بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّهِ الَّذي أقسَمَ بالملائكةِ المُكرَّمين، الرَّحمنِ الذي يجزي المُحسِنين، الرَّحيمِ الَّذي يُسلِّمُ على المُرسَلين.
روى أبيُّ بنُ كعبِ ﵁، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قالَ: "مَنْ قرَأَ سورةَ والصَّافَّاتِ أُعطيَ مِنَ الأَجرِ (^١) عشرَ حسناتٍ بعدَدِ كلِّ شيطانٍ وجنٍّ، وتباعدتْ عنه مرَدَةُ الشَّياطينِ، وشهِدَ له حافظاه أنَّه مؤمنٌ بالمُرسَلين" (^٢).
وهذه السُّورةُ مكِّيَّةٌ، وهيَ مئةٌ وإحدى وثمانون آيةً، وقيلَ: اثنتان وثمانون، الاختلافُ في آيتين: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾.
وكلماتُها ثماني مائةٍ واثنتان وستُّون كلمةً.
وحروفُها ثلاثةُ آلافٍ وثماني مئة وستةٌ (^٣) وعشرون حرفًا.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السُّورةِ بآخرِ تلكَ السُّورةِ: أنَّه ذكَرَ في ختمِ تلكَ: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وأقسَمَ في أوَّلِ هذه السُّورةِ على أنَّه إلهٌ واحدٌ لا يُشبهُه شيءٌ.
_________________
(١) "من الأجر" ليس في (أ)، والمثبت موافق لمصادر التخريج.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٣٨)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا.
(٣) في (أ): "وثمانية"، وهو تحريف.
[ ١٢ / ٣٨٧ ]
وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في مُحاجَّةِ المشركين، وفي إثباتِ الرِّسالةِ والبعثِ يومَ الدِّينِ، والتَّنبيهِ بقصصِ الأوَّلين.
* * *
(١) - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾: هوَ قسَم بالملائكةِ على أنَّ اللَّهَ إلهٌ واحدٌ.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وجهُ القسَمِ بهم: أنَّ اللَّهَ تعالى قد عظَّمَ شأنَ الملائكةِ في قلوبِ أولئكَ الكفرةِ حتَّى قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨]، وقال فرعونُ لعَنَه اللَّهُ: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٣]، وقولُهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١]، وما وصفَهُم اللَّهُ سبحانه أنَّهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وأنَّهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، كذلكَ أقسَمَ بهم تقريرًا لذلكَ في قلوبِهم (^١).
وقالَ ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ ﵃: الصَّافَّاتُ والزَّاجراتُ والتَّالياتُ كلُّهمُ الملائكةُ (^٢)، وكذا قال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ وجماعةٌ (^٣).
﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ خُفِضَ بواوِ القسَم، وسُمِّيَتْ بها لأنَّهم صافُّون في السَّماواتِ في الصَّلواتِ.
وقيل: لأنَّها تصُفُّ أجنِحَتَها في الهواءِ إذا نزلَتْ للوحيِ وغيرِه.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٥٤٤).
(٢) رواه عن ابن مسعود عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٥٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٠٤). ورواه عن ابن عباس أبو الشيخ في "العظمة" (٥١١).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٩٢ - ٤٩٤)، وهو مروي عن جماهير السلف.
[ ١٢ / ٣٨٨ ]
(٢ - ٣) - ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: النَّازِلاتِ بما هو زَجْر للخلْقِ عنِ المعاصي.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: القارِئاتِ على الرُّسُلِ ذِكْرًا، أيْ: وحْيًا مِن اللَّهِ، والوصلُ بالفاءِ يدلُّ على أنَّها في صفاتِ جماعةٍ واحدةٍ يبتني بعضُها على بعضٍ.
ومعنى ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ كمعنى ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦].
والجمعُ بالألفِ والتَّاءِ لِمَا أنَّهم طوائفُ، كلُّ طائفةٍ منهم صافَّةٌ زاجرةٌ تاليةٌ، والجمعُ: صافَّاتٌ زاجِراتٌ تالِياتٌ.
وقيل: صافَّاتٌ بالنُّزولِ بسورةِ الأنعامِ جملةً.
والمصادِرُ فيها لتأكيدِ الوصفِ، و(التاليات ذِكرًا) قيل: أي: تلاوةً، والتَّبديلُ بالذِّكْرِ لتتَّفِقَ الفواصِلُ (^١)، وهوَ كقولِ الشَّاعرِ:
ألمْ يحزُنْكَ أنَّ حِبالَ قيسٍ وتغلِبَ قدْ تباينَتِ انقِطاعًا (^٢)
أيْ: تبايُنًا.
وقيلَ: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: كتابًا وقرآنًا.
_________________
(١) في (ر): "ليتفق رؤوس الآي".
(٢) البيت لعُمير بن شُييم القطامي يمدح زفر بن الحارث الكلابي؛ كما في "ديوانه" (ص: ٣١)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٣٧)، و"طبقات فحول الشعراء" لابن سلام (٢/ ٥٣٨)، و"تفسير الطبري" (١٧/ ٤٨٠)، و"الأزمنة والأمكنة" للمرزوقي (ص: ٥٠٤). وفي أكثر المصادر: (قد تباينتا). والبيت ذكره المؤلف شاهدًا على مجيء المصدر على غير لفظ الفعل، وفي إعراب قوله تعالى: ﴿ذِكْرًا﴾ قول آخر، وهو النصب على المفعولية، إلا أن في إعرابه مصدرًا جعلُ المنصوبات الثلاثة على نسق واحد. انظر: "روح المعاني" (٢٣/ ٧).
[ ١٢ / ٣٨٩ ]
وقيل: الذِّكْرُ هوَ الذي نُسِخَ منه القرآنُ في السَّماءِ.
وقيل: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ هي التي تزجُرُ السَّحابَ سَوْقًا.
وقال قتادةُ: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ الملائكةُ صفوفٌ (^١) في السَّماءِ، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ قال: ما زَجَرَ اللَّهُ عنه بالقرآنِ، ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال: ما يُتلى في القرآنِ مِن أخبارِ الأممِ السَّالفةِ (^٢).
* * *
(٤) - ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾: أقسَمَ على هذا.
وقال الحسن (^٣): ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: هي آيُ الكتابِ الَّتي زجَرَ اللَّهُ بها عبادَه عن معاصيه ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ يعني: آياتِ القرآنِ تتلو ذِكْرَ ما مضى، وذِكْرَ ما نحنُ فيه، وذِكْرَ ما بقِيَ.
وقيلَ (^٤): ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾: جماعاتُ المؤمنين إذا اصطفُّوا للصَّلاةِ ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: الرَّافعاتُ الأصواتِ بتلاوةِ القرآنِ، فإنَّ الزَجْرَ والصَّيحةَ في معنًى واحدٍ، قالَ تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩]، وقالَ: ﴿إنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٢٩].
وقيل: هيَ صفوفُ الغُزاةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي
_________________
(١) في (أ): "صافون".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٩٢ - ٤٩٥) مفرقًا، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٠٤).
(٣) "وقال الحسن" من (أ). ولم أجده.
(٤) "وقيل" ليس من (أ).
[ ١٢ / ٣٩٠ ]
سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: خيولَهم، ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾: التَّكبيرَ.
قولُه: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾: المقسَمُ عليه.
* * *
(٥) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: نعتٌ له.
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: ثُنِّيَ والسَّماواتُ جمعٌ؛ لأنَّ السَّماواتِ (^١) جِنْسٌ والأرضَ جِنْسٌ، فهما جِنْسان.
﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾: أي: ومالِكُ مطالعِ الشَّمسِ في كلِّ يومٍ مِن أيَّامِ السَّنَةِ والمُدبِّرُ لها.
وقالَ في آيةٍ أخرى (^٢): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الرحمن: ١٧]، وأراد مَشْرِقَ الشِّتاءِ ومَشْرِقَ الصَّيفِ ومَغْرِبَيهما.
وقال في آيةٍ أخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨]؛ لأنَّه أرادَ به الجهةَ، والجهةُ واحدةٌ.
ولمْ يذكُرِ المغاربَ في هذه الآيةِ؛ لطولِ الآيةِ بذِكْرِها، وخروجِها مع حذفِها على مُشاكلةِ قدْرِ الآياتِ قبلَها وبعدَها، وكانتِ المطالِعُ دالَّةً على المغاربِ؛ لأَنَّها تطلُعُ بعدَ الغروبِ، والمصالِحُ المتعلِّقةُ بطلوعِها أكثرُ مِنَ المصالحِ المتعلِّقةِ بغروبِها.
_________________
(١) في (ف): "لأنها".
(٢) "أخرى" ليست في (أ).
[ ١٢ / ٣٩١ ]
وقال مقاتلٌ: إنَّ كفَّارَ مكَّةَ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ١٥]، فأقسَمَ اللَّهُ على أنَّ الإلهَ واحدٌ (^١).
وقيل: إنَّ المشركين قالوا: كيف يقومُ إلهٌ واحدٌ بحوائجِنا ولنا ثلاثُ مئةٍ وستُّون إلهًا لا يقُمْنَ بحوائجِنا (^٢)؟! فأقسَمَ اللَّهُ على أنَّ إلهَهمْ وإلهَ مَن في السَّماواتِ والأرضِ وقاضي حوائجِهم واحدٌ.
* * *
(٦) - ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: هيَ تأنيثُ الأدنى؛ أي: الأقربُ، وهي الَّتي تلِينا وتدنو منَّا.
﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍ ووابنُ عامرٍ (^٣) ﴿بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ مُضافةً؛ أي: بالزِّينةِ القائمةِ بالكواكبِ.
وقرأَ عاصمٌ في روايةِ حفصٍ وحمزةُ: ﴿بِزِينَةٍ﴾ منوَّنةً ﴿الْكَوَاكِبِ﴾ خفْضًا على البدَلِ.
وقرأَ عاصمٌ في روايةِ أبي بكرٍ: ﴿بِزِينَةٍ﴾ منوَّنةً ﴿الكواكبَ﴾ نصبًا (^٤) على أنَّ الزِّينةَ مصدرٌ بمعنى التَّزيينِ، و﴿الكواكبَ﴾ نصبٌ؛ لأنَّه مفعولٌ بوقوعِ التَّزيينِ عليه.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٥٩١)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ١٣٩).
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/ ٣٧٠)، والرازي في "تفسيره" (٣٢/ ٣٥٧).
(٣) في (ف): "وجعفر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وخلف والمفضل" بدل من "وأبو عمرو وابن عامر".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٥٤٦ - ٥٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٨٦). وقراءة الكسائي كقراءة ابن كثير ومن ذكر معه.
[ ١٢ / ٣٩٢ ]
(٧) - ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾.
﴿وَحِفْظًا﴾: أي: وحَفِظناها (^١) حِفْظًا.
