بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلَقَنا في بطون أمهاتنا خَلْقًا مِن بعد خَلْق في ظلُمات ثلاث، الرحمنِ الذي عليه يتوكَّل المتوكلون وهو المُسْتعان والمُسْتغاث، الرحيمِ الذي يورث المؤمنَ أرضَ الجنة يتبوَّأ منها حيث يشاء فهي خير ميراث.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة الزُّمَر لم يَقْطَعِ اللَّه رجاءه، وأعطاه ثواب الخائفين الذين يخافون اللَّه تعالى" (^١).
وهذه السورة مكِّيَّةٌ إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وَحْشِيِّ ابن حَرْب: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
وآياتُها: خمس وسبعون. وقيل: ثلاث. وقيل: اثنتان.
الاختلافُ في سبع آيات: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾، ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿مِنْ هَادٍ﴾، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
وكلماتُها: ألف ومئة وتسع وستون.
وحروفُها: أربعة آلاف وسبع مئة وثلاثة وسبعون.
وانتظامُ أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّهما في ذِكْر القرآن.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٢٠)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٦٩)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، تقدم الكلام عليه مرارًا.
[ ١٣ / ٧ ]
وانتظامُ السورتين: أنَّهما في مُحاجَّة المشركين، ووعد المؤمنين، ووعيد الكافرين.
* * *
(١ - ٢) - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: أي: إنزال القرآن شيئًا فشيئًا على محمد ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾؛ أي: في انتقامه ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ أي: في أحكامه.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديرُه: تنزيل الكتاب العزيز الحكيم مِن اللَّه، فهُما مِن صفات القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢].
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: يا محمد ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ببيان الحق؛ أي: وبما يحِقُّ الأخذ به.
وقولُه تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾: أي: وحِّدْه وأَطِعْه ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: مُصفِّيًا له الاعتقاد والعمل.
* * *
(٣) - ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: أي: المُسْتحِقُّ للطاعة الخالصة التي لا يشوبُها شرك هو اللَّه تعالى، إذ هو الخالق الرازق المالك المنفرد بالألوهية.
[ ١٣ / ٨ ]
وقيل: معناه: إنَّ التوحيد الخالص هو الذي يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّه تعالى، دون غيره مِن الأديان التي يشوبُها الشرك.
وقال الإمام القُشيري في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: العبادة مُعانقة الأمر على غاية الخشوع (^١)، ويكون بالنفس والقلب والروح، فالتي بالنفس الإخلاصُ فيها بالتباعد عن الانتقاص، والتي بالقلب الإخلاصُ فيها بالعَمى عن رؤية الأشخاص، والتي بالروح الإخلاصُ فيها بالتَّنَقِّي عن طلب الاختصاص (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: والمشركون الذين اتَّخذوا مِن دون اللَّه أصنامًا يتوَلَّوْنهم ويجعلونهم يلُونهم بالحفظ والإحاطة (^٣) والحيَاطة من المكاره.
وقولُه تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾: أي: يقولون: ما نعبد هؤلاء الأصنام ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: بالشفاعة لنا إليه.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يوم القيامة (^٤) ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: إنَّ اللَّه عالم بهذا القول منهم، وسيرجعون إليه فيحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، بأنْ يُمَيِّزَ بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِل بالثواب والعقاب، ويكون على هذا قولُه: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ كنايةً عن المشركين والموحِّدين جميعًا، وثبَتَ ذِكْر المشركين في الآية صريحًا، وذكرُ الموحِّدين دلالة قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وأهلُه الموحِّدون.
فإن كان قولُه: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ مُقتصِرًا على المشركين، فالحُكْمُ بينهم فيما هم فيه
_________________
(١) في (ف) و(أ): "الخضوع"، والمثبت موافق لما في "اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٦٧).
(٣) "والإحاطة" ليس من (أ) و(ف).
(٤) "يوم القيامة" زيادة من (ف).
[ ١٣ / ٩ ]
يختلفون مِن اختلاف معبوديهم: فمنهم عابدُ صنَمٍ، ومنهم عابدُ عِجْلٍ، ومنهم عابدُ شمسٍ، ومنهم عابدُ الملائكةِ، ومنهم عابدُ الجنِّ، فيحكم بينهم جميعًا بما ذُكِر في آيات: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]، ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ونظائرها.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾: أي: لا يُرشد إلى الحقِّ، ولا يخلُقُ صفة الاهتداء ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ على اللَّه أو على رسوله ﴿كَفَّارٌ﴾: كافر باللَّه ما دام مُصِرًّا على ذلك.
وقيل: هذا الكذب هو قولهم: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
* * *
(٤) - ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾:
قال الإمام أبو منصور: أي: لو جاز واحتمل أنْ يتَّخِذ اللَّه ولدًا -على ما يتوهَّمون- لاختار مما يشاء مَن شاء، لا على ما تختارون أنتم وتشاؤون أنَّ الملائكة بنات اللَّه؛ إذ العُرْفُ في الخَلْق أنَّ مَن اتَّخذ لنفسه شيئًا إنما يتَّخذ مِن أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قَدْرًا، لا مِن أخس الأشياء وأذلِّها، وأنتم تختارون البنين على البنات، فكيف اختار هو البنات على البنين (^١)؟!
﴿سُبْحَانَهُ﴾: أي: تنزيهًا للَّه تعالى عن هذا ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾: الذي لا إله غيره ﴿الْقَهَّارُ﴾: أي: القهار عبادَه.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٥٦).
[ ١٣ / ١٠ ]
والولدُ في الشاهد إنما يُتَّخذُ لأحد وجوه:
إما لوحشة أصابَته فيستأنِس به.
وإما لحاجة مسَّتْه (^١)، فيدفع الولدُ ذلك عنه.
وإما لغلبة شَهْوة فيقضيها، فيتولد منه الولد.
وإما لوراثة مُلْكِه بعد موته.
واللَّه تعالى قهَّار دائم باقٍ واحد، فلا يجوز ذلك عليه.
* * *
(٥) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالحق الذي له على الخَلْق.
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: للحق، وهو البعث؛ لأن الخَلْق للفناء عبَثٌ.
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بالحكمة؛ إذ جعل في كل شيء آيةً على ربوبيَّته ووحدانيَّته.
وقولُه تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾: أي: يلُفُّه، وهو مِن كَوْر العِمامة، قاله قُطْرُب (^٢).
وقال أبو عبيدة: أي: يُدْخِل نُقْصان الليل في زيادة النهار (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تمسه".
(٢) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٦٥٨) من قول أبي عوسجة والقتبي.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٨٨).
[ ١٣ / ١١ ]
﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾: أي: يُدْخل نُقْصان النهار في زيادة الليل؛ كقولهم: "الحَوْر بعد الكَوْر" (^١)؛ أي: النُّقْصان بعد الزيادة، وهو في معنى قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١]، وهو تعريف اختلاف فصول السنة من ربيعٍ وصيفٍ وخريفٍ وشتاءٍ تعديلًا للطبائع والأزمنة.
وحاصلُه: أنَّ التكوير له ثلاثُ مَعانٍ:
الإيلاج: وهو أنْ يُزاد مِن هذا في هذا، ومن هذا في هذا.
والتَّغْطية: فإذا جاء الليل غطَّى على النهار؛ كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤]، وكذا كَوْر العمامة.
والإدارة: كما في كَوْر العمامة (^٢)، وهو مجيء أحدهما على إِثْر الآخر مُتعاقبين.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أي: ذلَّلَهما وجعلهما يجريان ويَطْلعان ويَغْرُبان لمنافع العباد.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: كلُّ واحد مِن الشمس والقمر يجري في الفُلْك إلى أنْ تنقضيَ الدنيا للأجل المسمى عنده، فيَنتقِض هذا النَّظْم حينئذ.
وقيل: الأجل المسمى: هو الوقت الذي ينتهي فيه سَيْر الشمس والقمر إلى منازلهما المرتَّبة لغروبهما وطلوعهما على ما مرَّ في سورة يس.
_________________
(١) انظر: "المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري (١/ ٣١٥). وقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه كان يستعيذ من الحور بعد الكور، رواه مسلم في "صحيحه" (٢/ ٩٧٩) من حديث عبد اللَّه بن سَرْجِس ﵁.
(٢) "كما في كور العمامة" ليس في (أ).
[ ١٣ / ١٢ ]
وقولُه تعالى: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا يُمنع ممَّا (^١) يُجريه على المُسيء ﴿الْغَفَّارُ﴾: لِمَن تاب وأناب بعد الإساءة.
* * *
(٦) - ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: وهو آدم ﵇ ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وهي حَوَّاء.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾: أي: وخلق لمنافعكم مِن البهائم ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: وهي الإبل، والبقر، والغنم، والمَعْزُ.
والأزواجُ: الأصناف، والزوجان: ذكر وأنثى، كلُّ فردٍ زوجٌ، وهي المذكورة في قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
ثم قولُه: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ له وجوه:
أحدُها: أنَّ أصلها مِن الجنة، وأُنزلت على آدم.
والثاني: أنَّ معناه: أعطى، والنُّزولُ: العَطِيَّةُ.
والثالث: أنَّ السؤال رَفْعُ الحاجة، والإجابةَ إِنزالٌ.
والرابع: أنَّ قِوام الأنعام بالنبات، وهو مِن المطر، وذاك مُنزل مِن السماء،
_________________
(١) في (ف): "عما".
[ ١٣ / ١٣ ]
وعلى هذا قولُه: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ [الأعراف: ٢٦]، ولأنَّ الوصول بأمر اللَّه تعالى، والمُبَلِّغون (^١) أمْرَ اللَّه ينزلون مِن السماء.
وعلى هذا: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] له هذه الوجوه.
وقولُه تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: أي: تقديرًا بعد تقدير، وتارةً بعد تارة، وهي ما ذُكِر في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] الآيات.
﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾: قال أكثر المفسرين: هي ظُلْمة المَشيمة، وهي الجِلْدة التي يكون فيها الولد، وهي كالغشاء، وظُلْمةُ الرَّحِم، وظُلْمةُ البطن يُصوِّرُ اللَّه الخَلْق فيها، لا يخفى عليه ذلك كما لا يخفى على مَن أراد تصوير شيء لو كان في شيءٌ يسترُه، نبَّهَ على أنه بصير بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، ولا يَسحَر شيئًا عنه شيءٌ (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: أي: كيف ومِن أين ينصرفون عن تدبُّر هذه الآيات، وعن إخلاص العبادة للَّه إلى الشرك به وإلى عبادة ما سواه.
* * *
(٧) - ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾: أي: إنْ تجحَدوا نِعَم اللَّه، وتتركوا
_________________
(١) في (ف): "والمتلقون".
(٢) في (ف): "ولا يُستر شيء عنه".
[ ١٣ / ١٤ ]
الشكر له عليها؛ فإنه لا يضرُّه كفركم؛ إذ لم يأمرْكم بالشكر لنَفْعٍ يجرُّه إلى نفْسه، وضُرٍّ يدفعه عن نفْسه، بل هو غني عنكم وعن عبادتكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾: وهو وإنْ كان غنيًّا عنكم، فإنه لا يرضى أنْ يفعل العباد الكفر، فإنه قبيح في نفْسه.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾: أي: الشكرَ، فإنه حسَنٌ في نفْسه، فيقبله منكم ويُثيبكم عليه.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: ولا تحمل نفْسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفْسٍ أخرى.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾: أي: ثم في القيامة إلى جزاء ربكم رجوعُكم.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: فيُخبركم بأعمالكم، ويُجازيكم عليها.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بخَفِيَّات القلوب.
وقال السُّدِّي: ﴿إن تشكروا﴾: تطيعوا (^١).
وقال الخليل: الشكر: عِرْفانُ الإحسان ونَشْرُه (^٢).
* * *
(٨) - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾: أي: وإذا نال أحدًا مِن هؤلاء المشركين بلاءٌ وشِدَّةٌ في أبدانهم وأموالهم وأسبابهم، فزِعَ إلى الدعاء والتضرُّع
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٦٩).
(٢) انظر: "العين" للخليل (٥/ ٢٩٢).
[ ١٣ / ١٥ ]
إلى اللَّه تعالى، راجعًا إليه دون الأصنام الذي اتخذوها أولياء؛ لعِلْمه الضروري أنَّ الصنم لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يجرُّ ولا يدفع.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾: أي: ملَّكَه وأعطاه ﴿نِعْمَةً مِنْهُ﴾: وهي خلاف الضُّرِّ الذي كان مسَّه مِن الصحة والعافية والثَّرْوة والأُلْفة.
﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: ترَكَ الدعاء الذي كان يدعو به من قبل نَيْلِ هذه النعمة تَرْكَ الناسي للشيء الذي لا يخطُرُ بباله.
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ﴾ له معنيان:
أحدُهما: ﴿يَدْعُو إِلَيْهِ﴾؛ أي: يدعو اللَّه مُنيبًا إليه، فتكون الهاء كنايةً عن اللَّه.
والثاني: يدعو اللَّه إليه؛ أي: إلى كَشْفه، فتكون الكناية عن ذلك الشيء الذي يَسأل كشفَه.
وعلى هذا قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾.
ووجهٌ آخر: نسِيَ ما كان يدعو الناسَ إلى اللَّه؛ أي: إلى الإيمان باللَّه تعالى، والاعتصام به في هذه الحالة.
