بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أنزل آيات الكتاب المبين، الرحمنِ الذي نصَر المرسلين وأهلك المكذِّبين، الرحيمِ الذي أمر نبيَّه بخفضِ جناحه لمن اتَّبعه من المؤمنين.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة طسم الشعراء كان له عشرُ حسنات بعددِ مَن صدَّق بموسى وكذَّب به، وإبراهيم ونوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيب، وبعددِ مَن صدَّق بمحمد وكذَّب به" (^١).
وهذه السورة مكيةٌ إلا أربعَ آيات نزلت بالمدينة: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخر السورة، نزلت في حسان وكعب وابنِ رواحة (^٢).
وهي مئتا آيةٍ وستٌّ وعشرون، وقيل: سبعٌ وعشرون (^٣)، الاختلاف في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] (^٤).
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٥٥)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٨٩٠)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) هذا قول ابن عباس وعطاء. انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٩٦).
(٣) "وقيل: سبع وعشرون" ليس في (أ). وفي المصدر السابق: "وهي مئتان وست وعشرون آية في المدني الأخير والمكي والبصري وسبع وعشرونَ في المدني الأول والكوفي والشامي".
(٤) وفي المصدر السابق: (اختلافها أربع آيات: ﴿طسم﴾ عدها الكوفي ولم يَعُدَّها الباقون. . .) إلى آخر ما قال.
[ ١١ / ٢٥١ ]
وكلماتُها ألف وثلاثُ مئة وتسعةَ عشرَ، وحروفُها خمسة آلاف وخمس مئة وسبعة وعشرون (^١).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة:
أنه قال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ وكان الدعاء بآيات الكتاب المبين، وعلى لسان المصطفى الأمين، فلم يستجيبوا فشقَّ عليه، فقال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾، وقال هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾.
وقال ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ وقال هاهنا: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وانتظام السورتين: أن تلك السورة في بيان إنزال آيات الكتاب، وإرسالِ الرسول، والدعاءِ إلى التوحيد، ووعدِ الموحدين ووعيدِ الجاحدين، وكذلك هذه السورةُ، وفيها بسطُ القول بإرسال الرسول، وتكذيبِ الأمم، وعاقبةِ الفريقين.
* * *
(١) - ﴿طسم﴾.
وقوله تعالى: ﴿طسم﴾: قال ابن عباس ﵄: هو قسمٌ أقسم اللَّه تعالى به (^٢).
وقال قتادة: هي فاتحة السورة (^٣).
_________________
(١) وفي المصدر السابق: (كلمها ألف ومئتان وسبع وتِسعون، وحروفها خمسة آلاف وخمس مئة واثنان وأربعون).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٤٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٤٧).
(٣) لم أجد هذا القول عن قتادة، والذي روي عنه في هذا هو قوله: (اسمٌ مِن أسماءِ القرآن)، رواه يحيى بن =
[ ١١ / ٢٥٢ ]
وقال مجاهد: هي اسم هذه السورة (^١).
وقال الحسن: هي أسماءُ اللَّه مقطَّعة الحروف (^٢).
وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم اللَّه تعالى بطَوله وسنائه وملكه (^٣) أنه لا يعذب أحدًا من هذه الأمة عاد إليه بلا إلهَ إلا اللَّه مخلصًا من قلبه.
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵃ أنه قال: عجزت العلماء عن علم تفسيرها (^٤).
وقيل: طا: شجرة طوبى، سين: سدرةُ المنتهى، ميم: محمد المصطفى، أقسم اللَّه بها.
_________________
(١) = سلام في "تفسيره" (٢/ ٤٩٥)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٠٦)، ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٤٢)، ومن طريق آخر ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٤٧) وزاد: أقسم به ربك، وكذا ذكره بهذه الزيادة يحيى بن آدم في رواية أخرى عن قتادة، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٥٦) وزاد نسبته لأبي روق. وأما ما ذكره المؤلف فقد روى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٤٧) عن الحسن قال: فواتحُ افتَتَح اللَّهُ بها كتابَه، أو: القرآن. ونحو ذلك ذكر عنه يحيى بن سلام أنه قال: لا أدري ما تفسيرُها غيرَ أنَّ قومًا من السَّلفِ كانوا يقولون فيها وأشباهِها: أسماءُ السُّور ومَفاتِحُها. وكذا روى الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٥) عن مجاهد في أمثالها أنها فواتح افتتح اللَّه بها.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٥٦).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ١٦٤) دون عزو، وقد ذكرنا قريبًا ما روي فيها عن الحسن.
(٤) إلى هنا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٥٦)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ٨)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٠٢). وروى عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٤٧) قوله: الطَّاءُ من الطَّولِ، والسِّينُ مِن القُدُّوسِ، والميمُ من الرَّحمن.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٥٦)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ٨)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٠٢).
[ ١١ / ٢٥٣ ]
وقيل طا: طوبى للمؤمنين، سين: سلام على المؤمنين، ميم: مملكة المؤمنين.
وقيل طا: طهارة أبدان الصالحين، سين: سلامة قلوب الزاهدين، ميم: مشاهدة أرواح العارفين.
وقيل: طا: طرب المشتاقين، سين: سرور (^١) العارفين، ميم: مناجاة المحبين.
وقيل: طا: طُول قيام المصطفى في خدمة ربِّ العالمين، سين: سؤالُ عفو الأمة من ربِّ العالمين، ميم: مقامه المحمود في شفاعة الخلق من رب العالمين (^٢).
* * *
(٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: أي: هذه آيات.
وقيل: ﴿تِلْكَ﴾ الآيات التي تقدَّم نزولُها ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: القرآن ﴿الْمُبِينِ﴾: المظْهِرِ دلائلَ وحدانيتنا، وصدقَ رسالتك، وما بالناس إليه حاجة.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أي: قاتلٌ نفسَك، وهو مثَلٌ لحرصه على إيمانهم.
وقيل: لتأسُّفه على كفرهم؛ قال تعالى في سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].
_________________
(١) في (أ): "سهر".
(٢) بعدها في (ر): "ميم مقامه المحمود الذي وعده أيضًا".
[ ١١ / ٢٥٤ ]
وقيل: شفقةً عليهم.
وقيل غضبًا للَّه، وهو كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾: أي: صارت رقابهم لنا خاضعةً منقادةً، وجمع بالياء والنون؛ لأنَّه وصفها بالخضوع وهو صفةُ مَن يعقل.
وقيل: الأعناق: الكُبَراء والسادة، يقال: هؤلاء وجوه القوم وأعناقُ القوم، يعني: إذا أسلم القادة أسلم الأتباعُ تَبَعًا لهم.
وقيل: الأعناق: الطوائف، وفي الخبر: "يخرج عنقٌ من النار" (^١)؛ أي: قطعةٌ وطائفة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ومعناه: إن يشأ إيمانهم ينزل (^٢) عليهم من السماء آية فيؤمنوا (^٣)، والمعتزلة حملوا ذلك على مشيئة القهر وآيةِ الاضطرار (^٤)، وهو باطل لأن الآية لا تَضطرُّ إلى الإيمان بدون الاختيار؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١]، ولأنهم يقولون يوم القيامة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ولا آية فوق رؤية أحوال يوم القيامة (^٥).
* * *
_________________
(١) قطعة من حديث رواه الترمذي (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: حسن غريب صحيح.
(٢) في (أ): "نشأ إيمانهم ننزل".
(٣) في (أ): "يؤمنوا" وفي (ر) و(ف): "فآمنوا به"، والمثبت من "التأويلات".
(٤) في (ف): "وأنه للاضطرار".
(٥) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٤٩).
[ ١١ / ٢٥٥ ]
(٥ - ٦) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: من وعظِ في القرآن ﴿مُحْدَثٍ﴾ في النزول والوصول.
وقيل: ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾: من شرف يحصل لهم؛ لأنَّهم إذا قبِلوه وعملوا به صار به لهم ذكرٌ في الناس.
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾: مولِّين على عادتهم.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾: أي: أقاموا على التكذيب ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: أخبارُ ما استهزَؤوا به وهو القرآن، وإتيانُ الخبر عبارةٌ عن حلول العقوبة، يقول: تفعل كذا وسيبلغك الخبر عن فعلك.
وقيل: فسيأتيهم وهم في النار أخبارُ الذين آمنوا بما كانوا هم به يستهزؤون؛ أي: خبرُ كرامتهم في الجنة.
وقيل: إتيان الخبر: وصول الوعيد عند الموت، أو عند البعث، أو قبل الوصول إلى العذاب.
وقيل: هو الإخبار بظهور هذا الدِّين وانتشارِ أحكام هذا القرآن الذي كانوا به يستهزؤون.
وقيل: سيأتيهم يومَ بدر.
قال مقاتل: نزل قوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ في أبي جهل بن هشام وأميةَ بن خلفٍ وأبيِّ بن خلف (^١)، آذَوْا رسولَ اللَّه -ﷺ- فضاق بأذاهم
_________________
(١) "وأبي بن خلف" ليس في (ف).
[ ١١ / ٢٥٦ ]
صدره، فنزلت عدة آيات: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] (^١).
* * *
(٧ - ٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: أي: صنفٍ حسنٍ ولونٍ حسنٍ (^٢) نفيسٍ مما يأكله الناس والأنعام، أفلا يعلم هؤلاء المكذبون بهذا الذكر أن ذلك لم يُخلق عبثًا وإنما خُلق لصلاح معاشهم قِوامًا لهم مدةَ مقامهم في دار الامتحان.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: إن في إنبات كلِّ زوجٍ كريم لعلامةً لوجوب شكره عليكم وإقراركم له بالوحدانية وإخلاصِ العبادة.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: وقد سبق في علمي وإرادتي أنَّ أكثر هؤلاء المشركين لا يؤمنون.
* * *
(٩ - ١١) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا يغالَب، فليس بعَجْزِه وضَعْفِه طالت مدةُ هؤلاء في الشرك والعُتُوِّ.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٥٨).
(٢) "حسن" ليست في (أ).
[ ١١ / ٢٥٧ ]
قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾: فلا يعجِّل بعقوبتهم إذ لا يَخاف الفَوْت، ويَقبل توبةَ مَن تاب منهم قبل الموت، ومن رحمته أيضًا إرسالُ الرسل وإنزالُ الكتب لإرشادهم، وتنبيههم (^١) على صلاحهم وفسادهم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنتقِمُ من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾: المنعِم على أوليائه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾: أي: واذكُر يا محمد لقومك إذ دعا ربُّك موسى، يعرِّفه بقصة موسى وما بعدها من قصص سائر الأنبياء، وأن اللَّه واصَلَ الحجج لعباده ودعاهم إلى توحيده وطاعته، والأنبياءُ صبروا على أذى الأمم، فكان النصرُ والفرج للموافِقين والهلاكُ والعقوبة على المخالفين، فكذلك أنت وقومك.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: قال له ذلك ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدلٌ وترجمةٌ عن الأول، ذكَر في بعض الآيات الإرسال إلى فرعون لعنه اللَّه، وفي بعضها إلى فرعون وملئه، وبيَّن هاهنا أنه كان مبعوثًا إلى كلِّ قومه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التوبيخ، وهي كلمة استبطاءٍ (^٢) وحثٍّ.
* * *
(١٢ - ١٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: أي: لا يصدِّقوني فيَردُّوا أمرك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾: أي: بتكذيبهم ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ بضيقِ صدري.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وتثبيتهم".
(٢) في (ر): "استيصاء" وليست من (ف).
[ ١١ / ٢٥٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: أي: اجعله رسولًا معي، وعونًا لي، وشرحًا لصدري، وإطلاقًا للساني، وتقويةً لي على القيام بأمرك على الوجه.
وقيل: يضيق صدري غضبًا لك، وإذا اشتدَّ الغضب ضاق الصدر ولم ينطلق اللسان.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: أي: دعوَى ذنبٍ بقتلِ القِبْطيِّ بالوكزة دفعًا عن السِّبطي.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: بذلك فاكْفِني فلا كافي إلا أنت.
* * *
(١٥) - ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾.