وقيل: وجعلْناها حِفْظًا، كما قالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾: أي: مُتناهٍ في الفَسادِ والإفسادِ.
وقيلَ: أي: مُتجرِّدٍ عن كلِّ خيرٍ؛ كالأمردِ، والشَّجرةِ المَرْداءِ؛ أي: المُتجرِّدةُ مِن (^٢) الأوراق.
* * *
(٨) - ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.
﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾: قرأَ حمزةُ والكسائيُّ وعاصم (^٣) بالتَّشديدِ؛ أي: لا يتسمَّعون، أُدغِمَتِ التَّاءُ في السِّينِ كما في المزَّمِّلِ والمدَّثِّرِ؛ أي: لا يتعرَّضون للسَّماعِ بالإصغاءِ.
وقرأَ الباقون بالتَّخفيفِ مِنَ السَّماعِ (^٤)، ومعناه: لئلَّا يسْمَعوا، فلمَّا حُذِفَ النَّاصبُ ارتفعَ؛ كما في قولِه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]؛ أي: أنْ أعبُدَ، وقال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: لئلَّا يؤمنوا به.
﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾: أي: الملائكةِ، ووحَّدَ ﴿الْأَعْلَى﴾ لظاهرِ لفظِ ﴿الْمَلَإِ﴾، كما يُقالُ: السَّلَفُ الصَّالحُ.
_________________
(١) في (أ): "وجعلناها"، وهو تحريف.
(٢) في (أ): "عن".
(٣) هي قراءة عاصم من رواية حفص. ووقع في (ر): "قرأ حمزة والكسائي وخلف عن عاصم في رواية حفص والمفضل".
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٥٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٨٦).
[ ١٢ / ٣٩٣ ]
وقالَ أبو معاذٍ (^١): (سمعتُ إلى قولكَ) بمعنى: (استمعتُ إليه).
يقولُ: إنَّا حفِظْنا السَّماءَ بالكواكبِ الرَّاجمةِ مِن الشَّياطينِ أنْ يتعرَّضوا لسماعِ الوحيِ مِن ملائكةِ السَّماءِ الذين هم الزَّاجراتُ زجرًا، فالتَّالياتُ (^٢) ذِكْرًا في إنزالِ الوحيِ على الرسُّلِ، ونحرُسُه عن تغييرِهم.
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾: أي: يُرْمَون بنجومِ الرُّجومِ، عطفٌ على قولِه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾.
﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾: أيْ: مِن جوانبِ السَّماءِ.
* * *
(٩) - ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾.
﴿دُحُورًا﴾: أي: طَرْدًا وإبعادًا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: أي: دائمٌ في الآخرة؛ لكُفرِهم وإضلالِهم النَّاسَ وإيهامِهم إيَّاهم أنَّهم يعلمون الغَيْبَ كالأنبياءِ؛ طمَعًا في إفسادِ النُّبُوَّاتِ.
* * *
(١٠) - ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَة﴾: أي: سلَبَ السَّلْبَةَ، ومعناه: أخذَ شيئًا مِن كلامِهم بسرعةٍ طالبًا للغَفْلةِ.
وقيل: هذا الاختطافُ ليس في حقِّ الوحيِ، فقد ذكَرَ أنَّه يحفظُه عنهمْ، لكنَّه
_________________
(١) هو الفضل بن خَالِد، أبو معاذ النَّحْوِي المروزِي مولى باهلة، المتوفى سنة (٢١١ هـ). وقد تقدمت ترجمته.
(٢) في (أ): "والتاليات" بدل: "زجرًا فالتاليات".
[ ١٢ / ٣٩٤ ]
في تسمُّعهمْ كلامَ الملائكةِ في أشياءَ أُخَرَ سوى الوحيِ، فإذا أخَذوا شيئًا مِن ذلكَ رُجِموا، فذلكَ قولُه:
﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾: أي: لحِقَه شهابٌ؛ أي: نجمٌ راجمٌ.
﴿ثَاقِبٌ﴾: أي: مُضيءٌ، وقيل: نافِذٌ، والثُّقوبُ: التَّوقُّدُ، مِن بابِ دخَلَ.
وقيل: نجومُ الرُّجومِ غيرُ نجومِ الزِّينةِ، تلك ثابتةٌ وهذه سائِرةٌ (^١) مُتَشتِّتةٌ.
وقال الشَّعبيُّ: لمْ يُقْذَفْ بالنُّجوم حتَّى بُعِثَ محمَّدٌ -ﷺ-، فلمَّا قُذِفَ بها جعَلَ النَّاسُ يُسَيِّبون أنعامَهمْ ويُعتِقون رقائِقَهمْ يظنُّون أنَّها القيامةُ، فأتوا عبدَ يالِيلَ الثَّقَفِيَّ وكان قد عمِيَ، فقالوا له: قد سيَّبوا أنعامَهمْ وأعتَقوا رقيقَهم، قال: ولمَ؟ قالوا: إنَّ النُّجومَ تهافَتُ (^٢) مِنَ السَّماءِ، فقال لهم: لا تعْجَلوا، فإنْ كانت نجومٌ تُعْرَفُ فهي عندَ قيامِ السَّاعةِ، وإنْ كانت نجومًا لا تُعْرَفُ فهو أمرٌ حدَثَ، فنظَروا فإذا هيَ نجومٌ لا تُعْرَفُ، قال: فما مكَثوا إلَّا يَسيرًا حتَّى أتاهم النَّبيُّ -ﷺ- (^٣).
* * *
(١١) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: أي: فاسألِ المشركين يا محمَّدُ: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾؛
_________________
(١) في (ف): "ثائرة".
(٢) الهَفْتُ: تساقطُ الشيء قطعةً بعد قطعة كما يهفت الثلج ونحو ذلك. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٦/ ١٣١).
(٣) رواه أبو داود في كتاب "المبعث" فيما نقله عنه القرطبي في "تفسيره" (١٠/ ١٢)، وابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ٦٧٢)، وروى نحوه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٤١). وقال ابن حجر: وقد أخرجه الطبري من طريق السدي مطولًا، وذكر ابن إسحاق نحوه مطولًا بغير إسناد في "مختصر ابن هشام".
[ ١٢ / ٣٩٥ ]
أي: مِن الأممِ الماضيةِ الَّذين كانوا أشدَّ منكم قوَّةً، وأكثرَ أموالًا وأولادًا، فإنْ أجابوكَ أنَّهم أشدُّ مِمَّنْ سلَفَ فقلْ لهم:
﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾: أي: خلَقْنا جميعَهم ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾: أي: لازقٍ باليدِ، والفِعلُ مِن بابِ دخَلَ، يعني: خَلَقَ أصْلَهم منه -وهو آدمُ- ثمَّ خلَقَهم منه، فكيفَ صاروا هم أشدَّ منهم، وكيفَ توهَّموا لشدَّتِهم عند أنفسِهم أنَّهم يُعْجِزونني وأنا خالِقُ جميعِهم، وموجدُهم مِن العدَمِ؟
وقيل: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ مِن الملائكةِ والشَّياطينِ والسَّماواتِ والأرضِ وما بينهما، وهو كقولِه ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: ٢٧] الآياتِ، وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وذُكرَ بكلمةِ (مِن) لأنَّه جمعَ بينَ ما يعقِلُ وبينَ ما لا يعقِلُ، فغلَّبَ ما يعقِلُ.
يقولُ: فإذا قدَرْنا على خلْقِ ما هو أشدُّ منهم، فنحن نقدِرُ على إعادتِهم بعدَ موتِهم.
وقال مقاتلٌ: نزلَتْ في أبي الأشَدَّيْنِ، وسُمِّيَ به لشدَّةِ بطْشِه، واسمُه كَلَدَةُ بنُ أسيدٍ (^١).
وقال محمَّدُ بنُ إسحاقَ: اسمُه أُبيُّ بنُ أسيدٍ (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (٣/ ٦٠٣).
(٢) لم أقف عليه، وقد اختلف في اسمه ولقبه، فقيل: أبو الأشدين أسيد بن كلدة، وقيل: كلدة بن أسيد كما مرَّ، وقيل: أبو الأشد بن أسيد بن كلاب الجمحي، كما في "تفسير الماوردي" (٥/ ٤١)، وقيل: كلدة بن خلف الجمحي، كما ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٣٦٤)، وقيل: هو (أبو الأسد) بالسين المهملة كما ذكر الشهاب الخفاجي في "حاشية البيضاوي" (٨/ ٣٦١)، وقيل غير ذلك.
[ ١٢ / ٣٩٦ ]
(١٢) - ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ (^١) بضمِّ التَّاءِ، والباقون بفَتْحِها خِطابًا للنَّبيِّ -ﷺ- (^٢).
و﴿بَلْ﴾: لِنَفْيِ ما مضى وإثباتِ ما بعدَه؛ أي: ليست لهم (^٣) هذه الجُرْأةُ على أنَّهم يتوهَّمون أنَّهم يفوتونني، لكنْ ألِفوا شِرْكَهم، وقلَّدوا أسلافَهم، وأعرَضوا عن التَّدبُّرِ، فهم لذلك على جهلٍ، وأنت يا محمَّدُ تعجَبُ منهم وهم يَسْخَرون منك إذْ تدْعوهم إلى الإيمانِ باللَّهِ وبالرُّسلِ والبعثِ بعدَ الموتِ.
وقراءةُ الضَّمِّ إخبارٌ مِن اللَّهِ تعالى عن نفْسِه، وهو مَجازٌ عن الإنكارِ والكراهيةِ، ولا تجوزُ حقيقتُه على اللَّهِ تعالى، فإنَّه لظُهورِ ما لمْ يكنْ في الوهْمِ، لكنْ مَن ظهَرَ له ذلك -وهو قبيحٌ في نفْسِه- كرِهَه وأنكرَه، فأُريدَ به ذلكَ هاهنا.
وقال قُطْرُبٌ: أي: كبُرَ عندي وعظُمَ، فإنَّ الواحدَ منَّا إنَّما يعجَبُ مِن الشَّيءِ إذا كبُرَ عنده وعظُمَ.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا﴾: أي: وإذا وُعِظوا ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يتَّعِظون.
وقيل: إذا ذُكِّروا أنَّهم خُلِقوا مِنْ طينٍ لازبٍ.
وقيل: أي: ذُكِّروا ما أحلَّ اللَّهُ بالمكذِّبين الماضين.
_________________
(١) "وخلف" من (ر).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٨٦)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٦).
(٣) في (ر) و(ف): "بهم".
[ ١٢ / ٣٩٧ ]
وقيل: ما يُعاقَبون به يومَ (^١) القيامةِ.
وقيل: ما أنعَمَ اللَّهُ به عليهم وألزَمَهم شُكْرَه.
وقولُه: ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾: أي: أعرَضوا عن ذلك فإنَّهم (^٢) لا يذكُرونها ولا يحفظونها.
