَ.
﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾: قادرون على ذلك وعلى كل شيء.
وقال الإمام القُشَيري: أثبتَه على حدِّ الخوف والرجاء، ووقَفَه على وصف الإبهام والإخفاء؛ لانفرادِه سبحانه بعلم الغيب، وكذلك الواجبُ على كلِّ عبدٍ أنْ يكونَ مِن نظَّارة التَّقدير، ويفعلُ اللَّهُ ما: يُريد (^٣).
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
_________________
(١) "حتى" من (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "فيقع للبعض بالبعض".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٦٨).
[ ١٣ / ٢٨٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾: أي: فتمسَّكْ بالقرآن الذي أُنْزِلَ عليك، والتزِمْ أحكامَه، وادْعُ الناسَ إلى اتِّباعه.
﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: طريقٍ سَوِيٍّ يُفْضي بكَ إلى رضا اللَّه وثوابه.
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: أي: وإنَّ هذا القرآنَ الذي أُوحِيَ إليكَ بيانٌ لكم جميعًا لكلِّ ما تحتاجون إليه، ووَعْظٌ وتنبيهٌ لكم جميعًا.
﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾: عما أُلْزِمْتُم (^١) به أنتَ وقومُكَ، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
وقال ابن عباس ﵄: وإنه لشَرَفٌ لكَ ولقومكَ (^٢)؛ إذ هو بلسانهم، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾: عن شكره (^٣).
* * *
(٤٥) - ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: أي: لستَ تَدْعوهم إلى دينٍ ابتدَعْتَه، بل به أرسَلْنا رسلَنا، فإنْ لم يُصَدِّقوكَ فاستَشْهِدْ بعلماء أمم الأنبياء مِن أهل الكتاب، فإنهم مع مُخالفتِهم إياكَ يَشْهدون لكَ على أنبيائهم بالموافقة في الدعاء إلى عبادة اللَّه وحدَه وخَلْعِ الأنداد، سوى مَن يشهَدُ على ذلك مِن مُؤمنيهم بكَ.
_________________
(١) في (أ): "التزمتم"، وفي (ر): "ألزمكم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٠٣)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٤٩٨)، والطبراني في "الكبير" (١٣٠٣٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٣٣١).
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٥١) عن الكلبي.
[ ١٣ / ٢٨٧ ]
فكان معنى: ﴿وَاسْأَلْ﴾؛ أي: استَشْهِدْ، وتقديرُ الآية على هذا: واسألْ مَن أرسَلْنا إليهم مِن قبلك رسلًا مِن رسلنا، و﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾: هم المُرْسَل إليهم، وهم أممُ المرسلين مِن أهل الكتاب كاليهود والنصارى، والصِّلَةُ محذوفةٌ؛ كما في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، و﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ [الشورى: ٢٣]، ونظيرُه قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣].
وكان استشهادُ النبي -ﷺ- بهؤلاء حُجَّةً على المشركين؛ لأنَّهم كانوا يرجِعون إليهم، ويعتمدون على قولهم، فإذا سألهم وقالوا: لم يجعَلِ اللَّهُ تعالى للخَلْق آلهةً يعبدونهم، لزِمَتْهم الحُجَّةُ.
وقيل: تقديرُه: واسأل أتباعَ مَن أرسلنا، على الإضمار.
وقيل: تقديرُه: واسألْ عمَّنْ أرسَلْنا، فحُذِفَ (عن)؛ أي: سَلْ أُمَمَهم عنهم، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: مسؤولًا عنه، فحُذِفَتِ الصِّلَةُ.
ثم السؤالُ يكون لرَفْعِ الإشكال، ولم يكن رسولُ اللَّه -ﷺ- يشُكُّ في ذلك، وإنما الخِطابُ له والمرادُ غيرُه.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية قال النبي -ﷺ-: "ما أنا بالذي أشُكُّ، وما أنا بالذي أسألُ" (^١).
وللآية وجهٌ آخرُ على ظاهرِها مِن غير إضمار:
_________________
(١) لم أقف عليه في هذه الآية، وتقدم نحوه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].
[ ١٣ / ٢٨٨ ]
قال سعيد بن جُبير ﵁: إن النبي -ﷺ- لَمَّا أُسْرِيَ به إلى بيت المَقْدِس جُمِعَ له الأنبياءُ ببيت المقدس، فقيل له: سَلْ هؤلاءِ (^١).
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: أرسَلْناه كما أرسلناكَ، فكذَّبوه كما كذَّبوكَ، فجُعِلَتِ العاقبةُ له، وإنا نجعلُها لكَ، وانتقَمْنا له منهم، ونحن ننتقِمُ مِن هؤلاء لكَ.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا﴾: أي: بالمُعجزات مِن عندنا.
﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾: استهزاءً وإيماءً (^٢) لأتباعهم أنَّ ذلك تمويهٌ.
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾: أي: وما أَرينأهم؛ أي: وما كنا
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٣٧) عن سعيد بن جبير وابن زيد، وروى نحوه عن الزهري. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٠٥) عن ابن زيد، وهو مروي عن ابن عباس كما في "تفسير السمعاني" (٥/ ١٠٥). وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ١٧٠)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٥٩) من غير نسبة.
(٢) في (أ) و(ر): "إيهاما".
[ ١٣ / ٢٨٩ ]
نُريهم مِن معجزةٍ إلَّا هي أعظمُ مِن صاحبَتِها في نَقْضِ العادة، وأكبرُ في الأُعْجُوبة، وأَبْلَغُ في لُزوم الحُجَّة.
والأُخْتُ: استعارةٌ مِن ذلك، ومَجازٌ عن المُشاكلة، وهو كما حُكِيَ: أنَّ بعضَ الشعراء سُئِلَ عن نفْسِه وعن شاعر آخر، فقال: أنا أقول البيتَ وأخاه، وهو يقول البيتَ وابنَ عمِّه (^١)، وكان هذا مجازًا عن التَّقارُبِ والتَّباعُدِ في التَّشاكُلِ، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
ثم ظاهرُ النَّظْم يدلُّ على أنَّ اللاحِقةَ أعظمُ مِن السابقة، وحقيقةُ ذلك: أنَّ الآيتَينِ مُتساويتان في نَقْضِ العادة وإيضاح الحُجَّة، لكنَّ الأُولى يذهَبُ هولُها على مَن رآها، فتزيد الثانيةُ عظَمةً عند الرائي لحُضورها.
وقيل: هو تعظيمُ شأنِهما جميعًا؛ كقولك: هُما أخوان، كلُّ واحدٍ منهما أكرمُ مِن الآخر.
وقيل: كانت آيةُ اليدِ أعظمَ مِن آية العصا؛ لأنَّ السحَرةَ أَمْكَنَهم التَّمْويهُ في العصا، ولم يُمْكِنْهم ذلك في اليد.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: هو ما قال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقولُه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٣].
* * *
(٤٩) - ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾.
_________________
(١) القائل هو عمر بن لَجَأ أحد الشعراء الأمويين. انظر: "البيان والتبيين" للجاحظ (ص: ١٧٩)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة (ص: ٩٠)، و"الكامل" للمبرد (٢/ ١١٩).
[ ١٣ / ٢٩٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: يا أيُّها العالِمُ (^١)، والساحرُ عندهم مَن بلَغَ في العِلْم نهايتَه.
وقيل: إنما قالوا ذلك؛ لأنَّ السِّحْرَ عندهم كان عِلْمًا جليلًا، فقالوه له على أنَّه مَدْحٌ له.
وقيل: معناه: يا أيها الغالِبُ بآياته السَّحَرَةَ؛ مِن قولهم: ساحَرْتُه فسَحَرْتُه.
وقولُه تعالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: أي: سَلْ لنا ربكَ كَشْفَ العذابِ.
﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: قيل: هو قسَمٌ؛ أي: بحقِّ ما أرسلَكَ به.
وقيل: أي: بما وعدَكَ به مِن إجابة الدَّعْوة.
وقيل: بما عهِدَ أنه يكشِفُ عنا إذا رجَعْنا، فنحن نرجِعُ عمَّا كنا فيه.
﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾: أي: إنْ أُجِيبَ لنا اهتدَيْنا بالإيمان بكَ.
وقيل: إنَّا لَعالِمون أنه لا يكشِفُ عنا العذابَ بدُعائك إلا دِلالةً (^٢) على نبوَّتِكَ، فدعا موسى اللَّهَ فكشَفَ عنهم.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٨٠) عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. وأورده السمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٠٧) عن الكلبي وغيره. وذكره الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦١٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٣٨) من غير نسبة.
(٢) في (أ): "دالة"، وفي (ر): "دلة".
[ ١٣ / ٢٩١ ]
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾: أي: ينقُضُون عهدَهم بالإيمان؛ أي: كانوا قالوا له: نؤمنُ بكَ، فلم يُؤمنوا.
قولُه تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾: قيل: خطَبَ.
وقيل: نادى في الناس بالاجتماع، فلما اجتمَعوا عنده.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقْرير.
أي: إنَّ لي مُلْكُ مصرَ، أملِكُ أهلَها وأُصَرِّفُهم على ما أشاءُ مِن حُكْمي، وهذه الأنهار -أي: نيلُ مصرَ وسائرُ الأنهار المُتَشَعِّبَة منه- تجري مِن تحتي، فمصرُ على عِظَمِها كالبُسْتان لي، أفلا ترون ما ذكرتُه لكم؟! فكيف تنحرِفون عني إلى موسى وهو لا يملِكُ شيئًا؟!
