بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسم اللَّه الذي ليس كمِثْلِه شيءٌ وهو السميع البصير، الرَّحمنِ الذي وعَدَ المؤمنين روضاتِ الجَنَّات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفَضْل الكبير، الرَّحيمِ الذي لا يُؤاخذُنا إلا بما كسبنا (^٢) ويعفو عن كثير.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿حم (١) عسق﴾ كان ممن تُصلِّي عليه الملائكةُ ويَسْتَرْحِمون له" (^٣).
وهذه السُّورة مكِّيَّةٌ.
وهي ثلاثٌ وخمسون آيةً، وقيل: خمسون، الاختلافُ في: ﴿حم﴾ و﴿عسق﴾، وفي: ﴿الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾.
وكلماتُها: ثماني مئةٍ وستون.
وحروفُها: ثلاثةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وأربعون.
_________________
(١) في (ف): "حم عسق".
(٢) في (أ): "إلا بكسبنا".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٢)، وهو قطعة من حديث طويل موضوع، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٧٩).
[ ١٣ / ٢٠٥ ]
وانتظامُ أوَّلىِ هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّ خَتْمَ تلك السُّورة باسم مِن أسماء اللَّه تعالى، وكذلك افتتاحُ هذه السُّورة.
وانتظامُ السُّورتين: أنهما في ذِكْر الكفار وشِرْكِهم، وإقامةِ الدَّلائل على جهلهم، وإبطالِ قولِهم، وما يتَّصِلُ بوعيدهم ووعيدِ غيرِهم.
* * *
(١ - ٢) - ﴿حم (١) عسق﴾.
وقولُه تعالى: ﴿حم﴾: مرَّتِ الأقاويلُ فيه.
﴿عسق﴾: هذه الحروف الخمسة اسمُ هذه السُّورة.
وقال الضحاك: ﴿حم (١) عسق﴾؛ أي: قُضِيَ عذابٌ واقعٌ، وأرجو أنْ يكون قد مضى يوم بدر والسِّنونَ التي أصابَتْ أهلَ مكَّةَ (^١).
وقال ابن عباس ﵄: السِّينُ في ﴿عسق﴾ كلُّ فِرْقةٍ تكون، والقافُ كلُّ جماعةٍ تكون، وبها كان يَعْلَمُ عليُّ بن أبي طالب ﵁ حسابَ الفِتَنِ (^٢).
وعنه أنه قال: ليس مِن نبيٍّ صاحبِ شَرْعٍ أو صاحبِ كتابٍ إلا وقد أُوحِيَ إليه: ﴿حم (١) عسق﴾، يُبَيِّنُ ذلك قولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ (^٣).
وقال السُّدِّي: ﴿حم (١) عسق﴾: يعني: العذابَ، أوحى اللَّه تعالى إلى الرسل
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٥).
(٢) ذكره الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٢١)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٦٥)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ١٠٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٢)، ومكي في "الهداية" (١٠/ ٦٥٥٥). وعندهم جميعًا: (حم سق)، وأن ابن عباس قرأها كذلك دون عين.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٨٤).
[ ١٣ / ٢٠٦ ]
أنَّ العذاب نازلٌ بأُمَمهم كما أوحى إلى النبي -ﷺ- شأنَ يومِ بدرٍ وغيرِه (^١).
وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرقُ ابنَ عباس عن قوله: ﴿حم (١) عسق﴾، فقال: حاءٌ حِلْمُه، ميمٌ مَجْدُه، عَين عِلْمُه، سينٌ سَناؤُه، قافٌ قُدْرَتُه، أقسمَ اللَّه بها (^٢).
وفي رواية أبي الجَوْزاء: أنَّ ابن عباس ﵄ قال لنافع: عَينٌ عذابٌ، سينٌ مَسْخٌ، قافٌ قَذْفٌ (^٣).
ورُوِي أنَّ النبي -ﷺ- لَمَّا نزلت هذه الآية عُرِفَتِ الكآبةُ في وجهه، فقيل له في ذلك، فقال: "أُخْبِرْتُ ببلاءٍ ينزلُ بأُمَّتي مِن مَسْخٍ وخَسْفٍ وقَذْفٍ، ونارٍ تحشُرُهم، وريحٍ تقذِفُ بهم في اليمِّ، وآياتٍ مُتتابعاتٍ مُتَّصِلةٍ بنزول عيسى وخروج الدَّجَّال" (^٤).
وقال شَهْر بن حَوْشَب: حاءٌ: حربٌ يَعِزُّ فيها الذَّليل، ويَذِلُّ فيها العزيز في قريش، ثم تُفْضِي إلى العرب، ثم تُفْضِي إلى الحجم، ثم تمتَدُّ إلى خروج الدَّجَّال (^٥).
وقال عطاء بن أبي رباح: حاءٌ: حربٌ في أهل مكة تُجْحِفُ بهم حتى يأكلوا
_________________
(١) ذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٧٦٣). وأما السدي فقد ذكر عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٥) أنه قال: الحاء حلمه، والميم ملكه، والعين عظمته، والسن سناؤه، والقاف قدرته، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٣) أنه قال: العين من العزيز، والسين من السلام، والقاف من القادر.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٨٠).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ٢٧١).
(٤) ذكره بهذا السياق الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٢)، وأصل الحديث دون ذكر الآية ثابت بأسانيد صحيحة، فقد رواه مسلم (٢٩٠١)، والترمذي (٢١٨٣)، والإمام أحمد في "مسنده" (٦١٤٣) عن حذيفة بن أسيد ﵁.
(٥) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٣).
[ ١٣ / ٢٠٧ ]
الجِيَفَ وعِظامَ الموتى، ميمٌ: مُلْكٌ يتحوَّلُ مِن قوم إلى قوم، عَينٌ: عدُوٌّ لقريش يقصِدُهم، سينٌ: سَبْيٌ يكون فيهم، قافٌ: قُدْرةُ اللَّهِ النَّافذةُ في خَلْقِه (^١).
وقال بكرُ بن عبد اللَّه المُزنيُّ: الحاءُ: حربٌ تكون بين قريش والموالي، فتكون الغلَبةُ لقريش على الموالي، ميمٌ: مُلْكُ بني أُمَيَّةَ، عينٌ: عُلُوُّ بني العباس، سينٌ: سَناءُ المهدي، قافٌ: قُدْرةُ عيسى حين ينزِلُ، فيقتُلُ النصارى، ويُخَرِّبُ البِيَعَ (^٢).
وقال محمد بن كعب: أقسَمَ اللَّه تعالى بحِلْمِه (^٣) ومَجْدِه وعُلُوِّه وسَنائِه وقُدْرته ألَّا يُعذِّبَ مَن عاد إليه بلا إله إلا اللَّه، مُخْلِصًا مِن قلبه (^٤).
وقال سعيد بن جُبير وجعفرٌ الصادقُ ﵄: حاءٌ مِن رحمن، ميمٌ مِن مَجيد، عَينٌ مِن عالِم، سينٌ مِن قُدُّوس، قافٌ مِن قاهر (^٥).
* * *
(٣) - ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: كالذي أوحَى إليكَ في هذه السورة يُوحِي إليكَ في سائر السُّوَر، وكذلك أوحى إلى الأنبياء المُتقدِّمين.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يحتاجُ إلى شريك يتعزَّزُ به.
﴿الْحَكِيمُ﴾: المُصيبُ في أقواله وأفعاله، المُحْكِمُ دلائلَه، المُتْقِنُ خَلْقَه.
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٣).
(٣) في (ف): "بحكمه".
(٤) ذكره عن محمد بن كعب الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٣)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٥) عن ابن عباس.
(٥) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٣).
[ ١٣ / ٢٠٨ ]
(٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: مِلْكًا ومُلْكًا.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾: المُمْتَنِعُ بعُلُوِّه أنْ يُغالَبَ.
﴿الْعَظِيمُ﴾: الجليلُ سُلْطانُه أنْ يُعارَضَ.
وقيل: ﴿حم (١) عسق﴾: أي: هي وجميعُ حروفِ التَّهَجِّي مما أوحى اللَّه بها كُتُبَه إلى أنبيائِه؛ أي: بها كان نَظْمُها.
وقيل: ﴿حم (١) عسق﴾: سِرٌّ لم يَطَّلِعْ عليه غيرُ محمد، وكذا كان وَحْيُ اللَّهِ تعالى إلى أنبيائه، كان في بعض الكتب (^١) سِرٌّ تفرَّدَ به الرسول (^٢).
* * *
(٥) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: قرأ أبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿تَكَادُ﴾ بتاء التأنيث، (يَنْفَطِرْن) بالنون مِن الانفطار، وهو الانشقاق.
وقرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ وحمزةُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿تَكَادُ﴾ بتاء التأنيث، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ مِن التَّفَطُّر، وهو التَّشَقُّق.
وقرأ نافعٌ والكسائيُّ: ﴿يكاد﴾ بياء التذكير، ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾: مِن التَّفَطُّر (^٣).
قيل: تكاد السماوات تتشقَّقْنَ لِعظمة اللَّه وهَيْبَته.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الكتاب".
(٢) في (أ): "تفرد به رسول اللَّه ﵇".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٥٨٠).
[ ١٣ / ٢٠٩ ]
وقيل: معناه: تُقارِبُ السماوات أنْ تتشقَّقْنَ فوق الأرَضين.
وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: أي: مِن أعلى سماءٍ منها (^١)، فلا تبقى سماءٌ إلا وقد سقَطَتْ على الأخرى كالسَّقْفِ فوق السَّقْف؛ خَشْيةً للَّه لو كُنَّ يَعْقِلْنَ، وإجلالًا له، وانقطاعًا إليه بالرَّهْبة والرَّغْبة؛ كما قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
وقيل: تتشقَّقْنَ لِفَظاعةِ قولِ المشركين؛ كما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^٢) [مريم: ٩٠ - ٩١].
وقيل: تتشقَّقْنَ لِكَثْرة ما على السماوات مِن الملائكة، قال النبي -ﷺ-: "أطَّتِ (^٣) السماء وحُقَّ لها أنْ تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ قدَمٍ إلا وعليه ملَكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجدٌ" (^٤).
وقيل: تكاد السماوات يَنْفَطِرْنَ لقيام القيامة (^٥) لِتعجيلِ عقابِ هؤلاء المشركين، فإنَّ انفطارَ السماء وانشِقاقَها لِقِيام يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].
_________________
(١) في (أ) و(ف): "فيها".
(٢) في (أ) و(ف): "ينفطرن".
(٣) الأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها؛ أي: أن كثرة ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثَل وإيذانٌ بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثَمَّ أطيط، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة اللَّه تعالى. انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (مادة: أطط).
(٤) رواه الترمذي (٢٣١٢) وحسنه، وابن ماجه (٤١٩٠)، والإمام أحمد في "مسنده" (٢١٥١٦)، والحاكم في "مستدركه" (٨٧٢٦) وصححه، من حديث أبي ذر ﵁. ورواه البزار في "مسنده" (٣٢٠٨) من حديث حكيم بن حزام ﵁، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٢٥٥) من حديث العلاء بن سعد ﵁، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢٦٩) من حديث أنس ﵁، واللفظ له.
(٥) في (ر): "الساعة".
[ ١٣ / ٢١٠ ]
وقيل: يَنْفَطِرْنَ للسُّقوط على الكفار؛ كما قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩].
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: يُنزِّهونه ويحمَدونه بمَحامِده.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: مِن المؤمنين ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لهم.