ووجة آخر: نسِيَ ما كان يَستشفع به (^١) بالناس إلى اللَّه تعالى؛ أي: يستعين بهم في دعاء اللَّه لحاجته (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: أي: قل يا محمد لهذا الكافر: إنَّ تمتُّعَكَ بكفركَ في الدنيا مِن نَيْل الرياسة والأغراض الدنيوية قليلٌ زائلٌ، ثم إنك صائرٌ إلى النار، باقٍ فيه خالدًا مُخلَّدًا.
_________________
(١) "به" زيادة من (أ).
(٢) في (أ): "بحاجته"، وهذا الوجه الأخير غير واضح.
[ ١٣ / ١٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿تَمَتَّعْ﴾: صيغة أمر، ومعناه خبر، كما قيل: "إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ" (^١)؛ أي: صنَعْتَ ما شئتَ.
وقيل: هو تهديد؛ كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
* * *
(٩) - ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: ليس مَن هو مصلِّي أوقاتِ ليلِه (^٢) في أوله وأوسطه وآخره، مواظبٌ على الصلوات لربه، يقوم في صلاته إعظامًا، ويسجد تارةً تذلُّلًا، ويخاف الحساب في الآخرة لإيمانه بالبعث، ويرجو رحمة ربه، فيتردَّدُ بين الخوف والرجاء، كمَن ليس هكذا، بل هو مشرك يتَّخذ مِن دون اللَّه أندادًا، ويكفر نعمة ربه.
وحذَفَ ذِكْر الفريق الثاني اختصارًا؛ لوضوح المراد، فأشار إليه أيضًا فيما ذَكَر بعده:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وهو للنفي أيضًا، فكذا الأول، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فإذا لم يستَوِ العالم وغيرُ العالم لم يستَوِ الخاشي وغيرُ الخاشي.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٧٠٩٨) من حديث أبي مسعود البدري ﵁، وهو من الأمثال التي سارت بها الركبان. انظر: "المثل السائر" (١/ ٦٤) لابن الأثير.
(٢) في (ف): "يصلي أوقات ليله" وفي (ر): "يصلي أو قانت ليله".
[ ١٣ / ١٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: إنما ينتفع بهذه المواعظ والأمثال مَن كان له عقل، فيتدبَّرُ به.
وقرأ حمزة ونافع: ﴿أمَن﴾ بالتخفيف (^١)، وله وجهان:
أحدُهما: أنه استفهام بالألف.
والثاني: أنه نداء بالألف؛ أي: يا مَنْ هو قانت وكذا أبشِرْ بالثواب والنجاة مِن النار.
وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمار بن ياسر (^٢).
وقال الضحاك والسُّدِّي: نزلت في عثمان بن عفان ﵁ (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: يعني: عمارًا وعثمان، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: يعني: أبا حذيفة بن المغيرة، وكذا الأول: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾: هي فيه (^٤).
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٩)، وهي قراءة ابن كثير أيضًا من السبعة.
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ٢٥٠) عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄. وذكر الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٢٤) عن مقاتل أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأبي حذيفة بن المغيرة بن عبد اللَّه المخزومي.
(٣) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهم كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢١٤) عن ابن عمر ﵄. وفي "تفسير السمعاني" (٤/ ٤٦١)، و"تفسير البغوي" (٧/ ١١٠)، عن الضحاك أنها نزلت في أبي بكر وعمر ﵄.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٣٧٥)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٢٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١١٠).
[ ١٣ / ١٨ ]
(١٠) - ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ محمد عني: ﴿يَاعِبَادِ﴾؛ أي: خواصِّي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، فأطيعوه ولا تعصوه.
وقولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: له وجهان:
أحدُهما: الذين أحسنوا في الدنيا لهم حسنةٌ في الآخرة، وهي الجنة، ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾؛ أي: أرض الجنة؛ كما قال: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، واسم الأرض يقع عليها، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ على الإحسان في الدنيا ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: ثوابًا لا يدخل في حساب الخَلْق لكثرته.
والثاني: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: وهي النصر؛ كما قال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]؛ أي: النُّصْرةَ أو الشهادةَ، وقولُه تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾؛ أي: وأرض الدنيا مُتَّسعة لِمَن ضعُفَ عن الصبر على فتنة المشركين، وتعذيبهم على الدين، فهاجِروا فيها إلى أرضٍ تأمنون بها على أنفسكم وأديانكم، ولا ترجعوا إلى دين الكفار بإكراهكم، واصبروا على الحق وأذى الخَلْق، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ على ذلك ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾:
[ ١٣ / ١٩ ]
أي: قل يا محمد للكفار -بعدما قلتَ للمسلمين-: أمرَني اللَّه أنْ أعبدَه مُخلصًا له الطاعة والانقياد، بخلافِ ما أنتم عليه، وأمرَني أنْ أسبق الأمة إلى الإسلام، لا أنتظر به إسلام أحد منهم؛ ليكونَ لي شرَف السَّبْق، وثوابُ الكل بسبب السَّبْق.
وقولُه تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾: جمَعَ بين صِلَتين، وهما اللام و(أنْ)، ويجوز ذِكْر الأمر على ثلاثة أوجه: وأُمِرْتُ أنْ أفعل، و: أُمِرْتُ لِأفعل؛ قال تعالى: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]، و: أُمِرْتُ لِأنْ أفعل.
وقيل: معناه هاهنا: أُمِرْتُ أنْ أعبد اللَّه تعالى، وأُمِرْتُ بذلك لأنْ أكون أول المسلمين، فأنالَ شرف ذلك وثوابه.
* * *
(١٣ - ١٥) - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي: عظيم الأحوال، كثير الأهوال.
قولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾: كما أمرني به.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾: وهذا أمرُ تهديدٍ؛ أي: اختاروا لأنفسكم ما شئتُم، فقد اخترتُ (^١) لنفْسي ما أمرَني به ربي، ودليلُ أنه للتهديد: ما سبَقَ مِن ذِكْر العذاب العظيم على خلاف هذا الأمر، وكذا ما ذُكِر بعده مِن الخُسْر (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: الذين عبدوا غيرَ اللَّه هم الهالكون، أهلكوا أنفسهم وأهليهم.
_________________
(١) في (أ): "أجزت".
(٢) في (ر): "الحشر".
[ ١٣ / ٢٠ ]
قال مجاهد وابن زيد: خُسْران النَّفْس: هلاكُها بالعذاب، وخُسْران أهليهم: ألَّا يكون لهم في النار أهل وقد كان لهم في الدنيا أهل (^١).
وقال الحسن: ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾: الحورُ العِين في الجنة خسِروها حيث حُرِموها بكفرهم (^٢).
وقيل: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: حيث لا يكون لهم نفوس صحيحة ينتفعون (^٣) بها بشيء من المَلاذِّ، ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾: فإنهم إنْ كانوا كفارًا وكانوا معهم في النار، كان ذلك زيادةَ حَسْرةٍ ووَحْشةٍ لا سببَ أُنسٍ وراحةٍ.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: أي: الظاهر الواضح.
* * *
(١٦) - ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾: أي: كهيئة الظُّلَل (^٤) المبنيَّة فوقهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾: أي: تُحيط بهم نار جهنم مِن كل الجهات، وهو كقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وكقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٨١)، وذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١١٩).
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١١٩) عن الحسن وقتادة.
(٣) في (ر): "يرتفقون".
(٤) في (أ): "الظلمة".
[ ١٣ / ٢١ ]
ثم جعَل ما تحتهم ظُلَّةً وإن كانت ظِلال (^١) الدنيا عاليةً؛ لأنَّ جهنم أَدْراكٌ، فالظُّلَّة التي تكون تحت قوم تكون ظُلَّةً عاليةً على قوم.
وقيل: جعل ما تحتهم ظُلَّةً؛ لأن ذِكْرها في مقابلة ما فوقَهم، والمُتَقابلان يُسمَّيان باسم واحد؛ كـ (العصرين) في أول النهار وآخره.
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾: يعني: بما ذكَرَ مِن عذاب النار.
﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾: حذَّرَهم النار، ثم حذَّرَهم نفْسه، فهو المعذِّب بالنار مَن عذَّبه بها.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾: أي: مَن أخلص العبادة للَّه، وتباعَد عن عبادة الشياطين، ومن طاعاتهم في الإشراك به، وكان منهم على جانب لا يُلاقيهم، هذا حقيقة الاجتناب؛ كالانحراف الذي حقيقتُه أنْ يكون على حَرْف، والاعتراض (^٢) الذي حقيقته أن يكون على عُرْض.
﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: وأقبلوا إلى اللَّه بطاعتهم وعبادتهم مُخلصين له الدِّين.
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾: أي: بالجِنان، بدلٌ عمَّا لأولئك الخاسرين مِن النار.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ (^٣): قيل: عمومُه يتناول كلَّ قول؛ أي:
_________________
(١) في (أ): "ظلة".
(٢) في (ف) و(أ): "والإعراض".
(٣) في (ف): "فبشر عبادي. . "، وهي رواية السوسي -بخلف عنه- عن أبي عمرو، حيث قرأها بإثبات =
[ ١٣ / ٢٢ ]
قولَ اللَّه، وقولَ رسوله، وقولَ مَن سلَف مِن المؤمنين والكفار.
وقولُه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: أي: أحسَنَه عاقبةً، وهو طاعة اللَّه تعالى.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: أي: اهتدَوا بهُداه.
﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: المُنتفعون بعقولهم.
قيل: نزلت الآية في ثلاثة نفَرٍ كانوا يقولون: (لا إله إلا اللَّه) في الجاهلية: زيد ابن عمرو بن نُفيل، وسلمان، وعمار (^١).
و﴿الطَّاغُوتَ﴾ قيل: هو الشيطان. وقيل: هُمُ الشياطين.
وقيل: هو ما عُبِد مِن دون اللَّه.
وقيل: هو الكاهن.
وقد يكون واحدًا مُذكَّرًا، قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (^٢) [النساء: ٦٠]، ويكون مؤنثًا كما في هذه الآية، وهو قوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾، ويكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّور﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقيل: الطواغيت خمسة: كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بُرْدة بالشام، وعوف ابن عامر في أَسْلَمَ، وأبو السَّوداء في بني أسد، وعبد اللَّه بن قيس في بني خُزاعة (^٣).
وعبادة الطواغيت هي طاعتهم لهم فيما أَمروا به ونهَوا عنه؛ كما قال:
_________________
(١) = الياء وفتحها وصلًا. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٨٥) عن ابن زيد، وثالثهم فيه هو أبو ذر الغفاري لا عمار.
(٣) في النسخ: "يؤمنون بالجبت والطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به"، والصواب المثبت.
(٤) ذكره نحوه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٦٧).
[ ١٣ / ٢٣ ]
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وقال الإمام القُشَيري: طاغوتُ كل أحد نفْسُه، وعبادتُه له: اتِّباع هواه في مخالفة مولاه (^١).
وقال في قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: أي: يستمعون كلَّ قول، ثم يتَّبعون الأحسن، وهو ما كان للَّه دون غيره.
وقيل: هو ذِكْر اللَّه خالصًا.
وقيل: مَن عرف اللَّه لا يسمع مِن غير اللَّه.
وقيل: للعبد دَواعٍ مِن باطنه، منها: هواجس النَّفْس، ومنها: وساوس الشيطان، ومنها: خواطر الملَك، ومنها: خطاب الحق، فوساوس الشيطان تدعو إلى المعاصي، وهواجس النَّفْس إلى مُتابعة الشهوات، وخواطر الملَك تدعو إلى الطاعات، وخطاب الحق إلى حقائق التوحيد (^٢).
وقيل: مَن أحسَنَ أنْ يستمِعَ (^٣) مِن اللَّه، أحسَنَ أنْ يسمعَ عباد اللَّه.
* * *
(١٩) - ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: أي: وعيدُ اللَّه به بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: فعبَدَ الطاغوت، واتخذ مِن دون اللَّه أولياء.
_________________
(١) عبارة "اللطائف": طاغوت كل إنسان نفسه، وإنما يجتنب الطاغوت من خالف هواه، وعانق رضا مولاه.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
(٣) في (ف): "يسمع".
[ ١٣ / ٢٤ ]
﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾: أي: تُخَلِّص منها.
وقيل: جواب الأول محذوف: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ تَهديه.
وقيل: الإضمار في الكلام الثاني: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ منهم؛ أي: لا تجهَدْ في حق هؤلاء كلَّ هذا الجَهْد، فأنت غير قادر على ذلك، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، فهو استفهام في معنى النفي.
فأما تكرير الاستفهام في الآية فللتأكيد؛ كما في قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢].
وقال الفراء: إنَّ هذا مما يُراد به الاستفهام الواحد، لكنْ سبق الاستفهامُ موضعَه، فأُعيد في موضعه الذي هو له، وإنما المعنى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ وهو ممَّن حقَّتْ عليه كلمة العذاب، وكذلك قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ الآية، ونظيره مِن غير الاستفهام: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فذكر "أنَّكم" مرتين، وإنما المعنى: أيَعِدُكم أنَّكم مُخرجون إذا مِتُّم، وكذلك قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] (^١).
* * *
(٢٠) - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾: أي: في الجنة،
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٤١٨).
[ ١٣ / ٢٥ ]
على مُقابلةِ ما قال لأهل النار قبله، وهو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ﴾: أي: وعدًا حقًا مِن اللَّه ذلك ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: الوعد في الفريقين جميعًا.
* * *
(٢١) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أي: مطرًا.