وقولُه تعالى: ﴿لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾: هي أربعون فَرْسَخًا في أربعين فَرْسَخًا.
وقولُه تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾؛ أي: حولَ قُصوري.
وقيل: أي: تحت يدي.
وقيل: كانت الأنهارُ أربعةً: نهرُ دِمْياطَ، ونهرُ تِنِّيسَ (^١)، ونهرُ طُولُونَ، ونهرُ الملكِ.
وقيل: خمسةً: نهرُ الفَيُّومِ، ونهرُ دِمْياطَ، ونهرُ البَرَلُّسِ، ونهرُ رَشيدٍ، ونهر الإِسْكَنْدَرِيَّة.
وهذه الأنهار تنشَقُّ مِن النِّيل، وكان فرعونُ يخرُجُ مِن الفَيُّوم إلى دِمْياطَ مَسِيرةَ خمسةَ عشَرَ يومًا لا تُصيبُه الشَّمسُ مِنِ التفافِ الشَّجَر.
_________________
(١) في النسخ الثلاث: "التفليس"، والمثبت موافق لما في "تفسير الثعلبي" (٨/ ٣٣٩)، و"الكشاف" للزمخشري (٤/ ٢٥٧). وتِنِّيسُ: جزيرة في بحر مصر قريبة من البر، ما بين الفرما ودمياط. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٥١).
[ ١٣ / ٢٩٢ ]
(٥٢) - ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾: قيل: أي: بل أنا خيرٌ.
وقيل: تقديرُه: أهذا خيرٌ أم أنا خيرٌ مِن هذا؟!
وقيل: ﴿أَمْ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: أم تُبْصِرون وتعلَمون أني خيرٌ مِن هذا؟! يعني: موسى.
﴿هُوَ مَهِينٌ﴾ قال قتادة: أي: ضعيفٌ (^١).
وقيل: فقيرٌ.
وقيل: يَمْتَهِنُ نفْسَه في حوائجه، ليس له مَن يَكْفِيه.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: أي: لا يُبِينُ عن نفْسِه ما يُريدُ بكلامه.
وقيل: أرادَ ما كان بلِسانه مِن عُقْدةٍ، وهو ما قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧].
أي: فكيف يكونُ مِثْلُه رسولًا مِن اللَّه إلى خَلْقِه، ولا مالَ له ولا أَتْباعَ، ولا فَصاحةَ له ولا بَيانَ؟!
قالوا: والعُقْدةُ التي كانت به في الابتداء زالَتْ (^٢) بدُعائه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾، وكان في غاية البَيان في حال مُخاطبةِ فرعونَ ومَلَئِه، لكنه وصفَه بما كان عرَفَه به في الابتداء؛ تَمْويهًا على الضَّعَفة بما كانوا علِموه منه قبل ذلك.
* * *
(٥٣) - ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾: قرأ عاصمٌ في رواية حفصٍ:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦١٣) عن قتادة والسدي.
(٢) في (أ): "كانت زالت".
[ ١٣ / ٢٩٣ ]
﴿أَسْوِرَةٌ﴾، وهي جَمْع: سوارٍ، وقرأ الباقون: ﴿أَسَاوِرَ﴾، وهي جَمْع الجَمْع (^١).
أي: فهلَّا ألقى إليه ربُّه أساورةً مِن ذهب؛ تنبيهًا على محَلِّه؛ كالملِكِ يُطَوِّقُ مَن يُريدُ إكرامَه بطَوْقٍ ذهبٍ، ويُسَوِّرُه بسِوارِ ذهبٍ.
وقيل: إنَّ زينةَ الملوكِ كان هو التَّحَلِّي بالأَسْوِرة، فكأنه قال: فهلَّا أرسَلَ إلينا ملِكًا مِن الملوك رسولًا.
وقولُه تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾: أو هلَّا ضَمَّ إليه ملائكةً، فيكونون معه مُتَتابعِين؛ كالملِك يضُمُّ إلى رسوله أتباعًا يتكثَّرُ بهم ويتجمَّلُ، ويُصَرِّفُهم في أوامره ونواهيه.
ظنَّ اللَّعِينُ أنَّ ما قاله أهيبُ، وأنَّ رسلَ اللَّهِ بالجنود يَقْوَون (^٢)، ولم يُفَكِّرْ في أنَّ هَيْبةَ موسى بعَصاه كانت أكبرَ منها بجنود الأرض كلِّهم أنْ لو جُمِعوا له، وهذا فوق التَّطْويقِ والتَّسْويرِ بالذهب، ولا يخفى على عاقل أنَّ اثنين إذا التقَيا في مَحْفلٍ، وعلى أحدهما ثيابٌ رَثَّةٌ وله عِلْمٌ وأدَبٌ، والآخر في ملابسَ فاخِرةٍ وبه جهلٌ وسفَةٌ، فالأوَّلُ أهيبُ في نفوسهم مِن الثاني.