وقيل: يستغفرون لكلِّ مَن في الأرض، يسألون تَرْكَ مُعاجلَتِهم بالعذاب؛ لِأجْل مَن فيها مِن أهل الإيمان.
* * *
(٦) - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: أصنامًا يتولَّونها.
﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي: يحفَظُ عليهم أعمالَهم وأقوالَهم وعقائدَهم، ويُوفِّيهم يوم القيامة.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾: أي: بمُسَلَّطٍ عليهم تُدخِلُهم في الإيمان جَبْرًا، ولا بمَنْصوب عليهم بحفظ أعمالهم ومُجازاتهم عليها شَرًّا، إنما عليك البلاغُ فبَلِّغْ، ولا تضِقْ بنُفورهم صَدْرًا.
* * *
(٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: بلسانِ قومِكَ؛ كما أرسَلْنا كلَّ رسول بلسان قومه.
[ ١٣ / ٢١١ ]
﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾: لِتُخَوِّفَ أهلَ مكَّةَ التي هي أصْلُ كلِّ بَلْدةٍ، فإنَّ الأرضَ منها دُحِيَتْ.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: مِن بلاد العرب؛ لِيكونوا أعوانًا لكَ على غيرهم.
وقيل: سُمِّيَتْ أمَّ القرى لأنها أجلُّها شَأْنًا؛ لِكون الكعبةِ فيها، ومناسكِ الحجِّ.
ويُقال للقصيدة المُختارة: هذه مِن أُمَّهاتِ قصائدِ فلانٍ، وعِظامُ المسائل تُدعى: أُمَّهاتِ المسائل؛ لكونها أصولًا لأحكامٍ مُرَتَّبةٍ عليها مُتَشعِّبَةٍ منها.
وقولُه تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾: أي: ولِتُخَوِّفَ بيوم القيامة الذي هو يومُ جَمْعِ الخلائق مِن الأوَّلين والآخِرين للحساب والجزاء.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: لا شَكَّ في كونه ومجيئه.
﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾: أي: وإذا جُمِعوا ليوم الحساب، فمنهم فريقٌ يدخُلون الجنة، وهم الذين خافوا بتخويفِكَ فآمَنوا، ومنهم فريقٌ يدخُلون النار، وهم الذين لم يُجيبوكَ وكذَّبوكَ.
* * *
(٨) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: مُجْتَمعين على الإيمان، مُسْتَحِقِّين للجِنان.
وقيل: أي: فريقًا واحدًا: إما ضالِّين مِن أهل السَّعِير، وإما مُهْتَدين مِن أهل الجنة.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: أي: يهدي مَن عَلِمَ منه اختيارَ الهُدى، فيُدخلُه بذلك في الجنة.
[ ١٣ / ٢١٢ ]
﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أي: والواضعون الأمرَ غيرَ موضعِه، والظالمون أنفسَهم الذين علِمَ منهم اختيارَ الضَّلالِ، يُضِلُّهم ويجعلُهم بذلك مِن أهل النار، فما لهم أحدٌ يتولَّى أمورَهم فيُعينَهم، ولا مَن ينصرُهم فيدفعَ العذابَ عنهم.
* * *
(٩) - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾: قيل: ﴿أَمِ﴾ بمعنى ألف الاستفهام، وهو للتَّوْبيخ.
وقيل: ألفُ الاستفهام مُقَدَّرةٌ أوَّلًا، وهذا عطفٌ على ذلك بـ (أم)؛ كأنه قال: قد عرَّفْناهم أنَّ الظالمين لا وليَّ لهم، أفيؤمنون بهذا أم قد اتَّخذوا عند أنفسهم أولياءَ مِن دونه يمنعونهم مِن عذاب اللَّه؟! وليس كذلك، فاللَّهُ هو الوليُّ يومئذٍ لا ولايةَ لغيره، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩].
﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾: يومَ القيامة للحساب والجَزاء.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن التَّنْعيم والتَّعْذيب وغيرِ ذلك.
* * *
(١٠) - ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: اليومَ مِن أَمْرِ الدِّين يا معاشرَ المسلمين والمشركين.
﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: يومَ الدِّين، فإنه يَفْصِلُ (^١) بالجزاء بين المختلِفِين.
_________________
(١) في (ر): "يقبل"، وفي (ف): "قائم يفصل".
[ ١٣ / ٢١٣ ]
وقيل: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: إلى كتابِه اليومَ، وسنَّةِ نبيِّه، وإجماعِ الأُمَّة، والقياسِ، فإنها قوانينُ الشرع، ومأخذُها مِن كتاب اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾: أي: قل يا محمد: هذا الموصوف بهذه الصِّفاتِ ربِّي.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: أي: اعتمدتُّ في أموري كلِّها.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أي: أرجِعُ في أحوالي كلِّها (^١).
قال مقاتل بن سليمان: نزل قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ في خُزاعة، قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، وعبَدوها مِن دون اللَّه (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: يعني: مُشْرِكي العربِ، وعبدةَ الأصنامِ (^٣).
وكذلك قولُه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: على القولين.
* * *
(١١) - ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ذلكم اللَّهُ ربي خالِقُ السماواتِ والأرضِ مُبْتدِئًا مِن غير شيء.
﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أي: زوجاتٍ مِن الإنس، وهو مِن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
_________________
(١) في (ر): "أي: أرجِعُ إليه؛ أي: على ربِّي في أحوالي كلِّها". وسقطت الجملة من (ف).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٦٤).
(٣) لم أقف عليه.
[ ١٣ / ٢١٤ ]
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾: أي: ذُكورًا وإناثًا لتتناسلَ (^١) فتبقى، فيقومَ بها مصالحُ الخَلْقِ (^٢) مِن الحَرْث والحَمْل والرُّكوب في الأَسْفار، والضَّرْب في الأمصار لمُخْتَلَف الأقطار.
﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾: أي: يخلُقُكم مِن هذه الأزواج (^٣) نَسْلًا بعد نَسْلٍ.
وقيل: أي: في زمان التَّزاوُج.
وقيل: أي: يذرؤُكم في العالَم.
وقال القُتَبيُّ: أي: في الرَّحِم (^٤).
وقيل: في البَطْن.
وقيل: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: به؛ أي: بالتَّزاوج؛ كما يُقال: الزَّرعُ ينمو في الغَيْث؛ أي: بالغَيْث.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: قال الزَّجَّاج: الكاف زوائدةٌ مَؤَكَّدةٌ، وتقديرُه: ليس مِثْلَه شيءٌ (^٥).
وهو كما قال أَوْسُ بنُ حُجْرٍ:
وقتلى كمِثْلِ جُذوع النَّخِيلِ تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ مُنْهَمِرْ (^٦)
_________________
(١) في (ر): "أي: للتناسل"، بدل: "لتتناسل".
(٢) في (ر): "خلقه".
(٣) في (أ): "في هذا الأزواج"، وفي (ف): "في هذه الازدواج".
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٩١).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٩٥).
(٦) انظر: "ديوان أوس بن حجر" (ص: ٣٠)، و"تفسير الطبري" (٢٠/ ٤٧٧)، وفيهما: "تغشاهم =
[ ١٣ / ٢١٥ ]
وقال آخر:
سعدُ بنُ زيدٍ إذا أبصَرْتَ فَضْلَهُمُ ما إنْ كمِثْلِهِمُ في الناس مِن أحدِ (^١)
وقال القُتَبيُّ: المِثْلُ صِلَةٌ، معناه: ليس كهو، وهو كما يقول الرجل: لا يُقال هذا لِمِثْلي؛ أي: لي (^٢).
وهو وجهٌ لا يجوزُ في العقل غيرُه؛ لأنَّه لو حُمِلَ هذا على ظاهرِه ونُفِيَ التَّشبيهُ عن مِثْله لا عنه، كان في تصحيحه إبطالُه؛ لأنَّه لو كان له مِثْلٌ لكان لِمِثْلِه مِثْل، وهوَ هوَ، فلم يصِحَّ نَفْيُ التَّشبيه، فدلَّ على أنه لِحقيقةِ نَفْيِ المِثْلِ عنه ﷻ.
وهذه الآية أقوى عُدَّةٍ لأهل السُّنَّة والجماعة على أهل الأهواء والبِدَع؛ لأنَّه إذا نُفِيَ التَّشْبيةُ بطَلَ قولُ المُجَسِّمَةِ والمكانيَّةِ، والقائلين بالجوارحِ وحُلولِ الحوادث في الذَّاتِ، وكثيرٌ مِن قواعدهم الفاسدة، وباللَّه العِصْمَةُ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾: كلَّ المسموعات بسَمْعٍ أزَليٍّ، لا بجارحةٍ.
﴿الْبَصِيرُ﴾: بكل المُبْصَراتِ ببَصَرٍ أزَليٍّ، لا بجارحةٍ (^٣).
* * *
(١٢) - ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) = مسبل"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في "الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٤١). وفي (أ) و(ر): "يغشاهم سيل".
(٢) ذكره دون نسبة الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٧٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٩٥).
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٩١)، وهو قول الأخفش؛ كما في "معاني القرآن" له (١/ ١٩٧).
(٤) وقد تقدم مرارًا بيان مذاهب السلف والخلف في آيات الصفات، وأنها تدور بين قولي التسليم والتأويل، وأن التسليم هو مذهب السلف، وهو الأسلم، كما قال الإمام النووي ﵀ وغيره من جمهور علماء الأمة.
[ ١٣ / ٢١٦ ]
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: بيده مفاتيحُ الأرزاقِ التي تَنْزِلُ مِن السماء مِن المطر وغيرِه، وما يخرُجُ مِن الأرض مِن النبات، وهو المالكُ كلَّ ذلك، وهو عنده كالشيء المَخْزون.
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: أي: يُوَسِّعُ على مَن يشاء مِن عباده، ويُضَيِّقُ على مَن يشاء.
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: مِن المصالح والعَواقب وغيرِ ذلك.
قال ابن عباس ﵄ ومقاتل: المقاليدُ: المفاتيح (^١). وقد فسَّرْناه وكشَفْنا عن حقيقته في سورة الزُّمَر.
وقال مقاتل بن حيان ومجاهد والسُّدِّي: يعني: خزائنَ السماوات والأرض (^٢).
وقال الضحاك ﵀: أي: القضاء في ذلك كلِّه إلى اللَّه تعالى (^٣).
وروى عثمان بن عفان ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "هي سبحانَ اللَّه، والحمدُ للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه العليِّ العظيمِ، فإنها مِن كنوز الجنة".
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٦٥)، ورواه عن ابن عباس الطبريُّ في "تفسيره" (٢٠/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢٤٣).
(٢) رواه عن السدي الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٧٩)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٩٥). أما مجاهد، فروى عنه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٧٨) أنها المفاتيح بالفارسية، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٩٥). ولم أقف عليه عن مقاتل.
(٣) لم أجده عن الضحاك، وذكر عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٩٥) أنه فسرها بالمفاتيح، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٩٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٢٥) عنه أنها الخزائن.
[ ١٣ / ٢١٧ ]
وفي رواية زاد في آخِره: "الأوَّلُ، الآخِرُ، الظاهِرُ، الباطِنُ، بيده الخيرُ، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، مَن قالها حين أصبَحَ عشر مرات أُعْطِيَ ستَّ خِصالٍ، أُولاهنَّ: يُحرَسُ عن إبليسَ وجنودِه، والثانية: يُعطى قِنْطارًا مِن الأجر، والثالثة: تُرْفَعُ له درجةٌ في الجنة، والرابعة: يُزَوَّجُ مِن الحُور العِين، والخامسة: تستغفر له الملائكةُ، والسادسة: يُعطى مِن الأجر كمَن قرأ القرآنَ مِن أوَّلِه إلى آخره" (^١).
