بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، الرحمنِ الذي أنشأ لنا السمع والبصر والأفئدة والأفهام، الرحيمِ الذي يسوق الماء إلى الأرض الجرُز فيُخرج به زرعًا تأكل منه البشر والأنعام.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "من قرأ سورة تنزيل (^١) السجدة وتبارك فكأنما أحيَا ليلة القدر" (^٢).
_________________
(١) "سورة تنزيل" من (أ).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٢٥) دون ذكر تبارك، وفي إسناده أبو عصمة نوح بن أبي مريم قال عنه الحافظ في "التقريب": كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. ورواه بذكر السجدة وتبارك ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٦/ ٥٣٥) من حديث ابن عمر ﵄، وزاد: "بين المغرب والعشاء الآخرة". قال الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ١٣١): في إسناده داود بن معاذ وهو ساقط. قلت: وقد روي مرسلًا ضمن حديث طويل رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٢٩٦) عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي فَرْوةَ، قال: (بَلَغَنا أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- قال. . .)، فذكره. وروي من قول طاوس وعطاء، رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٨١٨) عن أبي يونسَ عن طاوسٍ قال: "مَن قرأ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ)، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ كان مثلُ أجرِ ليلةِ القَدْر"، قال (يعني أبو يونس): فمرَّ عطاءٌ فقُلْنا لرجلٍ منَّا: ائته فاسأله، فقال: صَدَق، ما تركتُهما منذُ سمعْتُهما.
[ ١٢ / ٩٧ ]
وروى جابر ﵁: أن النبيَّ -ﷺ- كان لا ينام حتى يقرأ هاتين السورتين: تبارك والسجدة (^١). ويقول: فضِّلن على القرآن بستين حسنةً (^٢).
وروى أبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ في ليلةٍ سورة تنزيل السجدة، وسورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أو في يوم، بنى اللَّه له بيتان في الجنة، وكان كمَن وافق ليلة القدر، وحفَّت به الملائكة، وحفَّته بسورة (^٣) ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة، ومنعته ملائكةَ العذاب" (^٤).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ هي المانعة تمنع من عذاب القبر (^٥).
وسورة السجدة مكية إلا ثلاثَ آيات نزلت بالمدينة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ إلى قوله: ﴿كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ نزلت في عليِّ بن أبي طالب ﵁ وعُقبةَ بنِ أبي معيط على ما نبيِّن إن شاء اللَّه تعالى.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٤٦٥٩)، والدارمي في "سننه" (٣٤١١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٨١٦)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٢٠٧) و(١٢٠٩)، والترمذي (٢٨٩٢)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٧٠٦ - ٧٠٩)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٧٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٤٥)، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه لأن مداره على حديث ليث بن أبي سليم عن أبي الزبير.
(٢) ليس هذا حديثًا، لكن رواه الدارمي في "سننه" (٣٤١٢)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٨١٧)، والترمذي عقب الحديث (٢٨٩٢)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" عقب الحديث (٦٧٥) عن ليث بن أبي سليم عن طاوس قوله، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" عقب الحديث (١٢٠٧) عن ليث عن أبي الزبير قوله. ووقع في بعض الروايات: (بسبعين حسنة).
(٣) في (ر) و(ف): "سورة".
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٢ / ٩٨ ]
وهي تسع وعشرون آيةً، وثلاثون في قول، والاختلاف في قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وكلماتها ثلاثُ مئة واثنان وسبعون، وحروفها ألف وخمسُ مئة وأربعة وعشرون (^١).
* * *
(١ - ٢) - ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم﴾ مرت الأقاويل فيه.
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال في ختم تلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ وقال في افتتاح هذه: ﴿الم﴾ ومعناه: أنا اللَّه أعلمُ.
وانتظام السورتين: أنهما في بيان وحدانية اللَّه تعالى، وذكرِ الكتاب والرسول، ومحاجَّةِ المشركين، ومدحِ المؤمنين، وبيانِ عاقبة الفريقين.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾: قيل: هذا جواب ﴿الم﴾، وقيل: أي: هذا تنزيل الكتاب.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه أنه من عند اللَّه. وقيل: أي: لا ترتابوا فيه.
﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: هو من ربِّ العالَمين، وهو كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠]، وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
قيل: هو جواب ﴿الم﴾، وقيل: أي: هذا ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٠٧)، وفيه: وكلمها ثلاث مئة وثمانون، وحروفها ألف وخمس مئة وثمانية عثسر.
(٢) "قيل هو جواب ﴿الم (١)﴾ وقيل أي هذا ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ "، من (ر).
[ ١٢ / ٩٩ ]
(٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: قيل: (أيقولون: افتراه محمد)، ويجوز أن يقدَّر قبله استفهام ثم يعطف عليه بـ ﴿أَمْ﴾: أيقولون: هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أم يقولون: اختلقه محمد.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي ليس كما يقولون أنه مفترًى، بل هو الحق من ربك يا محمد، رجع من المغايبة إلى المخاطبة، وهو من تلوين الكلام (^١).
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي لم يأتهم رسول منذرٌ وهم مشركو العرب.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أي: لتنذرهم العذاب إن أصروا على كفرهم فيُسْلِموا ويهتدوا إلى الحق.
* * *
(٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: فسرناه في سورة الأعراف.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾: أي: ليس لكم سوى اللَّهِ تعالى وليٌّ يتولى أموركم، ولا شفيع يشفع لكم إليه (^٢) إن متُّم كافرين؛ أي: فإليه وحده فافزعوا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وهو تلوين الخطاب".