﴿فَسَلَكَهُ﴾: أي: أدخَلَه ﴿يَنَابِيعَ﴾؛ أي: عيونًا وأنهارًا ينبع الماء منها؛ أي: يفور.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾: فصارت فيها.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: قيل: أي: أصنافه؛ كقولك: هذا لون مِن الثياب، ولون مِن الطعام، يعني: مِن حِنْطة وشعير وأَرُزٍّ وغير ذلك مِن الحُبوب.
وقيل: هي الألوان حقيقةً، فإنَّ الزرع مختلِف ألوانه، فإنَّ لون الأَرُزِّ غيرُ لون الحِنْطة، ونحو ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾: ثم يَيْبَس هذا الزرع ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾: مُتناثرًا مُتساقطًا مُتكسِّرًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: فيما ذكَرْنا مِن إحياء الأرض بعد موتها دِلالةً على إحياء الخَلْق بعد موتهم، وهذا وعد مِن اللَّه تعالى لا يُخْلِفُه.
* * *
[ ١٣ / ٢٦ ]
(٢٢) - ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: هو نعتُ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: أَفمَن فتح اللَّه قلبه فاتَّسعَ للتدبر والعلم والإيمان ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾؛ أي: على هداية ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: فهو يمضي على استبصارٍ في طريق الحقِّ (^١)؛ أي: هو أفضل وأهدى سبيلًا، أمْ مَن هو مُخالف له ممن قد قسا قلبه عن ذكر اللَّه تعالى، فهو مُتحيِّرٌ مُتردِّدٌ في الظلمات ليس بخارج منها؟! وحذف هذا اختصارًا؛ لوضوح المراد بما تقدم وما تأخر.
وقولُه تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: والقاسي القلب: هو الذي ألِفَ الكفر والإعراضَ عن استماع ذِكْر اللَّه، فرانَ على قلبه سوءُ كَسْبه، فقسا قلبه؛ أي: صلُبَ، فصار كالشيء المُصْمَت الذي لا يتخلَّله شيء، ولا ينفُذُ إليه شيء.
﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: هو ما ذكَرَ اللَّه ورسو له مِن الترغيب والترهيب وضَرْب الأمثال.
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: غِواية ظاهرة.
وقال مقاتل: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾: يعني: النبيَّ -ﷺ-، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: يعني: أبا جهل وذَوِيه (^٢).
ورُوِي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إذا دخل النورُ القلبَ انفسحَ وانشرحَ"، قيل: يا رسول اللَّه! وهل لذلك مِن علامة؟ فقال: "نعم، التَّجافي عن دار الغُرور،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الجنة".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٢٩)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٧٧).
[ ١٣ / ٢٧ ]
والإنابةُ إلى دار الخُلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت" (^١).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: النور الذي هو من عند اللَّه: نورُ اللَّوائح بنجوم العلم، ثم نور اللوامع ببيان الفَهم، ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين، ثم نور المُكاشفة بتجلِّي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور الذات، ثم أنوار الصَّمَدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك يتحقَّقُ الاصطلام، فلا وَجْدَ ولا قَصْد، ولا قُرْبَ ولا بُعْد، كلَّا بل هو اللَّه الواحد القهار (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾: أي: أوحى إلى محمد لِيُلَيِّنَ القلوب القاسية بذكر اللَّه، وليُطَيِّبَ قلوب الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾؛ أي: أحسنَ ما يُتَحَدَّثُ به؛ لأنَّه مُشتمل على مصالح أمور الدين والدنيا.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٣١٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٣/ ١٣٣)، والحاكم في "مستدركه" (٤/ ٣٤٦) من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا، وفي إسناده عدي بن الفضل، متروك الحديث. كما في "تقريب التهذيب". ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٣٢٦) من حديث عبد اللَّه بن المسور مرسلا. قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٢١٧): مرسل ضعيف، وهو الصواب في رواية هذا الحديث. وقال الدارقطني في "علله" (٥/ ١٨٩) بعد أن ذكر رواياته: وكلها وهم، والصواب عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد اللَّه بن المسور مرسلا، عن النبي -ﷺ-، وعبد اللَّه بن المسور هذا متروك.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٧٧).
[ ١٣ / ٢٨ ]
﴿كِتَابًا﴾: أي: كلامًا مجموعًا يُكتب، وقيل: كتابًا مِن اللَّه تعالى إلى عباده.
﴿مُتَشَابِهًا﴾: أي: يُشبه بعضه بعضًا، فلا يختلف ولا يتناقض.
ولفظٌ آخر: يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض.
وقيل: أي: كلُّه فاضلٌ مُعْجزٌ خارج عن صفات كلام الآدميِّين الذي لا يخلو عن تفاوت.
﴿مَثَانِيَ﴾: أي: ثنَّى فيه الأنباءَ والقصص والآياتِ المُكرَّرةَ في الوعد والوعيد للتقرير (^١) والتأكيد.
وقيل: المثاني: خواتم الآيات؛ وذلك أنَّ القرآن بايَنَ سائر الكلام بخروجه عن طرق أصناف الكلام التي كانت العرب تتعاطاها نظمًا ونثرًا، فالمنظوم عندهم يُسمَّى: شِعْرًا، والمنثور يُسمَّى: خُطْبةً، والقرآن خارجٌ عما عليه هذان النوعان.
وكذلك أسماؤُه مُباينةٌ لأسمائها، فليس يُسمَّى: شعرًا، ولا: خُطْبةً، بل هو: قرآن، و: كتاب، وسمَّى كل قِطْعة منه: سورةً؛ كما سمَّت العرب كل قِطْعة مِن الشعر: قصيدةً وأُرْجُوزةً، وسمَّى كل فَصْل مِن السورة: آيةً، كما سمَّت العرب مثل ذلك مِن الشِّعر: بيتًا؛ أي: رجَزًا، وسمَّت العرب الأبيات لاتفاق أواخرها: قوافيَ، وسمى اللَّه القرآن لاتفاق خواتم الآي: مثانيَ.
وقولُه تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: أي: تنقبِضُ.
وقيل: هو اليَبَس والخُشونة، وذلك عند الخوف بوعيده.
﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: وذلك عند الرجاء بوعده.
_________________
(١) في (ر): "والتقرير".
[ ١٣ / ٢٩ ]
ومعنى ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: تَلين وتطمئنُّ إلى ذكر اللَّه.
وقال قُطْرُب: أي: مائلةً إلى ذكر اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: أي: ذلك القرآن إرشاد للخَلْق مِن (^١) اللَّه.
﴿يَهْدِي بِهِ﴾: أي: يخلُق فعلَ الاهتداء بسبب القرآن.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: وهو مَن علِمَ منه اختيار الاهتداء.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: أي: مَن يخلُقْ فيه صفة الضلال ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: إلى الحق.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿مَثَانِيَ﴾: ثنَّى فيه الأنباء والقصص (^٢).
وقال مجاهد: الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.
وقال الكلبي: أي: آيات الرَّحمة والعذاب، وصفة الجنة والنار، وصفة المؤمن والكافر وما ضاهاها.
وقال عبد اللَّه بن الزُّبير: سألتُ أمي أسماءَ: كيف كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- إذا قُرئ القرآن بين أيديهم؟ قالت: كانت عيونهم تدمع، وقلوبهم تقشعِرُّ، قلت: فإن قومًا إذا قُرئ عليهم القرآن يخِرُّون مَغْشيًّا عليهم، فقالت: اللهم إني أعوذ بك مِن الشيطان الرجيم (^٣).
_________________
(١) في (ر): "من عند".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٩٢) بلفظ: ثنى فيه الأمر مرارًا، وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٥١)، ولفظ المصنف أورده البغوي في "تفسيره" (٣/ ٦٥)، وابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٣٨٣) من غير نسبة.
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٩٥ - تفسير)، وابن المبارك في "الزهد" (١٠١٦)، والبيهقي في =
[ ١٣ / ٣٠ ]
أي: هذا التكلُّف والإِراءة منهم ببَعْث الشيطان إياهم عليه.
وقال ابن مسعود ﵁: ملَّ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- مَلَّةً، فقالوا: يا رسول اللَّه! حدِّثْنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، فقالوا: يا رسول اللَّه! فاقصص علينا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ السورةَ، قالوا: يا رسول اللَّه! فذكِّرْنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١).
* * *
(٢٤) - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وهو الذي يُضلُّه اللَّه تعالى فما له مِن هادٍ، استفهام بمعنى النفي، وفي آخره مُضمر؛ أي: أفمَن يُلقى في النار يوم القيامة مغلولَ اليد لا يُمكنه أنْ يَتوقى العذاب إلا بوجهه، والوجه لا يُتوقَّى به، فهو إذًا لا يَتوقى العذاب الذي يُلقى فيه، فيحرِقُ بدنه كله، ولا يمكنه أنْ يرُدَّه عن وجهه الذي هو أعز شيء وأجلُّه في بدنه، أفهذا كمَن يدخل الجنة ويتنعَّم بها؟!
_________________
(١) = "شعب الإيمان" (١٩٠٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٣١)، والسائل هو عبد اللَّه بن عروة بن الزبير، سأل جدته أسماء، لا عبد اللَّه بن الزبير كما ذكر المؤلف.
(٢) رواه ابنُ مردويه كما في "الدر المنثور" (٤/ ٤٩٧). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١١٣٢٥) عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٨) عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وليس فيه قوله: (فذكرنا. . .) إلخ، لكنه أتبعه بحديث آخر من طريق مصعب بن سعد عن سعد فذكره بتمامه. وحديث سعد ﵁ رواه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (٦٢٠٩)، وأبو يعلى في "مسنده" (٧٤٠)، والضياء في "المختارة" (١٠٦٩).
[ ١٣ / ٣١ ]
وحذف أحد الطرفين للاختصار عند وضوح المراد؛ كما مرَّ في هذه السورة مرات.
ونظير قولِه: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: قولُه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩].
وقيل: إذا كان التَّوَقي بسائر الأعضاء لوقاية الوجه، فإذا كان الاتِّقاء بالوجه لم يكن اتِّقاءً، فصار الحاصل أنه لا يتَّقي العذاب (^١)، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، وهذا لا يقع به الإغاثة، فحصل المعنى: وإنْ يستغيثوا لا يُغاثوا، وقريب مِن هذا قول الشاعر:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم بهنَّ فلولٌ مِن قِراع الكتائب (^٢)
أي: لا عيبَ فيهم إلا هذا، وليس هو بعيب، فلا عيبَ فيهم إذًا بوجه.
وقولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾: أي: لهذه الطَّبَقة مِن الظالمين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: جزاء ذلك، وهو الذي أنتم فيه.
وقولُه: ﴿وَقِيلَ﴾: ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه مِن أمور الآخرة، فأُلحق بالكائن لتحقُّقه.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "يبقى" بدل من "يتقي العذاب".
(٢) البيت للنابغة الذبياني، وهو في "ديوانه" (ص: ١١).
[ ١٣ / ٣٢ ]
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: كذَّبَ الأممُ الذين مِن قَبْل هؤلاء المشركين رسلَهم.
﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: مِن حيث لم يكونوا يعلمون أنْ يأتيَهم منه، وفي وقت لم يتوهَّموا نزولَه بهم فيه.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾: أي: الفَضيحة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَر﴾: مِن عذاب الدنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لو كان عند هؤلاء المشركين مِن العلم ما يتدبَّرون به ويعلمون لصدَّقوا بهذا الوعيد ولآمنوا به، لكنهم لا يتدبرونه، فلا يعلمونه (^١).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: ولقد وصَفْنا في هذا القرآن مِن كلِّ ما بالناس إليه حاجةٌ في أمور دينهم ومصالح دنياهم مثلًا، وهذا العموم كما في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ أي: مِن شيء يُحتاج إليه في الدِّين.
وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: لِيتَّعظوا به.
وقولُه: ﴿قُرْآنًا﴾: نصبٌ على القطع؛ لأنَّه نكرة نُعِت به معرفة، أو نُصِب بإضمار فعل واقع عليه: أنزلناه أو جعلناه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فلا يعلمون به".
[ ١٣ / ٣٣ ]
﴿عَرَبِيًّا﴾: نعتٌ؛ أي: بلسان العرب ليفهموه ويعلموا حُسْن نَظْمه وصواب معانيه؛ لأنَّه بلسانهم.
وقولُه تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: أي: لا يوجد فيه اختلاف ولا خطأ يخرُج به عن الحكمة والصحة لفظًا ومعنًى، وفي ذلك ما يدل على أنه مِن عند اللَّه تعالى، فوجب التذكُّر به، ولزِم تقوى اللَّه في أنْ يوقِع بهم ما توعَّدَهم به مِن العذاب.
* * *
(٢٩) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: أي: وصَفَ اللَّه شبَهًا للمشركين والموحِّدين، ولم يقل: مثلين، وإنْ ذكَر بعده رجلين؛ لأن ذِكْرهما جملةً مثَلٌ واحد، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، ثم وصَفَ المثَل فقال:
﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾: أي: رجلًا يخدِم جماعةً هم في خدمته لهم شُركاءُ مُتعاسرون مُتشاحُّون، كل واحد منهم يحب أنْ ينفرد به، ولا يُعجبه خِدمتُه لغيره، ولا إشراكه مَن سواه في طاعته وتعظيمه.
وقد شكِسَ شَكاسةً فهو شكِسٌ مِن حدِّ علِمَ، وهو صعب الخُلُق.