* * *
(١٣) - ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾:
يقول: شرَعَ اللَّهُ لكم مِن الدِّين ما شرَعَ لقوم نوح وقوم إبراهيم وموسى وعيسى،
_________________
(١) رواه يوسف القاضي في "سننه" وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢٤٤)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٣١)، والدينوري في "المجالسة" (٢٩٢٣)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧٣)، والطبراني في "الدعاء" (١٧٠٠)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٩)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٥٤) وغيرهم. قال ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ١١٢): غريب جدًّا، وفي صحته نظر. وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٦٠٨٨): رواه ابن أبي عاصم وابن السني -وهو أصلحهم إسنادًا- وغيرهم، قال الحافظ المنذري: فيه نكارة، وقد قيل فيه: موضوع، وليس ببعيد. ونقل ابن عرأق عن ابن حجر في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٩٢) قوله: عندي أنه منكر من جميع طرقه، وأما الجزم بكونه موضوعًا فأتوقف عنه؛ إذ لم أر في رواته من وصف بالكذب.
[ ١٣ / ٢١٨ ]
ووصَّاهم بلُزومه وإلزامِه قومَهم، وهو الذي أوحى إليكَ ووصَّاكَ به، وجُمْلتُه الثَّباتُ على الطاعة للَّه تعالى بالإخلاص، وبالانقياد له، والعملِ بما أمَرَ به، والتَّآلُفِ على هذا، وتَرْكِ التَّفَرُّقِ فيه، فإنَّ الأمر إذا انتظمَ على هذا زالَ الفسادُ، وظهَرَ العَدْلُ، وتَكافَّ الناس عن التَّظالُم، فتفرَّغوا لعِمارة دنياهم، وتبلَّغوا بها إلى إقامة دينهم، فاجتباهم اللَّهُ تعالى حينئذٍ إليه، واستخلَصَهم لعبوديته، وهداهم إلى الازدياد مما هم فيه.
ومعنى ﴿شَرَعَ﴾: بيَّنَ المَسْلَكَ، وفتَحَ الطريق إلى مرضاته.
و﴿الدِّينِ﴾: هو الطاعة والانقياد.
وإقامةُ الدِّين: الدَّوامُ عليه بإحياء شروطه وحدوده.
وقيل: هو تقويمُه، وهو التوحيد والإخلاص.
وتخصيصُ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى هاهنا بالذِّكْر؛ لِمَا أنهم أصحابُ الشرائع.
وقولُه تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: شَقَّ عليهم دعاؤُك يا محمد إلى التوحيدِ، وتَرْكِ ما هم فيه مِن الشِّرْك.
والاجتباءُ: الاختيار، وأصلُه: الضمُّ، ومنه: جِبايةُ الخَرَاج، وجِبايةُ الماءِ في الحوض.
وقد وصلَه بـ (إلى)، فقال: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فدلَّ على إرادة هذا الأصل؛ أي: يضمُّه ويُقَرِّبُه إلى كنَفِه، وكذلك قولُه: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾، وهو كقول النبي -ﷺ- خبَرًا عن اللَّه تعالى: "مَن تقرَّبَ إليَّ شِبْرًا تقرَّبْتُ إليه ذراعًا" الحديث (^١).
_________________
(١) رواه بتمامه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣ / ٢١٩ ]
(١٤) - ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي: وما كان تَفَرُّقُ هؤلاء المشركين -وقيل: يعني: أهلَ الكتابِ- في الدِّين لِقُصور البيان وخَفاء الحق، فقد جاءهم البيانُ وحصَلَ به العلمُ، لكنهم حسَدوا محمدًا وتطاولوا، فلم يُتابعوه ولم يُصَدِّقوه، فاستحقُّوا به العذابَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: ولولا ما سبَقَ مِن حُكْمِه بتوقيت (^١) عذابهم بأجلٍ مُسَمًّى، وهو قد يكون في الدنيا، وقد يكون يوم القيامة.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: قيل: بالتمييز بين المُحِقِّ والمُبْطِلِ بالثواب والعقاب.
وقيل: أي: لَأُتِمَّ هَلاكُهم.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: مِن بعد نوح وإبراهيم وقومهما، وهذا على تأويل مَن حمَلَ المُتَفَرِّقين على مُشْركي العرب.
ومَن قال: هم المُتَفَرِّقون مِن الأمم الماضية، فقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: مِن بَعْد الذين تفرَّقوا، و﴿الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾: هم اليهود والنصارى.
﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: أي: ممَّا وصَّيْنا به نوحًا وإبراهيمَ. وكذا:
﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِعٍ في الرِّيبة؛ أي: التُّهمة.
وقيل: المُتَفَرِّقون هُمُ اليهود والنصارى، و﴿الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: العربُ أُنْزِلَ القرآنُ على نبيِّهم.
_________________
(١) في (أ): "بتوقيف".
[ ١٣ / ٢٢٠ ]
وقال أبو العالية: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: يعني: شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا اللَّه (^١).
وقال قتادة: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾: قولُكم: لا إله إلا اللَّه (^٢).
وقيل: كبُرَ على المشركين أنَّكَ رسولُ اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يختار لرسالته ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: مَن علِمَ أنه يرجِعُ إليه.
* * *
(١٥) - ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾: أي: فإلى ما شرَعه اللَّه لكم فادْعُ الخَلْقَ، واللامُ بمعنى إلى؛ كما في قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥].
﴿وَاسْتَقِمْ﴾: أنتَ عليه ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: أي: ولا تنظُرْ إلى خِلافِ مَن خالفَ ذلك بهواه مِن أهل الكتاب والعرب.
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾: على الأنبياء قَبْلي وعليَّ؛ لأنَّ كلَّه مِن عند اللَّه، وكلَّه حقٌّ.
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٩) بلفظ: هو الإخلاص للَّه في عبادته، لا شريك له.
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "وأنك رسول اللَّه" والمثبت من (أ)، وهو الموافق للمصادر. والخبر رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٨٢)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٩٧)، وابن عطية في "تفسيره" (٥/ ٢٩).
[ ١٣ / ٢٢١ ]
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: أي: لأنْ أعدِلَ؛ كما قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ أي: أنْ يُبَيِّنَ لكم.
أي: أُسَوِّيَ (^١) بين شريفكم ووَضِيعكم، فلا أُحابيَ أحدًا، ولا أخُصَّ البعضَ بأمرٍ أو نهيٍ، فإنَّ الدَّعوةَ واحدةٌ، والدِّينَ واحدٌ.
﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾: ونحن كلُّنا عبيدُه.
﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: أي: يُؤاخَذُ كلٌّ منا بعمَل نفْسِه دون عمَلِ غيرِه.
﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾: أي: لا مُحاجَّةَ؛ أي: لم تبقَ خُصومةٌ بَعْد ظُهور الحق، فالحُجَّةُ لنا عليكم لِظُهورها، وليست بيننا بالاشتباه والالتباس.
وقيل: المُحاجَّةُ إنما تنفعُ إذا كان قَصْدُ المتجادلِين طلَبَ (^٢) الحق، فإذا كانت مخاصمَتُكم للحسَد والبَغْي لم تنجَعْ فيكم الحُجَّة، فلم يَبْقَ إلا انتظارُ أمرِ اللَّه، وذلك إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾: في القيامة ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: إلى جزائِه المَرْجِعُ.
وقيل في قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾: أي: فلِمَا أوحيتُ إليكَ وعرَّفْتُكَ مِن اتِّفاقِ الشرائعِ فادعُ؛ أي: مِن أجْل ذلك.
وقيل: أي: مِن أجْل (^٣) ما أعلمتُكَ مِن تفرُّقِ أهل الكتاب، فادْعُهم إلى الاستقامة، واستقِمْ أنتَ.
_________________
(١) في (ر): "أن أسوي"، وفي (ف): "أن أسوي بينكم".
(٢) في (ر) و(ف): "في طلب".
(٣) في (ف): "مما".
[ ١٣ / ٢٢٢ ]
(١٦) - ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾: أي: يُخاصِمون في دين اللَّه.
قيل: هم أهل الكتاب؛ كانوا يقولون: ديننُا أقدَمُ، ونحن أولادُ الأنبياء.
وقيل: هم المشركون؛ كما قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]،.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: أي: يُحاجُّون مَن استجابَ للَّه (^١)، فدخَل في الإسلام.
﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾: أي: شُبْهَتُهم باطلةٌ، سمَّاها حُجَّةً لِزَعْمِهم أنها حُجَّةٌ.
والدَّاحِضَةُ: المُزالَةُ الزَّائِلة.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: فإنه يُبَيِّنُ بُطْلانَها؛ كما قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٢) الآية [البقرة: ١٤٠].
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: في الدنيا والآخرة.
وذِكْرُ الغَضَبِ في حقِّ اليهود والنصارى في القرآن كثيرٌ.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: أي: لِأُسَوِّيَ بينكم بـ (لا إله إلا اللَّه) (^٣)، قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].
_________________
(١) في (أ): "أي يخاصمون من استجابه اللَّه".
(٢) في (ر): "يقولون"، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٧).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٧) بلفظ: لأسوي بينكم في الدين، وأومن بكل كتاب وكل رسول. =
[ ١٣ / ٢٢٣ ]
وقال أبو العالية في قوله: ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: أي: لأومِنَ بكلِّ كتابٍ وكلِّ رسولٍ (^١)، هذا هو العَدْلُ، والإيمانُ بالبعض والكفرُ بالبعض جَوْرٌ.
وقال ابن حيان: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: نسخَتْها آيةُ القتال (^٢).
وقال مجاهد: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: يعني: مِن بَعْد ما أسلَمَ الناسُ (^٣).
وقال الحسن (^٤): أي: مِن بعد ما أقرُّوا بالميثاق، وقبِلوا عهدَه على الطاعة، فأجابوا اللَّهَ فيما دعاهم إليه.
وقال الفراء: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: يعني: النبيَّ -ﷺ-؛ وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى استجابَ له دعاءَه في أهل بدر فعذَّبَهم (^٥).
* * *
(١٧) - ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾: أي: اللَّهُ هو الذي أنزلَ
_________________
(١) = وذكر عنه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٨٨) قوله: أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض اللَّه عليكم في الأحكام.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢٣/ ٣٣٨) (ط: دار التفسير) عن ابن عباس ﵄ وأبي العالية.
(٣) هو قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" (٣/ ٧٦٧)، ونقله ابن الجوزي في "ناسخ القرآن ومنسوخه" (ص: ١٩٠) عن الأكثرين، وذكره عن ابن عباس ومجاهد والسدي.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٨٨).
(٥) في (ف): "الحسين"، ولم أقف عليه.
(٦) لم أقف عليه عن الفراء، وذكره النحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ٥٣)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٢١٧).
[ ١٣ / ٢٢٤ ]
هذه الكتبَ كلَّها بالحق؛ أي: ببيان (^١) ما يجِبُ على الناس في دينهم، وأنزل الميزان؛ أي: العَدْلَ. قالَه مجاهد وقتادة (^٢).
وهو في المُعاملات والأَخْذ والإِعْطاء أكثرُ ذلك في الكَيْلِيِّ والوَزْنِيِّ.
والوَزْنُ أصلٌ؛ لأنَّ المكاييلَ مُسَوَّاةٌ بالوَزْن، ثم اتَّسَعَ الكلام حتى سُمِّيَ كلُّ عَدْلٍ ميزانًا.