(٢) في (ف): "ولا شفيع يشفع إليه"، وفي (ر): "ولا شفيع لكم إليه يشفع".
[ ١٢ / ١٠٠ ]
فلن ينفعكم أحد دونه كما يتوهَّم المشركون من ولاية آلهتهم وشفاعتها.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: أفلا تتَّعظون بمواعظ اللَّه.
* * *
(٥) - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾: أي: يدبر الأمر من السماء فيَنزل به بعض ملائكته من السماء إلى الأرض (^١)، فيُلقي ذلك إلى الذي أُمر بإلقائه إليه من الرسل.
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾: أي: يعرج الملك ﴿إِلَيْهِ﴾: إلى الموضع الذي أُمر بالعروج إليه من السماء.
وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾: في نزول الملك إلى الأرض وعروجه منها إلى السماء ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: من أيامكم في الدنيا؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرةُ خمسِ مئة عام، فإذا قطع الملَك ذلك في يوم واحد نازلًا وصاعدًا حصل له (^٢) مسيرة ألف سنة في يوم واحد.
وهذا التدبير هو ما يكتب في اللوح المحفوظ للملائكة الموكَّلين به، حتى إذا رأوا ذلك قد وجد في اللوح المحفوظ عرفوا أنه أراد أن ينزلوا به إلى نبيِّه في الأرض، فيفعلون ذلك ثم يرجعون إلى مكانهم الذي كانوا فيه.
_________________
(١) "من السماء إلى الأرض" من (أ).
(٢) في (ف): "حصل قاطعًا".
[ ١٢ / ١٠١ ]
وقوله: ﴿يَعْرُجُ﴾: ظاهره يرجع إلى الأمر فهو المذكور قبله (^١)، ومعناه: عروج المأمور بتبليغ ذلك الأمر.
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ﴾ ظاهره يرجع إلى اللَّه تعالى، ومعناه: العروج إلى المكان الذي كان الخطاب الأول فيه والأمر بالعروج إليه.
وقيل: ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى السماء، فقد ذكر قبله وهو يذكَّر ويؤنَّث، قال اللَّه تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] وقال الشاعر:
فلو رَفَع السماءُ إليه قومًا لكنا في السماء مع النجوم (^٢)
وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ قيل: ﴿كَانَ﴾ زائدة؛ كما في قوله: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
وقيل: معناه: إن هذا مما عرفتُموه من قبلُ، فأما قوله في سورة ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فهو يومُ القيامة وذلك مقدارُه.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.
_________________
(١) بعدها في (ف): "يرجع إلى اللَّه تعالى".
(٢) البيت للفرزدق، وهو في "ديوانه" (١/ ٣٣)، و"شرح نقائض جرير والفرزدق" لأبي عبيدة (٣/ ١١٠٥)، ودون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٢٨) و(٣/ ١٩٩)، و"تفسير الطبري" (٢٣/ ٣٩١)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ١٤٣)، و"المذكر والمؤنث" لأبي بكر الأنباري (١/ ٤٩٣)، وغيرها. ورواية الديوان: (الإله) بدل (السماء)، وعجزه في المصادر: لحقنا بالسماء مع السحاب
[ ١٢ / ١٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: أي: الموصوف بما مرَّ عالمٌ بما غاب عن الخلق وما شهِدوه وما (^١) شاهدوه، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيع بسلطانه فلا يغالَب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بخلقه بإيصال المنافع ودفع المضار.
قوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: قرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم: ﴿خَلَقَهُ﴾ بتحريك اللام وهو ماضٍ، ومعناه: أتقن كلَّ شيء قد خلقه كما قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨].
وقيل: أي: عَلِم كلَّ شيء قد خلَقه، من قولهم: قيمة كل شيء ما يحسنه؛ أي: عَلِم قبل أن يخلقه أنه كيف يكون إذا خلقه، وعَلِم بحاله ومدةِ بقائه، وما يكون منه وما يحتاج إليه إلى انقضائه.
وقيل: عَلِم ما خَلَق فلم يَحتجْ أن يَحتذيَ فيه على مثالٍ سَبَق.
وقيل: أي: جعَله حسنًا، على معنى: أنه خلق ما له (^٢) أن يخلقه، ومَن فعَل ما ليس له أن يفعله فقد أساء، أو: جعَله حسنًا على ما علَّق به من الحكمة وجعَل فيه من الدلالة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بتسكين اللام (^٣) على أنه مصدر والفعل واقعٌ عليه، وتقديره: أحسن خَلْق كلِّ شيء، ثم هو يقع على الإتقان وعلى العلم وعلى التحسين على ما مر، وظاهرُ نَظْمه أن قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مفعول به، وقوله: ﴿خَلَقَهُ﴾ بدلٌ عنه، وهو كقوله: ضربتُ زيدًا رأسه.
_________________
(١) "ما" ليست في (أ).
(٢) بعدها في (ر): "قبل".
(٣) وهي قراءة ابن عامر أيضًا. انظر: "السبعة" (ص: ٥١٦)، "التيسير" (ص: ١٧٧).
[ ١٢ / ١٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾: أي: بدأ خلقَ آدم من طينٍ وهو التراب المبلول بالماء.
* * *
(٨ - ٩) - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾: أي: نسل آدم، وهو ما توالَدَ منه من الذرية ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ أي: من ماءٍ سُلَّ من أصلاب الرجال ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ صفةُ السلالة أنها نطفةٌ ضعيفة رقيقة لا خطر لها عند الناس.