واللَّعينُ قصَدَ بهذا التَّمْوِيهَ على الضَّعَفة، وكان شَبيهَ هذا قولُ مُشْركي قريش في حقِّ النبي -ﷺ-: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
ثم قولُ اللَّعينِ: هلَّا أَلْقَى عليه ربُّه كذا، وهلَّا أرسَلَ معه الملائكةَ، ليس لإقراره باللَّه وملائكته ورسله، لكنْ بناهُ على قول موسى؛ يعني: إنْ كان الأمرُ على ما يقولُ (^٣)، فهلَّا ضمَّ إليه ملائكتَه، وهلَّا أظهَرَ عليه تشريفَه وكرامَتَه.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧).
(٢) في (ر): "يقومون".
(٣) في (ر): "إن كان الأمر كما قال موسى".
[ ١٣ / ٢٩٤ ]
(٥٤) - ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾: أي: عمِلَ هذا التَّمْوِيه في قومه فأطاعوه.
والاستخفافُ (^١): الحَمْلُ على الخِفَّة؛ أي: حَمَلَهم بتَمْوِيهِه على أنْ خَفُّوا لأمره غيَر مُسْتَثْقِلين له.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾؛ أي: في تكذيب موسى ومُخالفته، وجَمْعِ الجُموع لِمُحاربته.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: خارِجين عن طاعة اللَّه تعالى، مُتَمَرِّدين عليه مُجاهِرين بمعاصيه.
* * *
(٥٥ - ٥٦) - ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾: أي: أغضَبونا (^٢) بهذا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: عاقَبْناهم ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ في البحر.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: مُتَقَدِّمين إلى النار: جَمْعُ سالف؛ كالخلَف جَمْعُ خالِف، والخدَم جَمْعُ خادم، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿سُلُفًا﴾ بضم السين واللام (^٣)، وهو جَمْعُ (سَلِيف)، وهو بمعناه.
_________________
(١) في (ر): "والتمويه والاستخفاف".
(٢) في (ر) و(ف): "عصونا".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧).
[ ١٣ / ٢٩٥ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾: أي: عِبْرةً؛ لأنَّه مِثالٌ يُتَمَثَّلُ به، ويثبُتُ به تشابُهُ الجُزْأَين بتشابُه الفِعْلَين، والمَثَلُ: الشَّبَهُ.
وقولُه: ﴿لِلْآخِرِينَ﴾؛ أي: في السَّلَف والمَثَل جميعًا؛ أي: سلَفًا للآخِرين إذا ماتوا، ومَثَلًا لهم قَبْلَ أنْ يموتوا.
* * *
(٥٧) - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾: لَمَّا نزَلَ قولُه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ قال المشركون: إنَّ النصارى يقولون: إنَّ عيسى إلهٌ يُعبَدُ مع اللَّه، فرَدَّ اللَّهُ قولَهم عليهم بهذه الآيات: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ (^١).
أي: ولَمَّا جُعِلَ عيسى ابنُ مريم شَبَهًا للَّه تعالى؛ أي: قالت النصارى: إنَّه ابنُ اللَّهِ وثالثُ ثلاثةٍ ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾؛ أي: جعَلَ قومُكَ يا محمد -وهُمْ قريشٌ- منه يصُدُّون؛ أي: مِن أجلِه عن التوحيد يُعْرِضون، وهذا على قراءةِ ضمِّ الصاد، وهي قراءةُ نافعٍ والكسائيِّ، ومَن قرأَ ﴿يَصِدُّونَ﴾ بكسرها، وهي قراءةُ الباقين (^٢)، فمعناه: يضِجُّون سُرورًا منهم بوُجود مَن يُوافِقُهم في عبادة غير اللَّه تعالى.
_________________
(١) روى نحوه الإمام أحمد في "مسنده" (٢٩١٨)، والطبراني في "الكبير" (١٢٧٤٠)، عن ابن عباس ﵄. وانظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٩٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٧٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، ووافق ابنُ عامر نافعًا والكسائيَّ في ضم الصاد.
[ ١٣ / ٢٩٦ ]
وقال الكسائي: هما لُغتان في الإِعْراض؛ كقولهم: (يَعْرِشُ ويَعْرُش)، و(يَعْكِفُ ويَعْكُفُ)، و(يَعْتِلُ ويَعْتُلُ) (^١)، و(يَدِرُّ ويَدُرُّ) (^٢).