* * *
(١٤) - ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾: أي: مُعجزةً ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: قيل: أي: يَسْخرون بها. قاله قطربٌ وأبو عبيدةَ وجماعةٌ (^٣)، فهو كقولِهم: عجِلَ واستعجلَ، ويَقِنَ واستيقنَ، ونَكِرَ واستنكرَ.
وقيل: أي: يَعدُّونها سُخْرِيَةً؛ كقولك: استحسنتُ كذا، واستقبحتُ كذا، واستجهلتُ فلانًا، واستحمقتُه.
وقيل: أي: يدْعون النَّاسَ إلى السُّخْرِيَةِ بها، يريدُون بذلكَ التَّمويهَ على الضَّعَفَةِ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾ [القمر: ٢].
* * *
(١٥ - ١٧) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: وما هذا إلا تخييلٌ (^٤) ظاهرٌ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "في".
(٢) في (ر) و(ف): "كأنهم".
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٦٧) - ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٥١٠)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥١٥) عن فتادة، ورواه الطبري أيضًا في "تفسيره" (١٩/ ٥١٥) عن مجاهد.
(٤) في (ر): "تمويه".
[ ١٢ / ٣٩٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿أإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾: أي: رميمًا ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾: يسخرون بهذا أيضًا منكمْ.
﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: الألفُ للاستفهامِ، والواوُ للعطفِ، ورفعُه مِن وجهين:
أحدُهما: أوَ آباؤُنا يُبعثون أيضًا؟!
وقيلَ: تقديرُه: أنحنُ وآباؤُنا نُبْعَثُ؟!
* * *
(١٨ - ٢٠) - ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.
﴿قُلْ نَعَمْ﴾: تُبْعَثون (^١) ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾؛ أي: أذلَّاءُ صاغِرون، والواوُ للحالِ.
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: قيل: صَيْحةٌ واحدةٌ، قالَ الحسنُ: هيَ النَّفْخةُ الثَّانيةُ (^٢).
﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾: أي: مِن قبورِهم ﴿يَنْظُرُونَ﴾: إلى ما يرونه مِن الأهوال.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: أي: يومُ الجزاءِ، وقيل: الحسابُ. وقيل: يومُ القضاءِ. وقيل: أي: يومُ ينفَعُ الدِّينُ الحقُّ (^٣).
* * *
(٢١) - ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: قيل: هو قولُ بعضِهمْ لبعضٍ.
_________________
(١) "تبعثون" ليس من (أ) و(ف).
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٤٢)، وابن فورك في "تفسيره" (٢/ ٢١٤).
(٣) في (أ): "نفع الدين" بدل: "ينفع الدين الحق".
[ ١٢ / ٣٩٩ ]
وقال الكلبيُّ: هو قولُ الملائكةِ لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾.
قيل: أي: القضاءِ، فإنَّه فصْلُ الخصومةِ.
وقيل: هو القضاءُ الحقُّ؛ لأنَّه هو الَّذي ينفُذُ فتنفصِلُ به الخصومةُ، فأمَّا القضاءُ بغيرِ حقٍّ فيردُّ ولا يقعُ به الفصْلُ.
وقيلَ: هو يومُ التَّمييزِ بين (^١) الفريقين بالطَّريقين.
وقيل: هو يومُ الفصلِ؛ أي: يومُ تفريقِ الأحبَّةِ والأقاربِ بعضِهم مِن بعضٍ باختلافِ الأجزيةِ والأمكنةِ.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: يُقالُ للملائكةِ: اجمَعوا الذينَ كفروا، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]: وهو وضع العبادةِ في غيرِ موضعِها.
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: أي: قُرَناءَهم، وقيل: أي (^٢): أصنافَهم، فإنَّهم على طرقٍ.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: مِنَ الأصنامِ.
وقيل: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾؛ أي: قُرَناءَهم مِن الشَّياطينِ، قالَ تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]، وقالَ: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
_________________
(١) في (ر): "هو تمييز" بدل: "يوم التمييز بين".
(٢) في (أ): "أي"، وفي (ر): "وقيل" بدل: "وقيل أي".
[ ١٢ / ٤٠٠ ]
وقيلَ: "أزواجَهم"؛ أي: زوجاتِهم، وهو قولُ الحسنِ (^١)، يعني: كلَّ كافرٍ وكافرةٍ ومنافقٍ ومنافقةٍ، وهو الغالبُ في الاستعمالِ، قال تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩].
وقيل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: كُبراءَ الظَّلَمة ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾؛ أي: وأتباعَهم، حتَّى رُوِيَ أنَّ مَن برى لهم قلمًا، أو ألاقَ لهم دَواةً، أو ناولَهمْ قِرْطاسًا حُشِرَ معهم (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]؛ أي: قُرِنَتْ بأشكالِها.
وقولُه تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾:
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: فدلُّوهم (^٣).
وقالَ الضَّحاكُ: فادعوهمْ (^٤).
وقالَ ابنُ كيسانَ: فقدِّموهم (^٥)، وهادِيةُ الإِجْلِ (^٦) هي التي تتقدَّمُها.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤١)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٢٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٤٦٨) وقال: وروي ذلك عن ابن عباس، ورجحه الرماني.
(٢) رواه الديلمي في "الفردوس" (١/ ٢٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ٢٨): غريب. ورواه ابن بشران في "أماليه" الجزء الثاني (١/ ١٣٢) من حديث ابن مسعود مرفوعًا، ولفظه: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة، وأعوان الظلمة، وأشباه الظلمة؟ حتى من برى لهم قلمًا، أو لاق لهم دواةً، فيجمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى بهم في جهنم". والنصوص والآثار الواردة في النهي عن الكون مع الظلمة كثيرة مستفيضة.
(٣) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٩٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤١)، والواحدي في "البسيط" (١٩/ ٣٤).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤١).
(٥) ذكره الثعلبي الواحدي في "البسيط" (١٩/ ٣٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٩).
(٦) الِإجْل -بكسر الهمزة وسكون الجيم-: القطيع من بقر الوحش، والجمع آجال. "الصحاح" (مادة: أجل).
[ ١٢ / ٤٠١ ]
﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: أي: طريقِ جهنَّمَ.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾.
﴿وَقِفُوهُمْ﴾: أيُّها الملائكةُ في موقفِ العَرْضِ والحسابِ.
﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عن قولِ: "لا إلهَ إلَّا اللَّهُ" (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: عن خطاياهم (^٢).
وقال كعبٌ: عن أقوالِهم وأفعالِهم (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾: قيل: هو تفسيرُ قولِه: ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ وهو سؤالُ توبيخٍ وتقريعٍ؛ أي: ما لكم لا ينصُرُ بعضُكم بعضًا؟!
وقيل: هو على أبي (^٤) جهلٍ لعَنَه اللَّهُ؛ إذْ قال يومَ بدرٍ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِر﴾ (^٥).
* * *
(٢٦ - ٢٧) - ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾: أي: ليس أحدٌ يقْدِرُ على نصرِ أحدٍ، بلِ الكلُّ مُنقادون لِما يُرادُ بهم.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٢).
(٣) لم أقف عليه عن كعب، لكن ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٢) عن ابنه محمد بن كعب القرظي.
(٤) في (ر): "هو أبو".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٣)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٢٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٨).
[ ١٢ / ٤٠٢ ]
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: أي: يسألُ كلُّ واحدٍ صاحبَه سؤالَ توبيخٍ، يقولُ هذا: لِمَ غرَرْتَني؟ ويقولُ الآخر (^١): لِمَ قبِلْتَ منِّي.
وقيل: هو في معنى قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّار﴾ [غافر: ٤٧].
وقيل: هذا التَّساؤلُ هاهنا بينَ السَّادةِ والأتباعِ.
* * *
(٢٨) - ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾: قال نِفْطويه: كنتُمْ تمنعوننا عنِ الدِّينِ (^٢) الحقِّ وعنِ الطَّاعةِ، وتُلَبِّسون ذلك علينا (^٣).
يُقالُ: أتاهُ عن يمينِه، إذا أتاه مِن الجهةِ المحمودةِ، والعربُ تنسِبُ الفعلَ الجميلَ إلى اليمينِ، وما ضادَّه إلى الشِّمالِ، وقالوا: الميمنةُ مِنَ اليُمْنِ، والمشأمةُ مِنَ الشُّؤْمِ (^٤).
وقال الفرَّاءُ: أي: كنتُم تأتوننا مِن قِبَلِ الدِّينِ، فتخدعوننا عنه بأقوى الوجوه (^٥).
وقوَّةُ الرَّجلِ بيمينِه، وتُسمَّى القوَّةُ يمينًا كذلكَ، قالَ الشَّمَّاخُ:
_________________
(١) في (ر): "هذا". وسقطت من (ف).
(٢) في (أ): "اليمين".
(٣) ذكر نحوه من غير عزو الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٣)، والواحدي في "البسيط" (١٩/ ٣٨)، ونسبه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٦) إلى الرماني.
(٤) انظر: "تصحيح الفصيح" لابن درستويه (ص: ٤٨٤).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٨٤).
[ ١٢ / ٤٠٣ ]
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ تلقَّاها عَرَابةُ باليَمينِ (^١)
وقيلَ: معناه: كنتُم (^٢) تصدُّوننا عن طريقِ الجنَّةِ وسبيلِ النَّجاةِ، قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧].
وقيل: هوَ ما ذُكِرَ في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، فالشَّياطينُ يأتونهم مِن كلِّ الجهاتِ، فمَن أتاه الشَّيطانُ مِن جهةِ اليمينِ أتاه مِن قِبَلِ الدِّينِ ولبَّسَ عليه الحقَّ، ومَن أتاهُ مِن قِبَلِ اليسارِ حبَّبَ إليه الشَّهواتِ، ومَن أتاه مِن بين يديه أنساه الآخرةَ، ومَن أتاه مِن خلْفِه خوَّفَه الفقرَ على أعقابِه.
* * *
(٢٩ - ٣١) - ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾.
﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: قال لهمُ السَّادةُ: ما كان ذلك منَّا، بل أنتم لمْ تؤمنوا.
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: تسلُّطٍ بحُجَّةٍ ولا قَهْرٍ.
﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾: مُجاوزين حدودَ الشَّرْعِ.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾: جميعًا ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾؛ أي: وعيدُ ربِّنا: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٨].
_________________
(١) انظر: "ديوان الشماخ بن ضرار الذبياني" (ص: ٣١٩) من قصيدة يمدح بها عَرابة بن أوس ﵁.
(٢) "كنتم" ليس من (أ).
[ ١٢ / ٤٠٤ ]
﴿إنَّا لَذَائِقُونَ﴾: قيل: يقعُ على هذا قولُه: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾، وكُسِرَتْ "إنَّا" للَّامِ في قوله: ﴿لَذَائِقُونَ﴾؛ أي: تحقَّقَ علينا أنَّا نذوقُ العذابَ.
