بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي خوَّفنا بزلزلة الأرض يومَ المحشر، الرحمنِ الذي جعل على التفاوُت يومئذٍ صدورَ كلِّ مَعْشر، الرحيمِ الذي يجزي على مثاقيلِ الذرِّ من الخير والشر.
روى أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة إذا زلزلت أُعطي من الأجر كأنما قرأ سورة البقرة" (^٢).
وهذه السورة مكية في قول ابن عباس ومجاهد والواقديِّ، مدنيةٌ في قول الآخرين (^٣).
وهي ثماني آيات، وستٌّ وثلاثون كلمةً، ومئةٌ وخمسةٌ وخمسون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في الخِيَار والشِّرار، والمؤمنين والكفار.
* * *
_________________
(١) في (ر): "سورة إذا زلزلت".
(٢) رواه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٤١). وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٨٣)، وفيه: مكية هذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء، وقال قتادة: مدنية، وكذا حكى كريب عن كتاب ابن عباس.
[ ١٥ / ٤٣٩ ]
(١ - ٣) - ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾: أي حرِّكت تحريكًا شديدًا، وهو كقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦].
قال مجاهد: هذا في النفخة الأولى لفناء الدنيا، وتحرَّك ثانية عند البعث لإخراج الموتى.
وقوله تعالى: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ ذكَر المصدرَ لتأكيد الفعل، ولم يقل: زلزالًا، بل أضافه إليها لأن المعنى أن القضاء سبق للأرض بالزلزال فذاك لا محالة كائنٌ، وأضيف إليها على معنى: زلزلت الأرض الزلزال الذي يخص لها، وهو كقولك: لأعطينَّك عطاءك؛ أي: ما جعلتُ على نفسي أن أعطيك.
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾: جمع ثِقْلٍ (^١).
قيل: كنوزَها، فهذا قبل (^٢) قيام الساعة.
وقيل: أي: مَوتاها، وهذا في النفخة الثانية؛ لأن الأرض تثقل بهم، ويسمى (^٣) الإنس والجن: ثَقَلين؛ لذلك.
﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾: قيل: هو للجنس، ويقع على المؤمنين والكفار، ويقولون ذلك للهيئة والتعجب.
_________________
(١) قوله: "جمع ثقل" وقع في (أ) و(ر) بعد قوله الآتي: "وهذا في النفخة الثانية"، وفي (ف) بعد: "قيام الساعة".
(٢) في (ف): "وقيل" بدل: "فهذا قبل".
(٣) في (ف): "وسمي".
[ ١٥ / ٤٤٠ ]
وقيل: هو الكافر -وهو عن ابن عباس (^١) - لأنهم كانوا لا يعتقدون ذلك، وكذا يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢].
وقال بعض السلف: الكافر أحمقُ الحياة وأحمقُ الموت.
* * *
(٤ - ٦) - ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: روى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قرأ هذه الآية فقال: "أتدرون ما أخبارُها؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم! قال: "فإنَّ أخبارها أن تشهد على كلِّ عبدٍ وأمةٍ بما عمِل على ظهرها، تقول: عمِل كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذا أخبارها" (^٢).
وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: مَن سجَد في موضعٍ عند حجرٍ أو شجرٍ شهد له يومَ القيامة (^٣).
وقال مقاتل: تخبر بما عُمل عليها، تقول للمؤمن: وحَّدَ اللَّه عليَّ وصلَّى وصام وحجَّ وزكى، وتقول للكافر: كفَر عليَّ وأشرك (^٤) وسرق وزنى، حتى ودَّ الكافر أنه سيق إلى النار ولا يسمعُ ذلك (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٥٩).
(٢) رواه الترمذي (٣٣٥٣) وقال: حسن صحيح.
(٣) رواه نعيم بن حماد في زوائده على "الزهد" لابن المبارك (٣٨٤).
(٤) "وأشرك": سقط من (أ).
(٥) "ولا يسمع ذلك": ليس في (أ) و(ف). وانظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٩٠)، وليس فيه: "حتى ودَّ الكافر أنه سيق إلى النار ولا يسمعُ ذلك".
[ ١٥ / ٤٤١ ]
وقيل هو على حقيقة الإخبار، فيضع اللَّه فيها تمييزًا ونطقًا فتتكلَّم به كما تنطق الجوارح.
وقيل: هو الإخبار بظهور الآثار.
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: قال القُتبي: أي: أمَرَها (^١)، وقيل: سخَّرها، و﴿لَهَا﴾ بمعنى: إليها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: أي: يرجع الناس متفرِّقين.
قيل: هذا (^٢) الرجوع من القبور إلى موضع قراءة الكتب ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: في كتبهم التي نُسخت أعمالهم فيها، فيقرؤونها ويجازَون عليها، و﴿أَشْتَاتًا﴾؛ أي: من أقطار الأرض.