فهذا مثَلُ مَن عبد آلهة، فلا شكَّ أنَّ تلك آلهة لو كانت أحياءً، فرأى كل واحد منها حُسْن طاعة هذا العابد له، لأَحبَّ أنْ يُخلص خدمته له، وأنْ ينقطع بها وحده إليه (^١)، فإذا لم يجد هذا منه نبَتْ نفْسُه عنه، فلم يصْفُ له قلبه، ولا شك أنه لو أفرد واحدًا منهم بالخدمة كان أَرْوَحَ له، وأرضى لمخدومه عنه، خصوصًا إذا كان في
_________________
(١) أي: إليه وحده.
[ ١٣ / ٣٤ ]
الجماعة الذين يخدمهم رئيس يعترف الباقون برئاسته، وأنهم دونه في منزلته، وأنَّ سبيلهم أن يتشفَّعوا (^١) لمن يخدمهم عند هذا الرئيس، فكلُّ عاقل يعلم أنه لا معنى في إِتْعاب هذا الخادم بدنَه في قسمة خدمته بينهم، وأنَّ الأَلْزَم له (^٢) والأَرْوَحَ لبدنه أن يُفرد ذلك الرئيس بالخدمة، لا سيما إذا كان ذلك يدعوه إلى نفْسِه، ويضمن له بلوغ الأمل إذا أفرده لخدمته.
ثم ضرَبَ مثَل المُخْلِص الموحِّد، فقال:
﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿سالِمًا﴾، وقرأ الباقون: ﴿سَلَمًا﴾ (^٣).
و"السَّلَم": الاستسلام، مصدر أُريد به النعت.
أي: رجلًا قد خلَصَ لرجل، فصار له بحيث لا يَشوب بخدمته خدمةَ غيره (^٤)، ولا يوجِّه أمله إلى سواه، فقد تكامل حقُّه عليه، واجتمعت محبته وخدمته وعبوديته كلها له، ففي العقول السليمة أنَّ هذا المخدوم قد لزمه ذِمامُه، ووجب عليه حقُّه، وأنَّ هذا الخادم يفوز بكلِّ ما يؤمِّله مِن خدمته، خصوصًا إذا كان المخدوم كريمًا واسعًا لحقوق خدَمه، مع ما يُريح هذا الخادم مِن مُؤْنة كثرة التَّعَب في الخدمة، وتشعُّبِ الفكر في إرضائهم.
وقولُه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: أي: هل يستوي هذان الرجلان في الوصف؟!
_________________
(١) في (ر): "يشفعوا".
(٢) في (ر): "الإكرام له"، وفي (أ): "الألزم"، بدل: "الألزم له".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٩).
(٤) في (ر): "لا يشوب بخدمته غيره"، وفي (ف): "لا يشرك بخدمته خدمة غيره".
[ ١٣ / ٣٥ ]
وكلُّ مَن تدبر بعقله علِمَ أنَّ المنفرد بالخدمة أحسنُ حالًا وأحمدُ عاقبةً مِن الذي يخدم جماعة.
وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: على إيضاح الحُجَّة.
وقيل: على التَّخْصيص بالتوحيد.
وقيل: على جعله سالمًا خالصًا للَّه تعالى.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا يستعملون عقولهم في النَّظر في الدلائل ليعلموا.
وقيل: أي: لا ينتفعون بعلومهم.
قال مُقاتل: إن المشركين دعوا رسول اللَّه -ﷺ- إلى ملة آبائه وعبادة الأصنام، فضرب اللَّه لهم ولآلهتهم مثلًا، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ الآية؛ أي: هل يستوي عبدٌ يَشترك فيه نفرٌ مُختلفون يملكونه جميعًا مع عبدٍ لا شِرْكة لأحد فيه؟! فخصَمَهم اللَّه بهذا، فقال: قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيدَ ربهم (^١).
وقال الإمام القُشَيري: ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾: الذي يتجاذبه شُغُل الدنيا، وشُغُل الولد، وشُغُل العيال، وغير ذلك مِن الأشغال المختلفة والخواطر المُشتَّتة، والمؤمن خالصٌ للَّه ليس لأحد فيه نصيب (^٢).
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾: نفى التَّسْوية بينه وبينهم، ووعد النُّصْرة
_________________
(١) ذكره عن مقاتل: الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٨٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٨٠).
[ ١٣ / ٣٦ ]
له في الدنيا والآخرة عليهم، فقال في الدنيا: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، وقال في الآخرة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾: أي: إنَّك يا محمد تموت ويموت هؤلاء المشركون؛ لأنَّ آجال الجميع مُنقضيةٌ مُنقطعة.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: أي: ثم يُحييكم اللَّه ويَبعثكم للحساب والجزاء والفَصْل بين المختلفين، فيختصم أهل الحق وأهل الباطل بحضرة الملائكة والمرسلين والصِّدِّيقين، ويَفْصِل اللَّه الخُصومة بينهم بالتمييز بين الفريقين، وذلك قولُه تعالى:
* * *
(٣٢) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾: فزعم أنَّ له شُركاء وأولادًا ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾؛ أي: بالقرآن لَمَّا جاءه، فهؤلاء فريق.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾: استفهام بمعنى التَّقْرير، وهو جزاء هؤلاء الفريق.
ثم قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: قيل: أي: بالصدق في اعتقاده ودينه فأخلَصَ للَّه ووحَّدَه.
﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أي: حقَّقَ ذلك الصدق بالطاعة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: لم يظلموا أنفسهم كما ظلَم الأولون.
* * *
[ ١٣ / ٣٧ ]
(٣٤ - ٣٥) - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: ما يشتهونه في الجِنان التي أعدَّها لهم مِن أنواع النِّعَم.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: في اعتقادهم وأعمالهم.
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾: أي: يجزيهم هذا الجزاءَ ليكون كفارة -أي: سِتارةً- لِمَا سلَف منهم حالَ كفرهم.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بطاعتهم في الإسلام.
ثم قولُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾: واحد، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: جمع؛ لأنَّه واحدٌ في لفظه جمعٌ في معناه؛ لأنَّه جنس، فصار كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فاستثنى، ولا يكون ذلك إلا مِن الجَمْع.
وقيل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: هو رسول اللَّه ﵇، و(الصدق): هو القرآن -وقيل: هو التوحيد- و﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: هو أيضًا قبِلَه وحقَّقَه، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: وهو مَن اتَّبَعه.
وقيل: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أي: ومَن صدَّق به، وهو أبو بكر الصديق، قاله الكلبي وأبو العالية (^١)، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: أي: هو وأتباعه.
وقيل: ومَن صدَّقَ به: هم المؤمنون، جميعًا مع النبي ومع الصِّدِّيق.
_________________
(١) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٣٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٢٠)، وزاد الثعلبي: عن علي.
[ ١٣ / ٣٨ ]
وقال السُّدِّي: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: جبريل ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: محمد، يعني: تلقَّاه بالقَبول (^١).
وقال مجاهد: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أهل القرآن (^٢).
وقال الشَّعبي: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: بـ (لا إله إلا اللَّه)، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: أقام على (لا إله إلا اللَّه) (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: هذا في بعض المواضع دون بعض (^٤).
وقال أبو العالية: قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾: نزولُها في حق أهل القبلة، والتي في سورة (ق) قال: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾: هم أهل الشرك (^٥).
وقال عكرمة: ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: محمد ومشركو قريش.
وقال أبو سعيد الخُدْريُّ: كنا نقول: ربنا واحد، وديننا واحد، ونبيُّنا واحد، فما
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٨٣٩٣)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٣٦).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٣٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٠٦).
(٣) لم أقف عليه، وذكر عنه النحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٢) قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: محمد -ﷺ- ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أبو بكر والصحابة ﵃. وروى الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٠٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٨٣٩٢) عن ابن عباس ﵁: أن الذي جاء بالصدق رسول اللَّه -ﷺ- الذي جاء بـ (لا إله إلا اللَّه).
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٠١) أن ابن عباس قال: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر. وهكذا ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ١٢٥).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٤٢).
[ ١٣ / ٣٩ ]
هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صَفِّين، وشدَّ بعضنا على بعض بالسيف قلنا: هي هذا (^١).
وقال إبراهيم النَّخَعي: إنَّ الصحابة قالوا: ما خصومتُنا ونحن إخوان؟! فلما قُتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا (^٢).
* * *
(٣٦) - ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾: أي: أليس اللَّه كافيًا عبدَه ورسولَه المصطفى أنْ يضُروه بما يوهن له حُجة، أو يصلوا إليه بمكروه؟! وهو استفهام على معنى التقرير؛ لأن جوابه: بلى.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿عِباده﴾ على الجمع (^٣)، قيل: أراد به الأنبياء، وقيل: أراد به المؤمنين.
وأما التوحيد (^٤)، فهو على النبي -ﷺ-.
وقال مقاتل: قالوا: يا محمد! إنا نخاف أنْ تخبِلك آلهتنا لأنك لا تزال تَعيبُها بسوء، وذلك قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (^٥).
_________________
(١) رواه سعيد بن منصور كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢٢٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٣٥)، وذكره البغوي في "تفسيره" (٧/ ١١٩).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٢٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٠٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٣٥).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٩).
(٤) أي: قراءة الإفراد في "عبده"، وهي قراءة الجمهور.
(٥) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٣٧)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ١٢٨) من غير نسبة.
[ ١٣ / ٤٠ ]
وقال الضحاك: قالوا له: لتَكُفَّنَّ عن ذِكْر آلهتنا أو لتَخْبِلَنَّكَ (^١).
ورُوِي أنَّ النبي -ﷺ- بعث خالد بن الوليد لِيكسِرَ العُزَّى، فقال له قيِّمُها: اتَّقِها، فإنَّ لها شِدةً لا تقوم لها الرجال، فضربها خالد ضَرْبةً أبان عنها رأسها، ويقال: هشَمَ أنفها (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: قد بيَّنا في قولٍ أنه الأصنام.
وقيل: كانوا يُخوِّفونه بكثرة جموعهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، والكفاية في حق ذلك ما قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، وقال: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧].
فإذا حُمل على الأنبياء فقد كانوا يُخوِّفونهم بالأصنام أيضًا، قال تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام: ٨١]، وقال في قصة هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤].
وإنْ كان التخويف بالجُموع، فقد كان ذلك في حق الأنبياء، حتى قال نوح: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وقال هود: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥].
وإنْ كان هذا في حق المؤمنين، فهو كقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: أي: هؤلاء الذين يُخوِّفونك قد أضلَّهم اللَّه؛ لعِلْمه باختيارهم الضلالة.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٣٤) عن قتادة، وذكره البغوي في "تفسيره" (٧/ ١٢٠) من غير نسبة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٠)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٨٣٩٤) عن قتادة.
[ ١٣ / ٤١ ]
(٣٧ - ٣٨) - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾: كالنبيِّ والمؤمنين.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾: استفهام بمعنى التقرير، وهو وعد للنبي -ﷺ- أنه مُنتقم له مِن أعدائه.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: فكيف يطمعون في خوفك مِن آلهتهم التي هي مخلوقة للَّه تعالى وأنت رسولُ مَن خَلَقها وخَلَق السماوات والأرض؟!
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: تدْعونه آلهةً.
وقيل: أي: تعبدونه.
وقيل: أي: تدْعونه بحوائجكم، وهي الأصنام.
﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾: أي: بسوء وبلاءٍ ومكروه مما تُخوِّفونني به ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾.
﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾: أي: بنعمة ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: هل هنَّ قادراتٌ على شيء مِن ذلك، والتأنيث على الجَمْع في هذا؛ لِمَا أنَّ الأصنام إناث في اللفظ عندهم، فإنهم سمَّوها: اللَّات والعُزَّى ومَناة، وكانوا يقولون في الملائكة أيضًا: هنَّ بنات اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾: أي: فإنهم لا يدَّعون لأصنامهم شيئًا مِن هذا، بل
[ ١٣ / ٤٢ ]
يُقِرُّون أنَّ اللَّه لا يُعارَض ولا يُمانَع ولا يُغالَب ولا يُنازَع، فإذا قالوا: لا تَقْدِر أصنامنا على مُعارضة اللَّه في ذلك، فقل لهم: حسبي اللَّه إذًا، عليه توكلتُ و﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾؛ أي: ومَن أراد أنْ يتوكَّل على مَن يَكفيه ويُحقِّقُ توكُّله عليه فإنما يتوكَّلُ على اللَّه.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ (^١): أي اثْبُتوا على ما أنتم عليه بما اخترتُموه لأنفسكم.
وقال مجاهد: على ناحيتكم (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: أي: منازلكم (^٣).
وقيل: على رَسْمكم وعادتكم.
وقال مُقاتل: على وتيرتكم؛ أي: على طريقتكم (^٤).
وقيل: على تمكُّنكم.
_________________
(١) في (أ): "مكاناتكم"، بدل: ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾، وهي رواية أبي بكر عن عاصم. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (٢٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٣)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧٩٠٩) عن ابن عباس، وقال: وروي عن مجاهد والضحاك نحو ذلك.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١١٣٠٨) عن قتادة، وذكره الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٥٨) عن بعض أهل التأويل، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٩٣)، والواحدي في "تفسيره" (٨/ ٤٥٠)، عن الكلبي.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٩٣)، والواحدي في "البسيط" (٨/ ٤٥٠)، عن مجاهد.
[ ١٣ / ٤٣ ]
وقيل: على دِيانتكم، وهو تهديد.
وقولُه تعالى: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: أي: ثابت على ما أنا عليه مما قد اخترتُه لنفْسي، ينتظر كلٌّ منا ما يَؤول إليه أمره ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾؛ أي: يفضَحُه ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾؛ أي: يحِقُّ عليه ويجب عليه ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: دائم.