وسكَتَ عن ذكرِ المَذوقِ لوضوحِه؛ كما في قولِه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
* * *
(٣٢ - ٣٥) - ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: أي: السَّادةُ والأتباعُ سواءٌ في استحقاقِ العذابِ.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: وهم مجرمون.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: يتعظَّمون عن قبولِه ويأنَفون منه.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾: أي: لِمَ نترُكُ عبادةَ أصنامِنا؟! استفهامٌ بمعنى النَّفيِ.
﴿لِشَاعِرٍ﴾: أي: لقولِ رجلٍ يأتي بكلامٍ منظومٍ.
﴿مَجْنُونٍ﴾: لا يعقِلُ ما يقولُ؛ لأنَّه يخبرُنا بإلبعثِ بعدَ الموتِ وهو لا يعقِلُ، ونحنُ لا ندعُ دِينَ آبائِنا بقولِ هذا، يعنون محمدًا ﵇، فردَّ اللَّهُ عليهم ذلك، فقال:
[ ١٢ / ٤٠٥ ]
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: أي: ليس بشاعرٍ ولا مجنونٍ، بل هو رسولٌ جاءَ بما يجبُ في (^١) العقولِ السَّليمةِ.
﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: وحقَّقَ بشاراتِ الأنبياءِ الماضين به، ووافقَ دينَهم وما جاؤوا به مِن توحيدِ اللَّهِ وطاعتِه.
* * *
(٣٨ - ٤٠) - ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: أي: إنَّكم يا أهلَ عصرِ النَّبيِّ المكذِّبين به (^٢) لصيرون إلى النارِ، فتذوقون عذابَها الوَجيعَ.
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: مِن الكفرِ والمعاصي.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: مَن قرأَ بفتحِ اللَّامِ فهمُ الَّذين صفَّاهمُ اللَّهُ تعالى عنِ الشِّركِ والمعاصي، ومَن قرأَ بكسرِها فهم الَّذينَ أخلَصوا العبادةَ للَّهِ، فلمْ يُشركوا به ولمْ يَعصوه (^٣)، وهذا استثناءُ مَن يؤمنُ منهم بعدَ هذا.
وقيل: هو استثناءٌ منقطعٌ بمعنى (لكن)؛ أي: هؤلاءِ المكذِّبون بالنَّارِ يُعذَّبون، لكنَّ المؤمنين بالجنَّةِ يُنعَّمون.
* * *
_________________
(١) في (ر): "على".
(٢) في (أ): "له".
(٣) قرأ عاصم وحمزة والكسائي ونافع بفتح اللام من ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، وكسرها ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٣٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨).
[ ١٢ / ٤٠٦ ]
(٤١ - ٤٢) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾: أي: عطيَّةٌ معلومةٌ يعلمون دوامَها لهم.
﴿فَوَاكِهُ﴾: ترجمةٌ عن قولِه: ﴿رِزْقٌ﴾.
قيل: لمْ يُردْ به الفاكهةُ المعروفةُ في الدُّنيا، لكنَّ الفاكهةَ ما يُتَفَكَّه به؛ أي: يُتنعَّمُ به؛ أي: رزَقَهم ما يُتنعَّمُ به (^١) في الجنَّةِ، وليس ذلك كقُوتِ الدُّنيا الذي يتناولُه مَن يضطرُّ إليه ويضيقُ قلبُه لتأخُّرِه عنه، وهو إشارةٌ إلى أنَّه يتناولُ المأكولاتِ التي يتنعَّمُ بها، وهو كقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]؛ أي: يتناولونها مُشْتهين لها، لا مُضطرِّين إليها ولا كارهين (^٢) لها.
﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾: أي: بأنواعِ الكراماتِ مع ذلك.
* * *
(٤٣ - ٤٥) - ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: هو نصبٌ على الحال، وهو صفةٌ لهم لا لسُرُرهم، والتَّقابلُ أتمُّ للأنسِ، وأجمَعُ للرُّؤيةِ، وأيسَرُ للتَّحدُّثِ.
وقال مجاهدٌ: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: لا ينظُرُ بعضُهم في قفا بعضٍ (^٣).
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾: هي القَدَحُ الملْآنُ شرابًا.
_________________
(١) "أي رزقهم ما يتنعم به" ليس من (ف).
(٢) في (أ): "أو كارهون"، وفي (ر): "وكارهين".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٨٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٦٧)، وابن المبارك في "الزهد" (٢/ ١٣٠). ورواه ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (٥/ ٨٥)، وروي عن عكرمة أيضًا، كما في "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ٢٨٣)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٧٧).
[ ١٢ / ٤٠٧ ]
﴿مِنْ مَعِينٍ﴾: قال الحسنُ وقتادةُ والضَّحاكُ والسُّدِّيُّ: أي: مِن خمرٍ جاريةٍ في أنهارٍ ظاهرةٍ للعيونِ (^١).
قيل: هو مفعولٌ مِن عانَه يَعينه؛ أي: نظَرَ إليه بعينِه.
وقيل: هوَ فعيلٌ مِن المَعْنِ، وهو الإمعانُ في الجَرْيِ؛ أي: الشِّدَّةُ والسُّرعةُ.
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾.
﴿بَيْضَاءَ﴾: صفةٌ لـ (الكأسِ)، وبياضُها بصفاءِ ما فيها.
﴿لَذَّةٍ﴾: أي: لذيذةٍ، واللَّذُّ نعتٌ كاللَّذيذِ؛ كالطَّبِّ في معنى الطَّبيبِ (^٢)، والهاءُ للتَّأنيثِ.
﴿لِلشَّارِبِينَ﴾: أي: لشاربِيها، ليست كخمورِ الدُّنيا في كراهةِ الطَّعمِ.
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾: قال قُطْرُبٌ: أي: لا تغتالُ عقولَهم كخمورِ الدُّنيا (^٣)؛ أي: لا تَذْهَبُ بها. وأصلُه: الإهلاكُ في الخفاء، و"قدْ قتلَه غَيْلةً واغتالَه"، أيْ: قتلَه في خُفْيةٍ.
_________________
(١) ذكره عن الحسن ابنُ فورك في "تفسيره" (٢/ ٢١٩). ورواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٥١٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٧٢٢)، الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ٢٩٨). ورواه عن الضحاك الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ٢٩٨)، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٨٨)، وذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٦).
(٢) انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: طبب).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٣٣) عن السدي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٠) عن الشعبي، وهو اختيار أبي عبيدة، كما في "مجاز القرآن" (٢/ ١٦٩).
[ ١٢ / ٤٠٨ ]
وقيل: ﴿غَوْلٌ﴾: أي: غائلةٌ؛ أي: ما يُكْرَه.
﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ (^١) بكسرِ الزَّايِ؛ أي: ولا تنفَدُ خمورُهم، وقرأ الباقون بفتحِها؛ أي: لا تُزالُ عقولهم (^٢).
و(قد نُزِفَ) على ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، فهو منزوفٌ ونزيفٌ، ونزْفُ البِئرِ: استخراجُ مائِها، كلُّه مِنْ بابِ ضرَبَ.
* * *
(٤٨) - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾: أي: نساءٌ قد قصَرْنَ أبصارَهنَّ على رؤيةِ أزواجهنَّ، لحُبِّهنَّ إيَّاهم ولعفافِهنَّ وحُسْنِ عِشْرتهنَّ، والطَّرْفُ في معنى الجمعِ، ووُحِّدَ لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ.
﴿عِينٌ﴾: جمعُ عَيْناءَ، وهي الواسعةُ العَينِ، الحسنةُ العَينِ، والفعلُ مِنْ بابِ عَلِمَ.
* * *
(٤٩) - ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾: أي: مَصون، وقيل: أي: مستورٌ.
وقيل: أراد به داخلَ البَيْضِ، وهو تشبيهٌ لهنَّ به في الصَّفاءِ واللِّين.
وقال في صفةِ الولدانِ: ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤]، وقال في صفةِ الحورِ
_________________
(١) في (ر): "حمزة والكسائي وخلف والمفضل عن عاصم".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٦).
[ ١٢ / ٤٠٩ ]
العِينِ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، أشارَ بذلكَ إلى أنَّ الحورَ العِينَ للصُّحْبةِ دونَ الوِلْدانِ؛ لأنَّ اللُّؤلؤَ للنَّظَرِ لا للذَّوْقِ، والبَيْضَ لهما.
وقيلَ: أرادَ به المصونَ عن الكسرِ، أرادَ به أنَّهنَّ عَذارى صحيحاتٍ، قال الفَرَزْدَقُ:
خرجْنَ إليَّ لمْ يُطْمَثْنَ (^١) قَبْلي وهُنَّ أصحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعامِ (^٢)
وقال الحسنُ وابنُ زيدٍ: شُبِّهْنَ ببَيْضِ النَّعامِ يُكَنُّ بالرِّيشِ مِن الرِّيحِ والغُبارِ (^٣).
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: أي: فأقبَلَ بعضُ أهلِ الجنَّةِ -وهمُ المُخلصون- على بعضٍ يتحدَّثون بما أنعمَ اللَّهُ عليهم مِن حينِ كانوا في الدُّنيا إلى أنْ صاروا إلى الجنَّةِ.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾: أي: صاحبٌ مقارِنٌ كافرٌ بالبعثِ.
* * *
(٥٢ - ٥٣) - ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾.
﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾: بالبعثِ؟ استفهامٌ بمعنى الإنكارِ.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: أي: لَمَجزيُّون، مِن قولِهم: كما تَدينُ تُدانُ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "يطمثهن".
(٢) انظر: "ديوان الفرزدق" (٢/ ٨٣٥) وهو من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد الملك.
(٣) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٤)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٢٥).
(٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٢٦٢) من طريق أبي قلابة عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ومن طريق =
[ ١٢ / ٤١٠ ]
قيل: كانا أخوينِ، وهما المذكوران في قولِه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢]، وقد بيَّنا القصَّةَ في سورةِ الكهفِ، قاله الكلبيُّ (^١).
وقيل: كانا شريكين على ما نُبيِّنُ.