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾: أي: عدَلَه، ويجوز أن ترجع الهاء إلى ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ويجوز أن ترجع إلى النسل.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾: أي: أدخل فيه الروحَ الذي خلقه (^١) له، والإضافة إليه للتشريف؛ كبيت اللَّه، وناقة اللَّه، وشهر اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: أي: جعَل لكم معاشرَ الناس ما تسمعون به فتميِّزون به (^٢) بين الأصوات، وما تبصرون به فتميِّزون به بين الأشخاص والألوان، والأفئدةَ حتى تعقلوا بها الأمور وتتدبروها.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: وهذا حثٌّ على الاستكثار من الشكر له على ما ابتدأهم به من هذه النعم لينالوا به النعيمَ المقيم في الآخرة أيضًا (^٣).
_________________
(١) في (ف): "خلقت".
(٢) "به" ليس في (ف).
(٣) في (ر): "النعيم في الجنة أيضًا".
[ ١٢ / ١٠٤ ]
(١٠) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي: وقال المشركون المنكرون للبعث للأنبياء: إذا بَلِينا في الأرض وهلَكت أجسادنا فيها فلم تتبيَّن لأنَّا صرنا ترابًا كما يَضِلُّ الماء في اللبن فلا يتبين فيه نعاد بخلقٍ جديد (^١) فنَحيَى كما كنا قبلَ موتنا؟! أي: إن هذا عجَبٌ منكَر، فهذا استفهام بمعنى الإنكار.
﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لِمَا قبله صريحًا أو تقديرًا، وتقديره هاهنا: ليس لهم (^٢) جحودُ قدرة اللَّه تعالى على البعث و(^٣) الإعادة؛ لأنَّا نبهناهم بالآيات على قدرتنا، لكنْ قد اعتقدوا ألَّا دارَ للحساب والجزاء، فهم لهذا ينكرون البعث والإحياء بعد الموت.
* * *
(١١) - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾: أي يقبض أرواحكم ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ لإحصاء آجالكم وقبض أرواحكم، وهو عزرائيل ﵇.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: في (^٤) القيامة، فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكم عليها.
وأضاف التوفِّيَ هاهنا إلى ملك الموت، وإلى الملائكة في قوله تعالى:
_________________
(١) في (ر): "أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جديد" بدل: "نعاد بخلق جديد".
(٢) في (ف) و(أ): "بهم".
(٣) "البعث و" ليس في (أ) و(ف).
(٤) في (أ): "يوم".
[ ١٢ / ١٠٥ ]
﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، وإلى نفسه في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]، والجمع بينها: أن الملائكة -وهم (^١) أعوان ملك الموت- ينزعون الروح إلى الحلقوم، ثم يقبضه ملك الموت، واللَّه تعالى هو الآمِرُ بذلك، وهو الخالق لأفعال العباد (^٢)، والإضافةُ إليه بالأمر وبالتخليق أيضًا.
* * *
(١٢) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾: أي: ولو ترى يا محمد ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هذا بيانُ حالهم إذا رجعوا إلى اللَّه يوم القيامة ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ -وهو الذين قالوا ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ - ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ حياءً وخزيًا (^٣) ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عند حساب ربهم والعرض على ربهم (^٤).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾: أي: يقولون: يا ربنا أبصرنا الآن ما لم نكن نُبصره في الدنيا وسمعنا ما لم نكن (^٥) نسمع؛ أي: تيقنَّا بالبعث وزالت (^٦) الشكوك.
﴿فَارْجِعْنَا﴾: أي: إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ أي: الإيمانَ والطاعة ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ بالبعث والحساب، وأنه لا ينفعنا عبادةُ مَن كنا نشركُه بك.
_________________
(١) "وهم" ليست في (ف).
(٢) في (أ): "البشر".
(٣) في (ر) (ف): "وخوفًا".
(٤) في (أ): "أيهم" في الموضعين.
(٥) "نكن" ليست في (أ) و(ف).
(٦) في (أ): "وزوال".
[ ١٢ / ١٠٦ ]
وقيل: معناه: ربنا لك الحجةُ علينا، فقد أبصرنا رسلك وآياتِ وحدانيتك، وسمعنا كتابك ووعظ أنبيائك، فلا حجة لنا عليك ولكن بنا حاجةٌ إليك، وهو أن تَرْجِعَنا إلى الدنيا لنُطيعك، فقد تيقنَّا أنه لا ينفعنا عندك إلا العملُ الصالح.
وجواب ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ محذوف، وتقديره: لرأيتَ منظرًا هائلًا؛ كقولك: لو رأيتَ فلانًا وقد أخذته السياط.
* * *
(١٣) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: ولو شئنا لأعطَينا (^١) كلَّ نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيارُ ذلك لاهتدوا، ولكن لم نعطهم ذلك اللطفَ لَمَّا علمنا منهم اختيارَ غيرِ ذلك.
وعلى قول المعتزلة: شاء أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها لكنها لم تهتد.
فقولهم مخالفٌ للآية؛ لأنَّهم يقولون: شاء أن تهتديَ كلُّ نفس، وآتَى كلَّ نفس ما تهتدي به لكنها لم تهتد، لكنهم يقولون: المشيئة هاهنا (^٢) مشيئةُ الجبرِ والقسر.
فيقال لهم: زعمتُم أنه قد شاء أن يهتدوا وآتاهم ما يهتدون به، فلم يهتدوا ولم تنفذ مشيئتُه، فكيف يقدِر ويملك أن يشاءَ مشيئةً تقهرُهم وتجبرهم حتى يهتدوا؟ وكيف يؤمَنُ على ذلك؟ فذلك بعيد على قولكم.