* * *
(٥٨) - ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾: أي: الملائكةُ الذين نعبُدهم ﴿أَمْ هُوَ﴾: يَعْنون عيسى ابنَ مريمَ ﵇، وهو استفهامٌ بمعنى التَّقْرير منهم.
أي: الملائكةُ مِن أهل السماء، وعيسى أَرْضِيٌّ، فكان عندهم الملائكةُ خيرًا مِن البَشَر، فإذا جازَتْ عبادةُ مَن في الأرض جازَتْ عبادةُ مَن في السماء، ولَمَّا جازَ لهم أنْ يجعلوا الأَرْضِيَّ ولَدًا للَّه تعالى، جازَ لنا أنْ نجعلَ أهلَ السماءِ بناتٍ للَّه تعالى.
وقولُه تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾: أي: لم يضرِبوا لكَ هذا المثَلَ إلا إظهارًا للغلَبة في المُجادلة دون طلَبِ الحقِّ بالمُباحثة، وليسوا بأهل الجدَلِ في هذا وحدَه ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: مُجادِلون في كل شيء.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾: أي: ما عيسى إلَّا عبدٌ أكرَمْناه بالنُّبُوَّةِ.
_________________
(١) في (أ): "ويقتل ويقتل". وعتَله يعتِله ويعتُله: جره عنيفًا. انظر: "القاموس" (مادة: عتل).
(٢) ذكره النحاس في "معاني القرآن" (٤٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢١٨)، وابن عطية في "تفسيره" (٥/ ٦٠).
[ ١٣ / ٢٩٧ ]
﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: عِبْرَةً وآيةً يُتَمَثَّلُ بها في الاستدلال على قُدْرة اللَّه تعالى.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: له وجوه:
أحدُها: ولو نشاءُ لجعَلْنا مِن الإنس ملائكةً بأنْ نخلُقَهم على صُورة الإنس -وإنْ كان خِلافَ العادة؛ كخَلْقِ عيسى مِن غير أبٍ خِلافَ العادةِ- في الأرض يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا.
والثاني: لو نشاءُ لقَلَبْنا بعضَكم أو جميعَكم ملائكةً يخلُفُونكم في الأرض؛ كما جعَلْنا هؤلاء الملائكةَ الذين تعبدونهم سُكَّانَ السماوات، فليس إِسْكانُهم في السماء يُوجِبُ لهم إِلَهِيَّةً.
والثالثُ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾؛ أي: بدَلَكم ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾: يخلُفُونكم.
* * *
(٦١ - ٦٢) - ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: قيل: إنَّ محمدًا يُعْلَمُ به قيامُ الساعة؛ لأنَّه نبيُّ آخرِ الزَّمان.
وقيل: إن عيسى إذا نزل من السماء يعلم (^١) به قيامُ الساعةِ.
وقُرِئَ: (لعَلَم) بفتح العين واللام (^٢)؛ أي: علامةٌ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقيل إن عيسى إنما نزل من السماء ليعلم".
(٢) نسبت لابن عباس وأبي هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك كما في "تفسير الثعلبي" (٨/ ٣٤١)، وعزاها الهذلي في "الكامل" (ص: ٦٣٤) إلى ابن مقسم وابن محيصن وحميد وقتادة.
[ ١٣ / ٢٩٨ ]
﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾: أي: لا تَشُكُّنَّ في قيام الساعة.
﴿وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: يعني: الإسلامَ.
﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: أي: عن الحقِّ بإيراد هذه الشُّبَه.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهِرُ العَداوةِ.
* * *
(٦٣ - ٦٤) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى﴾: بني إسرائيلَ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: قيل: أي: بالمُعْجِزات، كما قال: الآية ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ الآية [آل عمران: ٤٩].
وقيل: أي: بأحكام الإنجيل.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾: أي: بوَضْعِ الأمور مَواضِعَها ﴿ولأبين لكم﴾: وجئتكم لأُبيِّنَ لكم ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾:
قيل: كانوا يختلفون في أمور الدنيا والدِّين، فقال: أُبَيِّنُ لكم أمورَ الدِّين، وهي بعضُ تلك الأمورِ.
وقيل: ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ أي: كلَّ الذي؛ كما قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وهذا ترقيقٌ (^١) في الكلام.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: وحِّدُوه وأطيعُوه.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "توفيق".
[ ١٣ / ٢٩٩ ]
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: هكذا (^١) كان يقولُ عيسى، فهو الحقُّ، دون ما تقولُ النصارى.
* * *
(٦٥) - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: قيل: (مِن) زائدةٌ، ومعناه: بينهم.
وقيل: أي: مِن جُمْلة بني إسرائيلَ، وقد بيَّنَّا ذلك في سورة مريم على الاستقصاء.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: وضَعوا الأمرَ غيرَ مَوْضِعه.
﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾: أي: أليمِ العذابِ؛ كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصِفِ الرِّيحِ.
وقد نزلَتْ هذه الآياتُ حين قرأَ النبيُّ -ﷺ-: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فعارَضوه بأمر عيسى، وقد بيَّنَّا القصَّةَ في آخر سورة الأنبياء، ونزلت هذه الآياتُ أيضًا (^٢).
* * *
(٦٦ - ٦٧) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾: أي: ما ينتظِرُ هؤلاء الأحزابُ إلا القيامةَ أنْ تأتيَهم بَغْتةً؛ أي: فُجاءةً.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: فيَقْضي بينهم فيما اختلَفوا فيه.
_________________
(١) في (ر): "هذا الذي" بدل من "هكذا".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٩٨)؛ و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٧٦).
[ ١٣ / ٣٠٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: أي: أعداءٌ يتبَرَّأُ بعضُهم مِن بعض، ويلعَنُ بعضُهم بعضًا، وهم المُتَحَزِّبون على الباطل.
﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾: أي: إلا الذين تخالُّوا على تقوى اللَّه، وإظهارِ دين اللَّه.
وقيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾: في حقِّ مُشْركي العرب (^١)، ويتَّصِلُ بقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾؛ أي: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: الذين يتَخالُّون على مُخالَفة الرسول، ويتمنَّى بعضُهم لبعض النبوةَ، ويقول: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
* * *
(٦٨ - ٧٠) - ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾: أي: يقولُ اللَّهُ تعالى هذا للمتقين.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: أي: صدَّقوا بالقرآن، وكانوا مُسْتَسْلِمين للَّه تعالى، مُنْقادِين للَّه، مُسْلِمين أنفسَهم لحُكْمِه.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾: لِيَجْتَمِعَ شَمْلُكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾: أي: تُسَرُّون.
وقيل: هذا (^٢) بالسَّماع (^٣)؛ كما قال: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]،
_________________
(١) في (ف) و(ر): "قريش".
(٢) في (ر) و(ف): "هو".
(٣) روي في هذا أخبار منها ما رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٨٦) عن مَعمَرٍ، عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ في قوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] قال: قيل: يا رسولَ اللَّه ما الحَبرُ؟ قال: "اللَّذَّةُ والسَّماعُ بما شاء اللَّهُ مِن ذِكرِه".
[ ١٣ / ٣٠١ ]
وهو للحال؛ كقوله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٩]، ولو كان جزاءً لَجُزِمَ وحُذِفَت النون.
ويجوز أنْ يكونَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾ ابتداءً، ويكونَ في أول هذه الآية مُضْمَرٌ: يُقال لهم: ادخُلوا الجنة.
وقولُه تعالى: ﴿أَنْتُمْ﴾: يصلُحُ أنْ يكون ضميرَ ﴿ادْخُلُوا﴾، و﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ عطفًا عليه، ويجوزُ أنْ يكون: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ ابتداءً، و﴿تُحْبَرُونَ﴾ خبرًا له.
* * *
(٧١) - ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾: أي: قِصاعٍ، جَمْعُ: صَحْفَةٍ.
﴿وَأَكْوَابٍ﴾: أي: أَبارِيقَ لا عُرًى لها، واحدُها: كُوبٌ، وفي الصِّحافِ الأطعمةُ، وفي الأكوابِ الأشربةُ.
﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصمٍ: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾، والباقون: ﴿ما تشتهي الأنفس﴾ (^١).
﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾: أي: وفي الجنة وراءَ هذه الأطعمةِ والأشربةِ مِن أصناف النِّعَم ما تشتهيه النُّفوسُ وتستلِذُّه العُيونُ، لإفراط حُسْنِه في المَرائي.
﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا تموتون فيها، ولا تُخْرَجون منها.
وقال القُتَبيُّ: جمَعَ في قوله: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ما لو اجتمَعَ
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧).
[ ١٣ / ٣٠٢ ]
الخَلْقُ كلُّهم على وَصْفِ ما فيها على التَّفْصيل لم يخرُجوا عما تَنْتَظِمُه هاتان اللفظتان (^١).
* * *
(٧٢ - ٧٦) - ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: هذا كلُّه لأولياء اللَّه تعالى.
ثم ذكَرَ حالَ الأعداءِ، فقال:
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: المشركين الذين اكتسَبوا سَخَطَ اللَّهِ تعالى ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.
﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾: أي: لا يُخَفَّفُ عنهم ذلك العذابُ ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾: أي: في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾: أي: آيِسون.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾: أنفسَهم بإيرادها مَوْرِدَ الهَلاكِ والخَسَارِ.