﴿قَالَ كَلَّا﴾: أي: قال اللَّه تعالى: لا يقدرون على قتلك.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبَا﴾: أي: اذهب أنت وأخوك فقد أجبتُك إلى ما سألتَ مِن ضمِّه إليك.
وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: أي: ببراهيننا، وهي اليد والعصا وغيرُ ذلك و﴿بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: مع آياتنا، كقولك: دخل بسيفه؛ أي: مع سيفه.
وقيل: أي: فاذهبا وأنا أُمِدُّكما بآياتي؛ أي: حُججي عند المحاجَّة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: أي: أنا معك ومع هارون ومع فرعون وملئه سامعٌ لِمَا يجري عليكم و(^١) بينكم، لا يخفى عليَّ شيءٌ من ذلك، والاستماعُ
_________________
(١) "عليكم و" ليست في (أ).
[ ١١ / ٢٥٩ ]
في غير هذا الموضع (^١): الإصغاء للسماع، ولا يجوز حملُه هاهنا على ذلك فحُمل على السماع، والافتعالُ بمعنى الفعلِ كثيرٌ؛ يقال: كتب واكتَتب، وسلب واستَلب، وخطف واختَطف، ونهب وانتَهب.
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إنما وحَّد لأنه في معنى الرسالة، وهي مصدرٌ فلا تثنَّى، قال الشاعر:
لقد كذَب الواشون ما بُحتُ عندهمُ بسرٍّ ولا أرسلتُهم برسولِ (^٢)
أي: برسالة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: بأنْ أطلق بني إسرائيل عن الاستعباد، وخلِّهم يذهبوا حيث شاؤوا، وهو كإرسال الصيد وأهلِ القيد (^٣).
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾: أضمر هاهنا: فأَتَياه فقالا له ذلك، فقال:
_________________
(١) في (ر): "الوضع" وليست في (أ).
(٢) البيت لكثيِّر. انظر: "ديوانه" (ص: ٢٧٨)، و"تفسير الطبري" (١٧/ ٥٥٤)، ورواية الديوان: (بليلى) بدل "بسر"، و(برسيل) بدل "برسول".
(٣) في (ر): "وحل القيد" وليست من (ف).
[ ١١ / ٢٦٠ ]
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾؛ أي: أليس قد أخذناك من اليمِّ فاسترضعنا لك وغذوناك ﴿فِينَا﴾؛ أي: بيننا و(^١) في منازلنا ﴿وَليِدًا﴾: طفلًا مولودًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾: كنايةٌ عن قتلِ القِبْطي.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: من أهل كفران نعمتي؛ إذ قتلت رجلًا من شيعتي.
وقيل: أي: وأنت الآن تكفر نعمتي، وتدعوني إلى طاعتك، وتدَّعي أن لك إلهًا غيري، وتأمرني أن أُفسد عليَّ مملكتي بإرسال بني إسرائيل معك.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: أي: ضربتُه وأنا من الجاهلين بما يَؤُول إليه الضرب، لم (^٢) أعلم أنه يصير قتلًا (^٣)، والضالُّ عن الشيء هو الذاهب عن معرفته.
وقال نفطويه: أردتُ أمرًا فضلَلْتُ عنه.
وقوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾: أن تقتلوني، وذلك حين (^٤) قال له
_________________
(١) "أي: بيننا و" ليس في (ف).
(٢) في (ف): "لا".
(٣) في (ر): "قتيلًا".
(٤) في (ف): "لما".
[ ١١ / ٢٦١ ]
مؤمن من (^١) آل فرعون: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ الآية [القصص: ٢٠]، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١].
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾: أي: نبوَّةً؛ لأن صاحبها يَحكم على الناس بشرائع الدِّين فيَلزمُهم طاعتُه.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أرسلني إليك وإلى قومك.
* * *
(٢٢) - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: قال الفراء: هذا إقرارٌ من موسى لفرعون بمنَّته بما ربَّاه.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: استعبَدْتهم ولم تستعبِدْني، بل ربَّيتني في دارك وأدخلتَني في جملةِ أهلك، قال: ومثاله: أن يضرب الرجلُ أحدَ عبديه ويتركَ الآخرَ، فيقولَ المتروك: هي نعمةٌ عليَّ أن ضربتَ فلانًا وتركتَني، ثم تُحذف: وتركتني؛ لأن المعنى قائمٌ معروف (^٢).
ثم تقريب هذا الكلام: أن المنَّة تقتضي شكرًا ومقابلةً بالجميل، فإذا نبَّهتُك على رشدك، وخلَّصتُك من عذاب ربك، ودعوتُك إلى صلاح دينك ودنياك، فقد شكرتُك وقابلتُ نعمتك بما لا شيءَ أجملُ منه.
وقيل: هذا من موسى إبطالُ أن يكون ما امتَنَّ به عليه نعمةً، وفي أوله مضمر
_________________
(١) "من" من (أ).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٧٩).
[ ١١ / ٢٦٢ ]
وهو استفهام، وتقديره: أوتلك نعمةٌ تمنُّها عليَّ أن اتَّخذتَ (^١) بني إسرائيل عبيدًا وهم أهلي ورَهْطي، ولو لم تفعل ذلك ولم تعبِّدهم لكفلني أهلي ولم يُلقوني في اليمِّ؟ فليس هذا موضعَ امتنانٍ منك، ولا موضعَ اعتقادٍ مني لك به (^٢) منه.
وقيل: معناه: إنك أحبطت ما كان لك (^٣) عليَّ من المنَّة حيث عبَّدْتَ قومي ورَهْطي، وهو كمَن يمنُّ على الرجل بشيءٍ يسيرٍ بعد أن أساء إليه في أشياءَ كثيرة، فيقول: كيف تمنُّ عليَّ بأنْ وهبتَني درهمًا وقد أخذتَ مني ألوفًا؟!
وقيل: معناه: إنك تمنُّ عليَّ بأنِ استَعْبدْتَ بني إسرائيل حتى ربَّوني (^٤) وهم قومي والحِراصُ على تربيتي، وذلك أن أمه هي التي أرضعَتْه والذين ربَّوه من ذويها (^٥) فهم مِن نساء بني إسرائيل دون نساء القبط، فقال له: أيُّ مِنَّةٍ لك عليَّ في التربية وإنما تولَّى ذلك مني مَن لو لم يكن أنت لكان هو يربِّيني.
ثم إن فرعون سار مع موسى إلى المساءلة في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] فقال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قيل: أراد به: أيُّ شيء هو؟ ومن أيِّ الأجناس هو؟ كأنه ظن أن الذي يذكُره موسى من أحد أجناس الأجسام، فأعرض موسى عن الجواب من هذا الوجه وسار إلى الدلالة على اللَّه تعالى بأفعاله التي تشهدُ لذوي العقول على الصانع العالم القادر:
* * *
_________________
(١) في (أ): "عبدت".
(٢) في (أ): "مني له".
(٣) "لك" من (ف).
(٤) في (ف): "رموني".
(٥) في (ر) و(ف): "دونها".
[ ١١ / ٢٦٣ ]
(٢٤) - ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: مدبِّر ذلك ومصرِّفه، فإليه أدعو لا إلى مَن له مائية (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: أي: إن كان قصدكم أن تعرفوا ربَّ السماوات حتى تُفيضوا إلى اليقين.
وقيل: إن كنتم موقنين بما تعاينونه، فربُّ العالمين ربُّها.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
فوقع عند فرعون أنه لم يجبه عما سأله، وأنه أخبره بشيء آخر (^٢) لم يعرف حقيقته (^٣): ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾: معجِّبًا لهم من جواب موسى؛ أي: ألا تستمعون ما أسأله عنه وما يجيبني به.
فعاد موسى إلى مثل قوله الأول فـ ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: هو خالقُكم ومصرِّفكم ومدبِّركم على ما يريد، وخالقُ آبائكم الأولين ومدبِّرهم
_________________
(١) المائية: الماهية، وهي حقيقة الشيء التي يسأل عنها بـ (ما). قال أبو البقاء في "الكليات" (ص: ٧٥٣): المَاهِيّة منسوبة إلى لفظ (ما) بإلحاق ياء النِّسْبَة بلفظ (ما)، ومثل (ما) إذا أُريد به لفظه تلحقه الهمزة، فأصلها: مائية؛ أي: لفظ يُجَاب به عن السُّؤال بـ (ما)، قلبت همزته هاء لما بينهما من قرب المخارج، أو الأصل: (ما هو)؛ أي: الحقيقة المنسوبة إلى (ما هو)، فحذف الواو للخفة المطلوبة وأبدلت الضمة بالكسرة للياء، ثمَّ عوض عن الواو التَّاء).
(٢) "آخر" ليست في (أ).
(٣) في (ف): "لم يعرفه حقيقة".
[ ١١ / ٢٦٤ ]
ومصرِّفهم؛ أي: ليس الطريق إلى معرفته ما سألتَني عنه من المائية (^١)، إنما الطريق إلى معرفته الاستدلال عليه بما قلتُ.
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
فلما رآه فرعون ثابتًا على مثل جوابه الأول لا يجيبه عن الماهية ﴿قَالَ﴾ لمن حوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾: يستهزئ به؛ يقول: إن هذا الذي يزعم أنه رسول اللَّه أرسله إليكم لمجنونٌ لا يعقل ما يقال له، فهو يُسأل عن شيء ويجيب عن غيره.
فعاد موسى ثالثةً إلى مثل كلامه الأول بالدلالة على اللَّه تعالى بأفعاله ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: ربُّ العالمين هو الذي يُطلع الشمس ويُغربها، وهو خالقهما ومصرِّفهما (^٢) على هذا الانتظام والاتِّساق (^٣) الذي ترونه وتشاهدونه (^٤).
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ما يقال لكم، وكانت لكم عقولٌ تقفون بها على الكلام والمقصود، فرَبُّ العالمين هو المدلولُ عليه بهذه الأشياء؛ لظهور آثار الصَّنعة فيها، وشهادتِها أن لها صانعًا عالمًا قادرًا لا يُشبهها.
* * *
(٢٩) - ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "الماهية".
(٢) في (ر): "خالقها ومصرفها".
(٣) في (ر) و(ف): "والأسباب".
(٤) في (ر): "الذي ترون وتشاهدون".
[ ١١ / ٢٦٥ ]
فلما أوضح موسى ﵇ عمَّا أراد، ترَك مساءلة موسى إذ لم يتهيَّأ له أن يدفع ظهور آثار الصنعة مما ذكر، فاشتغل بتوعُّده بالحبس: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: أي: لأسجُنَنَّك مع مَن سجَنْتُهم لسعيهم في فساد مملكتي وتفريقِ شمل رعيتي.
وقيل: لمَّا قال موسى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سأل فرعون عن مقدار مُلك مَن أرسله على ما يُسأل (^١) مثله من الملوك إذا وردت رسلهم، فيقول هذا: ما ملكُ (^٢) صاحبك؟ أي: ما مقدار ملكه وسلطانه؟ فقال موسى صلوات اللَّه عليه: هو ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، فعجَّب جلساءه من جوابه وقال لهم: ألا تستمِعون ما يقول موسى من سَعة ملك مَن أرسله (^٣)؟ أي: متى يكون هذا؟ فأوضح موسى ذلك وقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وكان في هذا تضليلُ هؤلاء الذين يعبدون مِن دون اللَّه، فكان هذا أشنعَ من الأول عندهم، وأبعدَ من وفاق فرعون فيما يدَّعي من الربوبية، فقال: هو مجنون إذ يزعم (^٤) أن له إلهًا غيري، فيزداد موسى ﵇ في بيانه فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فاعقِلوا وميِّزوا بين مَن يملك الدنيا كلَّها من شرقها إلى غربها وبين مَن لا يعدو ملكُه حدود مصر، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾؛ أي: أصرَرْتَ على عبادة هذا لأجعلنك من أهل السجون، وكان إذا سجن أحدًا لم يخرجه من سجنه حتى يموت فيه (^٥)؛ قطعًا لإفساده.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "سأل".