_________________
(١) في (ر): "لآتينا".
(٢) بعدها في (ر): "ليست"، وليست في "التأويلات".
[ ١٢ / ١٠٧ ]
ويقال لهم أيضًا: إن الإيمان به والتوحيدَ في حال القهر والقسر لا يكون إيمانًا؛ لأن القهر والجبر يرفع (^١) الفعل عن فاعله ويحوِّله عنه، فكيف يصح تأويلكم على هذا؟!
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أي: وجَب القول مني لمَّا علمتُ أنه يكون منهم ما يستوجبون به جهنم، وهو ما علم منهم أنهم يختارون الردَّ (^٢) والتكذيب (^٣).
* * *
(١٤) - ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا﴾: عاد الكلام إلى خطاب المجرمين في القيامة، وكان قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ في الآية كلامًا معترِضًا.
وقيل: هو متصل؛ قال محمد بن كعب القرظي: بلغني أن أهل النار إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ردَّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية ﴿فَذُوقُوا﴾؛ أي: يقال لهؤلاء: قاسوا العذاب ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾؛ أي: بترككم العمل لهذا اليوم كأنكم نسيتُموه فلم تذكُروه ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾؛ أي: تركناكم في جهنم (^٤).
وقيل: أي: جازيناكم على نسيانكم.
_________________
(١) في (ر): "يخرج"، وفي (ف): "يرجع". والمثبت من (أ) و"التأويلات".
(٢) في (ر): "الكفر".
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٣٥).
(٤) قطعة من خبر طويل رواه عن محمد بن كعبٍ الطبريُّ في "تفسيره" (١٧/ ١١٩).
[ ١٢ / ١٠٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: أي: واعلموا أن هذا العذاب خالدٌ لكم غيرُ زائل عنكم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: هذا لكم بأعمالكم من الكفر والمعاصي.
* * *
(١٥) - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: إن هؤلاء المشركين لإلفهم الشركَ وتقليدهم الآباءَ في أنه لا بعثَ ولا حساب ولا جزاء لا يؤمنون بآياتنا؛ أي: القرآن، إنما يؤمن بها المتدبِّرون لها المستمِعون إلى مواعظها، فهم إذا قرئ عليهم القرآن ووُعظوا به ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ للَّه على وجوههم تذلُّلًا للَّه وتعظيمًا لآياته ﴿وَسَبَّحُوا﴾؛ أي: في سجودهم ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
قيل: يقولون: (سبحان اللَّه وبحمده) في السجود.
وفي بعض الأخبار أن النبيَّ -ﷺ- كان يقول في سجوده ذلك (^١).
ويجوز أن يكون التسبيحُ تنزيهَ اللَّه تعالى عما لا يليق به، وحمدُ اللَّه وصفَه بصفاته العلى وتسميتَه بأسمائه الحسنى، فإذا قال: (سبحان ربي الأعلى) فقد نزَّه اللَّه عزَّ وعلا بقوله: (سبحان ربي) وحمِده بقوله: (الأعلى).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٧٩٤) و(٨١٧)، ومسلم (٤٨٤)، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكثرُ أن يقولَ في ركوعِه وسجودِه: "سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبِحَمْدِك، اللهمَّ اغفِرْ لِي" يَتأولُ القرآن.
[ ١٢ / ١٠٩ ]
(١٦) - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾: أي: تتباعد ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: جمع مضجع، يقول: تتباعدُ جنوب هؤلاء وتنوء ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^١): مواضع الاضطجاع من الفُرش وغيرها؛ شغلًا منهم بالصلاة في أوقات اضطجاع الناس للنوم والاستراحة.
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾: في الصلاة وخارج الصلاة.
﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خوفًا من عقابه وطمعًا في ثوابه.
خوفًا من نقمته وطمعًا في رحمته.
خوفًا من فراقه وطمعًا في لقائه.
وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أي: يتصدَّقون نفلًا وفرضًا (^٢)، ذاك بالنفس وهذا بالمال.
وقيل: ومما رزقناهم من القرآن يقرؤون (^٣)، وهو أوفق لما قبله.
قال ابن عباس ﵄: هؤلاء قوم كانوا يجتمعون العشاءَ والمغرب مع النبي -ﷺ-، فأثنى اللَّه عليهم بذلك (^٤).
_________________
(١) "المضاجع" من (أ).
(٢) بعدها في (ر): "لأن".
(٣) في (ر) و(ف): " ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ من القرآن".
(٤) رواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٦/ ٥٤٦) عن ابن عباس قال: أنزلت في صلاة العشاء الآخرة، كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- لا ينامون حتَّى يصلوها. ورواه عنه مرفوعًا بلفظ: "هم الذي لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهم".
[ ١٢ / ١١٠ ]
وقال أنس: كان أصحاب النبيِّ -ﷺ- يعملون من النهار فإذا جنَّهم الليل قاموا (^١) بين المغرب والعشاء حتى صلَّوا العشاء الآخرة، فأَحيوا ما بينهما بالصلاة (^٢).
* * *
(١٧) - ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: أخفَوا أعمالهم فأخفَى اللَّه جزاءهم، يقول: لا يعلم أحد كُنْهَ ما يعطي اللَّه هؤلاء المؤمنين في الجنة من الثواب الذي تَقَرُّ به أعينهم مما أخفاه اللَّه عنهم.
وقيل: هو وعد الرؤية، فإن عين المؤمن لا تَقَرُّ إلا برؤية اللَّه.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "اضجعوا". وانظر التعليق الآتي.