ثم في قوله: ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ وجهان:
أحدُهما: أنْ تكون مَفْعَلةً مِن الكون؛ أي: على موضع كونكم، والمكانةُ بمعنى المكان؛ كالمَقامة تكون بمعنى المقام.
والثاني: أنْ تكون فَعَالةً مِن التَّمكين (^١)، ومعناه: اعملوا مُتمكِّنين.
وقال أبو العالية: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ في هلاكي إنْ قدِرْتُم عليه ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على هلاككم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَن الغالبُ منا ومنكم.
* * *
(٤١) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾: أي: ببيان الحق.
وقولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾: أي: فنَفْعُه له ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ أي: ضرَرُه عليه.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾: أي: بمُسَلَّط على إكراههم على الإسلام، فإنه ليس ذلك بيدكَ، وإنما عليك البلاغ، وهو كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢].
_________________
(١) في (ف) و(أ): "المكين".
[ ١٣ / ٤٤ ]
وقيل: الوكيل: مَن يُجعل إليه الشيء لعَجْزِ مُوَكِّله عنه بنفْسِه.
يقول: لسنا بعاجِزين عن حَمْلهم على الإيمان فنكِلَ ذلك إليكَ، بل نحن قادرون على ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
وقيل: نسَخَتْ هذه الآيةُ آيةَ الأمر بالقتال.
* * *
(٤٢) - ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾: أي: يقبِضُها ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾؛ أي: ويقبِضُ الأنفس التي لم تمُتْ ﴿فِي مَنَامِهَا﴾؛ أي: حالَ نومها.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾: فلا يرسلها في أبدانها.
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾: أي: الأنفسَ الأخرى في أجسادها.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: الموت.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: لَعلامات دالَّة على قدرة اللَّه على البعث بعد الموت.
والآية في مُحاجَّة المشركين في إثبات البعث بعد الموت؛ أي: مَن قدِرَ على هذا قدِرَ (^١) على ذلك.
قال الإمام أبو منصور ﵀: قال سعيد بن جُبير ﵀: يُجمع بين
_________________
(١) في (ف): "يقدر".
[ ١٣ / ٤٥ ]
أرواح الأحياء وبين أرواح الموتى، يتعارفُ منها ما شاء اللَّه أنْ يتعارف، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ إلى أجسادها (^١).
قال: وبهذا لم يُفْهَمْ شيءٌ مِن تأويل الآية.
قال: وقال الكلبي: النائم مُتوفًّى حتى يرُدَّ اللَّه إليه نفْسَه، وأما التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبِض الرُّوح والنَّفْس معًا، ويُرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغ أجلَها المُسمَّى، وهو الموت.
ويقول: إنما يقبِض اللَّه مِن النائم النَّفْس لا الرُّوح.
قال: وهذا الذي ذكره الكلبي أقربُ إلى تأويل الآية مِن الذي ذكرَه سعيدٌ، وأصلُه: أنَّ اللَّه تعالى جعل في الأجساد أنفُسًا دَرَّاكةً بها تُدرِك الأجسادَ الأشياءَ، وأرواحًا بها تَحيا الأجساد؛ لأنك ترى الأجساد في حال نومها على الهيئة التي كانت مِن قَبْل، ليس بها أثَر الموت، لكنها لا تُدرِك شيئًا، فلا تَسمع، ولا تُبصر، ولا تَعقل شيئًا، وليس بها آثار الأحياء، فدلَّنا هذا على أنها في حال النوم قد ذهب منها وخرَجَ ما به تُدرَك الأشياء، وبقِيَ فيها ما به تَحيا، وهو الرُّوح، فإذا خرج الرُّوح منها ماتت، ألا تراها عند ذلك تتغيَّرُ؟! وكان قبل خروج الرُّوح منها وإنْ كانت لا تُدرِك شيئًا، فهي على الهيئة التي كانت مِن قَبْل، دلَّ ذلك على أنَّ الذي به تُدرَك الأشياء غيرُ الذي به تَحيا، واللَّه أعلم (^٢).
* * *
(٤٣) - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٥).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٨٦ - ٦٨٧).
[ ١٣ / ٤٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾: وهذه في مُحاجَّة المشركين أيضًا، وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾.
و﴿أَمِ﴾ بمعنى ألفِ الاستفهام، أو أُضمِر كلامٌ فيه ألفُ الاستفهام، ثم عُطف هذا عليه بـ ﴿أَمِ﴾، وتقديرُه على الانتظام: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أفلا يتفكرون فيعلموا وحدانية اللَّه تعالى فلا يُشركون به الأصنام، أم اتخذوها (^١) شُفعاء.
ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾: أي: أَتشفعُ لهم (^٢) وهي لا تملك شيئًا، ولا تعقل، ولا تسمع، فلا يشفع مَن لا يعقل ولا يملك.
* * *
(٤٤) - ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم بيَّنَ وجهًا آخر لإبطال ذلك، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: عرِّفْهم أنَّ الشفاعة إنما يملكها (^٣) مَن يملك السماوات والأرض.
أي: كلها للَّه تعالى؛ أي: لا يُقْدِم عليها أحد إلا بإذنه، وأنتم معاشرَ المشركين مُقِرُّون بذلك، فإياه فأفرِدوا بالعبادة، ودَعوا الإشراك به، وأخلِصوا له، فإنه لا تنفع عنده الشفاعة لِمَن أشرك به.
وقولُه: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي: إلى جزائه تَصيرون، وهذا ترغيب وترهيب.
_________________
(١) في (ف): "اتخذوا هؤلاء".
(٢) "لهم" ليس من (ف).
(٣) في (ر): "لا يملكها إلا" بدل: "إنما يملكها".
[ ١٣ / ٤٧ ]
(٤٥) - ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: أي: وإذا ذُكِر عندهم التوحيد ووجوبُه، وعرفوا أنَّ اللَّه واحد لا شريك له، اشمأزَّتْ قلوبهم؛ أي: انقبضت واعترَتها الوَحْشة، فصاروا إلى النِّفار عن التدبر لانقباضها وضِيقها.
قال ابن عباس ﵄: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: أي: انقبضت (^١).
وقال قتادة: كفرت واستكبرت (^٢).
وقال الضحاك: نفرت (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: وإذا ذُكِر ما يعبدونه مِن دون اللَّه ظهَرَ في وجوههم البِشْرُ، وهو أثَر السُّرور.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: يا خالقَ السماوات والأرض.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٨٤) عن ابن عباس ومجاهد، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٩) عن مجاهد، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ١٨٠) عن مقاتل.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٨)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٣٦).
(٣) ذكره عن الضحاك الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٣٩)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٩) عن السدي.
[ ١٣ / ٤٨ ]
﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: أي: يا عالمَ السرِّ والعلانية.
﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: قد علِمْتَ حالي وحالَ قومي هؤلاء، وإني قد بلَّغْتُهم واجتهدتُّ في النُّصْح لهم، وأوضحتُ بينهم دلائلكَ، فأعرضوا واشمأزُّوا، فاحْكُمْ بيني وبينهم، فإنكَ أنتَ تحكم بين جميع عبادكَ فيما كانوا فيه يختلفون مِن أديانهم.
وهذا الحُكْم: قد يكون في الدنيا بإنجاز وعده في دُعائه (^١) على قومه، وهو كدعاء نوح ﵇: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
وقد يكون في الآخرة بأنْ يجزيَ كُلًّا على عمله، وتحت هذا الأمر بشارةٌ له بذلك كلِّه.
ويجوز أنْ يكون قوله: ﴿أَنتَ﴾ لا على وجه الدعاء، بل إظهار الثقة مِن نفْسه على الانتقام له منهم في الدنيا، والتمييزِ بين الكل بالجزاء في العُقْبى.
ويجوز أنْ يكون هذا وعدًا (^٢) له بالشهادة بالبعث، وأنه حق، وأنَّ اللَّه يُحاسب عباده فيه، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وهو بإدخال الكفار النار، وإدخال المؤمنين الجنة، وقد مرَّ في السورة الأمران جميعًا.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "إعلائه".
(٢) في (ر) و(ف): "أمرًا".
[ ١٣ / ٤٩ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: كفروا، فوضعوا العبادة غيرَ موضعها، وظلموا أنفسهم بذلك، ونقصوها (^١) حقَّها.
وقولُه تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مِن الأموال ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾: وعلِموا أنَّ الفدية تُغني عنه ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ليتخلَّصوا منه، ولكنَّ الفدية لا تُغني، كما أنَّ الشفاعة لا تُغني.
﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾: أي: وظهر لهم مِن أمر اللَّه ما لم يكونوا يظنونه ولا يَعُدُّونه (^٢) في جملة ما يجري عليهم؛ لأنَّهم كانوا مُنكِرين لهذا اليوم.
وقيل: أبطل اللَّه عليهم أعمالًا كانوا عمِلوها في الدنيا يحسبون أنها تنفعهم، وأنها حسنات، فبدا لهم أنها سيئات.
* * *
(٤٨) - ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: أي: وظهرت لهم يوم القيامة أعمالهم السيئة مِن أمور الكفر.
وقيل: معناه: بدا لهم جزاء ذلك، وهو كقوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]؛ أي: جزاء ما كنزتم (^٣).
وقيل: ظهرتْ أعمالهم لهم مُثْبَتةً في كتبهم.
وقيل: ظهر لهم سوء عملهم بعذابٍ كان خفِيَ عليهم لتقادُمه.
_________________
(١) في (ف): "ونقصوا".
(٢) في (ف) و(أ): "يعتدونه".
(٣) "أي: جزاء ما كنزتم" ليس من (أ) و(ف).
[ ١٣ / ٥٠ ]
وقيل: بدا لهم بشهادة جوارحهم عليهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: فنزل بهم عذابُ استهزائِهم في الدنيا بآيات اللَّه وأنبيائه.
وقيل: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أي: أحاط بهم.
وقال السُّدِّي: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾: ظنوا أنها حسنات، فبدت لهم سيئات (^١).
وقال سفيان حين قرأ هذه الآية: ويل لأهل الرِّياء، ويل لأهل الرِّياء (^٢).
ونظيره: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤].
* * *
(٤٩) - ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾: قال مقاتل: يعني: أبا حذيفة بن المغيرة (^٣).
وقيل: هو عامٌّ، ومعناه: إذا نال المشركَ بلاءٌ في بدنه وأمرٌ كان يخافه دعانا؛ أي: التجأَ إلينا، وأخلصَ الاستغاثة بنا.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾: أي: ملَّكْناه وموَّلْناه ووسَّعْنا عليه ﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾:
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٤٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٢٤).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٤٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ١٣٣).
(٣) ذكره عن مقاتل البغوي في "تفسيره" (٧/ ١٠٩) لكن في تفسير قوله تعالى بداية سورة الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾، وذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ١٣٠) هنا لكن من غير نسبة.
[ ١٣ / ٥١ ]
قال ابن عباس ﵄: يعني: إذا بدَّلْناه بالسَّقَم الصحةَ، وبالفقر الغنى (^١).
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: أي: لِفَضْلي.
وقيل: أي: لم ير ذلك مِن عندنا، ولم يعُدَّه مِن عطائنا، ويقول (^٢): إنما أُعطيتُه على علمٍ علِمَه اللَّه مني، فأعطاني ما أعطاني لاستحقاقي ذلك بفضلي.
وقيل: على علم مني بجَمْعه واكتسابه، فأُعطيته بجُهْدي وتصرُّفي واكتسابي، لا مِنَّةَ لأحد عليَّ فيه يستحق فيها شكري.
وقيل: على علم مني قبل أنْ أُعطاه (^٣) أني أُعطاه لاستحقاقي ذلك بعقلي وكفايتي.
فردَّ اللَّه تعالى عليه ذلك، فقال: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾: أي: عَطِيَّةٌ مِن اللَّه امتحنه بالشكر له عليها، والاستعانة على إقامة الدين بها، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١].
وقال الحسين بن الفَضْل ﵀: أي: كلِمَتُه هذه التي قالها فتنةٌ له (^٤).
وقيل: إن هذه النعمة بَلِيَّةٌ ابتليتُه بها.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا عِلْمَ لهم ولا تمييز لهم، يقولون ذلك بجهل، ولو تدبروا لعلموا أن اللَّه تعالى لو أراد لسلَبَهم قوة الاكتساب، فلم يُمكِنْهم جمع شيء، ولو أراد أتلَفَها، ولعلموا أن كثيرًا ممن يُخالفهم في دينهم أوتوا أكثر منهم، وأنَّ كثيرًا مِن الناس أكثرُ اجتهادًا منهم في الاكتساب ولا شيء لهم.
_________________
(١) ذكره الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٢٠) من غير نسبة، ولم أقف عليه بلفظه عن ابن عباس.
(٢) في (ف): "وقيل".
(٣) في (ف): "قبل إعطائه".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٤٠).
[ ١٣ / ٥٢ ]
(٥٠ - ٥١) - ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: هذه المقالةَ بهذه الجهالة.
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: فما نفَعَهم شيئًا ما جمعوه مِن الأموال، وظنوا ذلك لفَضْل فيهم، وأنه يعصِمهم مِن عذاب اللَّه تعالى، وما دَفع العذابَ عنهم.
ويجوز أنْ تكون (ما) للاستفهام، ويجوز أنْ تكون للنفي.
قولُه: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: أي: فنالَهم جزاءُ سيئاتِ أموالهم التي كسبوها، وتلك السيئات هي ما استعانوا به في إماتة دِين اللَّه، وأنفقوه في معاصي اللَّه، وقوَّوا بها أعداء اللَّه.