* * *
(٧٧ - ٧٨) - ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾: أي: ولما أَيِسُوا مِن فُتور العذاب عنهم نادوا مالكًا، وهو خازنُ النارِ، وقالوا: لِيُمِتْنا ربُّكَ.
_________________
(١) ذكر نحوه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٨١) من غير نسبة، والكرماني في "غرائب التفسير" (٢/ ١٠٦٧) عن القفال.
[ ١٣ / ٣٠٣ ]
﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾: أي: إنكم في العذاب أبدًا لابِثون، يُجيبُهم بهذا بعد ألف سنةٍ. كذا قاله ابن عباس ﵄ (^١).
﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: قيل: هو من تمامِ قولِ (^٢) مالك.
وقيل -وهو الأوجهُ-: هو ابتداءُ خطابٍ مِن اللَّه تعالى لمُشْركي العرب مِن (^٣) قريش.
ومعناه: لقد أورَدْنا عليكم الحُجَجَ، فأخبَرْناكم بما أنتم صائرون إليه يوم القيامة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: مُسْتَثْقِلون للنَّظَرِ والتأمُّلِ فيها.
هذا وصفُ أكثرِهم، والباقون مُقَلِّدون لهم.
* * *
(٧٩ - ٨٠) - ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٩٠)، وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (٨٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٤٩)، والدولابي في "الأسماء والكنى" (٨٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٦٧٧) عن ابن عباس ﵄. ورواه الترمذي (٢٥٨٦)، والفسوي في "مشيخته" (١٥١)، ومن طريقه البيهقي في "البعث والنشور" (٥٤٧) عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٢٣) عنه موقوفًا. قال الترمذي: إنما نعرف هذا الحديث عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قوله، وليس بمرفوع. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٥٠) عن السدي.
(٢) في (ف): "كلام".
(٣) "العرب من" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٣ / ٣٠٤ ]
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾: أي: أبرَمَ هؤلاء الذين هُم للحق كارهون أَمْرًا يُقَدِّرون به أنهم يَكيدون الحقَّ فيُبْطِلونه بالجدَل، فإنا مُبْرِمون أَمْرَنا في إبطال كيدهم لإظهار الحق، أم أبرَموا تدبيرًا في ردِّ ما نريدُ إنزالَه بهم مِن العذاب؟! فإنا مُبْرِمون أمرَنا في إنزاله بهم على وجهٍ لا يُمكنُهم رَدُّه، والإبرامُ: الإِحْكامُ.
وقيل: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا﴾: عطفٌ على قوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، أم هُم عالمون بهذا إلا أنهم أبرَموا أمرًا في شركهم يتحرَّزون به مِن عذابنا؟! فإنا مُبْرِمون.
قولُه تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾: ﴿سِرَّهُمْ﴾: هو ما أسَرُّوه في أنفسهم مِن تدبير ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾: وهو ما تشاوروا فيه فيما بينهم مما يُخْفُونه عن غيرهم.
﴿بَلَى﴾: أي: ليس كما يتوهَّمون، بل نسمَعُ كلَّ ذلك ونعلَمُه.
﴿وَرُسُلُنَا﴾: أي: الحفَظَةُ ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾: ما يكون منهم.
* * *
(٨١) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾.
قال الكلبي: معناه: قل: إنْ كان للرحمن ولدٌ على زعمكم، فأنا أول الآنِفين مِن هذا الكلام أنْ يُقال: إنَّ للَّه ولدًا على زعمكم (^١).
_________________
(١) "على زعمكم" من (ر). وهذا القول ذكره عن الكلبي السمرقنديُّ في "تفسيره" (٣/ ٢٦٥)، وذكره الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٥٦) من غير نسبة، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٤٦) عن قوم من أهل المعاني، ونقله الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٨١) عن أبي عبيدة والمبرد. وسيأتي عن أبي عبيدة لاحقًا.
[ ١٣ / ٣٠٥ ]
وقال أبو عبيدة: أي: أولُ مَن يَعْبَدُ مِن ذلك؛ أي: يجحدُه ويستنكرُه وينتفي منه، قال الفَرَزْدَقُ:
أولئك أَكْفائي (^١) فجِيئوا بمِثْلِهم وأعبَدُ أنْ أهجو كُلَيبًا بدارِمِ (^٢)
والفعل مِن باب: (علِمَ).
وقال القُتَبي: إنْ كان هذا مِن زعمكم ولم تُوحِّدوه، فأنا أوَّلُ الموحِّدين (^٣).
وقيل: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾؛ أي: ما كان للرحمن ولدٌ (إنْ) للنفي، فأنا أوَّلُ الموحِّدين.