(٢) رواه أبو داود (١٣٢١) و(١٣٢٢)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦١٠)، ولفظ الطبري: (عن أنس ﵁: أن هذه الآية نزلت في رجال من أصحاب النبيّ -ﷺ-، كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. لكن ذكر الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٣٣٧) عن أنس روايتين فقال: روي عن أنس بن مالك ﵁ أنها نزلت في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، لكن اختلفت عنه الروايات: ذكر في بعضها: أنها نزلت في نفر من عمال أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كانوا يعملون النهار، فإذا جن عليهم الليل اضطجعوا بين المغرب والعشاء فناموا، فلما نزل هذا اجتنبوا عن ذلك. وذكر عنه: أنهم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء؛ فنزلت الآية فيهم. فإن كان هذا فنزول الآية لذلك يخرج مخرج المدح لهم والثناء الحسن، وإن كان الأول فهو على النهي والتوبيخ لذلك. قلت: وقد صح عن النبيِّ ﵇ تفسيرها بقيام العبد من الليل. رواه الترمذي (٢٦١٦) وصححه، والنسائي في "الكبرى" (١١٣٣٠)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦١٤)، من حديث معاذ ﵁.
[ ١٢ / ١١١ ]
وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: جزاءً لهم من اللَّه تعالى على هذه الأعمال.
وروت أسماءُ بنت يزيدَ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إذا جمع اللَّه الناس يوم القيامة نادى منادٍ: سيَعلم أهل الجمع مَن أولى بالكرم، أين الذين ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾] الآية؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب.
ثم ينادي منادٍ: سيَعلم أهل الجمع مَن أولى بالكرم، أين الحمَّادون للَّه في السرَّاء والضرَّاء؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب.
ثم ينادي منادٍ: سيَعلم أهل الجمع مَن أولى بالكرم، أين الذين لا تُلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب.
ثم يحاسب (^١) مَن سواهم من الناس" (^٢).
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "قال اللَّه تعالى: أعددتُ
_________________
(١) في (ف): "ثم ينادي مناد للحساب فيحاسب".
(٢) رواه هناد في "الزهد" (١٧٦)، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (٢٣٠٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٣٢)، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء به، وعبد الرحمن بن إسحاق هو الواسطي، وهو ضعيف كما في "التقريب". ورواه عبد بن حميد في "مسنده" (١٥٨١) من طريق أبان بن أبي عياش عن شهر به. وأبان متروك كما في "التقريب". وله شاهد من حديث عقبة بن عامر ﵁ رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٥٠٨) من طريق عبد اللَّه بن عطاء عن عقبة وصححه، لكن عبد اللَّه بن عطاء لم يدرك عقبة كما ذكر المزي في "تهذيب الكمال" (١٥/ ٣١٢). وروي نحوه عن ابن عباس ﵄، رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٥٣ - زوائد نعيم)، والحارث بن أبي أسامة كما في "بغية الباحث" (١١٢٢)، وقال الحافظ في "المطالب العالية" (٤٥٥٧): هذا موقوف إسناده حسن.
[ ١٢ / ١١٢ ]
لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر" قال أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^١).
* * *
(١٨) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾: ذكر وعيدَ الكافرين ووعد المؤمنين، ثم عجَّب عباده ممن سوَّى بين الفريقين، فقال: ﴿أَفَمَن﴾ وهو استفهام بمعنى النفي، يقول: أفمَن كان متقادمَ الإيمان كمَن كان فاسقًا خارجًا عن طاعة اللَّه يَهتكُ (^٢) الحرمةَ فيما بينه وبين اللَّه؛ أي: إن هذا لا يكون.
وقال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ ولم يقل: يستويان؛ لأن (مَن) جنسٌ يصلح (^٣) للجمع.
والآية نزلت في علي بن أبي طالب ﵁ والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان بينهما تنازعٌ في شيء، فقال الوليد لعلي ﵁: إلى كم تهدِّدني؟! فواللَّه إني لأحدُّ منك سنانًا، وأشجعُ منك جَنانًا، وأبسطُ منك لسانًا، وأملأ منك حشوًا في الكتيبة، فقال له علي ﵁: اسكت يا فاسق، فأنزل اللَّه هذه الآية تصديقًا لعليٍّ ﵁ (^٤)، ونزل أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ في الوليد.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٧٩)، ومسلم (٢٨٢٤).
(٢) في (أ): "متهتك"، وفي (ف): "مهتك".
(٣) في (أ): "فصلح".
(٤) رواه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٠٤٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٢١)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٤٩)، عن ابن عباس ﵄. وكذا أورده في تفاسيرهم السمرقندي والثعلبي والواحدي والبغوي وابن عطية وابن الجوزي، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٢٥) عن عطاء بن يسار مرسلًا. =
[ ١٢ / ١١٣ ]
(١٩ - ٢٠) - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هو تفصيل قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، فإن المؤمنين في جنات المأوى ناعمون.
﴿نُزُلًا﴾؛ أي: رزقًا وعطاءً لهم بأعمالهم الصالحة.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾: أي: إذا رفعهم لهب النار إلى أعلاها رُدُّوا إلى مواضعهم فيها بضرب الزبانيةِ إياهم بمقامع الحديد، قاله الحسن (^١).
﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أي: وتقول لهم خزنة النار: قاسُوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون، والتذكير راجعٌ إلى العذاب، وإن جعل راجعًا إلى النار فلأن تأنيثها ليس بلفظيٍّ ولا حقيقيٍّ، فيجوز التذكير فيه للَفْظه.