والمُقَدَّراتُ كلُّها موزونةٌ، قال تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقال: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩]، ومَرْجِعُ هذه الآية إلى قوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥].
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾: وهي (^٣) يومُ الوَزْنِ، والجزاءُ على العَدْلِ والجَوْرِ في هذا الوَزْن.
* * *
(١٨) - ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾: ويقولون: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] ويقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، يقولون ذلك هُزُوًا.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾: أي: خائفون؛ لِعِلْمِهم بما يكون فيها مِن الحساب والجزاء.
_________________
(١) في (أ): "ببيان الحق".
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٩٠)، ورواه عن قتادة عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٧٣٤)، وذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٨٨) عن قتادة ومجاهد ومقاتل.
(٣) في (ف): "وهو".
[ ١٣ / ٢٢٥ ]
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾: أي: الصِّدْقُ الذي لا كَذِبَ فيه، والقضاءُ يقع فيها بالحق الذي لا باطلَ فيه.
﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾: أي: يُجادلون فيها ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الرَّشاد.
* * *
(١٩) - ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: أي: رحيمٌ بهم، حسَنُ النَّظَرِ لهم.
وقولُه تعالى: ﴿بِعِبَادِهِ﴾: أي: بعباده المؤمنين.
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يُكَثِّرُ له الرِّزْقَ، ويُوَسِّعُ عليه في دنياه إذا رأى مَصْلَحَتَه فيه؛ قال النبي -ﷺ-: "يقول اللَّه تعالى: إنَّ مِن عبادي مَن لا يُصْلِحُه إلا الغِنى، ولو أفقرْتُه لأفسَدَه ذلك، وإنَّ مِن عبادي مَن لا يُصْلِحُه إلا الفقرُ، ولو أغنيتُه لأفسدَه ذلك، أُدَبِّرُ أمورَ عبادي بعلمي فيهم" (^١).
_________________
(١) رواه مطولًا ابن أبي الدنيا في "الأولياء" (١)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ٢٣٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣١٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٣١)، والديلمي في "الفردوس" (٨١٠٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٩٤)، وفي "شرح السنة" (١٢٤٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٩٥) من طريق الحسن بن يحيى الخشني، عن صدقة بن عبد اللَّه الدمشقي، عن هشام الكناني، عن أنس ﵁ يرفعه. قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٣٣٣): الخشني وصدقة ضعيفان، وهشام لا يعرف. ورواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٦/ ٥٠٣) -ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢٦) -، والديلمي في "الفردوس" (٨٠٩٨) عن عمر ﵁. قال ابن الجوزي: لا يصح، فيه يحيى بن عيسى الرملي، قال يحيى: ما هو بشيء، وقال ابن حبان: ساء حفظه فكثر وهمه، فبطل الاحتجاج به.
[ ١٣ / ٢٢٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الشورى: ٢٧].
وقيل: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: أي: عالمٌ بغوامض أمورهم التي تعودُ إليها عواقِبُ أحوالِهم، فلا يخفى عليه شيء مِن مصالحهم، فيُوَسِّعُ على مَن يشاء إذا رأى صلاحَه فيه.
﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾: القادرُ على أنْ يرزُقَ مَن يشاء ما يشاء؛ أي: يُكَثِّرَ له الرِّزْقَ.
﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ فلا يُغالَبُ فيما يُؤتيه عبادَه وفيما يمنعُهم.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: أي: حَفِيٌّ بهم (^١)؛ أي: بارٌّ بهم.
وقال مقاتل: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: البَرِّ منهم والفاجر، حيث لم يقتُلْهم جُوعًا بمعاصيهم (^٢).
وقال محمد بن كعب القُرَظي: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: في العَرْض والمُحاسبة (^٣)، وهو فيما رُوِيَ: "أنَّ اللَّه تعالى يقول للعبد: سترتُها عليكَ في الدنيا، وأنا أغفِرُها لكَ اليوم" (^٤).
وقيل: اللَّطيفُ: هو الذي يُوَفِّقُ ويُثيبُ ويَقْبَلُ ثم يشكرُكَ عليه.
وقال جعفرٌ الصادق: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: في الرزق؛ مِن وَجْهَين:
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٨)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٤٢).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٦٨)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٨٩).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٨).
(٤) رواه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨) من حديث ابن عمر ﵁.
[ ١٣ / ٢٢٧ ]
أحدُهما: أنْ جعَلَ رِزْقَكَ مِن الطَّيِّبات، ورِزْقَ غيرِكَ بخِلافه.
والثاني: أنه لم يَدْفَعْ إليكَ رِزْقَكَ بمرَّة واحدة (^١).
وقال ابنُ حَبيبٍ ﵀: الحِكْمةُ في ذلك مِن وجوه:
أحدُها: أنه لو دفَعَ إليكَ رزقكَ جُمْلةً لفسَدَ عملُكَ (^٢).
والثاني: أنه لو كان كذلكَ فقد يسرِقُه سارقٌ، ويغصِبُه غاصب، فتبقى بلا شيء.
والآخر: حتى إذا احتجْتَ إليه رجعْتَ إليه فدعوتَه وسألتَه.
والآخر: أنه لو أجملَ رزقكَ لوقَفْتَ على مُدَّة عُمركَ، فيُنَغَّصُ عليكَ عيشُكَ (^٣)، فاستأثرَ اللَّهُ تعالى بهذا العِلْم دون خَلْقِه.
وقال الحُسين بن الفَضْل ﵀: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: في تيسير القرآن (^٤).
وذلك مِن وجوه:
أحدُها: اختصارُه.
والثاني: سهولتُه في القراءة بخِلاف سائر الكتب.
والثالثُ: تيسيرُ الشرائع فيه.
وقال علي بن موسى الرضا: ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾: بأمة محمد في الإضعاف (^٥).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٨٩).
(٢) في (ر) و(ف): "علمك".
(٣) في (ر) و(ف): "فيتنغض عليك حياتك وعيشك".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٨).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ٣٠٨)، وفيه: (وقيل: الرضا بالتضعيف)، ولعل صوابه: (وقال: الرضا. . .). فمعنى الإضعاف واللَّه أعلم: تضعيف الحسنات.
[ ١٣ / ٢٢٨ ]
وسُئِلَ جُنَيدٌ -﵀- عن اللطيف، فقال: لطَفَ بأوليائه حتى عرَفوه فعبَدوه، ولو لطَفَ بأعدائه كما لطَفَ بأوليائه لَمَا جَحَدوه (^١).
وقال ابن المبارك: اللطيف الذي لا تخفى عليه خافيةٌ (^٢).
وقال محمد بن علي الكَتَّاني: معنى اللطيف: أنَّ العبد إذا أيِسَ مِن خَلْقِه فلجأَ إليه قَبِلَه وأقبلَ عليه (^٣).
وقيل: اللطيف: هو الذي يُعْطِي فوق الكِفاية، ويُكَلِّفُ العبدَ دونَ الطَّاقة.
وقيل: مِن لُطْفِه بالعبد عِلْمُ العبد بأنه لطيف، ولولا لُطْفُه لَمَا عرَفَ أنه لطيف.
وقيل: مِن لُطْفِه إبهامُ عاقبةِ العبد عليه؛ لأنَّه لو علِمَ سعادتَه لاتَّكَلَ عليه وتعطَّل، ولو علِمَ شقاوتَه لترَكَ العملَ وتبَطَّل.
وقيل: مِن لُطْفِه بالعبد خفاءُ أجَلِه عليه، لئلا يستوحِشَ مِن قُرْب أجلِه.
وقيل: مِن لُطْفِه بالعبد أنه يُنسيه في الجنة ما عمِلَه في الدنيا مِن الزَّلَّة؛ لئلَّا يتنغَّصَ عليه عَيْشُه.
* * *
(٢٠) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾: قيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: مَن طلَبَ بما رزقناه مِن المال ووسَّعْنا عليه في الحال حَرْثًا
_________________
(١) رواه عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٨)، وذكره ابن عطية في "تفسيره" (٥/ ٣٢).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٠٨).
[ ١٣ / ٢٢٩ ]
لآخرته؛ أي: تقديمَ ما يجعلُه ذُخْرًا ليوم الجزاء، فيُؤدِّي حقوقَ اللَّه تعالى مِن ماله، فإنا نُعطيه زيادةً على ما أعطاه مِن ماله، بأنْ نُضاعِفَ له نفقَتَه بالواحدة عشرًا إلى سبع مئة وأكثرَ، كأنَّه حرَثَ شيئًا وحرَثَ له غيرُه أشياءَ زائدةً عليه، وقد مثَّل اللَّهُ النَّفَقَةَ في سبيله بمَن بذَرَ حبَّةً، فأنبتتْ سبعَ سنابل، في كلِّ سُنْبُلةٍ مئةُ حبَّةٍ، واللَّهُ يُضاعف لمَن يشاء.
﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي: ومَن كان طلَبُه بما رُزِقَ مِن المال رياءَ الناس، والمُكاثرةَ به، والتَّوَسُّعَ في الملاذِّ المحظورة، فإنما نُؤْتِه منها؛ أي: لا نحرِمُه الرزقَ أصلًا، بل نُعطِيه ما قدَّرْناه له ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، وهو كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].
وقيل: الآيةُ في قوم كانوا يُجاهدون مع رسول اللَّه -ﷺ-، فبيَّنَ أنَّ مَن كان منهم يُريدُ الآخرةَ بذلك ونعيمَها يُعطى زيادةً على ما يستحِقُّه بعمَلِه، ومَن أراد به الدنيا ومَنافِعَها مِن الغنائم نُؤْتِه منها، ولكنْ لا نَصيبَ له في الآخرة.
وقيل: عُنِيَ به المنافقون.
وقال قتادة: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾: هم اليهود والنصارى، قالوا: أُنْزِلَ كتابنُا قَبْل كتابِكم، ونبيُّنا قَبْل نبيِّكم، فنحن أَولى باللَّه منكم، فنزَلَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ الآية (^١).
ومعناه: أنَّ المَنْزِلَةَ عند اللَّه تعالى ليست بتقديمِ كتابٍ ولا نبيٍّ، إنما هي على الأعمال الصالحة، فمَن طلَبَ بما أُوتي مِن الكتابِ المُتقَدِّمِ والنبيِّ المُتقَدِّمِ رياسةَ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٣٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٨٩)، وليس فيهما أن قوله هذا سبب لنزول قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾.
[ ١٣ / ٢٣٠ ]
الدنيا، حتى أدَّاه ذلك إلى أكل السُّحْتِ وتحريف الكلِمِ، لم يكن له في الآخرة نصيبٌ، ومَن طلَبَ بذلك ما عند اللَّه، وأقامَ شرائعَ الكتابِ، وبيَّنَ للناس أحكامَه، أجزَلَ اللَّهُ تعالى إكرامَه.
قال القُتَبيُّ: الحَرْثُ: هو الكَسْبُ (^١).
قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: احرِثْ لدُنياكَ كأنك تعيشُ أبدًا، واعملْ (^٢) لآخرتكَ كأنك تموت غدًا (^٣).
* * *
(٢١) - ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى ألف الاستفهام، وهي للتَّوبيخ.
أي: ألهؤلاء المشركين شركاءُ -أي: آلهةٌ- شرَعوا لهم الشرك الذي لم يأذنِ اللَّهُ تعالى به؟!
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" (ص: ٣٩٢)، و"غريب الحديث" (١/ ٢٨٦) كلاهما لابن قتيبة.
(٢) في (أ) و(ف): "واحرث".