(٢) "ملك" من (ف).
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "على ما سأل مثله".
(٤) "يزعم" ليست في (أ).
(٥) "فيه" ليست في (ر).
[ ١١ / ٢٦٦ ]
(٣٠ - ٣٢) - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾: أي: أرأيت لو جئتُك بشيء يُبين لك صدقَ دعواي الرسالةَ وأنه ملك الملوك، أتجعلني من المسجونين إن عبدتُ هذا الإله؟ فلم يتهيأ له دفعه فـ ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك.
وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: أي: فتحوَّلت عصاه ثعبانًا أبانَ عن نفسه أنه ثعبان، وقال في آية أخرى ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠] والجان إلى الصغر ما هي، فالتوفيق بينهما: أنه صار ثعبانًا في خلقته جانًّا في خفَّته.
* * *
(٣٣ - ٣٥) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من كمِّه (^١) ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ كالثلج ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: لمن نظر إليه.
﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِلْمَلَإِ﴾؛ أي: للأشراف ﴿حَوْلَهُ﴾ ليلبِّس عليهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: في السحر.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾؛ أي: يُلقيَ العداوةَ والفُرقة بينكم ويستميلَ بعضكم ليحارب به بعضكم فيُخرجَكم من بلادكم.
وقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: أي: تشيرون به في أمره من حبسٍ أو قتلٍ أو غيرِ ذلك.
_________________
(١) "من كمه" من (أ).
[ ١١ / ٢٦٧ ]
(٣٦ - ٣٩) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ (^١): أي: أخِّره، وقيل: احبِسْه ﴿وَأَخَاهُ﴾ هارونَ كذلك ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ﴾: أي: أمصارِ ملكك ﴿حَاشِرِينَ﴾: رجالًا يَحشرون السحرة؛ أي: يَجمعون ويُحضرون ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: وها هنا مضمر: فأرسل فرعونُ في المدائن حاشرين فجمعوا لميقات يوم معلوم، وهو يومُ الزينة: يوم عيد أو (^٢) يوم نيروز كما مرَّ مرات.
﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾: أي: أن أصحاب فرعون قالوا للناس: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؛ أي: اجتمِعوا في هذا اليوم.
* * *
(٤٠ - ٤٢) - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
وقوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: أي: إنَّ الغلَبة تكون لهم فاجتمِعوا لنتَّبعهم؛ أي: لنكون من جملتهم وعلى دينهم وهو دينُ فرعون، و(لعل) للتحقيق هاهنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ أي: لتُرحموا.
قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾: أي: جاءوا فرعون ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؛ أي: جزاءَنا بالخير ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى وهارون.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أرجئه"، والمثبت من (أ)، وهما قراءتان سبعيتان.
(٢) في (ر) و(ف): "و".
[ ١١ / ٢٦٨ ]
﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم جزاء عندي ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾؛ أي: وتكونون مع ذلك مقرَّبين عندي في المنزلة (^١) والجاه، فتكونون أولَ مَن دخل عليَّ وآخِرَ مَن خرج.
وقيل: تدخلون عليَّ من غيرِ إذنٍ.
وقيل: تُقبل شفاعتكم فيمَن تشفعون لهم.
* * *
(٤٣ - ٤٥) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: أي: ما تريدون أن تُلقوه من الحبال والعصيِّ فستعلمون بطلانها وغلبةَ الحق.
﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾: قال القاسم بن أبي بَزَّةَ: كانوا سبعين ألفَ ساحرٍ، وألقَوا سبعين ألفَ حبلٍ وسبعين ألفَ عصًا (^٢)، فجعلت تسعى، فتعاظم ذلك عندهم وتوهَّموا أنهم غلبوا موسى بكثرتها، فقالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾: أي: بأمر اللَّه تعالى ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾؛ أي: فصارت ثعبانًا فجعلت تلتقِم ما أَلقَوه يوهمون به الانقلابَ زورًا وبطلانًا.
* * *
_________________
(١) في (أ): "المرتبة".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٣٥٨) و(١٦/ ١٠٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٥٣).
[ ١١ / ٢٦٩ ]
(٤٦ - ٤٩) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾: أي: لسرعة ما سجدوا صاروا كأنهم أُلقوا.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وكانوا حفظوا الاسم حين قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال فرعون: تعنوني؟ فقالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ وفيه إقرارٌ برسالتهما.
فلما رأى فرعون ذلك تحيَّر ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾: أي: أصدقتم بذلك موسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ بذلك ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾؛ أي: لأُستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهذا تلبيسٌ منه على العامة، ثم قال: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد.
وقوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أراد به ترهيبَ العامة لئلا يتَّبعوهم في الإيمان.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾: أي: لا نَعُدُّ ذلك ضررًا علينا، فإنه تعبُ ساعة ثم نصير إلى كرامة اللَّه تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
وقيل: هل هو إلا أن تقتلَنا فتقلبنا (^١) إلى ربنا؟
وقيل: إنَّا وأنت منقلبون إلى ربِّنا فيجزي كلًّا على عمله.
_________________
(١) في (أ): "فتنقلنا"، وفي (ف): "فيقبلنا".
[ ١١ / ٢٧٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾: المتقدمةَ ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به وبرسوله في هذا المحفل، وقد مرت القصة وفوائدها مرات (^١).
* * *
(٥٢ - ٥٣) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾: أَخبر بما آلَ إليه أمرُ فرعون وقومه من الهلاك بالغرق، وأمرُ موسى ﵇ وقومه من العلوِّ والنصر، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾؛ أي: سرْ ببني إسرائيل ليلًا، وسماهم عبادَه لإيمانهم بنبيِّه ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾؛ أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردُّوكم ويحاربوكم (^٢) إن لم تنصرفوا، وكان هذا بعد سنين من أمر السحرة.
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾: أي: ففعل ذلك موسى وخرجوا، فأُخبر فرعون بذلك فأرسل فرعونُ ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾؛ أي: أمصارِ عمله ﴿حَاشِرِينَ﴾؛ أي: شُرطًا يحشرون الأجناد إليه للإنجاد.
* * *
(٥٤ - ٥٦) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾: قال فرعون حيث تبعهم بجنوده ونظر إليهم فاستقلَّهم، وكانوا ستَّ مئة ألفٍ وسبعين ألفًا، قاله عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (^٣)، وفرعون في ألفِ ألفِ فارسِ.
_________________
(١) "مرات" ليست في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "ويجادلوكم".
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٩٦).
[ ١١ / ٢٧١ ]
والشرذمة: العُصْبة الباقية من عُصَبٍ كثيرة.
وقيل: الطائفة، وشرذمة كل شيء: بقيتُه القليلة. قال الراجز:
جاء الشتاءُ وقميصي أخلاقْ شراذمُ يضحكُ منه التَّوَّاقْ (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾: فعلوا ما يَغيظنا ويُسخطنا، وهو خروجهم من مِصْرنا.
وقيل: بحَمْلهم الحليَّ التي استعاروها منَّا للعيد.
﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (^٢): قرأ حمزة والكسائي وعاصم بالألف، والباقون: ﴿حَذِرون﴾ بغير ألف (^٣).
ومعنى ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ﴾؛ أي: مجتمعون متفقو الآراء، قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤].
﴿حَاذِرُونَ﴾ تامُّو السلاح، ﴿حَاذِرُونَ﴾ (^٤):. . . . .
_________________
(١) في (أ): "النواق"، وهي رواية كما ذكر في "الصحاح" و"اللسان". والرجز دون نسبة في "العين" (٦/ ٣٠٢)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ٤٢٧) و(٢/ ٨٧)، و"تفسير الطبري" (١٧/ ٥٧٢)، و"الصحاح" (مادة: توق)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ١٦٤)، و"اللسان" (مادة: توق). قال الجوهري: تاقت نفسي إلى الشيء تَوْقًا وتَوَقانًا؛ أي: اشتاقَتْ، يقال: المرء تَوَّاقٌ إلى ما لم يَنَل، وأما قول الراجز: (جاء الشتاء. . .) فيقال: هو اسم ابنه، ويروى: (النوَّاق). وزاد في "اللسان": وقيل: التَّوَّاق: الذي تَتُوق نفْسُه إلى كلِّ دناءة.
(٢) في (ف): "حذرون".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٧١)، و"التيسير" (ص: ١٦٥). وقرأ ابن ذكوان أيضًا بالألف، واختلف عن هشام. انظر: "النشر" (٢/ ٣٣٥).
(٤) في (ر) و(ف): "حذرون" في الموضعين.
[ ١١ / ٢٧٢ ]
متيقِّظون متأهِّبون، وقوم موسى لا سلاح معهم، ولم يتأهَّبوا لمقاومتنا (^١)، شجَّع بذلك قومه.
وقال العبدي: حَذِرون: عالمون بالحرب.
* * *
(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾: أي: فأخرجناهم من مصر فلم يرجعوا إليها ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾: بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ كثيرة المياه ﴿وَكُنُوزٍ﴾ من ذهب وفضة.
﴿مَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: قيل: هو جمع مَقامةٍ، وهي مقاماتٌ كانت تقوم بها أشرافهم ورؤساؤهم في المحافل التي يجتمعون فيها لجلائل الأمور كما كانت العرب تفتخِر بذلك.
وقيل: هي منابر كانوا يَذكرون عليها ملكَهم فرعون ويُثنون عليه، وكان تكرَّم (^٢) عليهم ذلك وتعظَّم.
وقال ابن عباس ﵄: كان بمصر ألف منبر يُثْنون عليها على فرعون لعنه اللَّه (^٣).
وقيل: هي الدُّور الواسعة.
وقيل: هو المسكن الحسن الشريف.
_________________
(١) في (أ): "لمقاربتنا".
(٢) في (ف): "تلوم"، وفي (ر) تحتمل الوجهين.
(٣) ذكره النحاس في "معاني القرآن" (٥/ ٨٢)، ومكي في "الهداية" (٤/ ٢٥٢٥)، والسمعاني في "تفسيره" (١٣/ ١٠٥)، دون نسبة. وروى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٢٩٨) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ قال: المنابر.
[ ١١ / ٢٧٣ ]
(٥٩ - ٦٠) - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كذلك كان الأمرُ أخرجناهم منها (^١) ولم نُعِدْهم إليها.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: وملَّكناها (^٢) بعدهم قوم موسى، قيل: ردَّ بني إسرائيل إلى أرض مصر فسكنوها.
وقيل: ملَكوها فنقلوا ما فيها وذهبوا به (^٣) إلى الشام وسكنوا الشام.
وقيل: ملكوا بعد ذلك بلادَ مصر وكنوزَهم ومدائنَ فرعون، بعد ذلك بزمانٍ في عصر داود وغيره.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾: أي: فلحقوهم؛ أي: لحق فرعون وقومُه قوم موسى. وقد تَبِعه؛ أي: قفا أثره، واتَّبعه؛ أي: لحقه.
وقوله تعالى: ﴿مُشْرِقِينَ﴾: أي: حالَ شروق الشمس وهو طلوعُها.
وقد رَوَينا أن قوم فرعون اشتغلوا بدفنِ مَن كان مات من أبكارهم (^٤) إلى أن انبسطت الشمس.
و﴿مُشْرِقِينَ﴾ في الظاهر حال قوم فرعون، وقيل: هو حال قوم موسى.
_________________
(١) في (أ): "عنها".
(٢) في (ر): "ومكناها".
(٣) "وذهبوا به" ليس في (ف).
(٤) في (ر) و(ف): "بدفن موتاهم من أبكارهم". وقد تقدم في قصة موسى في الأعراف عن وهب: أن الطوفان هو الطاعون، فوقع فيهم ومات من أبكارهم في ليلةٍ ثمانون ألفًا، ومن أبكار الدوابِّ كذلك، واحتال فرعون فجمع بين أبكارِ القِبط وأبكارِ بني إسرائيل بين كلِّ بكرين بسلسلةٍ، فمات في الليل أبكارُ القبط دون أبكار بني إسرائيل.