* * *
(٢١) - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾: أي: هؤلاء الفساقَ ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾؛ أي: العذاب في الدنيا من القتل والسبي، وقيل: هو يوم بدر.
_________________
(١) = لكن نقل ابن عطية عن الزجاج [في "معاني القرآن" (٤/ ٢٠٨)] وغيره أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، قال: وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية؛ لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول اللَّه -ﷺ- من بدر.
(٢) ذكره عن الحسنِ. يحيى بنُ سلام في "تفسيره" (١/ ٣٦٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٣/ ١٥٠). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٤٩٨) عن أبي ظبيان.
[ ١٢ / ١١٤ ]
وقيل: هو مصائب الدنيا وشدائدُها في النفوس والأموال والقَحْط.
وقيل: هو عذاب القبر.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: أي: قبل العذاب الأكبر، وهو عذاب الآخرة؛ أي: يجمع اللَّه لهم العذابين، ونظيره: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
وقال الحسن: ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: البلايا ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾؛ أي: لا (^١) العذابِ المستأصِل (^٢)، يعني: لا يكون ذلك لهذه الأمة، فعلى قوله العذابان جميعًا في الدنيا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: ليرجعوا إذا انتبهوا بالعذاب الأدنى، وهذا إذا حمل الأدنى على ما دون القتل، فإن حُمل على القتل فمعنى قوله: ﴿يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: لعل الآخرين يعتبرون بهم فيرجعون.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: أي: وُعِظ بها ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فتولى عنها فلم يقبلها، فلا أحق بالعذاب في الدنيا والآخرة من هذا.
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾: أي: إنَّا من هؤلاء الفسَّاق المشركين منتقِمون تمييزًا بين المحسن والمسيء.
_________________
(١) "لا" من (أ).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٣٠٧) بلفظ: (عقوبات الدنيا)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٢٩) بلفظ: (مصيبات الدنيا)، ولم أجد باقي الخبر عن الحسن، بل روى عنه قَتادة: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ يوم القيامة. رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٣٣).
[ ١٢ / ١١٥ ]
وقال القشيري: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾؛ أي: أفمَن كان في حلةِ الوصال يجرُّ أذيالها كمَن هو في مَذلَّة (^١) الفراق يعاني وَبالها.
أفمَن كان في رَوح إقبالنا عليه كمَن هو في محنةِ إعراضنا عنه.
أفمَن بقي معنا كمَن بقي عنا.
أفمَن هو في ضياء العرفان ونهار الإحسان (^٢) كمَن هو في ليالي الكفران ووحشة العصيان والهجران.
أفمَن أُيِّد بنور البرهان وأُطلع على (^٣) شموس العرفان كمَن رُبط بالخذلان ووُسم بالحرمان؛ لا يستويان ولا يلتقيان (^٤).
وقيل: ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: الخذلان في الذلة، و﴿الْأَكْبَرِ﴾: الهجران عن الوُصلة.
﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ لقوم محنُ الدنيا، و﴿الْأَكْبَر﴾ عقوبةُ العُقبى.
ولقوم ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: فترةٌ تتداخلُهم في عبادتهم، و﴿الْأَكْبَر﴾ قسوةٌ تصيبهم في قلوبهم.
ولقوم ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: وقفةٌ في سلوكهم تمسُّهم (^٥)، و﴿الْأَكْبَرِ﴾ حَجْبةٌ عن مُشاهدتهم [تنالهم]، قال قائلهم:
_________________
(١) في (أ): "ملة".
(٢) في (ر) و(ف): "وبهاء الإحسان". وعبارة "اللطائف": "في نهار العرفان وضياء الإحسان".
(٣) في "لطائف الإشارات": "وطلعت عليه".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات": (٣/ ١٤٤).
(٥) في مطبوع "اللطائف": "تنيبهم".
[ ١٢ / ١١٦ ]
أدَّبْتَني بانصرافِ الطَّرْفِ يا ثِقَتي فانظُرْ إليَّ فقد أحسَنْتَ تأديبي (^١)
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ؛ أي كما أعطيتُك القرآن.
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾: أي: في شكٍّ من أنك ستلقاه يوم القيامة، وتكونان (^٢) مع سائر الأنبياء في المراتب العالية التي أُعدَّت لكم.
وقال ابن عباس ﵄: أي: فلا تكن في شكٍّ في أنك لقيتَه في ليلةِ المعراج (^٣)، وأكرمك اللَّه بالاجتماع معه، وإراءةِ مشاهد ملكوت السماوات، فثِق بكرامتك على اللَّه وامضِ لِمَا أنت عليه من الدعاء إلى دِين اللَّه صابرًا عليه.
وقيل: معناه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ فلقيه مِن قومه الأذى فصبر عليه ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ في أنْ تلقى ما لقي هو، واصبر كما صبر هو تُحمد العاقبة كما حُمدها هو.
وقال الزجاج: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ﴾ لقاء موسى الكتابَ (^٤).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات": (٣/ ١٤٥).
(٢) بعدها في (ف): "يوم القيامة".
(٣) قطعة من حديث رواه البخاري (٣٢٣٩)، ومسلم (١٦٥)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٣٦)، من طريق قتادة عن ابن عباس في قصة الإسراء.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٠٩)، وزاد: (ويكون الهاء للكتاب، ويكون في لقائه ذكرُ مُوسى، ويجوز أن يكون الهاء لموسى، والكتاب محذوف، لأن ذكر الكتاب قد جرى كما =
[ ١٢ / ١١٧ ]
وقيل: هذا يتَّصل بكلام متقدِّم، وتقديره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهذا المعترض يتصل بقوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾.