وقيل: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: مِن الآثام.
وقيل: السيئات: هي عقوبات ما كسَبوه مِن المعاصي؛ سُمِّي بذلك للمقابلة؛ كما في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، أو لأنها تسوؤهم، أو هم يكرهونها، فوُصِفت بالسوء لذلك.
وحاصلُه: أنَّ أموالهم لم تنفعهم، بل عُذِّبوا بها وانتُقِمَ منهم كما فُعِل بقارون، فخُسِف به وبداره الأرض، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١].
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾: كما أصاب الأولين ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: بفائتين.
* * *
[ ١٣ / ٥٣ ]
(٥٢) - ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يُوسِّع ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يُضيِّق.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: فيما ذكرناه علاماتٌ لِمَن كان همُّه التصديقَ بالحق على أنَّ التفاوُت في النِّعَم مِن عند اللَّه مِن غير علةٍ بفضل أو اجتهاد في كَسْب.
وقال مُقاتل: إنَّ أهل مكة قُحِطوا سنين، ثم مُطِروا بعدها سبع سنين، فأنزل اللَّه تعالى إظهارًا لقُدرته: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (^١).
* * *
(٥٣) - ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: فجاوَزوا حدودها ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تيأسوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:
قال القَفَّال: أي: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين عني: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾؛ أي: يا خَلْقًا أنا مالكُهم، أُصرِّفهم في حُكْمي كيف أشاء ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فجاوَزوا حدود ما أُمروا به، وتعدَّوا إلى ما نُهوا عنه، واستكثروا (^٢) في ذلك، وانهمكوا فيه، وركِبوا العظائم منهم؛ لأن الإسراف يشتمل على ذلك كله، ولا إسرافَ أشنَعُ مِن الكفر باللَّه،
_________________
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٨٦) عن مقاتل، وهو في "الكشاف" (٤/ ١٣٥) من غير نسبة.
(٢) في (ر) و(ف): "واستكبروا".
[ ١٣ / ٥٤ ]
وتكذيبِ رسله، والصدِّ عن دينه، وقَتْلِ المؤمنين ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يحمِلنَّكم إسرافُكم على أنفسكم على أنْ تظنُّوا أنَّ رحمة اللَّه تَضيق عنكم، حتى لو تُبْتُم لم تُقبل توبتكم، ولم يزُلِ الوعيد عنكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾؛ أي: يسترُها كلَّها على العباد إذا تابوا منها كفرًا كان أو ما دونه، فرحمتُه واسعةٌ، فلا تقنطوا منها.
وقال ابن عباس ﵄: دعا اللَّهُ تعالى إلى مغفرته مَن قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، ومَن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، ومَن قال: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ومَن قال: الملائكة بنات اللَّه، بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وبقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية (^١).
وقال مقاتل: يعني: الذين أسرفوا بالدماء والأموال، وذلك هُمُ المشركون ظنوا أنْ لا يُتابَ عليهم، منهم: وَحْشِيٌّ قاتلُ حمزة، وذلك أنَّ اللَّه أنزل فيه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، فأسلم وَحْشِي، فقال المشركون: قُبِلت توبته، وأُنزِلت فيه آية، ولم ينزل فينا شيء، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٢).
وقال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ أناسًا أصابوا ذنوبًا عِظامًا في الجاهلية، وظنوا (^٣) أنهم مأخوذون بها لا توبةَ لهم فيها، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٤).
_________________
(١) رواه بنحوه الطبري وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢٣٨)، وذكره ابن كثير في "تفسيره" عند هذه الآية من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. ولم أقف عليه في "تفسير الطبري".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٦٨٣).
(٣) في (ف) و(أ): "وأيقنوا".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٢٥).
[ ١٣ / ٥٥ ]
وقرأ ابن مسعود ﵁: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يشاء) (^١).
وروت أسماء بنت يزيد: أنَّ النبي -ﷺ- قرأ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولا يبالي، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ " (^٢).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: التَّسميةُ بـ ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ مدحٌ، والوصفُ بأنهم أسرفوا ذمٌّ، فلما قال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾ طمِع المطيعون أنْ يكونوا هم المقصودين بالخطاب، فرفعوا رؤوسهم، ونكَّسَ العاصي رأسه، وقال: مَن أنا حتى يقول لي هذا؟! فقال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾، فانقلبت القصة، فالذين نكَّسوا رؤوسهم انتعشوا، وزالت ذِلَّتهم، والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت صَوْلتهم، ثم أزال الأُعْجُوبة عن القصة بما قوَّى رجاءهم بقوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، يعني: إِنْ أسرفْتَ فعلى نفْسِكَ أسرفْتَ، ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: أي: بعدما قطَعْتَ اختلافَكَ إلى بابنا، فلا ترفعْ قلبَكَ عنا.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: الألف واللام للاستغراق والعموم، و﴿الذُّنُوبَ﴾ جمع، و﴿جَمِيعًا﴾ تأكيد، فكأنه قال: أغفِرُ ولا أتركُ، وأعفو ولا أُبقي (^٣).
* * *
(٥٤) - ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾: أي: ارجعوا بالانقطاع إليه بالعبادة.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢٠/ ٢٢٦)، و"إعراب القرآن" للنحاس (٤/ ١٣)، و"الكشاف" (٤/ ١٣٥) وزاد نسبتها لابن عباس.
(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٧)، والإمام أحمد في "مسنده" (٢٧٥٦٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٤٣)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ثابت، عن شهر بن حوشب.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٨٧).
[ ١٣ / ٥٦ ]
وذِكْرُ الربِّ على معنى التنبيه على وجوب الإنابة إليه؛ إذ كان هو المالكَ والمدبِّرَ والمُربِّيَ، فهو الأحقُّ بالانقطاع إليه بالعبادة والتعظيم مِن جماد لا يضُرُّ ولا ينفع.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾: أي: انقادوا له، واجعلوا أنفسكم سالمةً له؛ أي: خالصةً مُسْلِمةً إليه لا ممنوعة، مسالِمةً له لا مُنازِعة.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾: في الدنيا والآخرة بعد الموت.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾: أي: وإذا أتاكم (^١) العذاب لم ينصُرْكم ناصر، ولم يمنعْكم مِن عذاب اللَّه مانع.
وقال الإمام القُشَيري: الإنابة: الرجوع بالكُلِّيَّة، والفَرْق بين الإنابة والتوبة: أنَّ التائب يرجع مِن خوف العقوبة، والمُنيبَ يرجع استحياءً لكرَمه، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾؛ أي: أخلِصوا، والإخلاصُ بعد الإنابة أنْ يعلَم أنَّ نجاته بفضله لا بإنابته، فبفضله وصلَ إلى إنابته، لا بإنابته وصلَ إلى فضله (^٢).
* * *
(٥٥) - ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: اتَّبعوا طاعة اللَّه فيما أَمر ونهى مِن أصل الإيمان وفروعه، فإنه أحسن ما أنزل اللَّه في الكتاب؛ لموافقتها دلائلَ العقول، ولحُسْن عاقبتها، والثوابِ الجزيل عليها، ويُقابلها الكفر والمعاصي؛ لقُبْحها في دلائل العقول، ولسوء عاقبتها، والعذابِ الأليم عليها.
_________________
(١) في (ف): "أذقناكم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٨٨).
[ ١٣ / ٥٧ ]
وقيل: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مِن أخبار الأمم الماضية، فإنما (^١) ذكَرْنا لكم أفعالَها: محاسنَها ومساوئَها، فاتَّبعوا محاسنها.
وقيل: أي: اتَّبِعوا القرآن، فإن اللَّه أنزلَ على رسوله القرآنَ وغيرَه، والقرآنُ أحسن ما أنزل، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣].
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: المُحْكَمات، وكِلُوا عِلْمَ المتشابهات إلى عالِمها (^٢).
وقيل: معناه: إنَّ العدلَ حسَنٌ، والفضلُ أحسنُ منه، وطلبَ الحق حسَنٌ، والعفوُ أحسنُ منه، والبدايةَ بالنَّفْس حسَنٌ، والإيثارُ أحسنُ منه.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: أي: فجأةً مِن حيثُ لا عِلْمَ لكم أنه يجيئُكم.
وقيل: العذابُ المذكور في الآية الأولى عذابُ الدنيا، والمذكورُ في هذه الآية عذابُ الآخرة بدليل ما بعدها.
* * *
(٥٦) - ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾: أي: لئلَّا تقولَ نفْس؛ كما في قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]؛ أي: لئلَّا تميدَ بكم.
وقيل: حذَرًا.
_________________
(١) في (أ): "فإذا"، وفي (ف): "فإنا".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٤٦).
[ ١٣ / ٥٨ ]
وقولُه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾: كلمةُ تأسُّفٍ وتلهُّفٍ، والألف في آخرها للنُّدْبة، وقد يُقال: يا حسرتاه، وكذلك: (يا ويلا ويا ويلاه)، و: (يا ويلتا ويا ويلتاه).
﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾: ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ؛ أي: على تفريطي، وهو التقصير.
﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾: قال ابن عباس والحسن وأبو عُبيدة وقُطْرُب: أي: في ذات اللَّه (^١).
وقال أبو عُبيدة في قول: في دِين اللَّه.
وقال الضحاك: في نعمة اللَّه (^٢).
وقال ثعلب: في أمر اللَّه، وأنشدَ:
خليليَّ كُفَّا واذكرا اللَّه في جَنْبي فقد لمتُما (^٣) في غير شيء ولا ذَنْبِ (^٤)
وقال القَفَّال: أي: فيما يتَّصِل بطاعة اللَّه ورضاه، ومجازُ الكلمة: في جَنْبٍ يُمال إلى اللَّه تعالى، وكذلك الجانب والجَنْبة والجَناب.
وقيل: هي صلة زائدة، ومعناه: في اللَّه، وأنشدوا لكُثَيِّر:
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ١٣٢) عن الحسن، وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٣/ ٦٨٤)، وذكره الماتريدي في "تفسيره" (٨/ ٦٩٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٢٩) من غير نسبة، وانظر قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ١٩٠).
(٢) لم أقف عليه، ذكر مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١٠/ ٦٣٦٤) عن الضحاك أنه فسرها بقوله: في ذكر اللَّه.
(٣) في (ف): "نلتما".
(٤) أنشد صدره الليثُ بن المظفر، كما في "تهذيب اللغة" للأزهري (١١/ ٨١)، وابن الأعرابي كما في "المحكم" (٧/ ٤٦٠) لابن سيده، وذكره الميداني في "مجمع الأمثال" (١/ ١٤١) من غير نسبة.
[ ١٣ / ٥٩ ]
ألا تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبِ عاشقٍ له كبِدٌ حرَّى عليك تَقَطَّعُ (^١)
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾: له وجهان: وما كنتُ إلَّا مِن الساخِرين، وقد كنتُ مِن الساخِرين؛ أي: في لعِبٍ مِن أمري في الدنيا وباطلٍ.
وقيل: أي: مع تفريطي في أمر اللَّه كنتُ أسخَرُ ممَّن لا يُفَرِّط في أمر اللَّه، ونظيرُه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] الآيات، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]؛ أي: الشرك والمعاصي.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا الكافر أعرَفُ بهداية اللَّه مِن المعتزلة، وكذا ما قال أولئك الكفرةُ لأتباعهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]، يقولون: لو وفَّقَنا اللَّه للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكنْ علِمَ منا اختيار الضلالة والغِواية، وتَرْكَ الرَّغْبة في الهدى، والاستخفافَ به، فأضلَّنا وخذَلَنا ولم يُوفِّقْنا، والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا (^٢).
* * *
(٥٨) - ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾: أي: رَجْعةً إلى الدنيا.
﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: نصبٌ بالفاء في جواب التَّمَنِّي.
_________________
(١) انظر: "ديوان كثير" (ص: ١٧٧)، و"الحماسة البصرية" (٢/ ١٢٢)، وفي الديوان: "حب" بدل: "جنب"، و(تصدَّع) بدل: "تقطَّع"، ونسب لجميل بثينة، كما في "ديوانه" (ص: ٢٩) من قصيدة مطلعها: أهاجك أم لا بالمداخل مربع.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٩٧).
[ ١٣ / ٦٠ ]
قال قتادة: وهذه مقالاتٌ ذكرَت أنَّ الكافر يقول ذلك يوم القيامة، ويحتمل أنْ يكون كلُّ قول لكلِّ صنف (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أنْ يكون كلُّ كلام مِن كلِّ كافر (^٢).
* * *
(٥٩) - ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿بَلَى﴾ لرَدِّ ما قبلها، وإثباتِ ما بعدها.
وفي هذه الآيات إشارات (^٣) إلى أنهم أضافوا التَّفريط، وذهاب العُمُر على اللَّهْو، وعدمَ هداية اللَّه، وتمنيَ الرجوع ليُحسنوا باختيارهم، أضافوا ذلك إلى عدم إتيان البيان على الإيضاح والإعلان، فردَّ اللَّه عليهم بهذا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: بلى، بيَّنَتْ لكَ الآياتُ الهدايةَ مِن الغِواية، والحقَّ مِن الباطل، والخيرَ مِن الشر، والصدقَ مِن الكذب، ومكِّنْتَ مِن اختيار الهداية على الغواية، والحقِّ على الباطل، والصدقِ على الكذب، لكنْ تركْتَ ذلك وضيَّعْتَ واستخفَفْتَ به واشتغَلْتَ بضده، فإنما جاء التضييع مِن قِبَلِكَ (^٤).