(٣) رواه عنه بهذا اللفظ ابن قتيبة في "غريب الحديث" (ص: ٢٨٦)، و"عيون الأخبار" (١/ ٣٥١)، والحارث في "مسنده - زوائد الهيثمي" (١٠٩٣). ورواه ابن المبارك في "الزهد" (١٣٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٦٠٣) وفي "السنن الكبرى" (٤٧٤٤) عن ابن عمرو ﵁، بلفظ: واعمل عمل امرئ يظن أن لا يموت إلا هرمًا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدًا. والأثر ضعفه السخاوي في "الأجوبة المرضية" (ص: ١٢)، والمناوي في "فيض القدير" (٢/ ١٢).
[ ١٣ / ٢٣١ ]
يعني: ليس كذلك، وإذا كان شركاؤُهم هؤلاء لا يعقلون فيَشْرَعوا، وكان اللَّه تعالى لم يَشْرَعِ الشركَ، فمِن أين يَدينون به؟! وكيف جعلوه لأنفسهم شريعةً مِن غير أنْ يرجعوا في ذلك إلى مَن يجوز أنْ يكون حُجَّةً وعُذْرًا في اعتقاده؟!
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: ولولا القولُ السابق مِن اللَّه الذي قطَعَ الحُكْمَ به -وهو صِدْقٌ لا تبديلَ له ولا رجوع عنه- أنه لا ينزِلُ بهم العذاب الذي استحقُّوه بشركهم إلا في الآخرة لَقُضِيَ بينهم به في الدنيا.
والفَصْلُ: قَطْعُ الحُكْمِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].
والفَصْلُ: القولُ الحقُّ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣].
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المشركين ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الآخرة، وإنْ أُخِّرَ عنهم في الدنيا.
* * *
(٢٢) - ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾: في الآخرة ﴿مُشْفِقِينَ﴾: خائفِين ﴿مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾؛ أي: نازِلٌ بهم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾: قال الكسائي: الرَّوْضةُ: العُشْبُ حولَ الغَدير (^١).
وقيل: هي الأرض الخَضِرَةُ الحسَنةُ النبات.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٩/ ١٢٠).
[ ١٣ / ٢٣٢ ]
وقولُه تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في الجنة.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: مِن اللَّه تعالى لهم؛ إذ آتاهم على العملِ القليلِ المُنقطِعِ الجزاءَ الكثيرَ الدائمَ.
وقيل: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾: أي: في الرِّياض التي تحُفُّ بها البساتينُ، وذلك أحسَنُ ما يكون وأجْمَعُه للنُّزْهة؛ لأنَّه يجمَعُ الثِّمار والزَّهْر والرَّياحين، فيحصُلُ لصاحبه غِذاءُ البَدَن بالطُّعْم، وغِذاءُ الرُّوح بطِيب الرائحة، ونُزْهَةُ العَينِ بألوان الزَّهر.
* * *
(٢٣) - ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (يَبْشُر) بالتخفيف بضمِّ الشين، وهي قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ، والباقون بالتَّشديد (^١).
قال أبو معاذ: بالتخفيف مِن قولكَ: بشَرْتُ الأديمَ أَبْشُرُه؛ معناه: يُنَوِّرُ اللَّهُ وجوهَهم، وبالتشديد مِن البُشْرى (^٢).
وعن أبي عمرو أنه قال: إنما قرأتُ هاهنا بالتخفيف دون سائرِ المواضع؛ لأنَّه ليس فيه: يبشر اللَّه به، ليكون مِن البِشارة (^٣).
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧).
(٢) انظر: "الصحاح" (مادة: بشر)، و"مقاييس اللغة" (١/ ٢٥١).
(٣) انظر: "المحكم" لابن سيده (٨/ ٦٠).
[ ١٣ / ٢٣٣ ]
وقال غيره (^١): (به) مُضْمَرٌ؛ كما في قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: أي: تُؤمَرُ به؛ أي: ذلك الفَضْلُ الكبيرُ وما تقدَّمَ ذِكْرُه يُبَشِّرُ اللَّهُ به عبادَه.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: لِيتَعَجَّلوا السُّرورَ به.
﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: قيل: على الدِّين.
وقيل: على الكتاب.
وقيل: على الفَضْل الكبير.
وقيل: على التَّبْشير.
وقيل: على التَّبْليغ.
وبعضُ ذلك مَذْكورٌ، وبعضُه مَدْلولٌ.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: قيل: أي: لا أطلُبُ منكم أجرًا، لكنْ أصِلُ أرحامَكم بدُعائكم إلى السَّعادة في الدَّارَين، وهو ردٌّ لِمَا قالوا: إنَّه جاء بقَطْع الأرحام، يُفَرِّقُ بين مَن آمنَ به وبين أرحامه.
وقيل: إلا أنْ تَوَدُّوني لِقَرابتي فيكم، فقد كان له في كلِّ قبيلة مِن قبائل العرب وُصْلَةُ نسبٍ بالأم أو الأب.
وقال الضَّحاك: أي: إلا أنْ تصِلُوا رَحِمي، وتنصُروني على عدوِّي (^٢).
وقال الزجاج: هذا استثناءٌ مُنقطِعٌ بمعنى: (لكن)؛ أي: ولكنْ أُذكِّرُكم المودَّةَ في القربى (^٣).
_________________
(١) كالزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٢١٩)، والباقولي في "إعراب القرآن" (٢/ ٤٨٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٩٧).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٩٨).
[ ١٣ / ٢٣٤ ]
وقيل: أي: إنْ لم تترُكوا إيذائي لنُبُوَّتي فاتركُوه لحَقِّ قَرابتي.
وقيل: أي: إلَّا أنْ تتوادُّوا فيما بينكم لِقَرابةِ بعضِكم مِن بعض، فتجتمعوا على الإيمان وتتواصلوا، فأنا أعتدُّ ذلك كالأجر تُعْطونني، وكالمال تَصِلُونني به.
وقال الحسن: أي: إلا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللَّه (^١) بما يُقَرِّبُكم منه (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: أي: إلا أنْ توَدُّوا قرابتي وأهلَ بيتي (^٣).
وقال الضحاك: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ وقَعَ في قلوب القوم منها شيء، فقال جبريل ﵇: يا رسولَ اللَّه، إنَّ القومَ اتَّهموكَ، فأنزل اللَّه قوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧]، فنزلَ قولُه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (^٤).
وقال مقاتل بن حيان: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: إلا أنْ تُصدِّقوني وتمنعوني مِن العرب حتى أُبَلِّغَ رسالةَ ربي، فلما أبَوا ذلك، وقطَعوا رحِمَه، وهاجَرَ إلى المدينة، وآواه الأنصارُ ونصَروه، أنزلَ اللَّه تعالى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ (^٥).
_________________
(١) في (أ): "الإيمان".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٠١)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٤٢)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٧٣).
(٣) رواه البخاري (٣٤٩٧)، والترمذي (٣٢٥١)، والنسائي (١١٤١٠)، ورواه أيضًا الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٤٩٥) بأسانيد وألفاظ مختلفة.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٩٢) عن ابن عباس ﵄.
(٥) ذكره ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (٢/ ٥٦٥) عن ابن عباس ﵄ ومقاتل. ورواه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٦٥٦) عن ابن عباس ﵄. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٩١) عن الضحاك والحسين بن الفضل.
[ ١٣ / ٢٣٥ ]
﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: أي: يكتسِبْ فِعْلةً جميلةً مَوَدَّةً في القُرْبى أو غيرَ ذلك.
﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾: التَّضعيفُ في الثواب عشرًا، وسبعَ مئةٍ، وبغير حساب.
وقيل: التوفيقُ لمِثْلِها أو أكثرَ منها.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: هي مِن الوظائف، ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾: هي مِن اللَّطائف (^١).
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: للذُّنوب الكثيرة ﴿شَكُورٌ﴾: للأعمال اليَسيرة.
* * *
(٢٤) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: أَيَقْبلون ما تُبَلِّغُه إليهم ولا تسألُ (^٢) عليه أجرًا، أم يقولون: إن محمدًا اختلَقَ على اللَّه زُورًا بدعواه أنَّ ما يتلُوه هو مِمَّا أنزَلَ اللَّهُ عليه؟!
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾: قال قتادة: أي: يُنَسِّيكَ القرآن (^٣)، فلا تُبَلِّغُه، فلا يُكذِّبونكَ.
وقال مقاتل: أي: يختِمْ بالصَّبر، حتى لا تجد غُصَّةَ التَّكذيب (^٤).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٥١).
(٢) في (ر) و(ف): "لا تسألهم" بدل: "ولا تسأل".
(٣) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٣٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٠٤). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٤)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٢٠٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٤٥).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٦٩)، ولفظه: يربط على قلبك، فلا يدخل في قلبك المشقة من قولهم بأن محمدا كذاب مفتر. =
[ ١٣ / ٢٣٦ ]
وقيل: أي: يُغْلِقْ قلبَكَ فلا تضبِطُ شيئًا، ولا تتكلَّمُ به، فيدُلُّ على افترائكَ لو كنتَ مُفْتَرِيًا كما يقولون.
وقيل: الخَتْمُ على القلب هو الإماتةُ؛ لأنَّ القلبَ إذا انسَدَّ فلم يَتَخَلَّلْه شيءٌ مات صاحبُه، ويكون في معنى قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾: حُذِفَ الواوُ في المصاحف تخفيفًا؛ كما في قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، لا للجَزْم؛ فإنه غيرُ مُعَلَّق بالشرط، بل هو مُطْلَق، ومعناه: أي: يُذْهِبُ اللَّهُ الباطلَ ويُزيلُه، فلا يدَعُه يَفتري.
﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: ويُبَيِّنُ حقيقةَ الحقِّ وصِحَّتَه بوحيه إلى أنبيائه.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بضمائر القلوب، ولو علِمَ مِن محمدٍ إضمارَ افتراءٍ لَعاجلَه بالعُقوبة، فكيف لو افترى؟!
* * *
(٢٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: هي عامَّةٌ للمؤمن والكافر، والوليِّ والعَدُوِّ، ومَن تاب منهم قَبِلَ اللَّهُ توبتَه (^١).
فتتَّصِلُ مِن هذا الوجه بكل آيةٍ قَبْلَها في هذه السورة، وتكون دُعاءً لكلِّ فريقٍ منهم إلى الرُّجوع عن القَبيح الذي هو فيه.
_________________
(١) = وذكر نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٦٥) عن مقاتل والزجاج.
(٢) لم أقف عليه. بل ذكر عنه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٣) عكسه، وهو قوله: يريد أولياءه، وأهل طاعته.
[ ١٣ / ٢٣٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾: بالتوبة.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (^١): قرأ حمزة والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصم بتاء المُخاطبة، وقرأ الباقون بياء المُغَايَبة (^٢)، واختار أبو عبيد (^٣) هذه القراءة لأنها أوفقُ لما قبلها وما بعدها (^٤).
أي: ويعلمُ الصادقَ في التوبة فمنه يَقْبَلُ، والكاذبَ فيها فلا يقبَلُها منه.
وقيل: يعلَمُ مَن يثبُتُ عليها ومَن يعودُ إلى الذَّنْب، ومع ذلك يقبَلُ إذا كان حقيقةً للحال.
وقيل: هذا في حق الذي لا يتوبُ، وهو وعيدٌ، وما قبله وَعْدٌ للتائبين.
* * *
(٢٦) - ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: ويستجيب اللَّهُ منهم؛ أي: يقبَلُ طاعاتِهم؛ كما قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]؛ أي: اعبُدوني أَتَقَبَّلْها منكم.