وقيلَ: أرادَ به قرينَه مِنَ الشَّياطينِ كان يوسوسُ إليه بالتَّكذيبِ بيومِ البعثِ، ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ الآياتِ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: كانا شريكَين أحدُهما قُطْرُوسُ وهو الكافرُ، والآخرُ يَهودا وهو المؤمنُ، فاستجمَعَ لهما ثمانيةُ آلافِ دينارٍ، وكان أحدُهما مُحترِفًا، والآخرُ لا حِرْفةَ له، فقال المحترفُ لصاحبِه: ليستْ لك حِرْفةٌ، وما أُراني إلَّا مُفارقَكَ ومُقاسمَكَ، فقاسَمه وفارقَه، ثمَّ إنَّ قُطْرُوسَ اشترى دارًا بألفِ دينارٍ، فدعا صاحبَه، فقال: كيف ترى هذه الدَّارَ؟ قال: حسَنةً، ثمَّ خرجَ وتصدَّقَ بألفِ دينارٍ، وقال: يا ربِّ! أسألكَ (^٢) دارًا في جنَّتِكَ، ثمَّ إنَّ الكافرَ تزوَّجَ امرأةً، وأنفقَ عليها وفي أمرِها (^٣) ألفَ دينارٍ، فدعا صاحبَه، فقال: كيفَ ترى زوجتي؟ قال: ما أحسنَها! ثمَّ خرجَ وتصدَّقَ بألفِ دينارٍ، وسألَ ربَّه تعالى أنْ يُزوِّجَه مِنَ الحُورِ العِينِ، ثمَّ اشترى صاحبُه بألفَيْ دينارٍ بُسْتانين، فدعا صاحبَه فقال: كيفَ تراهما؟ قال: بُستانين خَضْراوين حَسَنين، ثمَّ
_________________
(١) = عبد الرزاق رواه أحمد في "الزهد" (ص: ١٤٢) لكن عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قوله. وله شاهد موصول من حديث ابن عمر ﵁ رواه ابن عدي في ترجمة محمد بن عبد الملك وضعفه. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" لابن حجر (ص: ٣). وروى أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٤٨) عن وهب بن منبه أنه قال: أربعة أحرف في التوراة، وذكر منها: (كما تدين تدان).
(٢) ذكره عن الكلبي الواحديُّ في "البسيط" (١٩/ ٥٣)، وأورده يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٨٣١)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٤٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤١) من غير نسبة.
(٣) في (أ): "أملك".
(٤) في (ر): "في أمرها"، وفي (ف): "عليها" بدل: "عليها وفي أمرها".
[ ١٢ / ٤١١ ]
خرجَ فتصدَّقَ بألفَيْ دينارٍ، وسألَ ربَّه أنْ يرزقَه بُسْتانين في الجنَّةِ، ثمَّ توفَّاهما الملَكُ، فانطلَقَ يومَ القيامةِ بالمتصدِّقِ إلى الجنَّةِ، وبوَّأَه دارًا هُيَئّتْ له، وزوَّجَه حُورًا، وسلَّمَ إليه (^١) بُسْتانين في الجنَّةِ، فقالَ حينئذٍ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾: يعني في دارِ الدُّنيا، يعني: شريكَه الكافرَ (^٢).
* * *
(٥٤ - ٥٦) - ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾.
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾: يقولُ لأصحابِه: هل أنتم تتطلَّعون معي في النَّارِ؟ لعلَّنا نرى هذا القَرينَ، وأُضْمِرَ هاهنا: فقالوا: نعم.
﴿فَاطَّلَعَ﴾: هذا المؤمنُ ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: في وسَطِ النَّارِ الموقدَةِ.
وقيل: في الجنَّةِ كوًى شارِعةٌ إلى الجحيمِ، فإذا أرادوا النَّظَرَ إلى أهلِ النَّارِ فتَحوها ونظَروا إليها (^٣).
_________________
(١) في (ر): "له".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٤٤) من كلام فرات بن ثعلبة البهراني، وهو مختلف في صحبته، ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٦٩)، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ١٧٠) عن عطاء الخراساني، وروى الطبريُّ في "تفسيره" (١٩/ ٥٤٣) عن ابن عباس قوله: هو الرجل المشرك يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمان، فيقول له المشرك: إنك لتصدق بأنك مبعوث من بعد الموت أئذا كنا ترابًا؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة وأدخل المؤمن الجنة، وأدخل المشرك النار، فاطلع المؤمن، فرأى صاحبه في سواء الجحيم ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٢٨) من حديث كعب ولفظه: إن بين الجنة والنار كوًى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوكان له في الدنيا، اطلع من بعض تلك الكوى. =
[ ١٢ / ٤١٢ ]
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾: أي: أقسمُ باللَّهِ لقد كنتَ قاربْتَ أنْ تُهلِكَني بإضلالكَ.
ووجهٌ آخرُ: ما أردتَ إلَّا أنْ تُهلِكَني.
* * *
(٥٧ - ٥٩) - ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾: أي: إنعامُه عليَّ بالتَّثبُّتِ على الحقِّ، والعصمةِ عن قبولِ قولِكَ.
﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: النَّارَ معكَ، وهو كلمةُ شكرٍ؛ كقولِهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٤٣].
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: قيل: معناه: أنَّه يقولُ في الجنَّةِ لأصحابِه: أوَ قد أمِنَّا الموتَ بعدَ أنْ أحيانا اللَّهُ مِن الموتةِ الأولى الَّتي كانتْ في الدُّنيا، انتقَلْنا منها إلى دارِ الجزاءِ، وقولُه: ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾؛ أي: سوى الموتةِ الأولى ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ أي: وقد أمِنَّا العذابَ مع تقصيرِنا، فالحمدُ للَّهِ على هذا، وهو (^١) كقولِه عندَ التَّعجُّبِ: أوَ كلُّ هذا النَّعيمِ (^٢) لنا؟! لا يكونُ إنكارًا، بل يكونُ تعجُّبًا وشكرًا.
وقيل: يكونُ هذا توبيخًا لقرينِه، وكان في الدُّنيا إذا توعَّدَه قال: وما نحن
_________________
(١) = وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٤٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤١) عن ابن عباس ﵁، وهو مروي عن قتادة، كما في "تفسير ابن أبي حاتم" (١٠/ ٣٢١٦).
(٢) في (أ) و(ر): "وهي".
(٣) في (ر) و(ف): "هذه النعم".
[ ١٢ / ٤١٣ ]
بمعذَّبين، وما نحن بمبعوثين (^١)، ويُكْثِرُ هذا القولَ، فيذكُرُه في (^٢) هذه الحالةِ، ويقولُ: أهكذا تقولُ الآن: ما نحنُ بميِّتين إلَّا موتتَنا الأولى حينَ كنَّا نُطَفًا، ثمَّ أحيانا اللَّهُ، وما نحن بمعذبين بعدَما نموتُ؛ أي: لا نُبعَثُ بعدَه، أو لا نُعذَّبُ بقولِنا: (لا بَعْثَ)؛ لأنَّه حقٌّ وصدقٌ.
وقيل: (وما نحن بميتين): بمُهْلَكين بعقابِ اللَّهِ في الدُّنيا كما نُتَوعَّدُ به، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الآخرةِ؛ لأنَّه لا آخرةَ.
ثمَّ قرأ بعضُهم هاهنا: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾، ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ بالاستفهامِ في المواضعِ الثَّلاثةِ على أنَّ كلَّ واحدٍ سؤالٌ تامٌّ قُرِنَ بالاستفهامِ.
وبعضُهمْ قرأَ: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ على أنَّ الأوَّلَ تامٌّ، وهذا الأخيرَ داخلٌ في الاستفهامِ الثَّاني (^٣).
وقيلَ: داخلٌ في الاستفهامين جميعًا، وحقُّه: أنَّا، بالنَّصبِ، لكنْ كُسِرَ لِلَّامِ في قولِه: ﴿لَمَدِينُونَ﴾.
* * *
_________________
(١) في (ر): "وما نحن بمعذبين وما نحن بميتين"، وفي (ف): "وما نحن بميِّتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين".
(٢) "في" زيادة من (أ) و(ف).
(٣) أما قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ فقد قرئت على الاستفهام عند الجميع، والخلاف فيها بين تسهيل الثانية أو تحقيقها، مع إدخال الألف في كل منهما أو عدم إدخالها، أربع حالات. وأما قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾، فقرأها ابن عامر وأبو جعفر بهمزة واحدة على الإخبار، والباقون بهمزتين على الاستفهام، وقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ بهمزة واحدة عند نافع والكسائي ويعقوب، والباقون بهمزتين. انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٧٣).
[ ١٢ / ٤١٤ ]
(٦٠ - ٦١) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾:
قيل: هذان الكلامان الأخيران مِن قولِ هذا الرَّجلِ.
وقيل: هما مِن كلامِ اللَّهِ تعالى بعدَ تمامِ كلامِ الرَّجلِ.
وقيل: تمَّ كلامُ الرَّجلِ عندَ قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ثمَّ قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾، فكلُّ ذلكَ له وجهٌ صحيحٌ.
* * *
(٦٢) - ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾: أي: أهذا الذي ذكرناه لأهلِ الجنَّةِ خيرٌ أي: أفضلُ ممَّا يعدُّ نُزُلًا للنُّزَّالِ، أم شجرةُ الزَّقُّومِ التي أعددْناها لأهلِ الشِّركِ؟!
* * *
(٦٣) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا﴾: أي: هذه الشَّجرةَ ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: جعلْنا ذِكْرَ كونِ هذه الشَّجرةِ في النَّارِ ممَّا افتُتِنَ الكفَّارُ به في دِينِهم، فقالوا: كيفَ يكونُ في النَّارِ شجرةٌ والنَّارُ تأكلُ الشَّجرَ؟!
وقيل: لمَّا نزلَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢] قال بعضُهمْ: ما الزَّقُّومُ؟ فقال بعضُهمْ: هوَ التَّمرُ والزُّبْدُ، فقالوا: يخوِّفُنا محمَّدٌ بالتَّمْرِ والزُّبْدِ (^١). فصارَ فتنةً لهم مِن هذا الوجهِ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٥٢) عن مجاهد والسدي، والمقصود بالبعض أبو جهل =
[ ١٢ / ٤١٥ ]
وقيلَ: معنى قولِه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً﴾؛ أي: عذابًا؛ كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]؛ أي: يُعذَّبون، يقولُ: يعذَّبُ الكُفَّارُ بهذا في النَّارِ.
* * *
(٦٤) - ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾: أي: تنبُتُ في أرضِ (^١) جهنَّمَ، وهو جوابُ قولِهم: كيف تبقى الشَّجرةُ في النَّار؟!
يقولُ: إذا كانَ أصلُها مِن النَّارِ تبقى في النَّار وإنْ لمْ يبقَ فيها سائرُ الأشجارِ؛ كالسَّمَكِ لَمَّا كانَ أصلُه مِنَ الماءِ يبقى في الماءِ، وإنْ كان لا يبقى سائرُ الحيواناتِ في الماءِ (^٢).
* * *
(٦٥) - ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾: وهو جوابُ قولِهمْ: الزَّقُّومُ هو التَّمرُ والزُّبْدُ.
يقولُ: ليس كذلك، بل هي شجرةٌ ثمرُها في القُبْحِ كرؤوسِ الشَّياطينِ، والشَّيطانُ وإنْ لمْ يرَهُ النَّاسُ فقد علِموا أنَّه في نهايةِ القُبْحِ.
وقيلَ: "الشَّياطينُ" الحيَّاتُ هاهنا، ورؤوسُ الحيَّاتِ مُستكرَهةٌ مُستقبَحةٌ.