وقال عطاء: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ﴾ لقاء موسى الجبل دكًّا عند سؤاله الرؤية (^١).
وقال الشيخ أبو القاسم بن حبيب: روي عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: " ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ لنا غدًا ورؤيته لنا" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: قيل: أي: وجعلنا موسى هاديًا.
وقيل: الكتابَ هاديًا دالًّا إلى الحق.
* * *
(٢٤) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾: أي: من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةً﴾: قادةً يُقتدَى بهم.
﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: أي: يدلُّون الناس على الطريق المستقيم بأمرنا إياهم به، وهم أنبياء بني إسرائيل، وغيرُ الأنبياء أيضًا.
﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ بكسر اللام والتخفيف؛ أي: لصبرهم (^٣)، وقرأ الباقون: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ بفتح اللام وتشديد الميم (^٤)، يعني: إذ صبروا وحين صبروا.
_________________
(١) = جرى ذكر موسى). قال: (وهذا واللَّه أعلم أشبه بالتفسير).
(٢) ذكره الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٤٤٨) دون عزو.
(٣) ذكره القشيري في "لطائف الإشارات": (٣/ ١٤٦) من كلامه هو، ولم أجده مسندًا.
(٤) في (ف): "لتصبرهم".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٥١٦)، و"التيسير" (ص: ١٧٧).
[ ١٢ / ١١٨ ]
وقيل: على الجوع والصوم؛ كما قال: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢].
وقيل: أي: على تحمُّل (^١) البلايا وأذى الأعداء.
وقيل: على طاعة اللَّه.
وقيل: أي: عن محارم اللَّه.
وفيه دليل على أن الصبر ثمرتُه إمامةُ الناس.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾: عطفٌ على ﴿صَبَرُوا﴾ (^٢).
والآيات: التوراة.
وقيل: المعجزات التي كانت لموسى ﵇.
* * *
(٢٥) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾: أي: يَقطع الحكم بين هؤلاء المذكورين -وهم المؤمنون والكفار وبنو إسرائيل وغيرهم- في الآخرة وهو قوله:
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: من أمور الدنيا والدِّين، فيميِّز بينهم في الثواب والعقاب، فيَتبيَّن إحسان المحسنين وإساءةُ المسيئين، وحقُّ المحقِّ وباطل المُبْطِل.
وقال القشيري ﵀: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فعند ذلك
_________________
(١) في (أ): "تجرع".
(٢) فى (أ): "على ما صبروا".
[ ١٢ / ١١٩ ]
يتبيَّن المردود من المقبول، والمهجورُ من الموصول، والذَّميم من الرضيِّ (^١)، والعدوُّ من الولي، فكم من بَهجةٍ دامت (^٢) هنالك، وكم من مُهجةٍ ذابت عند ذلك (^٣).
* * *
(٢٦) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾: أي: أولم يتبين لهم إهلاكُنا القرونَ من قبلهم فيتَّعظوا أو يرتدِعوا عن الشرك.
﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾: أي: يمشي هؤلاء في مساكن المهلَكين في أسفارهم، وهي بلاد قوم صالح وشعيب ولوط؛ كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩].
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: أي: مَن فعَل فعلَهم جُزي جزاءهم ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ ما يوعظون به فيتعظوا به.
* * *
(٢٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أي: أولم يرَ هؤلاء المكذِّبون بالبعث ﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ وهو المطر ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾؛ أي: اليابسةِ التي لا نبات فيها، انقطع ذلك لانقطاع الأمطار، وهو من قولهم: سيف جُراز؛ أي: قطَّاع.
_________________
(١) في (ف): "والدميم من الوضي".
(٢) في (أ): "بهجة دامت" بدل من "مهجة هامت".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات": (٣/ ١٤٦ - ١٤٧).
[ ١٢ / ١٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾؛ أي: مواشيهم من الحشيش ونحوه ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ من الأطعمة والفواكه ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ هذا بأعينهم فيستدلُّوا به على أن مَن قدر على إحياء الأرض بعد موتها فهو قادرٌ على إحيائهم (^١) بعد موتهم؛ أي: أبصَروا ذلك فهلَّا استدلُّوا.
* * *
(٢٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: ويقول هؤلاء المنكِرون للبعث: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾؛ أي: الحكم والقضاء والفصل بيننا وبينكم على ما تذكرونه، والفتح: الحُكم، والفتَّاح: الحاكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنه كائن فبيِّنوا لنا وقته.
* * *
(٢٩) - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾: لأن إيمانهم إيمانُ اضطرارٍ، وقد قال اللَّه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: لا (^٢) يمهَلون بتأخير العذاب عنهم.
وقيل: هو فتح مكة، وكان موعودًا للنبي -ﷺ- وأصحابه، فكانوا يذكرون ذلك للكفار، فقالوا: متى هذا الفتح؟ فقال اللَّه تعالى مجيبًا لهم: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ وكان القائلون هذا قومًا من جَذِيمة، فلما فتحت
_________________
(١) في (ف) و(أ): "إحياء الناس".
(٢) "لا" ليست في (أ) و(ف).
[ ١٢ / ١٢١ ]
مكة هربوا، فلحقهم خالد بن الوليد ﵁، فأظهروا الإسلام فلم يقبله خالد منهم وقتلهم، فكان ذلك قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ ذكره الكلبي ﵀ وغيره (^١).
وقالوا: هذا غير صحيح؛ لأن أكثر أهل مكة آمنوا يومئذ فنفعهم إيمانهم.