[ ١١ / ٢٧٤ ]
وقيل في معناه: كان قوم فرعون في الضباب والظُّلمة وقومُ موسى في ضياءِ الشمس، فلحقوهم فوجدوهم في ضياء الشمس.
* * *
(٦١ - ٦٢) - ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: أي: تلاقى فصار كلُّ جمع يرى الجمع الآخر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾؛ أي: قرُب قوم فرعون منَّا بحيث يدركوننا، خافوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا﴾: أي: قال موسى: ليس كذلك، نفَى إدراكَهم إياهم، وفيه حجتُنا على نُفاةِ رؤية اللَّه تعالى الذين يتعلَّقون بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ويتأوَّلونه: لا تراه، فإنه نفى الإدراك مع إثبات الرؤية بقوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ فعُلم أنه ليس هي، بل الإدراك هو الإحاطة بجوانب الشيء، وهم خافوا ذلك، وهو المنفي في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دون الرؤية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾: أي: ناصري على عدوِّي ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيعرِّفني الطريق الذي في سلوكه نجاتي ونجاةُ مَن معي.
* * *
(٦٣) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾: هو بحر القُلْزُم (^١).
_________________
(١) وهو المعروف اليوم بخليج السويس من البحر الأحمر. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: قلزم).
[ ١١ / ٢٧٥ ]
﴿فَانْفَلَقَ﴾ وهاهنا مضمر؛ أي: فضرب فانفلق؛ أي: فانشقَّ فصارت فيه طرقٌ ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ من الماء ﴿كَالطَّوْدِ﴾ كالجبل ﴿الْعَظِيمِ﴾.
والفَرْق بالفتح: مصدرٌ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، والفِرْق بالكسر: الاسم، كالقَشْر والقِشْر، والقَطْف والقِطْف؛ أي: ارتفع ماءُ كلِّ طريقٍ في الهواء فصار كجبلٍ، وكانوا اثني عشر سِبطًا، فصار اثني عشر فِرقًا، فسلك كلُّ سبطٍ فِرقًا فجاوزوه حتى أصحروا (^١).
* * *
(٦٤) - ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.
﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: أي: قرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾؛ أي: هناك من البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾؛ أي: قومَ فرعون، فدخلوه على أن يسلكوا فيه كما سلك موسى وقومُه، فانطمَّ (^٢) عليهم البحر وصارت الأفراق كلُّها شيئًا واحدًا.
قال ابن عباس وقتادة ﵃: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾؛ أي: قرَّبنا، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ [الشعراء: ٩٠] (^٣).
قال أبو عبيدة: أي: جمعنا، ومزدلفة مجمع (^٤).
وقال الحسن: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾؛ أي: أهلكنا (^٥)؛ أي: قرَّبْناهم إلى الهلاك.
_________________
(١) في (ر): "حتى أضجروا" وليست في (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "فانضم". والمثبت من (أ)، وفي هامشها: "انطم كل شيء: كثر حتى علا وغلب".
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٨٦).
(٤) في (أ): "تجمع". وانظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٨٧)، وفيه: (أي: وجمعنا، ومنه ليلة المزدلفة، والحجة فيها أنها ليلة جمع).
(٥) ذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٣١٧)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٦١)، والنحاس في "معاني القرآن" (٥/ ٨٥).
[ ١١ / ٢٧٦ ]
(٦٥ - ٦٩) - ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾: أي: قومَه ﴿أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾: قومَ فرعون بعد إخراج قوم موسى، وفيه إبطالُ القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف الطوالع.
وقوله تعالى: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: قد فسَّرنا ذلك كلَّه غيرَ مرة.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: كان في عصر النبيِّ -ﷺ- أهلُ كتاب ومشركون، فحاجَّ أهلَ الكتاب بقصة نبيِّهم موسى، وحاجَّ المشركين بقصةِ أبيهم إبراهيم، فلذلك جمع بين القصتين.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واقرأ عليهم خبر إبراهيم.
* * *
(٧٠ - ٧٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾: آزر ﴿وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أيَّ شيء تعبدون؟
﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾: تماثيلَ ممثَّلةً ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾؛ أي: نقيم على عبادتها وخدمتها طول النهار، هذا ظاهر الكلمة، ويجوز أن يكون عبارة عن: فنكون، كما تستعمل كلمة أصبح وأمسى في معنى: صار وكان.
فـ ﴿قَالَ﴾ إبراهيم منبِّهًا لهم على ضلالتهم وجهالتهم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾؛ أي:
[ ١١ / ٢٧٧ ]
هل يجيبونكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾؟ قال قتادة: أي: هل تجيبكم آلهتكم إذا دعوتُموهم (^١).
وقال عكرمة: هل يسمعون أصواتكم (^٢).
وقال أبو عبيدة: هل يسمعون دعاءكم (^٣).
وقال قطربٌ: هو كقولك: سمعته يشتم زيدًا، ونظيره قوله: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥] ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣] ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، ويستعمل باللام أيضًا: سمع اللَّه لمن حَمِده، وبـ (مِن)؛ يقال: سمع منه.
* * *
(٧٣ - ٧٤) - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾: ﴿يَنْفَعُونَكُمْ﴾: يرزقونكم على عبادتهم ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾: يعاقبونكم على ترك العبادة، وجمع هذه الأفعال بالواو والنون لأنها من صفاتِ مَن يَعقل.
﴿قَالُوا بَلْ﴾: أي: لا تسمع ولا تُبصر، ولا تنفع ولا تَضُر، ولسنا نعبدها لشيء من ذلك، ولكن ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: يعبدون هذه الأصنام فقلَّدناهم.
* * *
(٧٥ - ٧٧) - ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ
_________________
(١) رواه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٣٠٥).
(٢) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٦/ ٣٠٥).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٨٧).
[ ١١ / ٢٧٨ ]
عَدُوٌّ لِي﴾: أي: كلُّ ما عبدتُموهم أنتم وعبدَه آباؤكم الأقدمون في سالف الدهر -و(الأقدم) تفضيل القديم، وهو الأجداد وآباء الأجداد- فإني أعاديهم؛ أي: أجتنبُ عبادتهم وتعظيمَهم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: فإني أعبده وأعظِّمه، لا أعبد غيرَه ولا أعظِّم سواه.
وذكرُ الأقدمين على معنى: أنه ليس في تقليد الآباء حجةٌ، فإن كانوا قرونًا فكيف الآباء الأدنَونَ (^١).
والعدو: اسم للمعادِي والمعادَى جميعًا، ونظير قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قولُ اليهود لجبريل ﵇: هو عدونا من الملائكة، وقول اللَّه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨] وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فوقع على المعادِي والمعادَى جميعًا.
وقيل: معناه: افعل بهم من الاستحقاق ما لو كانوا أحياءً عقلاءَ لعادَوني.
وقيل: أي: لو عبدتُهم لكانوا أعداءً لي يوم القيامة، كما قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١] إلى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]؛ أي: يتبرَّؤون من عبَدتهم ويضلِّلونهم.
وقال الضحاك: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: إني بريء من الآلهة التي تعبدون كلِّها إلا ربَّ العالمين فإني لا أتبرَّأ منه.
وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى: لكن.
وقيل: بل هو استثناء متصل، وقد كان في أبائهم مَن يَعبد اللَّه فاستثنى ذلك.
_________________
(١) في (ف): "الأقدمون".
[ ١١ / ٢٧٩ ]
وقيل: كان هؤلاء يعبدون اللَّه ويعبدون الأصنام على الاشتراك، فتبرَّأ من كلِّ ما يعبدونه واستثنى ربَّ العالمين مما يعبدونه فصحَّ الاستثناء.
وقيل: إنهم لم يعبدوا اللَّه العبادة المعروفة، فقد قالوا: إن اللَّه خالقهم ورازقهم، فكانوا مُقرِّين بالعبودية من هذا الوجه.
وقيل: كانت آثار العبودية عليهم ظاهرةً، فاستثنى من هذا الوجه.
* * *
(٧٨ - ٧٩) - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾: أي: أَوْجدني ولم أكُ شيئًا ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾؛ أي: يرشدني ويوفِّقني لصواب القول والعمل.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾: أي: يرزقني ما أتغذَّى به وأقيمُ به بدني مدةَ حياتي.
* * *
(٨٠ - ٨٢) - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: أضاف المرض إلى نفسه؛ لأنه في موضعِ عدِّ نعم اللَّه ومنَّته عليهم (^١)، فكان الأدبُ في ألا يضيف المكروه إلى المنعِم.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: ليس معناه أنه يشفيني لا محالةَ، لكن معناه: إذا مرضتُ ثم شُفيت فاللَّه هو الذي شفاني دون غيره.
_________________
(١) في (أ): "منن اللَّه عليه" بدل: "نعم اللَّه ومنته عليهم".
[ ١١ / ٢٨٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾: أي: هو مالكُ إماتتي وإحيائي بعد موتي.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾: تلطَّف في سؤال المغفرة، وأَحسنَ في الثناء على اللَّه، ونبَّه المشركين على ضلالتهم في عبادة الأصنام، وقال: معبودي هو الذي إن أخطأتُ كان هو الذي أرجو منه المغفرة لسَعة رحمته، فلا حاجة لي إلى عبادة شيء من دونه أرجو أن يشفع لي عنده يومَ الدين؛ أي: يوم الحساب والجزاء.
ومنهم مَن حمل الخطيئة على كلماته الثلاث: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] "هذه أختي" (^١)، ولم تكن هذه الكلمات خطيئات، وهي معاريضُ جائزة، لكن معناه ما ذكرنا: أنه ليس لتحقيق الخطيئة، لكن لرجاءِ المغفرة منه لو وقع في الخطيئة ما يقع (^٢) من الأنبياء مما يعاتَبون عليه، فهو زلةٌ فليس بذنب ولا معصية، وقد عُرف ذلك في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
* * *
(٨٣ - ٨٤) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾: وهو دوامُ العلم والفهم، فقد كان أعطاه الحكمَ وهو العلمُ والفهم، فكان هذا سؤالَ الإدامة كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢١٧)، ومسلم (٢٣٧١)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في (ر) و(ف): "ما لم يقع"، وفي (أ): "ثم ما نفع". ولعل المثبت هو الصواب.
[ ١١ / ٢٨١ ]
وقيل: هذا سؤالُ صواب (^١) الحكم الذي يَحكم به، وقبول ذلك في قلوب الخلق.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: أي: الأنبياء؛ أي: توفَّني على ما توفَّيْتَهم.
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾: أي: وأَبْقِ لي الثناء الحسن على ألسنةِ عبادك إلى آخِر الدهر، ففعل اللَّه تعالى له ذلك، فكلُّ أهل الأديان يتولَّونه وينتسبون إليه.
وقيل: معناه: أي: اجعل في آخر الزمان من ذريتي مَن يقولُ بالحق، ويقومُ بالدِّين، ويدعو الناس إليه، وذلك راجعٌ إلى نبيِّنا محمد -ﷺ-؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨].
* * *
(٨٥ - ٨٧) - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: أي: من الباقين فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾: أي: اجعله أهل المغفرة بإعطاء الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾: للحال، رجا إسلامه فسأل اللَّه تعالى أن يعطيَه ذلك، وكان وعَدَه مِن نفسه ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية [التوبة: ١١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: أي: لا تخجلني بتقصيري يوم القيامة.
وقيل: أي: لا تطالبني بصدق الخلة.
فاستجاب اللَّه دعواته فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٩]،
_________________
(١) في (أ): "جواب".
[ ١١ / ٢٨٢ ]
وقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]، وقال: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨].
* * *
(٨٨ - ٨٩) - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾: كما ينفع في الدنيا ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ استثناء منقطع بمعنى لكنْ، يعني لكنْ (^١) مَن أتى كذلك نَفَعه.
﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾؛ أي: سالم عن الشرك والنفاق، فالسليم: المخلِص، والميت: الكافر، والمريض: المنافق؛ تشبيهًا بسلامة البدن ومرضه وموته.
وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "القلب السليم: المتبرِّئ من بغضِ أهل بيتي وأصحابي وأزواجي" (^٢).