_________________
(١) = وأصحابه، كما روى الإمام أحمد في "المسند" (٣٥٤٦)، والنسائي في "الكبرى" (١١٤٢٠)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٧٢٠)، والبيهقي في "كتاب البعث والنشور" (٥٤٦)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) في (ف): "أصل".
(٣) في (ر): "كما أن سائر حيوانات الماء تبقى في الماء"، بدل: "وإنْ كان لا يبقى سائرُ الحيواناتِ في الماء".
[ ١٢ / ٤١٦ ]
(٦٦ - ٦٧) - ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾.
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا﴾: أي: معها، وقيلَ: أي: بعدَها.
﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾: لَمَزْجًا وخَلْطًا مِن ماءٍ حارٍّ قد انتهى حرُّه.
ولهذا الكلامِ وجهان:
أحدُهما: أنَّه يُخلَطُ الحميمُ بالزَّقُّومِ، فيُجعلان معًا في بطونِهم، ويكونُ ﴿عَلَيْهَا﴾ بمعنى: (معها) على هذا القولِ.
والثَّاني: أنَّهم يجوعون فيَستطعِمون فيُطعَمون الزَّقُّومَ، فيغَصُّون به فيَستسقون فيُسْقَون الحميمَ، وعلى هذا يكون بمعنى (بعدَها).
و(الشَّوْبُ) اختلاطُهما معًا في البُطونِ على التَّناولِ تعاقبًا، وهو على مُقابلةِ ما ذُكِرَ مِن المزْجِ لأهل الجنَّةِ، ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧]، و﴿مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦].
* * *
(٦٨) - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾: قال كعبُ الأحبارِ: يُعذَّبون في الجحيمِ، فإذا جاعوا جاؤوا إلى الزَّقُّومِ، فإذا عطِشوا جاؤوا إلى الحميمِ، ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، فيَسألون أنْ يُردُّوا إلى الجحيمِ، فهم كذلكَ يُردُّون في العذابِ (^١).
_________________
(١) لم أقف عليه عن كعب، ولكن روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢١٧) عن سعيد بن جبير.
[ ١٢ / ٤١٧ ]
(٦٩ - ٧٠) - ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾: أي: إنَّما صاروا إلى النَّارِ لأنَّهم كانوا وجدوا آباءَهم على ضلالٍ.
﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾: أي: فهُم بهم يقتدون، وعلى آثارِهم يُسرِعون.
قالَ أبو عُبيدةَ: يستحثُّون مَن خلْفَهمْ (^١).
وقال المبرِّدُ: يُقالُ: جاءَ فلانٌ إلى النَّارِ مُهْرِعًا؛ أي: يستحثُّه البرْدُ (^٢).
ومعنى الآيةِ: يسيرون على آثارِهمْ سِراعًا كأنَّهم يُساقون إليه ويُحثُّون.
* * *
(٧١ - ٧٤) - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾: بتقليدِ الغيصِ، وتركِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: رُسُلًا مخوِّفين.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: الَّذينَ أنذرَهمْ رسلُنا، فلم يخافوا ولم يقبلوا كيف أهلكْناهمْ؟!
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: إنْ حُمِلَ على حقيقةِ الاستثناءِ، فالإنذارُ كان للكلِّ، فمَن قبِلَ الإنذارَ آمنَ وأخلص، فنجا وتخلَّص، ومَن لمْ يقبلْ منهم وأصرَّ على كفرِه أهلكَه اللَّهُ تعالى بجُرْمِه.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٧١).
(٢) ذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (٩/ ٦١١٦)، والقرطبي في "تفسيره" (١٥/ ٨٨).
[ ١٢ / ٤١٨ ]
وإنْ حُمِلَ على الاستثناءِ المنقطعِ بمعنى "لكنْ"، فالمُنذرون هم الكافرون، وهم مُهْلَكون، لكنَّ المؤمنين مُخْلَصون.
* * *
(٧٥ - ٧٦) - ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾: وهذا تفصيلُ المنذِرين والمنذَرين.
يقولُ: ولقد دعانا نوحٌ؛ كما قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، وقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾: فأجبْنا دعاءَه، ونِعْمَ المجيبون نحن.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾: أي: وخلَّصْناه ﴿وَأَهْلَهُ﴾: وأولادَه وأهلَ بيتِه ومَن آمنَ به ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: مِن الغَمِّ الذي كان فيه مِن أذى القوم.
* * *
(٧٧ - ٧٨) - ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾: أي: أولادَه هم الذين بقُوا في الأرضِ، فتناسلوا وتوالدوا، فالنَّاسُ بعدَ طوفانِ نوحٍ ﵇ مِن أولادِه وذرِّيَّتِه (^١) إلى اليومِ، فالعربُ والعجمُ مِن أولادِ سامِ بنِ نوحٍ، والتُّرْكُ والصَّقالبةُ والخَزَرُ مِنْ أولادِ يافثِ بنِ نوحٍ، والسُّودانُ (^٢) مِن أولادِ حامٍ.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "من ذريته" بدل: "من أولاده وذريته".
(٢) في (أ): "والسود".
[ ١٢ / ٤١٩ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾: أي: وأبقَيْنا عليه ثناءً جميلًا ومدحًا له وانتماءً إليه في الذينَ أتوا بعدَه.
وقيل: ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: أي: في أمَّةِ محمَّدٍ -ﷺ-.
وقيل: في الأنبياءِ، فإنَّه لمْ يُبْعَثْ بعدَه نبيّ إلَّا أُمِرَ بالاقتداءِ به، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، والمتروكُ مضمَرٌ، وهو ما بيَّنا.
* * *
(٧٩) - ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾.
وقيل: المتروكُ هو المذكورُ بعدَه، قولُه:
﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾: أي: أبقَيْنا عليه هذا السَّلامَ، ورُفِعَ على الحكايةِ، فإنَّهم يتكلَّمون به على هذا النَّظْمِ، وهو كقولكَ: (قرأتُ الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين) بالرَّفعِ على الحكايةِ، فإنَّهم يتكلَّمون على هذا (^١)، ونظيرُه قولُ حسَّان:
لتسمعُنَّ وشيكًا في دياركمُ أللَّهُ أكبرُ يا ثاراتِ عُثْمانا (^٢)
وعلى القولِ الأوَّلِ "سلامٌ" ابتداءٌ، ثمَّ له وجهان: إخبارٌ أنَّ السَّلام عليه، وتعليمٌ أنْ يتكلَّمَ به؛ كما مرَّ في قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾.
* * *
(٨٠ - ٨٢) - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.
_________________
(١) "فإنهم يتكلمون على هذا" ليس في (أ) و(ف).
(٢) انظر: "ديوان حسان بن ثابت" (ص: ٢٤٤)، و"الجمل في النحو" للخليل (ص: ٢٦١)، و"التقفية في اللغة" للبندنيجي (ص: ٣٩٣)، و"تهذيب اللغة" (١٥/ ٨٢)، وورواية الديوان: (ديارهم).
[ ١٢ / ٤٢٠ ]
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: فنُبقِي لهمُ الثَّناءَ الجميلَ.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِين﴾: وفيه بيانُ عظمةِ حُسْنِ العبوديَّةِ وصدقِ الإيمانِ، وهو (^١) حقيقةُ الإحسانِ.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾: أي: ثمَّ (^٢) نخبرُكم أنَّا أغرَقْنا بالطُّوفانِ الآخَرين (^٣) مِن قومِه، وهم الذين لمْ يؤمنوا به.
* * *
(٨٣) - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾: أي: مِن مُتَّبِعيه -يعني: نوحًا- إبراهيمُ الخليلُ ﵇.
وقال الفرَّاءُ: وإنَّ مِن شيعةِ محمَّدٍ لَإبراهيمَ (^٤). وفيه بُعْدٌ.
يقولُ: إنَّ إبراهيمَ اتَّبَعَ نوحًا في هَدْيِه، وصبَرَ على ما نالَه في نفْسِه وولدِه ومالِه؛ كما تحمَّلَ نوحٌ ﵇ أذى قومِه، وفيه تفضيلُ نوحٍ بجعلِ إبراهيمَ مِن أشياعِه، ومدحٌ لإبراهيمَ بحُسْنِ اتِّباعِه.
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: أي: خالصٍ له، وهو في معنى: سالمٍ له.
_________________
(١) "هو" ليست في (ف).
(٢) في (ر): "ألم".
(٣) في (ر): "الآخرين الذين".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٨٨).
[ ١٢ / ٤٢١ ]
وقيل: سالمٌ عن كلِّ آفةٍ.
وقيل: هو السَّالمُ عن الغِلِّ في حقِّ الخَلْق.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: و﴿إِذْ﴾ زمانُ وصفِه بالسَّلامةِ، و﴿إِذْ﴾ في الأوَّلِ زمانُ المشايعةِ، وهذا سؤالُ توبيخٍ؛ كقولكَ لِمَن لا ترضى عملَه: ماذا تعملُ؟!.
* * *
(٨٦ - ٨٧) - ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ: أتريدون أنْ تتَّخِذوا مِن دونِ اللَّهِ آلهةً؟! أي: أصنامًا إفكًا؛ أي: كذِبًا في تسميتِكم الأصنامَ آلهةً، وهو استفهامٌ على وجهِ الإنكارِ.
قولُه تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: فما ظنُّكمْ بِمَن هو ربُّ العالمين إذا لقيتموه يومَ القيامة -أي (^١): وافيتُم موقِفَ حسابِه- ماذا يصنَعُ بكم وقد أشركتُم به؟
* * *
(٨٨ - ٨٩) - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾: قيل: كان أهلُ زمانِه أصحابَ نظَرٍ في علمِ النُّجومِ، ويستدلُّون (^٢) على حوادثِ الأمورِ مِن جهتِها، وكان إبراهيمُ ﵇ قد كلَّمَهم في الأصنامِ أنَّها لا تضرُّ ولا تنفَع، ولا تُبْصِرُ ولا تسمَع، وأنَّها جمادٌ لا تعقِلُ، ونهاهم عن عبادتِها، فلمْ ينجَعْ ذلك فيهم، فأحبَّ أنْ يُريَهم ذلك مِن أوضحِ وجهٍ
_________________
(١) في (أ): "إذا".
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "به".
[ ١٢ / ٤٢٢ ]
بأنْ يكسِرَها، وكان يحتاجُ في ذلك إلى خلُوِّ موضعٍ يُمكِنُه فيه ذلك، فانتهزَ الفرصةَ، وانتظرَ عيدًا لهم يخرُجون فيه إلى الصَّحراءِ جُمْلةً، فدعَوه يومئذٍ إلى الخروجِ معهم، فاعتَلَّ للتَّخلُّفِ عنهم، وهيَّأَ عُذْرًا يترُكونه له.
وقولُه تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾: أي: فعَلَ ما يفعلُه النَّاظرُ في النُّجومِ في تعرُّفِ أمرٍ يريدُ معرفتَه مِن جهتِها.