وقيل: أي: يستجيبُ دعاءَهم، وقد تُذْكَرُ الاستجابةُ بدون اللام؛ كما قال الشاعر:
_________________
(١) في (أ): "يفعلون".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥).
(٣) في (ر) و(ف): "أبو عبيدة".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٦)، ولفظه: وهي اختيار أبي عبيد، قال: لأنّه بين خبرين عن قوم؛ قال قبله: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾، وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
[ ١٣ / ٢٣٨ ]
فلَمْ يَستجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ (^١)
وقال سعيد بن جبير ﵀: ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾: هذا فِعْلُ الذين آمنوا (^٢)، وهو رفعٌ، ومعناه: والمؤمنون استجابوا للَّه حين دعاهم إلى دار الإسلام، وإلى الجنة والمغفرة والإيمان والطاعة.
﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: بالإضعاف.
وقيل: هي رؤيةُ اللَّهِ؛ كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: في النار.
* * *
(٢٧) - ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾: لَمَّا ذكَرَ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في حقِّ المؤمنين في الآخرة، ورأوا حِرْمانَ فَضلِ المال في حقِّ بعضِهم في الدنيا، وخفِيَ عليهم وجْهُ الحِكْمة مِن اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾؛ أي: لتَظالموا.
وقال ابن عباس ﵄: أي: لطَغَوا (^٣).
_________________
(١) عجز بيت لكعب بن سعد الغنوي، كما في "الأصمعيات" للأصمعي (ص: ٩٦)، و"التعازي" للمبرد (ص: ٥٩)، وصدره: وداعٍ دعا يا مَن يجيبُ إلى النَّدى
(٢) ذكره عنه الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٢٢٣).
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس بهذا اللفظ، وسيأتي قوله الآخر.
[ ١٣ / ٢٣٩ ]
وقال شقيق: لو رزقَهم مِن غير كسْبٍ لتفرَّغوا، فتفاسَدوا، فشغلَهم بالكسْب (^١).
﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾: أي: بمِقْدار ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ﴾: عالِمٌ بمصالحهم ﴿بَصِيرٌ﴾: بأعمالهم.
وقال عمرو بن حُرَيث: نزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة؛ وذلك أنهم قالوا: لو أنَّ لنا، فتمنَّوا (^٢).
وقال خَبَّاب بن الأَرَتِّ: فينا نزلَتْ، وذلك أنا نظَرْنا إلى أموال بني قُرَيْظَة وبني النَّضِير وبني قَيْنُقَاع، فتمنَّيْناها فنزلت (^٣).
وقال ابن عباس: ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: لطلَبوا مَنْزِلًا بعد مَنْزِل، ودابَّةً بعد دابَّةٍ، ومَلْبَسًا بعد مَلْبَس (^٤).
* * *
(٢٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾: أي: المطرَ بعد يأس الناس عنه لتأخُّرِ نزوله.
_________________
(١) رواه عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٤٤). وشقيق هو ابن إبراهيم البلخي كما صرح به السمرقندي، وهو الإمام الزاهد، شيخ خراسان، صحب إبراهيم بن أدهم، وكان قليل الرواية، قتل في إحدى المعارك سنة أربع وتسعين ومئة. انظر: "حلية الأولياء" لأبي نعيم (٨/ ٥٨)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٩/ ٣١٣).
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٥٥٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٠٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٨٤٩)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٠).
(٣) ذكره الثعلبي في (٨/ ٣١٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٩٤).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٩٤).
[ ١٣ / ٢٤٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾: أي: يعُمُّ خَلْقَه بنعمته التي تكون مِن الغيث، فمَن قَدِرَ على ذلك فهو قادر على أنْ يعُمَّ جميعَ عبادِه بسَعَة الرزق، فليس تضييقُه على بعض لِعَجْزِه، وكيف يَعْجِزُ عن ذلك مَن قَدِرَ على خَلْق السماوات والأرض وما بينهما ومَن فيهما مِن الخَلْق؟!
﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾: أي: يلِي أمورَ خَلْقِه بما يعلَمُ ذلك صلاحًا لِمَن أراد به الصلاح.
﴿الْحَمِيدُ﴾: أي: الذي يستحِقُّ الحمدَ على كل حال، وأنْ يُستسلَمَ له بالرضا كيف ما صرَّفَ بهم الأحوال مِن الإكثار والإقلال.
* * *
(٢٩) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ومِن علامات قُدْرَته على كل شيء خَلْقُهما ﴿وَ﴾ خَلْقُ ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾: أي: نشَرَ وفرَّقَ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: أي: حيوانٍ يَدِبُّ؛ أي: يتحرَّكُ بالحياة مِن الملائكة والجن والإنس والبَهائم والحَشَرات.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾: في القيامة ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾: أي: قادر.
* * *
(٣٠) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾: أي: بَلِيَّةٍ ونُقْصانٍ في مال أو أهل أو ولد أو قريب أو صديق.
﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي: بشُؤْمِ ذنوبِكم، وأضاف الكَسْبَ إلى اليد لأنَّ أكثرَ أعمالِ الخَلْق بالأيدي.
[ ١٣ / ٢٤١ ]
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: فلا يُعاقِبُ عليه في الدنيا.
وقال الحسن: لما نزلَتْ هذه الآية قال النبي -ﷺ-: "والذي نفْسُ محمدٍ بيده، ما مِن خَدْشِ عُودٍ، ولا عَثْرَةِ قدَمٍ، ولا اختلاجِ عِرْقٍ، إلا بذنب، وما يعفو اللَّهُ عنه أكثر" (^١).
وعن الحسن قال: هي الحدود في الدنيا (^٢).
وقال الضحاك: أي: الشَّوْكةُ فما فوقها.
وقال السُّدِّي: الجَدْبُ وما تُصابون به في أنفسكم (^٣).
وقال علي ﵁: هي أرجى آيةٍ في القرآن (^٤).
ورُوِيَ عن النبي -ﷺ- ما رواه الحسن، وزاد عليه في آخره: "وما عاقبَ اللَّهُ عبدَه في الدنيا بذنب فاللَّهُ أرحمُ مِن أنْ يُثَنِّيَ عليه عُقوبتَه في الآخرة، وما عفا اللَّهُ تعالى عن
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٤٢)، وهناد في "الزهد" (٤٣١)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٩). وهو مرسل. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٣٥٨) عن قتادة عن النبي -ﷺ-، وهو مرسل أيضًا. رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٤١) من طريق قتادة عن الحسن قال: (بلغنا أنه ليس من أحد. . .) فذكره.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٤٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥١٤).
(٣) لم أقف عليهما عن الضحاك والسدي.
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٤٤)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٢٢٦). وروى الإمام أحمد في "مسنده" (٦٤٩)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤٥٣)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (٢/ ٥٧٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٩) -ومن طريقه البغوي في "تفسيره" (٧/ ١٩٥) - عن علي ﵁ أنه قال: (ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللَّه تعالى حدثنا بها رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. . .) الحديث. قال =
[ ١٣ / ٢٤٢ ]
عبده في الدنيا مِن ذنب، فاللَّهُ تعالى أكرمُ مِن أنْ يعودَ فيما قد عفَى عنه" (^١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقد تُصيب المصيبةُ مَن لا يستحِقُّ العقوبةَ: إمَّا لِيعلَمَ المصابُ أنَّ سلامتَه فَضْلٌ مِن اللَّه، أو ليُعوِّضَه في الآخرة، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: ما مِن مصيبة إلا ويُحْتَمَلُ الزِّيادةُ عليها، فيعفو تلك الزِّيادةَ، وقد يعفو عن كثير مِن الذنوب، فلا يُعاقِبُ عليه (^٢).
* * *
(٣١ - ٣٢) - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾.
﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: يا مَعْشَرَ الكفار ﴿بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بفائتين أَخْذَ اللَّهِ، فليس تأخيرُ العذابِ عنكم لقوَّتِكم.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا﴾: يتولَّى عَوْنَكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: يدفعُ العذابَ عنكم إذا أنزله بكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾: أي: ومِن العلامات الدالَّةِ على قُدْرة اللَّه تعالى على بَسْطِ الرزق وكلِّ شيءٍ السُّفُنُ الجاريةُ في البحر، جَمْعُ جاريةٍ، وهي السفينة، قال اللَّه تعالى: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].
_________________
(١) = الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٠٣): فيه أزهر بن راشد، وهو ضعيف.
(٢) رواه الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢٦٠٦)، والإمام أحمد في "مسنده" (٧٧٥) من حديث علي ﵁. قال ابن كثير: سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، ورفعه صحيح. انظر: "تفسير ابن كثير" (٣/ ١٠١)، و"العلل" للدارقطني (٣/ ١٢٨).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٩/ ١٢٨ - ١٢٩).
[ ١٣ / ٢٤٣ ]
﴿فِي الْبَحْرِ﴾: اسمُ جنسٍ يصلُحُ للواحد والجمع.
﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: قيل: كالجبال.
وقال قُطْرُب: وقد يكون العلَمُ القَصْرَ (^١).
وقال الخليل: كلُّ مُرْتفِعٍ عند العرب فهو علَمٌ، قالت الخَنْساءُ:
وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ به كأنه علَمٌ في رأسه نارُ (^٢)
شبَّهَ السُّفُنَ بالجبال أو بالقُصور في عِظَمها، خلَقَها اللَّه تعالى لِمعايش العِباد ومصالحهم، يَقْطَعون بها البحار، ويضربون بها في الأمصار، ويَقْضون بها الأَوْطار، وسخَّرَ الرِّيحَ لإجرائها.
* * *
(٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾: أي: فيَبْقَينَ واقفاتٍ على ظَهْره؛ أي: ظَهْرِ البحر.
والرُّكودُ: السُّكونُ والوقوفُ، ومنه الخبر: نهى عن البول في الماء الراكد (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: قيل: لكلِّ مؤمنٍ مُستَكْمِلٍ في خِصال الإيمان؛ لأنَّ مَرْجِعَ كلِّها إلى الصبر والشكر.
وخصَّه بإضافة الآيات إليه لأنه هو المُنتفِعُ بها.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٢١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٩٦) عن مجاهد.
(٢) انظر: "ديوان الخنساء" (ص: ٤٦)، وذكر قول الخليل الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٢١)، والبغوي "تفسيره" (٧/ ١٩٦).
(٣) رواه مسلم (٢٨١) من حديث جابر ﵁.
[ ١٣ / ٢٤٤ ]
وقيل: التَّقييدُ بهذين الوَصْفين يُشيرُ إلى ما قلنا مِن حديث توسيع الرزق وتضييقه؛ يقول: مَن قدِرَ على هذا قدِرَ على توسيع الرزق على الكل، لكنْ يُوَسِّعُ على بعضٍ يمتحِنُه بالشكر، ويُضَيِّقُ على بعض يمتحِنُه بالصبر.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾: أي: يُهْلِكْهُنَّ في البحر بذُنوبهم، جُزِمَ بالعطف على ﴿يُسْكِنِ﴾، وذلك جُزِمَ لأنه جزاءُ الشَّرْط.
وفي إهلاكِ السُّفُنِ إهلاكُ مَن فيها وما فيها.
﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾: أي: لا يُهْلِكُ بعضَهم بالغرَق فَضْلًا منه.
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: نُصِبَ على الظَّرْف؛ لأنَّه غيرُ معطوف على المجزوم، فإنه على التَّحْقيق لا على التَّعْليق.