وقال الحسين بن الفضل ﵀: بقلبِ سليمٍ من آفة المال والبنين.
وقال الجنيد: السليم في اللغة: اللَّديغ (^٣)، وهو لا يستقرُّ، فالقلب السليم: الذي أقلقه الحب فلا يستقر.
وقال الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: القلب السليم: الذي سلِم من ذكر غيرِ اللَّه، وسلَّم لأمر اللَّه، وأسلم نفسَه إلى اللَّه، وسالم ربه -أي: رضي بقضاء اللَّه-، واستسلم؛ أي: انقاد لحكم اللَّه.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿سَلِيمٍ﴾؛ أي: خالص (^٤) من حب الدنيا.
_________________
(١) "لكن" من (أ).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٧١).
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "وخلص".
[ ١١ / ٢٨٣ ]
وقيل: هو السالم عن الهوى والبدعة.
وقيل: هو السالم من الذنب والذلة.
وقيل: هو السالم من الحسد والخيانة.
وقيل: هو الذي لا هم فيه غيرُ اللَّه (^١).
وقيل: هو الذي لا يشكُّ في اللَّه، ولا في الدِّين، ولا في الرزق، ولا في الوعد.
وقال أبو سليمان الداراني: هو الخالي عما سوى اللَّه.
وقال الشيخ أبو القاسم: الحليم (^٢) هو الذي لا يؤذي الخلق ولا يتأذى منهم، ولا يتوقعُ المكافأة (^٣) على إحسانه إليهم.
وقيل: السليم هو الذي لا يزيل تغيُّرُ الأحوال يقينَه، ولا يقطع جفاءُ الخلق شفقتَه.
وقال القشيري ﵀: إن إبراهيم الخليل ﵇ حقَّق مقام الخُلَّة بأنْ قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ جمع أولهم وآخرهم في اسم واحد يطلق غالبًا على الفرد تقليلًا لهم، ثم أعرض عن ذكرهم واشتغل بذكر اللَّه فقال: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم لمَّا أخذ في وصفه كاد لا يسكت، ومن أمارة المحبة كثرةُ ذكر المحبوب والإعراض عن ذكر غيره (^٤).
* * *
_________________
(١) في (أ): "لا همة فيه إلا اللَّه".
(٢) في (أ): "الحكيم"، وفي (ف): "الحكم". ولعل الصواب: (السليم).
(٣) في (ر) و(ف): "الإحسان".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٣).
[ ١١ / ٢٨٤ ]
(٩٠ - ٩١) - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: من صفات قوله: ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: قرِّبت لهم ليدخولها.
وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: أي: ظهرت ﴿لِلْغَاوِينَ﴾؛ أي: للضالين.
وقيل: للخائبين من رحمة اللَّه، تظهر لهم قبل أن يدخلوها تعجيلًا لإفزاعهم وإقراعهم (^١) كما قربت الجنة للمتقين تعجيلًا لإفراحهم وإمتاعهم.
* * *
(٩٢ - ٩٦) - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾: أي: للغاوين: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تعيير لهم وتوبيخ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾؛ أي: هل يمنعونكم عن العذاب، وهل يمتنعون (^٢) بأنفسهم، وهو استفهام لمعنى النفي؛ أي: يدخلون النار معكم تشديدًا لعذابكم.
وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾: أي: كُبُّوا وأُلقوا على رؤوسهم فيها؛ أي: في الجحيم ﴿هُمْ﴾؛ أي: المعبودون ﴿وَالْغَاوُونَ﴾؛ أي: عابدوهم الضالون ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾؛ أي: أعوانُه كلُّهم سوى هؤلاء.
وقيل: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾: الشياطين، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ أي: أتباعه من الإنس.
_________________
(١) في (أ): "لأغراضهم وإنجاعهم" وفي (ف): "لإيجاعهم وإفزاعهم" وفي (ر): "لإنجاعهم وإقراعهم". ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) في (ر): "أو ممتنعون" بدل: "وهل يمتنعون".
[ ١١ / ٢٨٥ ]
وقيل: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ الذين عصوا اللَّه ودعَوا إلى معصيته.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾: أي: الأتباعُ والمتبوعون، فهو كقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧].
* * *
(٩٧ - ١٠٢) - ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: قال عبَدةُ الأصنام: واللَّه ما كنا إلا في غوايةٍ ظاهرة ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ أيها الأصنام ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في العبادة واعتقادِ الربوبية.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾: الذين دعَونا إلى ذلك ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ من الأباعد ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ من الأقارب فيخلِّصَنا ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ فيا ليت لنا رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ باللَّه ورسوله.
* * *
(١٠٣ - ١٠٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: باللَّه ورسوله (^١) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قد فسرناه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: كذَّبت جماعةُ قوم نوح، فلذلك
_________________
(١) "باللَّه ورسوله" ليس في (أ).
(٢) في (ف): "مر تفسيره".
[ ١١ / ٢٨٦ ]
أنِّث، وقوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: نوحًا في دعوى الرسالة والدعاءِ إلى توحيد اللَّه تعالى وطاعته، وإلى ذلك دعا مَن قبله من الرسل ومَن بعده، فكان تكذيبه في ذلك تكذيبًا للكل.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾: أي: كذَّبوا إذ قال لهم ﴿أَخُوهُمْ﴾؛ أي: نبيُّهم ﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ اللَّه فتتركوا عبادة الأصنام، استفهام بمعنى الأمر.
وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: أي: أمين عليكم غيرُ خائن لكم.
وقيل: أمينُ اللَّه على وحيه.
* * *
(١٠٨ - ١١١) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: لأني رسولٌ أمين (^١) فيما أمرتُكم به ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: جزاءٍ منكم على تبليغ الوحي ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ثوابي على تبليغي (^٢) ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من ربِّ العالمين بوعده.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: كرَّر لتكرار الداعي:
الأول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لأني لكم رسول أمين.
والثاني (^٣): ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لأني لا أسالكم عليه من أجر.
وكلُّ واحد منهما يقوِّي الصدق ويدعو إلى التصديق.
_________________
(١) "لأني رسول أمين" ليست في (أ).
(٢) "على تبليغي" زيادة من (ف).
(٣) كلمة: "الأول" "والثاني" ليستا في (أ).
[ ١١ / ٢٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾: قال مقاتل: أي: السَّفِلة (^١).
وقال عكرمة: أي: الحاكَة والأساكفة (^٢).
وقيل: الحجَّامون، وقيل: ناقصو العقول.
أي: أنصدِّقك فيما تدعونا وننقادُ لك وإنما اتَّبعك الأخسَّاء منا والفقراء والضعفاء فنكونَ أمثالَهم إذا آمنَّا بك، بل يكونُ لهم الفضل علينا بالسَّبق، وهذا مما تنفر منه النفوس، توهَّموا لجهلهم أن اتِّباع هؤلاء الضعفاء مما يُضعف أمره، ولم يعلموا أن الفضل لمن فضَّله اللَّه تعالى بالدِّين لا لمن له المالُ والرفعةُ في الدنيا.
* * *
(١١٢ - ١١٦) - ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: وقيل: ولا حاجة لي إلى علم ما كان هؤلاء يعملونه من الأعمال التي استرذَلْتُموها.
قوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾: أي: ما حسابهم ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾: لو تعلمون أنه كذلك.
وقيل: قالوا: إنما اتَّبعوك ليكون ذلك شرفًا لهم ورفعةً، واتَّبعوك طمعًا في مالٍ (^٣) ينالونه منك لا تصديقًا بك وإيمانًا بربك (^٤)، وباطنهم بخلاف ظاهرهم، فقال:
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٧٢).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٧٣).
(٣) في (أ): "ما".
(٤) في (ر) و(ف): "لا تصديقًا لك وإنما يأتوك".
[ ١١ / ٢٨٨ ]
﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الباطن، و(كان) زائدة كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ وهو يجازيهم على حقيقة أمرهم، وإنما عليَّ البناءُ على الظاهر، وهم في (^١) الظاهر مؤمنون مصدقون.
قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: فإذا قبلوا ما أنذرتُهم لم يكن لي أن أطردهم.
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾: أي: عن ادِّعاء الرسالة وعن سبِّ آلهتنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: قيل: أي: من المشتومين، وقيل: أي: من المقتولين بالحجارة؛ أي: أَوعدوه شتمَهم أو رجمهم.
* * *
(١١٧ - ١١٩) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾: أي: فاقضِ بيني وبينهم قضاءً؛ أي: أهلِكْهم ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: هو حكمُك فاحكم بهذا الحكم الحقِّ وهو استنجازُ الموعود.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: أي: السفينة المملوءة.
وقال مجاهد: المفروغِ منه تحميلًا (^٢).
_________________
(١) في (أ): "على".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٠٥).
[ ١١ / ٢٨٩ ]
وقال الحسن: المُوْقَر (^١).
وقال عطاء: المثقل (^٢).
وقال الربيع بن أنس: أي: المملوء (^٣).
والفلك يذكَّر ويؤنَّث.
* * *
(١٢٠ - ١٢٧) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾: أي: بعدَ إنجائنا نوحًا والمؤمنين ﴿الْبَاقِينَ﴾ من قومه بالطُّوفان.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قد فسرناه.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: هودًا ومَن قبله ومَن بعده من الرسل.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قد فسرناه.
* * *
_________________
(١) رواه عن الحسن يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٨١٠)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٠٤ - ٦٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٩١) عن ابن عباس ﵄.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٧٣).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٠٥) عن مجاهد بلفظ: (المفروغ منه المملوء).
[ ١١ / ٢٩٠ ]
(١٢٨ - ١٢٩) - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾: قال قتادة: بكلِّ طريق (^١). وقيل: بكلِّ سوق. وقيل: بكل مكانٍ مرتفعٍ.
﴿آيَةً﴾: أي: علامة، قيل: هي البناء العالي. وقال مجاهد أي: برجَ حمَام (^٢).
﴿تَعْبَثُونَ﴾: قال ابن عباس ﵁: تلعبون (^٣).
﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: قال مجاهد: أي: حصونًا مشيَّدة (^٤).
وقال قتادة: حياضًا (^٥)، والمصنعة: الحوض (^٦)، والمصنعة: البناء.
وقيل: معناه: أتجعلون بكلِّ موضع عالٍ مشرِفٍ علامةً تبنونها لا تحتاجون إليها لسكناكم إنما تريدون بها المباهاة والمراءاة، وذلك عبث.
وقيل: بل كانوا يبنون بالطرق (^٧) والمواضع المشرِفة بروجَ الحمام ليلعبوا بها، فذلك عبثُهم.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١١٩)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٠٩). ورواه الطبري أيضًا عن ابن عباس لكن بإسناد ضعيف.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١٠) بلفظ: (بنيان الحمام).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١٠) عن ابن عباس والضحاك.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١١) وزاد في رواية: (وبنيان مخلَّد).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٢٠)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١١). بلفظ: (مآخذ للماء). وكذا ذكره البغوي في "تفسيره" (٦/ ١٢٣) وزاد: يعني الحياض.
(٦) في (ر): "والمصانع الحياض". قال الطبري: المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونًا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل.
(٧) في (ر) و(ف): "وقيل ما كانوا يبنون بالطريق".
[ ١١ / ٢٩١ ]
وقيل: كانوا يجتمعون في ذلك للَّهو واللعب (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾: أي: تتخذون دُورًا وقصورًا اتخاذَ مَن يؤمِّل الخلود في الدنيا فيُحْكِم ويُبْرِم ذلك ويُحْسِن ويُتْقن.
* * *
(١٣٠ - ١٣٦) - ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾: أي: أَخذتُم أخذَ العقوبة ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾: قهَّارين بالسيف والسوط ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ أي: تابَعَ عليكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: إن دمتُم على هذا ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدنيا، وهو يومُ إهلاككم، وتَلِجون عذاب النار يومَ القيامة، وهو يومٌ عظيم.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾: فلسنا نُصغي إليك، ولا نقبل منك (^٢)، فيعامَلون في النار بمثله فيقال لهم: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]، وهم يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].