وقيل: أي: يرجعون من موقف (^٣) الحساب مختلفِين يمينًا وشمالًا إلى الجنة والنار (^٤) ليُروا جزاءَ أعمالهم، والجزاءُ مضمر، وقد يسمَّى جزاء العمل باسم العمل؛ يقال لمن عوقب على ذنب: هذا عملك فانظر إليه.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير:
قال السدي: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ ثم يَصدرون.
وقال الكلبي ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾.
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص: ٢٦٧)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٦٠ - ٥٦١) عن مجاهد. وقال ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٥٣٥): أذن لها في الإخبار بذلك.
(٢) "هذا" ليست في (أ).
(٣) في (ر): "موضع".
(٤) في (ف): "وإلى النار".
[ ١٥ / ٤٤٢ ]
وقيل: ﴿أَشْتَاتًا﴾؛ أي: فرقًا، أهلُ كلِّ عمل على حِدَةٍ من الطاعة والمعصية، وجمع الأشتات: شتَّى.
وقيل: أي: يتفرقون إذا رجعوا عن الموقف ولا يجتمعون بعدُ.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي: وزنَ نملة صغيرة.
وقيل: هي ذراتُ الهواء في شعاع الشمس ﴿خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وقيل: يَرى ذلك مكتوبًا في كتابه محصًى عليه.
وقيل: يرى ثوابه وعقابه.
وقيل: ﴿يَرُهُ﴾؛ أي: يُصِبْه (^١) جزاءُ عمله، وهو من المجاز، يقول الرجل: رأيت الخيرَ والشر؛ أي: أصاباني وأصبتُهما، ولا يختص برؤية العين.
وقال أبو موسى: الشمس فوق الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلُّهم أو تُضْحيهم (^٢).
وعن أبي أيوب الأنصاري قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر ﵁
_________________
(١) في (ف): "يصب".
(٢) رواه هناد في "الزهد" (٣٣١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٨١٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦١).
[ ١٥ / ٤٤٣ ]
يتغديان إذ نزلت عليه هذه الآية، قال: فأمسك رسول اللَّه -ﷺ- يده عن الطعام ثم قال: "مَن عَمِل منكم خيرًا في الدنيا فجزاؤه (^١) في الآخرة، ومَن يعمل منكم شرًّا يرَه في الدنيا مصيباتٍ وأمراضًا، ومَن يكنْ فيه مثقالُ ذرةٍ من خيرٍ يدخلِ الجنة" (^٢).
وعن الحسن قال: قدم صعصعة جدُّ الفرزدق على النبي -ﷺ- فسمعه يقرأ هذه الآية، فقال: حسبي حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها (^٣).
وقال في رواية: انتهت الموعظة (^٤).
وعن زيد بن أسلم: أن النبي -ﷺ- أمر رجلًا أن يعلم رجلًا القرآن -وفي رواية: أمر عليًّا ﵁ بذلك- فعلمه سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ فلما بلغ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ أبى أن يتعلم غيرها وقال: علمت القرآن، فقال النبي -ﷺ-: "دَعْهُ فقد فَقُهَ الرجل" (^٥).
_________________
(١) في (ف): "ير جزاؤه"، وفي (أ) و(ر): "جزاه"، والمثبت من المصدر.
(٢) رواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٩٤).
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٨٠)، الإمام أحمد في "المسند" (٢٠٥٩٣)، والنسائي في "الكبرى" (١١٦٣٠)، والطبراني في "الكبير" (٧٤١١)، والحاكم في "المستدرك" (٦٥٧١). وجاء عند أحمد والنسائي: (عم الفرزدق)، وعند ابن المبارك: (عم الفرزدق أو جده)، وعند الطبراني والحاكم: (عم الأحنف بن قيس)، وهو ما صوبه ابن الأثير في "أسد الغابة" (٣/ ٢٣)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٣/ ١٧٤ - ١٧٥)، والحافظ في "الإصابة" (٣/ ٤٢٩)، وذكروا أنه ليس للفرزدق عم اسمه صعصعة، ولكن جده صعصعة بن ناجية، وهو صحابي.
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٨٢)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٦٩). والقصة فيه عن رجل من المسلمين.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٧٠).
[ ١٥ / ٤٤٤ ]
وعن زيد بن أسلم أيضًا: أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فقال: يا نبي اللَّه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾؟ فقال: "نعم" قال: فانطلق وهو يقول: واسوأتاه ثلاثًا (^١)، فقال النبي ﵇: "قد آمن الرجل" (^٢).
* * *
_________________
(١) في (أ): "واسوأتاه واسوأتاه". وفي (ف): "واسوأتاه".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٧١)، وابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهة" (١/ ٤٧٢).
[ ١٥ / ٤٤٥ ]