أي: وسيَعْلَمُ المشركون المُجادلون في آيات اللَّه ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: أي: مَعْدِلٍ عما أنزلَ اللَّهُ تعالى، فيُخْلِصون للَّه العبادةَ، ويَمحَضون (^١) له الطاعةَ.
* * *
(٣٦) - ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: أُعطِيتُم مِن سَعَةٍ في الرزق ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ويمحصون".
[ ١٣ / ٢٤٥ ]
الدُّنْيَا﴾؛ أي: شيءٌ قليلٌ يُتَمَتَّعُ به في الدنيا قليلًا ثم يزولُ، فما ينبغي له أنْ يُوثَقَ به ويُطْمَأَنَّ إليه.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: مِن نعيم الآخرة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مِن نعيم الدنيا.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: ذلك للمؤمنين ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: يُفَوِّضون الأمورَ إليه (^١)، ويَرْضَون بما قسَمَ لهم مِن الرزق.
* * *
(٣٧) - ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾: أي: وذلك النَّعيم أيضًا للذين يَتَوَقَّوْنَ عن الذنوب الكثيرة والأعمال الفاحشة.
وقد ذكَرْنا الأقاويلَ في الكبائر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١].
وفسَّرْنا الفاحشةَ والفَحْشاءَ في قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩].
وظاهِرُ تفسيرِ الفاحشةِ: القبيحةُ.
وقيل: هي المُفْرِطةُ في القُبْح.
وفي الجَمْع بينهما هاهنا وجوه:
قيل: الفواحش فوق الكبائر.
وقيل: هما وَصْفان لعَظائم الذنوب، والعطفُ بالواو لِتَغايُرِ المعنيين والموصوفُ واحدٌ، كأنه قال: يجتنبون المعاصي وهي عظيمةٌ عند اللَّه تعالى في الوِزْرِ، وقَبيحةٌ في العقل والشَّرْع.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لديه".
[ ١٣ / ٢٤٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾: أي: وإذا غضِبوا بإيذاء أحَدٍ إياهم غفَروا لِمَن أغضَبَهم، وكظَموا غَيْظَهم.
وزيادةُ ﴿هُمْ﴾ في هذا الفعل إشارةٌ إلى أنهم يَعْفُون عنهم مِن عند أنفسهم مِن غير أنْ يحمِلَهم عليه شَفيعٌ أو سائلٌ.
* * *
(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: وهذا مِن صفاتهم أيضًا؛ أي: أطاعوا اللَّهَ فيما أمرَهم به، وأجابوا إلى ما دَعاهم إليه.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: أداموا الصلاة في أوقاتها بشُروطها.
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: أي: يتآلفون على نَصر الدِّين وإحياء الحقِّ، فيَتَّفِقون على التَّشاوُر في الأمور لِيَقعَ إمضاؤُها على اتِّفاقهم، فلا يختلفون ولا يتنازعون، وهو يرجِعُ إلى الآيات المتقدِّمة التي فيها الأمرُ بالتآلُفِ والنَّهْيُ عن التَّفَرُّقِ.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: في وُجوه الحقِّ فَرْضًا ونَفْلًا.
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾: قيل: إذا نالَهُمُ البَغْيُ مِن الكفار ينتصِرون بالجهاد؛ كما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٩].
وقيل: هو في كلِّ ظالمٍ.
والانتصارُ: الانتِصافُ مِن غير مَزِيد، وهو مُطْلَقٌ.
[ ١٣ / ٢٤٧ ]
وقيل: هو الأمرُ بالمعروف، والنَّهْيُ عن المنكر، وإقامةُ الحدود، والتَّعزيرُ على الجاني، وهو إقامةُ الدِّين كما أمَرَ بها في الآيات المُتقدِّمة.
وقيل: ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾: أي: يَتناصرون فيما بينهم، فيَنْصُرُ بعضُهم بعضًا، يُقال: تناصَرَ القومُ وانتصروا؛ كما يُقال: تقاتلوا واقتتلوا.
* * *
(٤٠) - ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾: قيل: الأوَّلُ -وهو قوله: ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ - في جهاد الكفار، وهذا في مُعاملةِ أهلِ الإسلام؛ أي: وما جرى بينكم مَعاشِرَ المسلمين في عُدْوان بعضِكم على بعض في شيءٍ مِن نفْسٍ أو مال، فله أنْ يَجْزِيَه بمِثْلِ ذلك لا يَزيدُ عليها.
والأولى سَيَّئَةٌ؛ لأنَّها معصيةٌ، والجزاءُ ليس بمعصية؛ لأنَّه بإذن اللَّه، لكنْ سمَّاه سَيِّئةً للمُقابَلة، وكذلك قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وتسميةُ الجزاءِ بالأول في القرآن كثيرٌ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وقيل: معناه: مَن ساءَكم بجِناية في نفْسٍ أو مالٍ فسُوؤُوه بمِثْله اقتصاصًا.
ثم ندَبَ إلى الأَولى فقال:
﴿فَمَنْ عَفَا﴾: أي: ترَكَ الانتصارَ والمُجازاةَ ﴿وَأَصْلَحَ﴾؛ أي: الجزاءُ يُورِثُ العداوةَ بين الفريقين والوَحْشةَ، فمَن أصلحَ بينهم (^١).
_________________
(١) في (ف): "فمن عفى وأصلح بينكم"، وفي (ر): "فمن عفى وأصلح بينهم".
[ ١٣ / ٢٤٨ ]
وقيل: ﴿وَأَصْلَحَ﴾: أي: سألَ اللَّهَ تعالى أنْ يرضى عن الجاني كما رضِيَ هو، فإنه بجِنايته آذى اللَّهَ تعالى وآذى المؤمنَ، فإذا رضِيَ المؤمنُ بقِيَ حقُّ اللَّهِ تعالى، فإذا شفَعَ له عن صِدْقٍ ﵁، فصلَحَتْ حالَتُه.
﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: فثوابُ ذلك عند اللَّه تعالى، وقد وعَدَ بذلك وعدًا مُؤكَّدًا، فهو يَنالُه لا محالةَ.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: قيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، والظالمُ مَن يَزيدُ على جزائها، أو يبتدئُ بها.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾: أي: انتصَفَ بعد وُقوع (^١) الظُّلْم عليه.
قيل: هو في الانتصار مِن الكفار، والذين أَخْرَجوا المسلمين عن الدِّيار.
﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾: بالمَلامة وغيرِ ذلك.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾: أي: على المشركين الذين يَظْلِمون الناسَ بإخراجهم وأَخْذِ أموالِهم.
﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بمَنْعِ المسلمين عن إخلاص العبادة للَّه، ومُجاوزة الحَدِّ في الفساد.
وقولُه تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: بإظهار الكفر، وإيذاء المسلمين.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) في (ر): "انتصر بعد" بدل: "انتصف بعد وقوع".
[ ١٣ / ٢٤٩ ]
(٤٣) - ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾: أي: على ما نالَه مِن الظُّلْم مِن جِهَة أخيه المسلم ﴿وَغَفَرَ﴾ لِظالِمه ذنبَه.
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: أي: مما ينبغي أنْ يُوجِبَه العاقلُ على نفْسِه، ولا يترَخَّصَ في تَرْكِه.
وقال ابن عباس ﵄: أي: مِن حَزْم الأمور (^١).
وقال الضحاك: أي: الجِدِّ (^٢).
وقال مقاتل بن حيان: أي: مِن البَصَر بالأمور كلِّها.
وقال ابن كيسان: يعني: التَّيَقُّنَ بالخَلَف والثواب.
وقال السُّدِّي: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أن رجلًا من المشركين أقبل عليه يشتمه وجعل أبو بكر لا يشتغل به إلى أن ضجر، فلما ضجر ردَّ عليه، فقام رسول اللَّه -ﷺ-، فقال أبو بكر: فداك أبي وأمي يا رسول اللَّه ما دام يشتمني لم تقم فلما رددتُ عليه قمتَ؟ فقال: "لأني رأيت بينك وبينه ملكًا يردُّ عليه ما قال، فلما رددتَ عليه قام الملك فذهب فقمت أنا أيضًا" (^٣).
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣١٤)، وهو في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٣٠٧) من غير نسبة.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٧١).
(٣) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٩٦٢٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٢١٠٩٦)، والبغوي في "شرح السنة" (٣٥٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٣٦٩٨): رجال أحمد رجال الصحيح. ولم أقف عليه عن السدي، ولا أن الحديث كان سببًا لنزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
[ ١٣ / ٢٥٠ ]
وقال قتادة: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ حين أوذي وشُتم بمكة، فأغضى عنهم ولم يشتغل بهم (^١).
* * *
(٤٤) - ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: ومَن يُغْوِهِ اللَّهُ ويَخْلُقْ فيه فعلَ الضلال لعلمه باختياره ذلك، فليس له مَن يَلِي إرشادَه ومَعونَته ومَنْعَ العذابِ عنه.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: أي: يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾: يتمنَّون الرَّجْعةَ إلى الدنيا، ويقولون: هل لنا سبيلٌ إلى ذلك ووصولٌ، فنُؤمنَ ولا نُشركَ، ونُطيعَ ولا نَعصِيَ.
* * *
(٤٥) - ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾.
﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾: أي: على النار، والعذابُ المذكورُ قَبْلَه كنايةٌ عنها.
﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: ساكتين مُنكَسِرين مِن الخِزْيِ والهَوان.
_________________
(١) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٧٧٢)، والواحدي في "البسيط" (١٩/ ٤٩٦) (ط: العبيكان)، كلاهما من غير نسبة.
[ ١٣ / ٢٥١ ]
﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: ذليلٍ (^١).
وقال الحسن وقتادة رحمهما اللَّه: يُسارِقون النَّظْرة (^٢).
وقيل: لا يُمكِنُهم أنْ ينظروا إلى النار بجميع أبصارهم؛ لِمَا يرون مِن هَوْلِها.
وقيل: أي: لا يرفعون أبصارَهم للنَّظَر رفعًا تامًا؛ لأنَّهم ناكِسو رؤوسهم، وعلى هذه الوجوه تكاد عيونُهم (^٣) تخفى.
وقيل: ينظرون إلى النار بقلوبهم وهي خَفِيَّةٌ؛ لأنهم حُشِروا عُمْيًا.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: الخُسْرانُ في الحقيقة لهؤلاء الذين حُرِمُوا منافعَ أنفسِهم وأهليهم، أو أهلَكوها وأهاليَهم بالإغواء، أو حُرِموا الحُورَ العِين بترك الإيمان، يقولون ذلك بطريق الشكر على حالة أنفسهم.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾: أي: إن المشركين في عذاب مقيم؛ أي: دائمٍ، ويجوز أنْ يكون هذا مِن قول المؤمنين، ويجوز أنْ يكون مِن اللَّه تعالى.
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٣٢) عنه وعن مجاهد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥٣٣) عن قتادة والسدي، وزاد الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٢٤) عن مجاهد والقرظي.
(٣) في (ر): "وجوههم".
[ ١٣ / ٢٥٢ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ﴾: أي: لهؤلاء الكفار ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يتولَّون معونتَهم، ويدفعون عنهم العذابَ.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾: أي: وصولٍ إلى الخَلاص.
وقيل: أي: مِن حُجَّة.
وقيل: أي: مِن حِيلة.
وقولُه تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾: أي: أجيبوه إلى ما دعاكم، وهو الإيمان.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: قبل أنْ يأتِيَ مِن اللَّه يومٌ لا مَدْفَعَ له، وهو يوم القيامة.