* * *
_________________
(١) في (ف): "والعبث".
(٢) في (ف): "ولا نسمع منك ولا نقبل".
[ ١١ / ٢٩٢ ]
(١٣٧ - ١٤٠) - ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الخاء؛ أي: اختلاق الأولين؛ أي: كذبهم، قاله ابن مسعود ﵁ (^١).
وقيل: هو من الخَلْق الذي هو التخليق، وهو معنى قول قتادة: أي: هكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا ويموتون ولا بعث عليهم ولا حساب (^٢).
وقرأ الباقون بضم الخاء واللام (^٣)، ومعناه: إلا عادةُ الأوَّلين؛ أي: اتخاذُ البنيان والبطشُ ونحو ذلك؛ أي: نفعله كما فعلَ الأولون.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: في الدنيا ولا بعد البعث، فلا بعثَ.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: أي: هودًا ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ سُخِّرت (^٤) عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: مر تفسيرها.
* * *
(١٤١ - ١٤٨) - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١٦)، والطبراني في "الكبير" (٨٦٧٦).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٢٢)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١٥).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٧٢)، و"التيسير" (ص: ١٦٦).
(٤) في (ر) و(ف): "سخرها".
[ ١١ / ٢٩٣ ]
(١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: صالحًا وسائرَ الأنبياء.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قد فسرناها.
وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾: أي: أتظنُّون أنكم تبقَون في الدنيا في دياركم هذه اَمنين لا تخافون عذابًا ولا موتا.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: في بساتينَ نزهةٍ وعيون جارية ﴿وَزُرُوعٍ﴾؛ أي: وحروث ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: قد نَضِجَ وأَيْنَعَ وبَلَغَ (^١).
وقال الضحاك: أي: قد ضمر بركوبِ بعضه بعضًا (^٢)، من قوله: هضيم الكشح؛ أي: لطيفُه.
وعن الضحاك أيضًا (^٣) في رواية: هو أنْ يَكثر حملُ التَّمر (^٤) حتى يَهضم بعضُه بعضًا؛ أي: يَكسر وينقص (^٥).
وقال مجاهد: ﴿هَضِيمٌ﴾؛ أي: هشيمٌ متهشِّمٌ يتفتَّت إذا مُسَّ (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١٩).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٧٦) عن الضحاك ومقاتل: متراكم ركب بعضه بعضا حتى هضم بعضه بعضًا. ولعله نقل بالمعنى للخبر الذي بعده.
(٣) "أيضًا" من (أ).
(٤) في (ر): "الثمرة"، وفي "تفسير الطبري": (النخلة)، و"تفسير ابن أبي حاتم": (الشجر).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٠٢).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦١٩ - ٦٢٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٠٢).
[ ١١ / ٢٩٤ ]
وقال عكرمة: أي لينٌ رَطْبٌ (^١).
وقال في "ديوان الأدب": يقال للطلع: هضيم، ما لم يخرج من كُفُرَّاه (^٢).
* * *
(١٤٩) - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿فَرِهين﴾ والباقون: ﴿فَارِهِينَ﴾ (^٣).
والفَرِهُ والفارِهُ: الماهر (^٤) في الصنعة، الحاذق في الأمر، وعن ابن عباس ﵄ هكذا قال: ﴿فَارِهِينَ﴾: حاذقين (^٥).
وفي رواية عنه: أَشِرِينَ بَطِرِين (^٦).
وقال الضحاك: كيِّسين (^٧).
وقال ابن زيد: ﴿فَارِهِينَ﴾: قويِّين (^٨).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٠١).
(٢) انظر: "معجم ديوان الأدب" (١/ ٤٢٣).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٧٢)، و"التيسير" (ص: ١٦٦). وقرأ نافع مثل ابن كثير وأبي عمرو.
(٤) في (ف) و(أ): "النافد".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٠٢).
(٦) ذكره بهذا اللفظ الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ١٨٣)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ١٠٦)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٢٥)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢٢) دون كلمة: "بطرين".
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٠٣).
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢٣).
[ ١١ / ٢٩٥ ]
وقيل: مَرِحين (^١).
وقيل: فَرِحين، وقد فَرِحَ وفَرِهَ كما يقال: مَدَح ومَدَه.
أي: فلا تظنُّنَّ (^٢) ذلك فإنكم لم تُخلقوا للبقاء، بل للابتلاء والحساب في دار الجزاء.
* * *
(١٥٠ - ١٥٣) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تُعْرِضوا عن هذه السنَّة ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الذين أسرفوا على أنفسهم في تمردهم على اللَّه وهم تسعةُ رهط.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالكفر والمعاصي (^٣) والظلم ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بالإيمان والعدل.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: أي: المسحورين، سحروك ففسَد عقلك فلا تدري ما تقول، هذا قول مجاهد وقتادة (^٤).
وقيل: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؛ أي: المخلوقين، قاله ابن عباس ﵄ (^٥)، وهو الذي له السَّحْر بفتح السين؛ أي: الرئة.
_________________
(١) ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٨٨).
(٢) في (ف): "تطيقون".
(٣) "والمعاصي" ليست في (أ).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢٥).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢٦).
[ ١١ / ٢٩٦ ]
وقيل: أي: المعلَّلين بالطعام والشراب، قال لبيد:
فإن تسألونا فيمَ نحن فإننا عصافيرُ من هذا الأنامِ المسحَّر (^١)
وقال الفراء: المسحَّر: المجوَّف (^٢).
* * *
(١٥٤ - ١٥٧) - ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾: أي: بعلامةٍ على صدق دعواك الرسالةَ، وعلى أنك داعٍ (^٣) إلى الحق ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما تدَّعي.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾: أخرجها اللَّه تعالى لا من ناقةٍ، وهي آية عظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾؛ أي: حظٌّ من الماء فلا تزاحموها فيه ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لا تزاحمكم هي فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: بقتل ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: يوم نزول الهلاك بكم.
وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: أي: فعَرْقبوها، وقد عَرْقبها قُدَارٌ -على ما ذكرنا القصة في سورة الأعراف- وهم مُعِيْنون له راضون به فأضيف إليهم.
_________________
(١) "ديوانه" (ص: ٤٧) برواية: (فإن تسألِنا. . .).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٨٢)، وزاد: كأنه -واللَّه أعلم- من قولك: انتفخ سَحْركَ؛ أي: إنك تأكل الطعام والشراب وتُسَحّر بِهِ وتعلّل.
(٣) في (أ): "أدعى".
[ ١١ / ٢٩٧ ]
﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾: أي: فصاروا نادمين على عَقرها، وقيل: على فَوْت ولدها لم يقتلوه.
* * *
(١٥٨ - ١٦٤) - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: أي: الصيحة بعدما تمتَّعوا ثلاثة أيام.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قد مر تفسيره.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: جماعةَ المرسَلين لوطًا وسائر الأنبياء.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾: أي: نبيُّهم (^١): ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مرَّ تفسيرها.
* * *
(١٦٥ - ١٦٧) - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: استفهام بمعنى التوبيخ؛ أي: أتُواقِعون الذُّكران (^٢) من الناس، وهي كنايةٌ عن الفاحشة.
_________________
(١) في (أ): "نسيبهم".
(٢) في (أ): "الذكور".
[ ١١ / ٢٩٨ ]
﴿وَتَذَرُونَ﴾: أي: وتتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: زوجاتكم، جمع زوجٍ وهي الزوجة، وهذا يحتمِل وجهين:
أحدهما: وتتركون النساء اللاتي خُلقن للتزوُّج ولا تتزوَّجونهنَّ.
والثاني: وتتركون زوجاتكم اللاتي عقَدتم عليهن وتأتون غيرهنَّ.
ويحتمل وجهًا ثالثًا: وتتركون القُبُل من زوجاتكم إلى أدبار الرجال والنساء.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾: أي: ليس لكم قضاءُ وطرٍ للتلذُّذ فذلك حاصل بالنساء، بل أنتم مجاوِزون حدودَ اللَّه (^١) متعدُّون أمرَه.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾: أي: لئن لم تمتنِعْ عن هذا القول ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾؛ أي: لننفينَّك (^٢) من أرضنا؛ كما قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦].
* * *
(١٦٨ - ١٧٠) - ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾: أي لإتيانكم الذُّكران (^٣) وسائرَ المعاصي ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي: المبغِضين، وقد قَلَاه يقليه؛ أي: أبغضه، وبين الكلمتين تجنيس، وهو من أنواع الكلام النفيس.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾: من عقاب ما يعملون.
_________________
(١) في (ف): "مجاوزون الحد".
(٢) في (ر): "لنصرفنك"، وفي (ف): "لنخرجنك".
(٣) في (أ): "الذكور".
[ ١١ / ٢٩٩ ]
وقيل: نجِّني وأهلي من أن نكون (^١) على دينهم وعملهم؛ أي: اعصِمني عن ذلك.
وقيل: لمَّا قالوا: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ أظهَر أنه لا يسوءه مفارقتُهم فقال: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ فلا أكرهُ مفارقتَكم ولا أرضَى مجاورتَكم، ثم: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: أخرِجنا من جملتهم فننجو من مجاورة مَن يعمل بمعاصيك.
قوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾: إجابةً لدعوته، فأخرجناهم من جملتهم.
* * *
(١٧١ - ١٧٥) - ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾: وهي امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: الباقين في العذاب فلم تنجُ منه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: أي: بعد إخراجهم أهلكنا مَن سوى لوطٍ ومَن نجا من أهله؛ أي: عياله وأولاده وأهل بيته، فجعلنا قريتهم عاليَها سافلَها بمن فيها.
قوله تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾: حجارة من سجِّيل.
وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي: فبنس المطر الذي أصاب المخوَّفين (^٢) بالعذاب إنْ أصروا على تكذيبهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ [القمر: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أكون".
(٢) في (ر) و(ف): "المجرمين".
[ ١١ / ٣٠٠ ]
(١٧٦) - ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: سكانُ الغيضةِ وهم أهل مدين، قاله ابن عباس ﵄ (^١).
وقال الخليل: الأيكة: غيضةٌ تُنبت السِّدر والأراك وناعمَ الشجر (^٢).
وقيل: بُعث شعيب صلوات اللَّه عليه إلى قومٍ هم أصحاب بادية وأصحاب قرًى، وأصحاب البادية هم أصحاب الأيكة، وأهل مدين هم أهل القرية.
وقيل: هم أهل مدين هم قومه وعشيرته، ولذلك قال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] في الآية التي ذكر أصحاب مدين، وأهل الأيكة غيرُ قومة وعشيرته، ولذلك لم يقل في هذه الآية: إذ قال لهم أخوهم، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ وقد بُعث إلى كلِّ واحد منهما على الانفراد أحدهما بعد الآخر.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا ندري ذلك (^٣).
* * *
(١٧٧ - ١٨٣) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٣٣).
(٢) انظر: "العين" (٥/ ٤٢٣).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٨٢).
[ ١١ / ٣٠١ ]
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: بيَّن سبحانه أن جميع الأنبياء كانوا على طريق واحدٍ في الدعوة إلى اللَّه تعالى وطاعته ومعاملةِ الخلق.
وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾: أي: أتمُّوا الكيل في قضاء حقوق الناس ولا تَنقصوهم حقوقهم.
قوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: قال الحسن: أي: القبَّان (^١).
وقيل: أي: الميزان.
وقال أبو عبيدة: أي: العدل والسَّواء (^٢).
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي: لا تنقصوا الناس في معاملتكم في مالهم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: أي: لا تبالغوا فيها بالإفساد وهو بالكفر والظلم.
* * *
(١٨٤ - ١٨٧) - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: الخليقةَ الماضينَ، وإذا كان هو خالقَ أنفسكم وأعمالكم كان هو عالمًا بكم قادرًا عليكم فسيجازيكم على وَفق عملكم.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨١٢).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٩٠).
(٣) "الناس في معاملتكم في مالهم" من (ف).