وقولُه تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: أوهمَهم أنَّ (^١) النُّجومَ تدلُّ على أنِّي سأسقم غدًا في مَخْرَجي إنْ خرجْتُ، فأنا أتخلَّفُ في منزلي؛ لئلَّا يتزايدَ بي ما يحدُثُ بسببِ الحركةِ، فوقعَ عندهم أنَّه عُذْرٌ.
* * *
(٩٠) - ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾: فأعرَضوا عنه مُولِّين الأدبارَ، وكان مرادُه في قولِه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: سأسقمُ سقَمَ الموتِ، فإنَّ العبدَ لا يخلو عنه، أو أرادَ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ للحالِ، فإنَّ الإنسانَ لا يخلو كلَّ ساعةٍ عن ضعفٍ ببدنِه بعارضٍ مِن وجهٍ، وزوالِ الاعتدالِ مِن السَّقَمِ والاعتِلالِ.
وقيل: كان عندهم اسمُ السَّقيمِ (^٢) يقعُ على المطعونِ، وهو الذي به الطَّاعون، وكانوا يتشاءَمون به وينفِرون عنه، فلذلك ولَّوا عنه، وهو أرادَ به ما قلنا، فلمْ يكنْ كذِبًا ولا غُرورًا، بل كان احتيالًا لإظهارِ الحقِّ وإبطالِ الباطلِ، فكانَ عملًا مبرورًا وسَعْيًا مشكورًا.
_________________
(١) في (ر): "على أن".
(٢) في (أ): "السقم".
[ ١٢ / ٤٢٣ ]
وقيل: كانَ يعرِضُ له كلَّ ليلةٍ حُمًّى أو عارضٌ نحوَها في ساعةٍ مِن اللَّيلِ،: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾، لكنْ في عَينِ النُّجومِ في السَّماءِ، وهي تدلُّ بأعيانِها في المتعارفِ على ساعاتِ اللَّيلِ، فقال: قرُبَتْ ساعةُ سقَمي بدلالةِ مسيرِ هذا النَّجمِ، وإذا وقعَ ذلك ضعُفْتُ عنِ الخروجِ، فلا أخرجُ. وكان في نفْسِه قصَدَ كسْرَ الأصنامِ، لكنْ لمْ يكنْ كاذبًا فيما أظهرَ مِن الكلام، فلمْ يلحقْه به شيءٌ مِن الملام.
* * *
(٩١) - ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾: أي: فمالَ في خُفْيَةٍ إلى أصنامِهم التي كانوا يسمُّونها آلهةً، وهو مِن روَغانِ الثَّعلبِ إذا قصدَه الكلبُ.
قولُه تعالى: ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: قال السُّدِّيُّ: ثمَّ رجَعَ إبراهيمُ إلى بيتِ الأصنامِ، فإذا هي في بهْوٍ عظيمٍ، وإذا هم قد جعلوا طعامًا، فوضعُوه بينَ أيديها وقالوا: إذا كان حين نرجِعُ رجَعْنا وقد برَّكتِ الآلهةُ في طعامِنا فأكلْنا، فلمَّا نظرَ إليهم وإلى ما بينَ أيديهم مِنَ الطَّعامِ قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ (^١). وهذا على وجهِ الاستهزاءِ، وهو وإنْ كان خِطابًا للجمادِ، لكنَّه صحيحُ الاعتبارِ؛ لأنَّه تحريكٌ للخاطرِ وبعثٌ على الاستدلالِ، فلمَّا لمْ تُجِبْه الأصنامُ قال:
* * *
(٩٢ - ٩٣) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾.
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾: والجمعُ بالواوِ والنُّونِ لِمَا أنَّه خاطبَها خطابَ مَن يعقِلُ.
وقولُه تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾:
_________________
(١) رواه عن السدي مطولًا الطبريُّ في "تفسيره" (١٦/ ٢٩٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٧٩).
[ ١٢ / ٤٢٤ ]
قيل: أي: باليدِ اليُمنى؛ لأنَّها أقوى على العملِ مِن اليُسرى.
وقيلَ: أي: بالقسَمِ الَّذي كان قالَ: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧].
وقالَ الفرَّاءُ: أي: بالقوَّةِ (^١)، قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥].
* * *
(٩٤) - ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾: قرأَ حمزةُ والمفضَّلُ (^٢) عن عاصمٍ: ﴿يُزِفُّون﴾ بضمِّ الياءِ من الإزفافِ، وهو الإسراعُ؛ أي: فأقبلَ القومُ إليه يُسرعون حينَ سمِعوا أنَّه فعلَ بأصنامِهم ذلك.
وقرأه العامَّةُ: ﴿يَزِفُّونَ﴾ بفتحِ الياءِ (^٣) مِن الزَّفيفِ، والزَّفيفُ: الإسراعُ، مِن بابِ ضرَبَ.
* * *
(٩٥) - ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾: قال هذا بعدَ مُحاوراتٍ كانت بينهم ذكرَها في سورةِ الأنبياءِ، ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩] إلى قولِه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٦٦].
وقال ها هنا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾: نحْتُ الخشَبةِ: بَرْيُها.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٨٤).
(٢) في (ر): "وجبلة عن المفضل"، وفي (ف): "عن المفضل" بدل: "والمفضل".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٥٤٨)، و"التيسير" (ص: ١٨٦)، و"الكامل في القراءات" للهذلي (ص: ٦٢٧). وقراءة حمزة المشهورة عنه: ﴿يَزِفُّونَ﴾ مثل باقي السبعة.
[ ١٢ / ٤٢٥ ]
يقولُ: أتعبدون أصنامًا تعمَلونها أنتم، وتترُكون عبادةَ اللَّهِ الَّذي خلقَكم وأوجدَكم؟!
* * *
(٩٦ - ٩٧) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: مِن الأصنامِ، ويقعُ أيضًا على الأعمالِ، وهوَ دليلُ خلْقِ الأفعالِ أيضًا.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾: لَمَّا لزِمَتْهمُ الحُجَّةُ وعجَزوا عن مُحاجَّتِه صاروا إلى قصْدِ هلاكِه (^١)، مُعاندين في مُخالفتِه، فتشاوروا فيما بينهم، فاتَّفقَ رأيُهم على أنْ يَبنوا له بُنْيانًا يملؤونه حطَبًا، فيُضْرِمونه فيُلْقونه فيه.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾: أي: النَّارِ الموقدةِ.
* * *
(٩٨) - ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾: أي: قصَدوا أنْ يكيدوا به كما كادَ هو بأصنامِهم.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾: أي: أعليناهُ عليهم بالظَّفَرِ والنَّجاةِ مِن قصدِهم، فجعَلْنا النَّارَ عليه برْدًا وسلامًا، وقد بيَّنا قصَّتَه في سورةِ الأنبياءِ.
* * *
(٩٩) - ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾: أي: وقال إبراهيمُ حينَ خلَّصَه اللَّهُ مِن النَّارِ: إنِّي مهاجرٌ مِن بلدِ قومي ومِن مولِدي إلى حيثُ أتمكَّنُ مِن عبادةِ ربِّي.
_________________
(١) في (أ): "هلاكته".
[ ١٢ / ٤٢٦ ]
﴿سَيَهْدِينِ﴾: أي: إلى الصَّوابِ فيما نويتُه (^١)، فيُبَلِّغُني إلى حيثُ أصِلُ فيه إلى ما أريدُ.
قيل: خرَجَ إلى بيتِ المقدسِ، وخرجَ أوَّلًا إلى حرَّانَ، فأقامَ بها مُدَّةً.
وظاهرُه يحتمِلُ وجهين:
أحدُهما: أنَّه يكونُ قصَدَ موضِعًا بعينِه، وأرادَ بقولِه: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيُرشِدُني إلى مقصدي.
ويحتملُ أنَّه قصَدَ المهاجَرةَ ولمْ يُعيِّنْ موضِعًا، وأراد بقولِه: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: يثيبني ويختارُ (^٢) لي موضِعًا هو أهدى لي ويُبَلِّغُني إليه.
وقيلَ: قالَ ذلكَ حينَ رُمِيَ به في النَّارِ، فقالَ: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾؛ أي: وطَّنْتُ نفْسي على موتي ولقاءِ ربِّي، ﴿سيهديني﴾: أي: يُثبِّتُني (^٣) على صبْري.
* * *
(١٠٠ - ١٠١) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: سألَ اللَّهَ أنْ يرزُقَه ولدًا صالحًا يستأنِسُ به في غُرْبتِه وينفرِجُ به عن كربتِه، وتقديرُه: هبْ لي صالحًا مِنَ الصَّالحين؛ أي: ولدًا صالحًا يصلُحُ لِمَا صلَحَ له (^٤)، فيصبِرُ على البلاءِ كصبرِه، ويقومُ في الذَّبِّ عن دينِ اللَّهِ كقيامِه، فاستجابَ اللَّهُ له، فوهَبَ له ولدًا كذلك:
_________________
(١) في (ر): "آتيه".
(٢) "أي: يثيبني ويختار" من (ر)، وفي (أ) و(ف) بدلا منها: "سيختار".
(٣) في (أ) و(ر): "يثيبني".
(٤) في (أ): "يصلح لما صلح"، وفي (ر): "يصلح لما يصلح عليه له".
[ ١٢ / ٤٢٧ ]
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾: أي: بولدٍ ذكَرٍ يكونُ حليمًا إذا كبَرَ؛ أي: لا يعجَلُ في الأمورِ، ويتحمَّلُ المشاقَّ.
وفيه دليل على أنَّ الولدَ هبة مِن اللَّهِ، وأنَّ سؤالَ الولدِ مِن اللَّهِ تعالى جائزٌ، لكنَّه يسألُه صالحًا في الدِّينِ، لا لذَّةً لنفْسِه، وعونًا على أمورِ دنياه (^١)، قال زكريَّا ﵇: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥].
وقالَ إبراهيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقالَ زكريَّا أيضًا: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقال عبادُ الرَّحمنِ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤].
* * *
(١٠٢) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾: أي: فبشَّرْناه بولدٍ صالحٍ ورزقناه ذلك، فلمَّا بلَغ الولدُ المبلغَ الذي يسعى معه في أموره ويُعينه على أشغاله التي يستعين الآباء فيها بأبنائهم، وذلك وقتُ اغتباطِ الآباء بالأبناء.
وقيل: أي: لمَّا بلَغ في كونه مع إبراهيم أنْ يسعى للَّه في العبادات والطَّاعات، وذلك بأنْ أدركَ وصار مكلَّفًا، وما بعده في الآية دليلُ ذلك.
﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾: أي: رأيتُ فيه ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾: أي: بالأمر، ولا يحتملُ غير ذلك.
_________________
(١) وما المانع من أن يسأل الولد لأجل الدين وللعون في أمور دنياه؟!