وذُكرت هذه الحادثة من وجه آخر قال الحسن: إن رسول اللَّه -ﷺ- لما فتح مكة تحصَّن بنو جَذِيمة على (^٢) أعلى جبل، فأرسل إليهم خالد بن الوليد يستنزلهم، فقالوا: قد أسلمنا، قال: فانزلوا إن أسلمتم، فنزلوا فوضع فيهم السيف فقتلهم (^٣)، فأُخبر رسول اللَّه -ﷺ- بذلك، فقال -ﷺ-: "اللهم إني أبرأُ إليك مما صنَع خالد" (^٤)، ووداهم من غنائم خيبر.
وقال محمد بن إسحاق: كان بين خالد ﵁ وبني جَذيمة إحنةٌ في الجاهلية، وذلك أن بني جذيمة قتلوا عوفًا أبا عبد الرحمن بن عوف وقتلوا الفاكهَ عمَّ خالد بن الوليد.
وقال السدي: يعني: يوم بدر؛ لأن أصحاب النبي -ﷺ- كانوا يُوْعدونهم (^٥).
_________________
(١) ذكره عن الكلبي: أبو الليث في "تفسيره" (٣/ ٣٨).
(٢) في (أ): "إلى".
(٣) "فقتلهم" ليس من (ف).
(٤) لم أجده عن الحسن، هذا مع أنه مردود أيضًا؛ لأن فيه أن خالدًا ﵁ قتلهم بعد أن أسلموا وأعلنوا إسلامهم وعلم منهم هو ذلك، وصواب القصة ما رواه البخاري (٤٣٣٩) عن ابن عمر ﵄ قال: (بَعَث النَّبيُّ -ﷺ- خالدَ بنَ الوليد إلى بني جَذِيمةَ، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يُحْسِنوا أنْ يَقولوا: أسلَمْنا، فجعلوا يقولون: صَبَانا صَبَأنا، فجَعَل خالدٌ يَقتلُ منهم ويأسِرُ. . .) الحديث.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٣٥)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ١٦٣)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣١٠).
[ ١٢ / ١٢٢ ]
وقال ابن عباس ﵄: كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يقولون: يكون لنا يوم نغنم (^١) فيه ونستريح، فردَّ عليهم المشركون فقالوا: متى هذا الفتح؟ يعني (^٢): اليوم الذي تقولون (^٣).
* * *
(٣٠) - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: أي: عن قتالهم، وكان هذا قبل فرض القتال.
﴿وَانْتَظِرْ﴾: هذا الفتح يومَ القيامة، أو يوم بدر، أو يوم فتح مكة، فإنه كائن لا محالة.
﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾: أي: ماكثون إلى أن يكون ذلك، جعَلهم منتظِرين له وإن لم يقصدوا ذلك لأنه كان يأتيهم لا محالة، فكان كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾.
وقيل: إنهم منتظِرون نزولَ الموت بهم، وكانوا موقنين به.
وقيل: كان بعضهم شاكًّا فيه فكانوا ينتظرونه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥].
_________________
(١) في (أ): "ننتقم"، وفي (ف): "ننقم".
(٢) في (ر): "متى هذا الوعد أي"، وفي (ف): "متى هذا الوعد يعني".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٤٤) عن قتادة. وروى الحاكم في "المستدرك" (٣٥٥٣) وصححه، والبيهقيّ في "الدَّلَائِل" (٢/ ٣٢) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: يوم بدر فتح للنَّبي -ﷺ- فلم ﴿يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ بعد الموت.
[ ١٢ / ١٢٣ ]
وقيل: معناه: فأعرِضْ عن مكافأتهم على ذلك فإنَّا نكافئهم على ذلك، فانتظِرْ هلاكهم إنهم منتظِرون هلاكَكَ.
وروى مكحول ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ فهما القرينان (^١) يأتيان يوم القيامة لصاحبهما (^٢) الذي كان لا يدَعُهما كإنسانين من الناس يهديانه السبيل، ويكفَّان عنه الوعث (^٣)، ويسهِّلان له الطريق حتى يقف عند اللَّه، قال: فيقول لهما: جزاكما اللَّه من صاحبين وقرينين خيرًا قد أحسنتُما، فيقولان له: هل تدري مَن نحن؟ نحن اللَّذان كنتَ لا تَدَعُنا في قراءتك ليلًا، فلا نَدَعُك اليومَ حتى نشفعَ لك عند اللَّه ﵎" (^٤).
الحمد للَّه المعطي الوهَّاب، غافرِ الثواب مُجزل الثوب، قابلِ التوب شديدِ العقاب، والصلاة والسلام على خيرِ خلقك سيدِ البشر، والشفيعِ يوم المحشر، محمدٍ النبيِّ العربي المقدَّم على ذوي الألباب (^٥).
* * *
_________________
(١) في (ف): "القرينتان".
(٢) في (أ): "يوم القيامة بصاحبهما" وفي (ف): "يأتيان يوم القيامة بصاحبهما"، بدل: "يأتيان يوم القيامة لصاحبهما".
(٣) في (ر): "الرعب". والوعث: الطريق العسر.
(٤) لم أقف عليه، وإسناده ضعيف لإرساله.
(٥) في (أ): "اللهم نجنا من الظالمين اللهم ارزقني حوائجي وحوائج المحتاجين يارب العالمين" بدل: "الحمد للَّه المعطي الوهاب. . . ".
[ ١٢ / ١٢٤ ]
سورة الأحزاب
[ ١٢ / ١٢٥ ]