وقيل: أي: لا مَرَدَّ إلى الدنيا للكافر (^١) فيه مِن اللَّه تعالى إذا سأَل الرَّجْعة.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾: أي: حِصْنٍ (^٢) ﴿يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾؛ أي: قُدْرةٍ على تغيير، وهو كقوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤]، قال تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]؛ أي: غَيِّروه.
وقيل: أي: ما يجدون مَن يُنْكِرُ ما نزَلَ بهم؛ أي: يستنكِرُه؛ لأنَّ الخلائقَ علِموا أنه نزَلَ ذلك بهم عن استحقاق.
* * *
(٤٨) - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾.
_________________
(١) في (ر): "لا مرد للكافرين إلى الدنيا".
(٢) "أي: حصن" زيادة من (ر).
[ ١٣ / ٢٥٣ ]
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾: فلم يستجيبوا ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: حافظًا لأعمالهم حتى تكون أنت المُحاسِبَ لهم بها.
وقيل: أي: مُوَكَّلًا بهم لا تُفارِقُهم دون أنْ يؤمنوا.
وقولُه: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾: أي: ما عليك إلا تبليغُ الرسالة.
﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾: عرَّفَهم أنَّ إعراضَهم عن الاستجابة لاغترارهم بما وسَّعَ اللَّهُ تعالى عليهم مِن الدنيا، وساقَ إليهم مِن النِّعْمة، ورزَقَهم مِن الأَتْباع والأولاد.
وقال: إنَّا إذا أنعَمْنا على الكافر بَطِرَ بالنِّعْمة وطغى وتكبَّرَ عن الانقياد للحق، وقدَّرَ أنَّ النِّعْمة إنما جاءته لفَضْلٍ له واستحقاقٍ منه، فلم يشكرْ للَّه تعالى، واستعانَ بنعمته على معصيته، وإذا أصابَتْه بَلِيَّةٌ ترَكَ الصَّبرَ والتَّسليمَ للَّه، وسخِطَ قضاءَ اللَّهِ، فكفَرَ به وبنعمته.
وقولُه تعالى: ﴿فَرِحَ بِهَا﴾: وُحِّدَ على اللفظ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾: جُمِعَ على المعنى.
* * *
(٤٩) - ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ومَن ملَكَ ذلك لم يَعْجِزْ عن مُعاجَلةِ الكافر بالعقوبة.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾: أي: بناتٍ؛ كما وهَبَ لِلُوطٍ.
﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: أي: البنين؛ كما وهَبَ لإبراهيم.
[ ١٣ / ٢٥٤ ]
(٥٠) - ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: أو يقْرِنُ لهم بنين وبناتٍ؛ كما فعَلَ بمحمد -ﷺ-.
﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: أي: لا يُولَدُ له ولدٌ؛ كما كان لعيسى ويحيى ﵉.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾: بذات الصدور؛ أي: بكلِّ شيء (^١).
﴿قَدِيرٌ﴾: على كلِّ شيء، فكان إعطاءُ الأموالِ والأولادِ والأملاكِ والأَشْياع مِن اللَّه تعالى لِمَن شاء كما شاء.
ثم قولُه: ﴿وَإِنَاثًا﴾ على التنكير، وقولُه: ﴿الذُّكُورَ﴾ على التعريف، وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ على التنكير فيهما؛ لِمَا أنَّ (^٢) الجنسين معهودان معروفان في الجملة، فيجوز على هذا الحَذْفُ والإدخالُ جميعًا في كل واحد منهما، والإدخالُ لكونهما مَعْهُودَين، والحذفُ لكونهما غيرَ موجودَين، فلما كان المَعْنَيانِ مُتقاربَين جازَ كلُّ واحد منهما في الجنسين، وجازَ الجَمْعُ في آية واحدة (^٣) بين الوجهين؛ كالجمع بين اللغتين: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
ولأنَّ المعنى: يهَبُ لِمَن يشاء أولادًا إناثًا، وهو كذِكْرِ النَّعْت وإضمارِ المنعوت، ونَكَّرَ في الأول، ثم أعادَ ذلك ثانيًا، فصار معرفةً، وصار تقديرُه:
_________________
(١) "بذات الصدور؛ أي: بكل شيء" ليس في (أ). ولعل قوله: "بذات الصدور" سهو، وإنما هو في آيات أخرى.
(٢) في (ف): "لأن" بدل: "لما أن".
(٣) في (ر) و(ف): "أخرى".
[ ١٣ / ٢٥٥ ]
ويهب لِمَن يشاء الأولادَ الذُّكور، وهو كقوله: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦].
فأما قولُه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: فلا يجوز فيه إلا التَّنْكير؛ لأنَّ قولَه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ -أي: يجمَعُ الأولادَ- ثم قولَه: ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ تفسيرٌ له، فلا يجوز إلا بالتنكير؛ كقولك: جمعتُهم رجالًا ونساءً، لا يجوز: الرجالَ والنساءَ، بعد ذِكْرِ الكِناية.
وقال: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾: ولم يقل: ويُزَوِّجُهم؛ لئلا يُوهِمَ أنه للمذكور أولًا، فإنَّ ذلك للإفراد، فلا يصِحُّ معه الجمع.
* * *
(٥١) - ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، فإنك رسولٌ، وإرسالٌ الرسلِ كان بأحد هذه الوجوه.
﴿إِلَّا وَحْيًا﴾: أي: إيماءً وإشارةً يقع العلمُ بذلك؛ كالإلهام في القلب، والرُّؤيا في المنام:
والأوَّلُ: كما رُوِيَ: "نفَثَ في رُوعِي" (^١).
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٣٣٢)، والشهاب القضاعي في "مسنده" (١١٥١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٨٩١)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٢٥٤) من حديث ابن مسعود ﵁. ورواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ٢٨٨)، والبزار في "مسنده" (٢٩١٤) عن حذيفة ﵁. =
[ ١٣ / ٢٥٦ ]
والثاني: ما كان مِن حال النبي -ﷺ- ستة أشهر قَبْل نزول جبريل صلوات اللَّه عليه، وقال النبي -ﷺ-: "رؤيا الأنبياء وَحْيٌ" (^١)، ومِن ذلك رؤيا إبراهيمَ ﵇ الأمرَ بذَبْح الولد.
وقولُه تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: أي: يسمع كلامًا مِن اللَّه تعالى؛ كما سمِعَ موسى مِن وراء حِجاب.
ليس المرادُ به حِجابَ اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه تعالى لا يجوزُ عليه ما يجوزُ على الأجسام مِن الحِجاب، بل المرادُ به أنَّ السامعَ محجوبٌ عن الرُّؤية في الدنيا.
وقيل: إنَّ المرادَ به أنَّ الرسول يختَصُّ بالسَّماع، ولا يسمَعُ معه غيرُه، فيُحْجَبون عنه.
وقولُه تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾: قرأ ابنُ عامرٍ ونافعٌ: ﴿أو يرسلُ﴾ رفعًا؛ أي: أو هو يرسلُ، وقرأ الباقون: ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾؛ أي: أو أنْ يُرسِلَ (^٢)، فتكون (أنْ) مع الفعل
_________________
(١) = ورواه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢٦) عن أبي أمامة ﵁. ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٢٧) عن المطلب بن حنطب. والرُّوع: النَّفْس، يقال: وقع كذا في رُوعي؛ أي: في خلدي ونفسي. انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٣١٣).
(٢) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ١٠٤) إلى ابن أبي حاتم مرفوعًا من حديث ابن عباس ﵄. ورواه الطبراني في "الكبير" (١٢٣٠٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٦١٣) وصححه، عن ابن عباس ﵄ موقوفًا. ورواه البخاري (٨٥٩)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٨٢)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٢٠)، من قول عبيد بن عمير.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥).
[ ١٣ / ٢٥٧ ]
مصدرًا، ويكون تقديرُه: إلَّا وَحْيًا، أو إِسْماعًا وراءَ حِجاب، أو إرسالًا إليه رسولًا.
أي: يُرسِلُ ملَكًا بالوحي إليه؛ كما أرسَلَ جبريلُ ﵇ إلى محمد -ﷺ-.
﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾: أي: فيُبَلِّغَ بإذن اللَّه ما يشاء.
﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: أي: قاهرٌ فلا يُمانَعُ، مُصيبٌ في أقواله وأفعاله فلا يُعارَضُ.
* * *
(٥٢) - ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾: أي: كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك قرآنًا هو حياةٌ مِن موتِ الجَهْل.
وقيل: أي: أنزلنا إليكَ جبريلَ، وهو الرُّوحُ الأمينُ.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾؛ أي: بأمرنا.
﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾: هو كقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص: ٨٦].
﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: بذلك بالكتاب (^١)، وإذا كان لا يعلَمُ (^٢) أنَّ الكتابَ ينزِلُ عليه لم يكن عالِمًا أنه يلزمُه الإيمانُ بذلك الكتاب.
وقيل: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: أي: شرائعُ الدِّين على التفصيل الذي لا يُدرَكُ إلا بالسمع.
_________________
(١) في (ر): "أي: بأمرنا بالكتاب"، وفي (ف): "بالكتاب"، بدل: "بذلك الكتاب".
(٢) في (ف): "وإذا لم يعلم".
[ ١٣ / ٢٥٨ ]
وقيل: ولا الدعاءُ إلى الإيمان.
قال الضحاك: يعني: معالمَ الدِّين (^١).
قال أبو العالية: يعني: الدَّعوةَ إلى الإيمان (^٢).
وقيل: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾: لِمَن يكون مِن عَشيرته.
وقال الحُسين بن الفضل: كان يُقَدِّرُ أنَّ أبا طالب يُؤمنُ به لبِرِّه به، وأنَّ العباس لا يُؤمنُ لمُنابذته إياه، فكان على القَلْب (^٣)، ونزلَ عليه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
وقال -ﷺ-: "أرَدْنا إسلامَ أبي طالب وأراد اللَّهُ إسلامَ العباس، فكان ما أرادَه اللَّهُ دون ما أردنا" (^٤).
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾: أي: جعَلْنا الوحيَ، وقيل: أي: الكتابَ.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٢٦) من غير نسبة.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٢٦).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣٢٦)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٦١)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٨٨) بلفظ: يعني: أهل الإيمان، من يؤمن ومن لا يؤمن. ونقل القرطبي في "تفسيره" (١٨/ ٥١٥) نحو هذا، وزاد: أي: من الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما. وروى ابن أبي حاتم فيما عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٤٢٨) أن قتادة قال في قوله تعالى: ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: يعني: أبا طالب، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: العباس. وقوله: على القلب؛ أي: أن العباس قد أسلم وبقي أبو طالب على غير ذلك، خلاف ما كان يقدره النبي -ﷺ-.
(٤) لم أقف عليه.
[ ١٣ / ٢٥٩ ]
وقيل: سبَقَ ذِكْرُ الكتابِ والإيمانِ، ولكنْ أمرُهما واحدٌ، فجازَ التوحيدُ في الكناية وتسميتُهما جميعًا باسم واحد، وهو النُّور؛ كما في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: أي: نُعطِيه صِفةَ الاهتداء.
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: تُرشِدُ إلى دين الإسلام، وهو الطريق المستقيم المُفضِي بسالكه إلى مرضاة اللَّه تعالى.
* * *
(٥٣) - ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: بدَلٌ وترجمةٌ عن الصراط الأول.
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾: أي: ترجِعُ إليه في الدنيا والآخرة.
والحمدُ للَّه رب العالمين
* * *
[ ١٣ / ٢٦٠ ]
سورة الزخرف
[ ١٣ / ٢٦١ ]