[ ١١ / ٣٠٢ ]
وقيل: معناه: إن الذي خلقكم هو الذي خلق الأولين، وقد رأيتم عقوباته للأولين حين عصوا رسله وظلموا عباده، فاتَّقوه فإنه خالقكم وقادرٌ عليكم أيضًا (^١).
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: قد فسرناه.
﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: ما نظنُّك إلا من الكاذبين في دعوى الرسالة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: جمع كِسْفةٍ؛ أي: قطعة، قاله ابن عباس ﵄.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: وهذا قد يكون على معنى: أن يفتح لهم بابًا من السماء فينظروا إليه كما كانوا يسألون أن يروا اللَّه جهرة، وهو كما قال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥] وما أشبهه.
ويحتمل أن يكون على معنى الْتِماس العذاب إظهارًا منهم للاستنصار (^٢) في كذب الرسول؛ كما قال خبرًا (^٣) عن النَّضْر بن الحارث: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]؛ أي: نعلم أنه ليس كذلك.
* * *
(١٨٨ - ١٩١) - ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
_________________
(١) "أيضًا" من (أ).
(٢) في (أ): "للاستبصار".
(٣) في (ف): "كما أخبر".
[ ١١ / ٣٠٣ ]
﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي فهو مُجازيكم عليه.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: وهو العذاب الذي أهلكهم اللَّه به من ظلةٍ أقامها (^١) فوق رؤوسهم فألهبها عليهم فماتوا من حرِّها ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقيل: أصابهم الحر حتى أقلقهم وأخرجهم من بيوتهم، ورُفعت إليهم سحابة فانطلقوا إليها، فلما استظلُّوا بها أُرسلت عليهم فلم ينفلت منهم أحد.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ مر تفسيره.
* * *
(١٩٢ - ١٩٣) - ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: إن القرآن منزَلٌ من عند ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد تقدم ذكره في أول السورة: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ والسورة كلها في معنًى واحد، فإنه ذكر القرآن وتكذيبَ المشركين الرسولَ ﵇ فيه، ووصَل به تكذيبَ سائر الأمم رسلَهم، ثم عاد إلى ذكر القرآن فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا مصدر بمعنى المفعول؛ كقولهم: هذا الدرهم ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه.
يقول -وهو معنى أول السورة وآخرها على التقدير-: وإن هذا القرآن الذي نتلوه على هؤلاء المشركين فيستهزؤون به ويعرضون عنه، هو منزلُ ربِّ العالمين، وما كان منه فحقيقٌ بالإصغاء إليه والتدبُّر فيه، ليس هو مما تقوَّلتَه علينا، ولا مما تنزَّلت به الشياطين، ولا هو شعرٌ، بل نزل به جبريل من عند اللَّه، وهو قوله:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ظلة أتى بها".
[ ١١ / ٣٠٤ ]
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد ﴿الرُّوحَ﴾ بالنصب؛ أي: نزَّل اللَّه جبريلَ مع القرآن.
وقرأ الباقون: ﴿نَزَلَ﴾ بالتخفيف ﴿الرُّوحُ﴾ بالرفع على أن الفعل لجبريل (^١)، يعني: نزل جبريل ومعه القرآن إذ هو أنزل (^٢) القرآن؛ لأن الباء تستعمل للتعدية يقال: ذهب به؛ أي: أذهبه، وتستعمل للقران يقال: دخل بسيفه.
و﴿الرُّوحُ﴾: جبريل، سمي به لِمَا يجري على يديه من الوحي الذي فيه الحياةُ من موت الجهالة، و﴿الْأَمِينُ﴾ صفتُه؛ لأنَّه أمين اللَّه على وحيه عَلِم اللَّه أنه لا يغيِّره ولا يبدِّله.
* * *
(١٩٤ - ١٩٦) - ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: أي: لقَّنك حتى تلقَّنْتَه وحَفِظْتَه بقلبك، فصار قلبك وعاءً له، فكأنه ينزل على قلبك.
وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾: أي: لتُنذر الناس به فتكونَ من المرسلين الذين كان الإنذار صفتَهم.
وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾: أي: بلغةِ العرب، وهو مُبينٌ (^٣) ما يراد به لوضوحه، ومبينٌ (^٤) للناس ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٧٣)، و"التيسير" (ص: ١٦٦).
(٢) في (أ): "أو هو إنزال"، بدل: "إذ هو أنزل".
(٣) في (ر): "يبين".
(٤) في (ر) و(ف): "ويبين".
[ ١١ / ٣٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: في كتب المرسلين الماضين المنزلةِ من اللَّه عليهم؛ كما قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]؛ أي: معناه فيها.
ودلت الآية على صحة قول أبي حنيفة ﵀: إن القرآن لا يتبدَّل بتبدُّل اللسان، وإن قراءة اقرآن بالفارسية في الصلاة جائزةٌ، فإن اللَّه تعالى جعل ما في الصحف الأولى وفي زبر الأولين قرآنًا، وكان ذلك بمعناه لا بنظمه ولفظه بالعربية.
* * *
(١٩٧) - ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وقراءة العامة: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ﴾ بياء التذكير ﴿آيَةً﴾ نصب على أنه خبرُ كان، واسمُه ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ لأن (أنْ) مع الفعل مصدر، وتقديره: أولم يكن لهم علمُ بني إسرائيل آيةً.
وقرئ: ﴿أولم تكُنْ﴾ بتاء التأنيث ﴿آيةٌ﴾ بالرفع (^١) على أنه اسم كان، وعلى هذا ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ يجوز نصبًا خبرًا لكان، ويجوز رفعًا ترجمةً لقوله: (آيةٌ) (^٢)، ومعناه: ألَا يكفي أنَّ هذا القرآن مِن عند اللَّه أنْ يشهد بذلك علماءُ بني إسرائيل عبدُ اللَّه بن سلَام وسلمانُ ونحوُهما، وكانوا يرجعون في كثير من الأمور الدينية إلى علماء أهل الكتاب، وكان ذلك لازمًا لهم.
وقيل: إن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ وقولَه تعالى: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ راجع إلى بيان النبي -ﷺ- في الكتب.
_________________
(١) قراءة ابن عامر، وباقي السبعة بالياء والنصب. انظر: "السبعة" (ص: ٤٧٣)، و"التيسير" (ص: ١٦٦).
(٢) قوله: "ترجمة"؛ أي: بدلًا، وعلى هذا الوجه يكون الخبر هو قوله: ﴿لَهُمْ﴾.
[ ١١ / ٣٠٦ ]
(١٩٨ - ١٩٩) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾: أي: القرآن ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ والأعجم: الذي لا يُفصح عربيًّا كان أو غيره.
وقيل: هو الذي يمتنع لسانه من العربية، والعَجَمُ غيرُ العرب نسبةً وولادة، والعجم منسوبٌ إلى العجم وهو من الولادة (^١)، والأعجميُّ منسوب إلى أنه من الأعجَمين الذين لا يُفصحون الكلام (^٢).
يقول: ولو نزَّلنا القرآن على بعض الأعاجم الذين لا يُفصحون الكلام بلسان العربية وجعلنا القرآن بلسان ذلك الأعجم ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على العرب ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم لا يعرفونه.
وقيل: معناه: ولو نزلناه على رجلٍ من العَجَم يُحْسِن لسان العرب بالعربية، لكانت العرب لا تؤمن به ولا تتَّبعه لأَنَفتهم من اتِّباع العجم؛ أي: فلم أجعله كذلك، بل جعلتُه من أنفسهم والقرآنَ بلسانهم ليفهموه وليكونوا إليه أسكَنَ وبه أوثَقَ، ومع ذلك يُعرضون عنه فدل على عنادهم.
* * *
(٢٠٠) - ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾: أي: أدخلنا الكفر، وهو مدلول قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) قوله: "والعجم منسوب إلى العجم وهو من الولادة" ليسر في (أ).
(٢) في (ف): "القول"، وليست في (ر).
[ ١١ / ٣٠٧ ]
﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: المشركين الذي علِمنا منهم اختيارَ الكفر والإصرارَ عليه، وهو حجتنا على المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد خيرِها وشرها، وهو كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، ونظائرِها.
* * *
(٢٠١ - ٢٠٣) - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أي: الهلاكَ المستأصِلَ الذي ينزل بهم في الدنيا، ويكون ذلك إيمانَ يأسٍ فلا ينفعهم.
وقيل: هو عذاب يوم القيامة، ويَسألون الرجعة حينئذ ويندمون ولا ينفعهم.
وقيل: هو قيام الساعة، ودليله ما بعده: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة وهو الساعة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: ونصب ﴿فَيَقُولُوا﴾ وحُذف النون منه عطفًا على قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا. . . فَيَأْتِيَهُمْ﴾؛ أي: يسألون الرجعة فلا يُجابون إليها.
* * *
(٢٠٤ - ٢٠٧) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾: توبيخٌ لهم وإنكارٌ عليهم قولَهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، لن نؤمنَ لك حتى تُسقط علينا كسفًا من السماء (^١)، ونحوَ ذلك.
_________________
(١) يريد قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ =
[ ١١ / ٣٠٨ ]
ثم بيَّن سفَهَهُم في هذا الاستعجال فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾: قيل: هو سِنُو مدة (^١) الدنيا، وقيل: هي سِنُو مدةِ عمر (^٢) كلِّ واحدٍ منهم.
﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: من العذاب ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.
معناه: إن عمر الإنسان في الدنيا إنما يكون سنين، وإن تفاوتت (^٣) فإنما هي سنونَ معدودةٌ، فما معنى الفرحِ بذلك وهو ينقضي عن قريبٍ ثم وراءه عذابٌ غير منقضٍ؟
* * *
(٢٠٨ - ٢١١) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾: أي: رسلٌ مخوِّفون بعذابنا إنْ لم يؤمنوا.
﴿ذِكْرَى﴾: أي: تذكرةً ووعظًا ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: معذِّبين بغير ذنبٍ، وهو كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقد شرحنا تلك الآية (^٤) في موضعها على الوجه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾: أي: بالقرآن، كما يقول هؤلاء: إنك كاهن، والكاهن يلقي عليه الشيطان، بل هو تنزيل رب العالمين.
_________________
(١) = لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.
(٢) في (ف): "هذه"، وليست في (ر).
(٣) "عمر" ليس من (أ).
(٤) في (ف): "تقادمت".
(٥) في (أ): "الآيات".
[ ١١ / ٣٠٩ ]
قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾: أي: للشياطين أن يتنزَّلوا به؛ أي: لم يجعلهم اللَّه بهذا المحل فإنهم أرجاسٌ، وإنما جعل ذلك للملائكة المطهَّرة (^١)، الكرامِ البَرَرة.
﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي: الشياطين.
* * *
(٢١٢ - ٢١٣) - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُو﴾: أي: إن الشياطين قد (^٢) عزلوا عن الأمكنة التي كانوا يسمعون فيها من الملائكة أخبارَ السماء برجمهم بالكواكب، قال تعالى خبرًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩].
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾: أي: ينزلُ بك من العذاب ما نزل بهؤلاء الذين قصَصْنا خبرهم.
* * *
(٢١٤) - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: أي: ابدأ بإنذار رهطِك الأدنَيْنَ إنْ لم يؤمنوا بك فتَنْحسِم أطماعهم وأطماعُ الأبعدين في تركهم وما هم عليه، وإن هم أجابوك كانوا عُد لك على غيرهم، فكان أقوى لأمرك وأهيَبَ لأعدائك فامتثِلْ به.
قال أبو هريرة ﵁: لمَّا نزلت عليه (^٣) هذه الآية دعا قريشًا فعمَّ وخصَّ
_________________
(١) في (أ): "الطاهرة".
(٢) في (ر): "قبل"، وليست من (ف).
(٣) "عليه" من (أ).
[ ١١ / ٣١٠ ]
فقال: "يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب، يا معشر بني عبد مناف، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب" يقول لكل معشر: "أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمةُ بنت محمدٍ أنقذي نفسك من النار، فإني واللَّه لا أملك لكم من اللَّه شيئًا" (^١).