وأكثرُ القراء على التذكير في قوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾: على إرادة خطاب الإنسان، وقرأ بعضهم بتأنيثِ كلِّها؛ لسبق ذِكْر النَّفْس (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٩٧).
(٣) في (ف): "إشارة".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٩٨).
(٥) نسبها ابن خالويه في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣٢) للنبي -ﷺ- وأبي بكر، والثعلبي في =
[ ١٣ / ٦١ ]
(٦٠) - ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾: ويُقرأ: "وجوهَهم مسودةً" بالنصب على الترجمة والبدل (^١).
وكذِبُهم على اللَّه بوصفه بما لا يليق به، وسوادُ الوجوه قد يكون قبل دخول النار علامةً لهم، وقد يكون في النار بتغيير النار، وقد يكون عبارةً عن الخَيْبة والذِّلَّة والفضيحة.
وإسفارُ الوجه على خلافه، وعلى هذا قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾
_________________
(١) = "تفسيره" (٨/ ٢٤٨) لعائشة، ونقل عن المروزي أنها رواية السريجي عن الكسائي، وجعلها مكي في "الهداية" (١٠/ ٦٣٦٧) قراءة الجحدري. وقد وردت في حديث مرفوع رواه أبو داود في "سننه" (٣٩٩٠) من طريق الربيع بن أنس عن أم سلمة ﵂. قال أبو داود: هذا مرسل، الربيع لم يدرك أم سلمة. وعنى بقوله: مرسل، أنه منقطع، وإطلاق المرسل على المنقطع شائع عند الأئمة المتقدمين، وفيه علة أخرى وهي أبو جعفر الرازي فإنه ضعيف. وقد جاء في رواية الحاكم في "مستدركه" (٢٩٣١)، والطبراني في "الكبير" (٩٤٣)، تعيين الواسطة بينهما، وهو أبو العالية، فإن صح ذكر الواسطة يبقي ضعفُ أبي جعفر الرازي. ورواه البزار في "مسنده" (٣٦٧٢) عن عاصم الجحدري، عن أبي بكرة ﵁ مرفوعا، قال أبو زرعة: هذا الحديث منكر. انظر: "علل الحديث" لابن أبي حاتم (٦/ ٦٣٥). وقد أشار الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٣٨) إلى المرفوع، لكنه عقب ذلك بقوله: والقراءة التي لا أستجيز خلافها ما جاءت به قراء الأمصار مجمعة عليه، نقلًا عن رسول اللَّه -ﷺ-، وهو الفتح في جميع ذلك.
(٢) وهي قراءة شاذة. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٤٢٤)، و"غرائب التفسير" للكرماني (٢/ ١٠١٨)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (١٨/ ٣٦٢).
[ ١٣ / ٦٢ ]
[آل عمران: ١٠٦]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيات، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]، ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وقولُه تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: استفهام بمعنى التقرير؛ أي: هذا جزاء وقَعَ لهم باستحقاقهم، يُقيمون فيها خالدين.
وقولُه: ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبق، وهو قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾.
والتَّكبُّر والاستكبار واحد؛ كالتعجُّل والاستعجال، والتَّيَقُّن والاستيقان، ومثْلُه في قصة إبليس: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣].
* * *
(٦١) - ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: وهم على خلاف هؤلاء.
﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿بمفازاتهم﴾ على الجَمْع، والباقون: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾ على التوحيد (^١).
والمفازةُ: سبب الفوز؛ كقوله ﵊: "الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ" (^٢)؛ أي: سببُ البُخْلِ والجُبْنِ والجهل.
والمفازةُ على التوحيد: يُراد بها التقوى، وعلى الجمع: يُراد بها الطاعات.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٠).
(٢) رواه بهذا اللفظ الطبراني في "الكبير" (٦١٤) من حديث خولة بنت حكيم ﵂، والحاكم في "مستدركه" (٥٢٨٤) من حديث الأسود بن خلف، وأصله في السنن. قال العراقي: إسناده صحيح. انظر: "تخريج الإحياء" (ص: ١١٦٨).
[ ١٣ / ٦٣ ]
أي: ويُنجِّي اللَّه المتقين بتقواهم الشرك والمعاصي، أو بطاعاتهم.
﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: أي: المكروه وما يسوؤهم، أي: يُحزنهم، وهو كقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: بفَوْتِ محبوبٍ، وحاصلُه: لا يُصيبهم مكروه، ولا يفوتهم محبوب.
* * *
(٦٢ - ٦٣) - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: هو مُنشئ الأشياء كلِّها.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: أي: وهو القائم على كلِّ شيء بحفظه وتصريفه (^١) على ما يحب، وهو في معنى القيوم والقائمِ على كل شيء (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وهو المالك لمفاتيح خزائن السماوات والأرض، يحفظُها ويفتح على عباده منها ما يشاء.
وذِكْرُ المفاتيح مَثَلٌ، وكذلك ذِكْر الخزائن في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١].
ومعناه: وهو المكوِّن ما يريد كونَه، والحافظُ ما هو كائن منه والمُدبِّر له، والموصِل إلى عباده ما يشاء منه، وإذا كان هو المالكَ والمُصَرِّفَ كلَّ شيء، فهو المستحِقُّ للعبادة دون غيره مِن الأصنام، وهو في مُحاجَّة المشركين، وهذه
_________________
(١) في (أ): "يحفظه ويصرفه".
(٢) في (أ): "نفس".
[ ١٣ / ٦٤ ]
الكلمة مُسْتعملة مفهومةُ المراد؛ يُقال: ألقى إليَّ فلان مقاليد الأمور، ومفاتيح الأمور، وأَزِمَّة الأمور.
وقال الحُطَيئة يُخاطب عمر ﵁:
أنتَ الأمينُ لها مِن بعد صاحبها ألقى إليك مقاليدَ الهدى البشَرُ (^١)
فالمقاليد: جمع إِقْليد، على خلاف لفظ الواحد؛ كالمحاسن والمذاكير. قاله نِفْطَوَيْهِ والقُتَبِيُّ (^٢).
والإقليد أصلُه بالفارسية: كليد (^٣)، فعرَّبَته العرب، وتُكُلِّم به فصار عربيًا.
وقال المبرد: واحدها مِقْليد.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: قيل: المغبونون.
وقيل: الهالكون.
وغَبْنَهُم: ذهابُ عبادتهم الأصنامَ هَدرًا لا نَفْعَ له، وهلاكُهم: عقوبتُهم في النار عليها.
* * *
(٦٤) - ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "ديوان الحطيئة" (ص: ١٠٨)، ولفظه فيه: أنت الأمين الذي من بعد صاحبه ألقت إليك مقاليد النهى البشر
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (١/ ٣٩١).
(٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٨٤)، و"تفسير السمرقندي" (٣/ ١٩٣)، وفيهما أنه بالفارسية: "إكليد".
[ ١٣ / ٦٥ ]
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يَستميلونك بالإطماع في الأموال والنساء والرِّياسة والسَّناء إلى ما هُم فيه: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الذي هو خالقُ كل شيء، وهو على كلِّ شيء وكيل، له مقاليد السماوات والأرض ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ أنْ أعبُدَ؟!
وهذا توبيخٌ وتقريعٌ، وقطعٌ للأطماع، وإنكارٌ عليهم، وتجهيلٌ لهم.
أي: فما أنا بفاعل ذلك، فإنكم جاهلون بموضع اختيار العبادة؛ إذ لا يجوز أنْ يُعْبَد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا ينفع ولا يَضُرُّ.
و﴿أَعْبُدُ﴾: رُفِعَ حيث حُذِف الناصب، و﴿الْجَاهِلُونَ﴾: هم الكفار، كما أنَّ أولي العلم هم المسلمون في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
* * *
(٦٥) - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: مِن الأنبياء ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ولم يقل: أشركتُم.
قال أبو عُبيدة والأخفش: فيه تقديم وتأخير، وتقديرُه: ولقد أُوحي إليك لئن أشركْتَ -إلى آخره- وإلى الذين مِن قبلك (^١).
وقيل: أُوحي إليك وإلى كل واحد مِن الأنبياء: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؛ أي: كلُّهم مأمورون بالتوحيد والإخلاص، منهيُّون عن الكفر والإشراك، ودينُ الكل في هذا واحد، وهذا مما لا يجوز عليه النَّسْخ والتبديل.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٩١).
[ ١٣ / ٦٦ ]
﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾: أي: لَيَتَلاشيَنَّ ولَيَبطُلَنَّ ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: تفسيرُه وتقديرُه؛ لأنَّ عملَه إذا بطَلَ أثرُه وفات ثمرُه بقِيَ عناؤُه وخُسْرُه.
وقيل: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبق ذِكْرُه مِن قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
* * *
(٦٦) - ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾: أي: فاعْبُده ووحِّدْه ولا تُشركْ به غيرَه.
﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: فإنه المُنعم بالحقيقة، وشكرُ المنعم واجب بتعظيمه وإخلاص العبادة له.
ثم هذا الوعيد مع تحقُّق العصمة؛ لِما مرَّ مرات أنَّ العِصْمة هي الحفظ عن فعلِ ما عليه الوعيد، ولو زال النهي وارتفع الوعيد لبطَلت العِصْمة.
* * *
(٦٧) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: قيل: أي: وما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه.
وقيل: وما اعتقدوا في اللَّه ما يجب أنْ يُعتقَد فيه.
وقيل: أي: وما وصفوا اللَّه بما يستحِقُّ أنْ يوصف به، يعني: المشركين، فإنهم وصفوا اللَّه بما لا يليق به، وعجَّزُوه عن البعث والجزاء، وجوَّزوا عليه بعث رسول ظنوا فيه أنه يُطابقهم على مُرادهم بما استمالوه به مِن الأموال وغيرها، وهو ظنُّ السَّفَهِ (^١) باللَّه، تعالى اللَّه عنه عُلُوًّا كبيرًا.
_________________
(١) في (ف): "السفيه".
[ ١٣ / ٦٧ ]
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: مع أنه قادر على قَبْض الأرض كلها بسعَتها وطُولها وعَرْضها وعِظَم جُرْمها، وعلى تبديلها، وعلى طَيِّ السماوات بأَسْرها، ومَن قَدِر على ذلك كلِّه قَدِر على إحياء الموتى، ولم يَجُزْ عليه غيرُ الحكمة والصواب.
وذِكْرُ القَبْضة (^١) واليمين مِن المُتشابه.
ولَا يُفهَمُ مِن ذلك ما يُفهَم مِن أيدي الخَلْق وقَبْضتهم؛ لأنَّه تشبيه، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، بل يُفهَم منه التصرُّف فيها والقُدرة على تغييرها، وهو مُستعمل في كلام الناس على هذا المراد، يُقال: هذه الولاية في يد السلطان وفي قبضته، ويُراد به: الاستيلاءُ والقدرةُ، دون حقيقة إثبات اليد عليها وإدخالها في قبضتها.
وقيل: معنى قوله: ﴿قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أنه تَزول دعاوى المُدَّعين عنها، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وقيل: ذِكْرُ اليمين تحقيقُ المُلك؛ كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
وقال ابن عباس ﵄، وبه قال الكلبي مِن المفسرين، وقُطْرُب مِن أئمة الأدب: ﴿بِيَمِينِهِ﴾: أي: بقُوَّته (^٢). وأنشد الشَّمَّاخُ:
_________________
(١) في (أ) و(ف): "القبض".
(٢) كذا ذكره عن ابن عباس ﵁، ولم أقف عليه، والمشهور عن الصحابة والسلف عدم التأويل في أمثال هذه النصوص، وإن كان الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢) قد ذكر عنه تأويل اليمين بمعنى القدرة والقوة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ واللَّه أعلم بصحته. والقول أنها بمعنى القدرة ذكره الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٥٣) عن بعض النحويين البصريين، وهو قول المبرد أيضًا كما في "الهداية" لمكي (١٠/ ٦٣٧٦).
[ ١٣ / ٦٨ ]
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ تلقَّاها عَرَابةُ باليمين (^١)
أي: بالقوة.
وقيل في قوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾: أي: يقبِضها ويبسُطها.
وروى ابن عمر ﵄ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يأخذ اللَّه السماوات والأرض فيقبِضُها ويبسُطها، ثم يقول: أنا الجبَّار، أين الجبَّارون؟ أنا المتكبِّر، أين المتكبِّرون؟ " (^٢).
وفي رواية أبي هريرة ﵁: "أين الملوك؟ لِمَن المُلْك اليوم؟ " (^٣).
وقيل: ليس الإِدْراج على الطَّيِّ فقط (^٤)، بل له معانٍ في اللغة:
منها: الإخفاء، تقول العرب: طويتُ فلانًا عن أعين الناس، و: اطوِ هذا الحديثَ عني؛ أي: استُره.
ومنها: الإعراض، يقول الرجل (^٥): طوى فلان عني كَشْحًا؛ أي: أعرضَ عني.
ومنها: الإفناء، تقول العرب: طويتُ فلانًا بسيفي؛ أي: أَفْنَيتُه، فيَحتمِل أنْ يكون معناه: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: مَفْنِيَّاتٌ بقسَمه؛ لأنَّه أقسمَ أنْ يفنيَها (^٦).
_________________
(١) انظر: "ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني" (ص: ٣١٩) من قصيدة يمدح بها عَرابة بن أوس ﵁.
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" (٢٧٨٨).
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" (٤٨١٢)، ومسلم في "صحيحه" (٢٧٨٧).