وعن ابن عباس ﵄ قال: لَمَّا نزلت هذه الآيةُ فرِحَ المشركون، وظنُّوا أنَّ النبيَّ -ﷺ- تابعَهم على رأيهم، فقال النَّضْرُ بنُ الحارث: لقد وافقَنا محمد فيما نقولُ، وفطِنَ له عبد اللَّه بن الزِّبِعْرَى، فقال: إنه يقول: ما كان للرحمن ولدٌ (^٤).
_________________
(١) في (ر): "آبائي".
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٠٦). وصدر البيت في "مجاز القرآن" و"تهذيب اللغة" (٢/ ١٤١)، و"جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٥١٢)، برواية: أولئك قوم إن هجوني هجوتهم وذكره ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (ص: ٤٥)، والجوهري في "الصحاح" (٢/ ٥٠٣)، برواية: أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم وذكره المعافى بن زكريا في "الجليس الصالح الكافي" (ص: ١٨٥)، برواية: أولئك أكفائي فجئني بمثلهم
(٣) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢١٧).
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٥١)، وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٢٦٦) من غير =
[ ١٣ / ٣٠٦ ]
(٨٢ - ٨٣) - ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي: تنزيهًا للَّه تعالى مِن قول هؤلاء.
وقولُه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾: أي: فدَعْهم -يا محمد- وخَوْضَهم في الباطل، ولَعِبَهم في الدِّين بالجدال بما لا حقيقةَ له، واشتغالَهم بالدنيا التي هي لعِبٌ، حتى يجيئوا يوم القيامة فيَلْقَوا ما يوعدون فيه.
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾: أي: وهو المُسْتحِقُّ للعِبادة في السماء، لا مُسْتَحِقَّ لها في السماء غيرُه، ولا أحدَ يستحقُّ صفةَ الإلهيَّةِ سواه، فلا ولدَ له في السماء ولا شريكَ، وهو في الأرض إلهٌ، ولا ولدَ له في الأرض ولا شريك له، وهو إبطالُ قولِ القائلين بأنَّ الملائكةَ في السماء بناتُه، والمسيحَ في الأرض ابنُه، وإبطالُ قولِ عبَدَةِ الشمس والقمر والنجوم.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾: في أقواله وأفعاله ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما كان، وما يكون، وما لم يكن -ولا يكونُ- أنْ لو كان كيف كان يكون.
_________________
(١) = نسبة، وفيهما أن القائل له ذلك الوليد بن المغيرة، وليس عبد اللَّه بن الزبعرى. وذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٨٠٥)، ونقله عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٦٥).
[ ١٣ / ٣٠٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: وهذا ظاهرٌ.
* * *
(٨٦) - ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: هؤلاء يعبُدون الشياطينَ والجنَّ، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ولا شفاعةَ إلا لِمَن شهِدَ بالحق بكلمة التوحيد.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعتقدون ذلك عن عِلْمٍ.
و﴿شَهِدَ﴾: على الواحد؛ للَفْظِ (مَن)، و﴿يَعْلَمُونَ﴾: على الجَمْع؛ لأنَّه جنسٌ.
أي: الشفاعةُ تكون ممَّن أقَرَّ واعتقدَ عن عِلْم، لا ممَّن كان كافرًا باللَّه تعالى.
وقيل: أي: الملائكةُ الذين يعبُدونهم هؤلاء لا يشفعون إلا لِمَن شهِدَ بالحقِّ وعَلِمَه؛ أي: للمؤمنين بإذن اللَّه.
* * *
(٨٧ - ٨٩) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي: ولئن سألْتَ هؤلاء المشركين: مَن خلَقَهم؟ لأقروا أنَّ اللَّهَ تعالى خلَقَهم، لا الملائكةَ ولا الأصنامَ.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أي: فكيف ومن أين يُصْرَفون عن التوحيد مع هذا الإقرار؟!
[ ١٣ / ٣٠٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾: قرأ حمزةُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالخفض، عطفًا على قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، وعنده عِلْمُ قيلِه.
وقرأ الباقون: ﴿وقيلَه﴾ بالنصب (^١)، عطفًا على قوله: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
وقيل: على إضمار الفعل؛ أي: وقال الرسولُ قِيلَه: يا رب.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: شكا إلى اللَّه تعالى تَرْكَهم الإيمانَ، فقال اللَّهُ له:
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾: أي: فأعرِضْ عن مُؤاخذتهم بسُوء أفعالِهم.
﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾: أي: سلامة لكم عن قتالي إلى أنْ أومَرَ به.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: عاقبةَ أمرِهم.
والحمدُ للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، وقراءة عاصم من روايتيه بالجر، سوى ما رواه المفضل عنه.
[ ١٣ / ٣٠٩ ]
سورة الدخان
[ ١٣ / ٣١١ ]