وفي حديث عروة بن الزبير: "يا صفيةُ عمةَ رسول اللَّه، يا فاطمة بنتَ محمد، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من اللَّه شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم" (^٢).
وعن أبي هريرة أيضًا: "يا بني عبد المطلب، ويا بني عبد منافٍ، ويا بني هاشم، افتكُّوا أنفسَكم من النار فإني لا أُغني عنكم شيئًا، يا عائشةُ بنت أبي بكر، ويا حفصةُ بنت عمر، ويا فاطمةُ بنت محمد، ويا صفيةُ عمة محمد، اشترينَ أنفسكن (^٣) من النار فإني لا أغني عنكن (^٤) شيئًا" (^٥).
وقال السُّدِّي: قال: "يا بني هاشم، يا بني المطلب، إني رسول اللَّه إلى الناس عامة وإليكم خاصة" (^٦).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٤).
(٢) رواه عن عروة الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٥٥)، ورواه مسلم (٢٠٥) من طريق عروة عن عائشة ﵁.
(٣) في (ر): "اشتروا أنفسكم"، وفي (ف): "اشتروا أنفسكم".
(٤) في (ر) و(ف): "عنكم".
(٥) رواه بنحوه البخاري (٢٧٥٣)، وليس فيه ذكر عائشة وحفصة ﵄. وورد ذلك في حديث أبي أمامة ﵁، رواه الآجري في "الشريعة" (٩٠٧)، والطبراني في "الكبير" (٧٨٩٠)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٨٦): فيه علي بن زيد الألهاني وهو متروك.
(٦) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٢٨١) دون عزو.
[ ١١ / ٣١١ ]
وقال مقاتل: قال رسول اللَّه -ﷺ- لعمه أبي طالب: "اتَّخِذْ دعوةً وادْعُ أُناسًا" سماهم، ثم دخل عليهم فدعاهم إلى دينه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه الآية صعد رسول اللَّه -ﷺ- أبا قُبيسٍ فدعا أحياء العرب فقال: "يا آلَ غالبٍ ويا آلَ مرةَ ويا آل تميمٍ" حتى اجتمعوا فقال: "ما تقولون فيَّ؟ " قالوا: أمين صدوق، قال: "لو أخبرتُكم أن بسفحِ هذا الجبل خيلًا أكنتُم مُصَدِّقيَّ؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني رسول اللَّه إليكم أدعوكم (^٢) من عبادة الأوثان إلى عبادته"، فقام أبو لهب فقال: ألهذا دعوتنا؟ تبًّا لك! فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^٣).
* * *
(٢١٥ - ٢١٦) - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قال ابن عباس: أَلِنْ جانبَك لهم، وأراد به التواضُع والعطف (^٤).
وقال محمد بن علي: أي: حسِّن خلقَك.
_________________
(١) روى نحوه مطولًا الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٦١ - ٦٦٣) من حديث علي ﵁، وفيه أن رسول اللَّه -ﷺ- أمر عليًّا ﵁ أن يتخذ طعامًا ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل ذلك علي، ودخل عليهم رسول اللَّه -ﷺ- وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد. . . الحديث. وله روايات بنحو هذا ذكرها ابن كثير عند تفسير هذه الآية.
(٢) في (ر) و(ف): "أمنعكم".
(٣) رواه بنحوه البخاري (٤٧٧٠) و(٤٨٠١)، ومسلم (٢٠٨).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٢/ ٦٥٨) بلفظ: (ألِن لهم الموعظة وارفق بهم ولا تغلظ عليهم).
[ ١١ / ٣١٢ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾: أي: عشيرتُك؛ أو: المؤمنون (^١) ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلم يقل: منكم، بل: إني بريء من أعمالكم لا أرضى بها.
وقيل: أي: ليس عليَّ من أعمالكم تبعةٌ أنتم المؤاخَذون بها.
وقيل: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ منها لا أملك لكم فيها شفاعةً عند اللَّه، ولا دفعًا لِمَا يحلُّ بكم من العقوبة.
* * *
(٢١٧ - ٢٢٠) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾: أي: فوِّض أمرك في مُنابذة عشيرتك وغيرِ ذلك إلى اللَّه تعالى، المنيعِ الذي لا يغالَب ﴿الرَّحِيمِ﴾: الذي لا يخذل أولياءه، وثِقْ به.
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾: أي: وحدك من فراشك أو من مجلسك إلى الصلاة لتلاوة كلامه ومناجاته ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: حين تتقلَّب بين المصلين في الجماعة ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: الذي لا تخفى عليه الأصوات ﴿الْعَلِيمُ﴾: الذي لا تَعْزُبُ عنه الطَّويَّات، وهذا تأويل الحسن وجماعةٍ (^٢).
وقيل: أي: يراك في تصرفاتك في حالاتك ومجالستك أهلَ الصلوات، لستَ تعاشر (^٣) السحَرة والكهَنة والشعراء، فدُمْ على مصاحبة (^٤) هؤلاء ومجانبة أولئك.
_________________
(١) في (ر): "أي عشيرتك أي المؤمنون"، وفي (ف): "أي عشيرتك المشركون".
(٢) انظر ما روي في هذا المعنى عن الحسن وغيره في "تفسير ابن أبي حاتم" (٩/ ٢٨٢٨ - ٢٨٢٩).
(٣) في (ر) و(ف): "ليست بمعاشرة".
(٤) في (ر) و(ف): "معاشرة".
[ ١١ / ٣١٣ ]
وقال عكرمة: ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: في أصلاب الرجال (^١).
وعن ابن عباس ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ نبيٍّ بعد نبيٍّ (^٢).
وقال القشيري: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾؛ أي: انقطِعْ إلينا، واعتصِمْ بنا، وتوسَّل بنا إلينا، وكن بنا، وإذا قلتَ فقل بنا، وتحقَّق بنا ولنا.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ﴾ تجد العزة فإن العزيز مَن ورثق بالعزيز ﴿الرَّحِيمِ﴾ الذي يقرِّب مَن تقرَّب إليه، ويُجْزِل البِرَّ لمن توسَّل به إليه.
وقوله تعالى: ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ اقتطعه بهذا عن شهود الخلق، فإنه مَن علِم أنه بمشهدٍ من الحق انقطع بالكلِّية (^٣) عن شهود الخلق.
وقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ هوَّنَ عليه معاناةَ مشاقِّ العبادات حين أخبر برؤيته له (^٤)، ولا مشقَّةَ على مَن يعلم أنه يعمل بمرأًى من مولاه.
وقيل: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ من أصحابك، فهم نجومٌ وأنت بدر، وهم بدورٌ وأنت شمسٌ، وهم شموسٌ وأنت للشموس شمس (^٥).
* * *
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٢٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٨٤)، من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: ما زال رسول اللَّه -ﷺ- يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمّه.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٢٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٨٤)، من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄.
(٣) "بالكلية" ليست في (ف).
(٤) في (أ): "إياه"، وليست الكلمة في "اللطائف".
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٢٠ - ٢١).
[ ١١ / ٣١٤ ]
(٢٢١ - ٢٢٣) - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾: أي: هل أخبركم أيها المشركون ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾؛ أي: كذَّاب ﴿أَثِيمٍ﴾: عاصٍ (^١) مرتكبٍ للآثام، وهو الكاهن؛ أي: فكيف تنزل الشياطين بالكتاب على محمد -ﷺ- وهو يشتم الأفَّاكين الآثمين والشياطين ويذمُّهم ويلعنهم ويلعن مَن اتَّبعهم، والكاهن كان كذَّابًا يخلط (^٢) الأكاذيب بما يلقي إليه الشيطان، ولدعواه علم الغيب.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾: قال الكلبي: يستمعون القول؛ أي: الشياطينُ يلقون أسماعهم للاستماع من الملائكة، ثم يخلطون به كذبًا كثيرًا فيخبرون به الكهَّان.
وقيل: ﴿يُلْقُونَ﴾ ما سمعوه من الملائكة إلى الكهَّان.
فعلى الأول: السمع للأذن بمعنى الجمع وعلى الثاني: السمع بمعنى المسموع.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: يخلط الأكاذيب بذلك.
* * *
(٢٢٤ - ٢٢٦) - ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: فكيف يكون محمدٌ شاعرًا، وكيف يكون ما أَتى به شعرًا، والشعراءُ أهل هَزْلٍ وكذبٍ، وأتباعُهم غواةٌ، ومحمد -ﷺ- صاحبُ جِدٍّ وصدق، وأصحابه مهتدون هداة؟
_________________
(١) في (ف) و(أ): "عصي".
(٢) في (أ): "لخلطه"، وفي (ف): "بخلطه".
[ ١١ / ٣١٥ ]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ﴾: أي: الشعراءَ ﴿فِي كُلِّ وَادٍ﴾: في كل طريق من الكلام ﴿يَهِيمُونَ﴾: يمضون على وجوههم حائرين عن القصد؛ من مدحٍ بكذبٍ، وهجاءٍ بباطل، وإخبارٍ على غير تثبُّت.
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾: يكذِبون في الوعد والوعيد، والمدحِ والذمِّ، والتفاخُرِ بالقبائل، وهذا في شعراء الجاهلية: عبدِ اللَّه بن الزِّبَعْرَى المخزوميِّ، وهبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومسافعِ بن عبد منافٍ، وعمرِو بن عبد اللَّه أبي عزَّةَ، وأميةَ بن أبي الصلت، كانوا يهجون النبيَّ -ﷺ- ويذمُّون الإسلامَ، ويحرِّضون على الشرك وعبادة الأصنام.
* * *
(٢٢٧) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
وقال عبد اللَّه بن رواحة: لما نزلت هذه الآية لقد خشيت أن أموت على هذا، فنزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية (^١)، فاستثنى شعراء أهل (^٢) الإسلام، وهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد اللَّه بن رواحة وجماعةٌ من الصحابة كانوا ينشدون (^٣) الأشعار وغيرَ ذلك.
﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: في الشعر وغير الشعر ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾؛ أي: أجابوا شعراء الجاهلية الذين هجَوهم بشعرٍ قالوه في هجائهم، فهؤلاء مستثنَون من
_________________
(١) رواه بنحوه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٥٢٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٣٤).
(٢) "أهل" ليست في (ر).
(٣) في (أ): "ينشئون".
[ ١١ / ٣١٦ ]
أولئك الشعراء، فإن أولئك هائمون في كلِّ وادٍ، ذامُّون للدِّين الحق وللرسول ﵇ وللمؤمنين، وهؤلاء ليسوا بهائمين بل يذمُّون الدِّين الباطلَ والمشركين.
وقال أبو منصور ﵀: ذكر أن شاعرين كافرين قالا في النبيِّ -ﷺ- وفي الإسلام أشعارًا، واتَّبعهما غواة من قومهما في ذلك، فاستأذن شعراءُ المسلمين (^١) رسولَ اللَّه -ﷺ- في جوابهما، فأذن لهم، قالوا: فنزلت الآية فيهم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوز أن يكون مستثنًى من الشعراء؛ أي: هؤلاء ليسوا بمذمومين، ويحتمل أن يكون مستثنًى من قوله: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾؛ أي: المؤمنون لا يتَّبعون شعراء الجاهلية.
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: من الشعراء وغيرهم ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: في الآخرة (^٣) في منقلب الظلمة وهي النار؛ أي: يعلمون علم العِيان إذ تركوا النظر في الدنيا فلم يعلموا علم الاستدلال، أو علموا علم الاستدلال في الدنيا وعاندوا، فيعلمون علم العيان في الآخرة، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "شعراء الإسلام والمسلمين".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٧/ ٩٢). والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٧٤ - ٦٧٥) عن ابن عباس ﵄، لكن فيه أنهما تهاجيا فيما بينهما، لا أنهما قالا ذلك الشعر في هجاء الإسلام، كما أنه ليس فيه أنهما كانا كافرين، وأن شعراء المسلمين استأذنوا في هجائهما. ومع هذا فإسناده ضعيف.
(٣) "أي في الآخرة" من (أ).
[ ١١ / ٣١٧ ]
سورة النمل
[ ١١ / ٣١٩ ]