(٤) يعني: من معاني الطي الإدراج كطي القرطاس والثوب، لكن ليس معنى الطي مقتصرًا على الإدراج. انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ٢٥١).
(٥) في (ر): "تقول الأعراب"، وفي (ف): "تقول: طويت الرجل".
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ٢٥١).
[ ١٣ / ٦٩ ]
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: جاء رجل مِن أهل الكتاب إلى النبي -ﷺ-، فقال: يا محمد! إنَّ اللَّه يُمسك السماوات على إِصْبَع، والأرَضين على إِصْبَع، والجبالَ على إِصْبَع، والبحارَ على إِصْبَع، والأشجار على إِصْبَع، فضحك رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: ما عرَفوه حقَّ معرفته، ولا عظَّموه حقَّ تعظيمه مما لا يحتمله وُسْعُ الخَلْق، فهو لم يُكلِّفْهم ذلك، وإنما كلَّفَهم ما احتمله وُسْعُهم، والمُشَبِّهةُ -خذَلهم اللَّه- حيث وصَفوه بما يوصف به الخَلْق، فلم يعرِفوه المعرفة التي يحتملها وُسْعُ الخَلْق، ولا عظَّموه التعظيم الذي يحتمله وُسْعُهم (^٢).
* * *
(٦٨) - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: أي: وقد كان نُفِخ في الصُّور قبل قَبض الأرض وطَيِّ السماوات.
﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: أي: فمات.
قال السُّدِّي: أي: إلا جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملكَ الموت، وهو في حديث مرفوع (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" (٧٤١٤)، ومسلم في "صحيحه" (٢٧٨٦).
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٧٠٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٥٤) عن السدي، ثم رواه عقبه مرفوعًا مطولًا من حديث أنس ﵁. وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف.
[ ١٣ / ٧٠ ]
وقال سعيد ابن جُبير ﵁: أي: إلا الشُّهَداء، فإنهم أحياءٌ عند ربهم (^١).
وقيل: إلا مَن سبَقَ موتُهم النَّفخةَ الأولى؛ لأنَّهم كانوا في السماوات والأرض أيضًا، فصحَّ استثناؤُهم منهم.
وقيل: هم حملة العرش.
وقيل: الحُور العِين، والغِلْمان، والوِلْدان، وخزَنة الجنة في الجنة (^٢)، وخزنة النار في النار.
ومنهم مَن أبهَمَه لإبهام النَّصِّ.
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾: أي: في الصُّور نَفْخة أخرى، وهي نَفْخة البعث، ودلَّت هذه الآية على نَفْختين.
وقيل: هي ثلاث نفَخات: نَفْخة الفَزَع؛ كما قال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل: ٨٧]، ثم نَفْخة الصَّعْق وهو الموت، ثم نَفْخة البعث، وكذا في حديث مرفوع (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾: يعني: فإذا الأموات قِيام مِن قبورهم وهُم ينظرون.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٤٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٥٥)، بلفظ: (هم الشهداء ثنيَّة اللَّه حول العرش، متقلدين السيوف). و(ثنية اللَّه)؛ أي: الذين استثناهم اللَّه من الصعق.
(٢) في (أ) و(ف): "والخزنة في الجنة".
(٣) رواه مطولًا إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٥٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٦٦٢١)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁. قال ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ٣٦٩): (سنده ضعيف مضطرب، وقد ثبت في "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن عمرو أنهما نفختان)، انتهى. قلت: رواه مسلم (٢٩٤٠).
[ ١٣ / ٧١ ]
قيل: هو نظَر العَين.
وقيل: هو الانتظار؛ أي: ينتظرون بماذا يُؤمرون، وأين يُحشرون، وبماذا يُعاملون.
* * *
(٦٩ - ٧٠) - ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾: أي: أضاءت أرض القيامة ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾؛ أي: بعَدْل ربها وقضائه بالحق بين عباده، وهي كلمة مُستعمَلة في هذا المعنى.
قال العباس بن عبد المطلب في رسول اللَّه -ﷺ-:
وأنتَ لمَّا وُلِدتَ أشرقتِ الأر ضُ وضاءَتْ بنورك الأُفُقُ
فنحن في ذلك الضياء وفي النْـ نُور وسُبْلِ الرَّشاد نَخْترِقُ (^١)
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يجوز أن يخلق اللَّه نورًا فتنوَّر به أرض الموقف (^٢).
والإضافة إلى اللَّه إضافةُ تخصيصٍ؛ كبيت اللَّه، وناقة اللَّه، وشهر اللَّه، ورُوح اللَّه، لا أنْ يُفهمَ منه نور هو صفة قائمة بذات اللَّه تعالى.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "نحترق"، وفي (ر): "تخترق"، والمثبت موافق لمصادر التخريج. الأبيات رواها ابن قتيبة في "غريب الحديث" (١/ ٣٥٩)، والطبراني في "الكبير" (٤١٦٧)، والحاكم في "المستدرك" (٥٤١٧)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٦٨)، من حديث خريم بن أوس ﵁. قال الحاكم: هذا حديث تفرد به رواته الأعراب عن آبائهم، وأمثالهم من الرواة لا يضعون. فتعقبه الذهبي في "السير" (٢/ ١٠٣) بقوله: قلت: لكنهم لا يُعرفون.
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٧٠٨ - ٧٠٩).
[ ١٣ / ٧٢ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: اسمُ جنسٍ بمعنى الجَمْع؛ أي: ووُضِعَت الكتب في أيدي الناس ليقرؤوها، وهي صحائف الأعمال المكتوبة عليهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾: أي: وأُحْضِر موقفَ الحساب النبيون لِيُسألوا عما أجابتهم به أممُهم.
و﴿الشُّهَدَاءِ﴾: هم المؤمنون يشهدون على الكفار.
وقيل: هُم هذه الأمة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقيل: هُم الملائكة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، أي: ملَكٌ يسوقه إلى الموقف، ويشهد عليه بما عمل، وهُم الحَفَظة.
وقيل: هُم الشُّهداء في سبيل اللَّه.
ويجوز أنْ يكون الجميع مُرادًا به.
وقولُه تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: وتفسيرُه ما قال بعده: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾؛ أي: مِن خير وشر، فلا يُزاد في شرٍّ، ولا يُنقَصُ مِن خير.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: أي: واللَّهُ أعلمُ بما كانوا يعملون مِن غير كتاب ولا شاهد.
* * *
(٧١) - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
[ ١٣ / ٧٣ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾: وهذا تفصيلُ ما أُجمِلَ في قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾.
والسَّوْقُ: الحَثُّ على السَّير، والزُّمَرُ: الجماعات، والواحدة: زُمْرة.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: وهي سبعة.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: أي: حفَظةُ جهنم، وهم الملائكة الموكَّلون بتعذيب أهلها:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: وهذا توبيخ وتقريع، وفيه زيادةُ إيلامٍ وتوجيع.
يقولون: أوَ ليس قد جاءكم مِن عند اللَّه رسُلٌ آدميُّون مثلُكم، تعرفونهم وتألفونهم، وتعرفون شفقتهم عليكم، وصيانتهم فيما بين يديكم (^١)، فقرَؤوا عليكم كتابَ ربكم الذي كان علَمًا (^٢) على درَكِ الحق، وأنذروكم ما تَلْقَونه في يومكم هذا، وخوَّفوكم المصير إليه؟!
﴿قَالُوا بَلَى﴾: أي: قد أتَوْنا وأنذرُونا ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: تحقَّقَ وعيدُ اللَّه، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥].
وقولُه: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: على مَن كفر به منا ومِن سائر أهل جهنم.
* * *
(٧٢) - ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: أي: فتقول لهم الخزَنة: فادخلوا إذًا أبوابَ جهنم
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فيما بينكم".
(٢) في (أ): "عالمًا".
[ ١٣ / ٧٤ ]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لاستحقاقكم ذلك بكُفركم على ما قُسِمَ لكم مِن درَكاتها، فهي مَثْواكم، وبئس المَثْوى، وهو قولُه:
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: الذين لم ينقادوا لرُسُل اللَّه، فلم يؤمنوا.
* * *
(٧٣) - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾: أي: ويُسرَعُ بالمؤمنين أيضًا إلى الجنة، وبيَّنَ اختلافهما في هذه الحالة في آية أخرى، فقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]، فالمُتَّقون يجيئون إليها مُكْرَمين رُكْبانًا، والمجرمون يُدَعُّون إليها دعًّا.
و(سِيق): ظاهرُه ماضٍ، ومعناه مستقبل؛ لأنَّه أمرٌ كائنٌ لا محالةَ، فأُلْحِق بالموجود.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾: قيل: الواو: مُقْحَمةٌ زائدة (^١)؛ كما في قوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وفي قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥].
وقيل: هي عاطفة، وجواب ﴿حَتَّى إِذَا﴾ مُضْمَر في آخرها.
قال الزجاج: قال المبرد: جوابُه المُضْمَر في آخر الآية: سُعِدوا، ونحو ذلك.
قال: وقيل: معناه: حتى إذا جاؤوها وقد فُتِحَت أبوابها.
_________________
(١) "زائدة" ليس من (ف).
[ ١٣ / ٧٥ ]
قال: وعندي: الجوابُ عند قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ دَخَلوها (^١).
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: أي: حفَظة الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يتلقَّوْنهم بتحيَّةٍ مِن عند اللَّه.
وقيل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: سلامةٌ لكم مِن كلِّ مكروه.
﴿طِبْتُمْ﴾: أي: كنتم في الدنيا طيِّبين غير خبيثين؛ أي: مؤمنين مُطيعين غير كافرين عاصين. قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال: ﴿كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦].
أي: صلُحتم لهذه الدار بذلك الطِّيب.
وقيل: هو دعاءٌ لهم منهم للحال؛ أي: لازِلتم طيبين، وهو تمامُ قولهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ومعناه: لا زال يحسُنُ على الأسماع ذِكْرُكم، وعلى الأبصار مناظرُكم، ويدومُ لكم الثناء والذِّكْر الجميل مِن ربكم.
وقيل: هو دعاءٌ بطِيب العَيش؛ أي: طاب لكم دخولُها والعيشُ فيها.
وعن عليٍّ ﵁ قال: إذا جازوا (^٢) الصراط أُتي بهم إلى باب الجنة، فإذا هُم بشجرة تحتها عَينان مِن الماء، فيشربون مِن إحداهما، فتطهُرُ قلوبهم مِن الغِلِّ والغِشِّ والآفات، ثم يغتسلون مِن الأخرى، فتطهُر أبشارُهم، فحينئذ تقول لهم خزَنة الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
(٢) في (أ) و(ف): "جاوزوا".
(٣) رواه مطولًا عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٤٦)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٠٠٤)، والطبري في =
[ ١٣ / ٧٦ ]
وقال قتادة: رُوِي أنهم إذا ورَدوا النار حُبِسوا على قَنْطَرة، فيَقْتَصُّ بعضهم مِن بعض، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا قيل لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (^١).
* * *
(٧٤) - ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾: بإدخال الجنة ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾: أي: أرض الجنة ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾: لِسَعتها وكثرتها نتمكَّن منها (^٢) ونتقلَّبُ فيها حيث نشاء، لا نُمنَع مِن ذلك، ولا يضيقُ عنا ذلك.
﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: بالطاعة.
وقال الإمام القُشَيري: قيل لقوم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾، وقيل لقوم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وقيل لقوم: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، وفَرْقٌ بين مَن يُساق إلى الجنة، وبين مَن تُقَرَّبُ إليه (^٣) الجنة، فالأول للظالمين، والأوسط للمُقتصِدين، والآخِر للسابقين (^٤).
_________________
(١) = "تفسيره" (٢٠/ ٢٦٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٨٤١٣). قال ابن حجر في "المطالب العالية" (١٨/ ٦٤٧): حديث صحيح، وحكمه حكم المرفوع، إذ لا مجال للرأي في مثل هذه الأمور.
(٢) ذكره عن قتادة الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٥٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٣٣). ورواه البخاري (٢٤٤٠) من طريق قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة".
(٣) في (ف) و(أ): "فيها".
(٤) في (أ): "يقرب إلى" بدل: "تقرب إليه". وفي "اللطائف": (تقرب منه).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٩٣).
[ ١٣ / ٧٧ ]
(٧٥) - ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾: أي: ﴿وَتَرَى﴾ يا محمد يوم القيامة عند فَصْل القضاء ﴿الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ﴾؛ أي: مُحْدِقين بالجوانب.
وقد حفَّ به القومُ: إذا صاروا في حِفافه؛ أي: جانبه مِن حول العرش.
﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾: ﴿مِنْ﴾ صِلةٌ زائدةٌ؛ كقولكَ: جئتُ مِن قَبْل فلان؛ أي: قَبْله.
والعرشُ يحضُرُ عرَصَةَ القيامة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
وقولُه تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يُنزِّهون اللَّه تعالى ويحمدونه.
وقيل: معنى الباء في قولِه: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: أي: بتوفيق اللَّه تعالى يُسبِّحونه، وله الحمد.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي: بين الخَلْق.
﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: ويقول أهل الموقِف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقيل: يقولُه أهل الجنة إذا دخلوها؛ كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
وقال قتادة: بدأ اللَّه تعالى خَلْق العالَم بالحَمْد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآيةَ [الأنعام: ١]، وختَمَ القضاء بينهم بالحَمْد، فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٧٣)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٥٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٠).
[ ١٣ / ٧٨ ]
سورة غافر
[ ١٣ / ٧٩ ]