[ ١٢ / ٤٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾: وهو مِن الرَّأي؛ أي: كيف رأيُك فيه: الإمضاءُ أو التَّوقُّفُ؟ وهذا امتحانٌ منه للولد وتعرُّفٌ بحاله أنَّه هل يُجيبه بالسَّمع والطَّاعة، فيتحقَّق عنده أنَّه وهب له صالحًا، ويُقيم أمر اللَّه فيه بمعاونته، وإنْ أجابه بغير ذلك أمضاه أيضًا على كُرْهٍ منه.
وقرأ الكسائيُّ وحمزةُ: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ بضمِّ التَّاء وكسر الرَّاء (^١)؛ أي: بماذا تشيرُ وماذا (^٢) تُظهرُ مِن نفْسِك.
﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾: أي: ما أُمرتَ به، وإخراجُه على صيغة المستقبل على معنى: افعلْ ما أنتَ يا أبتِ مأمورٌ به الآن.
وقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: أي: سأصبِرُ على الذَّبح بتوفيق اللَّه وعونه.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لمَّا كانت ليلةُ التَّروية رأى إبراهيمُ في المنام كأنَّ قائلًا قال له: إنَّ اللَّه يأمرُك أنْ تذبحَ ابنك هذا، فلمَّا أصبح روَّى في نفْسه؛ أي: فكَّرَ مِن الصَّباح إلى الرَّواح: أمِنَ اللَّهِ هذا الحلمُ أم مِن الشَّيطان؟ فمِن ثمَّةَ سُمِّيَ ذلك اليومُ يومَ (^٣) التَّروية، فلمَّا أمسى رأى في المنام ثانيًا، فلمَّا أصبح عرَف أنَّ ذلك مِن اللَّه تعالى، فسُمِّيَ اليومُ عرفةَ، والموضعُ عرفاتٍ (^٤).
_________________
(١) انظر "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٦).
(٢) في (أ): "بماذا تشير وبماذا"، وفي (ر): "بما تشير وبماذا".
(٣) "يوم" ليست في (ف)، "ذلك اليوم" ليس في (أ) و(ر).
(٤) رواه بنحوه البيهقيُّ في "شعب الإيمان" (٣٧٨٥) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكره البغوي في "تفسيره" (١/ ٢٢٩) من هذا الطريق أيضًا، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، وذكره دون عزو الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٥٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٨)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٥٤).
[ ١٢ / ٤٢٩ ]
وقال وهْبٌ: فلمَّا أراد إبراهيم أنْ يذهبَ بإسماعيل ﵇ إلى المَنْحَر قال لهاجر: ألبِسي إسماعيلَ أحسنَ ثيابه، فإنِّي ذاهبٌ به إلى ضيافة، فألبَسَتْه ودهَنَتْه، وحمَل معه حبلًا وسكِّينًا، ولم يكن إبليس مِن يوم خلَقه اللَّهُ أشغلَ ولا أكثرَ تَردادًا (^١) منه في ذلك اليوم، فكان إسماعيل يعدو أمام أبيه ويلعب، فجعل إبليسُ لعنه اللَّه يقول لإبراهيم: ألا ترى إلى قوامه وشهامته وحُسْنه، فيقول إبراهيم: أُمرْتُ بذبحه، فلمَّا أيِسَ مِن جانبه أتى هاجر فقال: ذهب إبراهيم بابنكِ لِيذبحَه، فقالت: ولِمَ يذبحه؟ قال: يقولُ: أمرني بذلك ربِّي، قالت: فمَن أنا حتى أحكمَ على ربي؟ فلما أيِسَ مِن جانبها أتى إسماعيل فقال له: إنكَ تنزو وتلعب، ومع أبيك حبلٌ وسكِّينٌ يريد ذبحك، قال: ولِمَ؟ قال: يزعم أنَّ ربَّه أمره بذلك، قال: فإني لا أريد خِلاف ربي، فلما انتهى به إلى منًى قال له: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (^٢).
قال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دلالةٌ أنَّه لا كلُّ مأمورٍ بأمر مِن اللَّه شاء اللَّه أنْ يفعل ما أمره به، حيث أخبره أنَّه سيجده مِن الصَّابرين إن شاء اللَّه، وقد كان إبراهيم مأمورًا بذبح ولده، فإذا أُمِرَ هو بالذَّبح أُمِرَ الولدُ أنْ يصبر عليه، ثم أخبر أنَّه سيصبر عليه إن شاء اللَّه، فدلَّ على ما ذكَرْنا، وهو حُجَّة لنا على المعتزلة خذلهم اللَّه (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ترددا".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٩٠) بزيادة واختلاف من حديث كعب، والذبيح فيه هو إسحاق، وزوجته سارة. وذكر نحوه الخازن في "تفسيره" (٤/ ٢٣) من رواية كعب الأحبار وابن إسحاق.
(٣) "خذلهم اللَّه" ليس من (أ). وانظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٥٧٨).
[ ١٢ / ٤٣٠ ]
(١٠٣) - ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾: قيل: أي: انقادا لأمر اللَّه.
وقيل: أيْ: سلَّما أنفسَهما للائتمار.
﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: أي: وصرَعه على الجبين؛ أي: جانب الجبهة، ولها جنبتان يكتنِفانها، وكان هذا إضجاعًا على الجنب كإضجاع الشَّاة للذَّبح.
وقال المفسرون: صرَعه على جبهته؛ لئلَّا يراه حين يذبحه، ولئلَّا ينظر الابن إلى أبيه وهو يذبحه، فيورثَ ذلك رقَّةً أو خِيفةً فيخلَّ بالطَّاعة.
* * *
(١٠٤ - ١٠٥) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: قال الفراء وغيره: الواو مُقحَمةٌ زائدةٌ (^١)، ومعناه: ناديناه (^٢)، جوابًا لقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، وهو كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وكقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥].
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾: أي: حقَّقْتَ ما أمرناك به في المنام مِن تسليم الولد للذبح.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٩٠)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٠١).
(٢) ومنهم من قدر جواب "لما" محذوفًا، والتقدير: سعدا وأجزل لهما الثواب، ونحوه من التأويلات، والواو عاطفة على أصلها، وهو مذهب البصريين، قالوا: والقول بالتقدير خير من الحكم بالزيادة، لا سيما في كتاب اللَّه تعالى. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ٢٩٢)، و"الدر المصون" للسمين الحلبي (٩/ ٣٢٤).
[ ١٢ / ٤٣١ ]
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: نوفِّقُ للإحسان مَن نوى الإحسان، وأحسنَ النِّيَّةَ وأخلصَها وصحَّحها (^١) وصمَّمها.
* * *
(١٠٦) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾: أي: الاختبارُ الظَّاهرُ لإظهارِ ما علِمَ اللَّه على ما عَلِم اللَّه (^٢)، ويُستعمل البلاء في المكروه والمحبوب؛ أي: المحنةِ والنِّعمة، ويصلُح هذا لكل واحد منهما؛ أي: قولُنا لك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وإسقاطُ حقيقة الذبح عنك نعمةٌ، وأمرُنا إياك بذبح ولدك مِحْنةٌ.
* * *
(١٠٧) - ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾: أي: الولدَ ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: ما يُذبح مكانه، وهو عظيمٌ في هيئته، وعظيمٌ في خطَره ورِفعته؛ لأنَّه كان يَرعى (^٣) في الجنة أربعين عامًا.
قال عثمان بن حاضر (^٤): هبَط عليه الكَبْشُ مِن ثَبِير (^٥)، وكان رعى في الجنة أربعين سنة (^٦).
_________________
(١) "وصححها" ليست في (أ).
(٢) "على ما علم اللَّه" من (ر) و(ف).
(٣) في (أ) و(ف): "رعى".
(٤) عثمان بن حاضر الحميري، ويقال: الأزدي، روى عن ابن عباس، وأنس، وجابر وغيرهم، قال عنه أبو زرعة: يماني حميري ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له أبو داود وابن ماجه. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (١٩/ ٣٤٩)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (٣/ ٢٧٥).
(٥) ثبير: من أعظم جبال مكة. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٧٢).
(٦) رواه عنه عبدُ بن حميد كما في "الدر المنثور" (٧/ ١١٢).
[ ١٢ / ٤٣٢ ]
وقيل: ثمانين سنة.
وعن ابن عباس ﵄ قال: نزل عليه تَيْسٌ مِن ثَبير، أقرنُ له ثُغاءٌ (^١)، وهو الكبش الذي قرَّبه ابن آدم فتُقُبِّل منه، وكان مخزونًا في الجنة (^٢).
قال الكلبي ﵀: وأخذ إبراهيم الشَّفْرة ليذبحَه، قال إسماعيل: يا أبتِ! أوثِقْني، فإني أخاف أنْ أجدَ حدَّ (^٣) السِّكين فأضطربَ فأشقَّ عليك، واصرفْ وجهك عني، فإني أخاف أنْ ترحمني فيَشقَّ عليَّ (^٤).
وفي حديث وهب قال له: اشدُدْ وَثاقي، فإني أخاف أنْ يفارقَني عقلي، ويتحرَّكَ منِّي عضو فيؤذيَك، وأنا أكره أنْ أختِمَ عمري بذلك، فإذا فرَغْتَ مِن أمركَ، فاقرأ على أمي مني السَّلام، وقل لها: لا تجزعي، فإن اللَّه قد أحرز لكِ ابنكِ في الجنة خالدًا مخلَّدًا، فلما وضَعَ السِّكينَ عليه ليذبحه نودي: يا إبراهيمُ! ارفع رأسكَ، فاذبح هذا الكبش الذي ينحدرُ عليك مكانَ ابنكَ، فرفع إبراهيم رأسه فإذا هو بكبش ينحدرُ عليه مِن الجبل المشرف على مسجد منًى أقرنَ أملحَ، فقام إليه إبراهيم ليذبحه، فهرب الكبش، فاتَّبَعه إبراهيم، فانتهى به إلى جمرة العقَبة، فاضطرَّ عندها، ثم أخذه، ثم أقبل به نحو ابنه (^٥)، حتى انتهى به إلى ما بين الجمرتين، فرمى بنفْسه فلم يُطِقْه
_________________
(١) الثُّغاء: صوت الغنم، والفعل: "ثغا يثغو". انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٨/ ١٥٩).
(٢) أخرجه بهذا السياق ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٢١ - ٣٢٢٤)، وكون الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو نفسه الذي قربه ابن آدم أخرجه من قول ابن عباس أيضًا الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٨٧).
(٣) في (ر): "حز".
(٤) روى نحوه سعد بن منصور وابن المنذر عن عطاء بن يسار فيما نقله السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ١١٣)، ورواه الإمام أحمد من وجه آخر من حديث ابن عباس ﵄ (٢٧٩٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٨٥) عن مجاهد، ولم أقف عليه للكلبي.
(٥) "نحو ابنه" ليس من (ف).
[ ١٢ / ٤٣٣ ]
إبراهيم، فذبحه مكانه، فصار الذبح هنالك، ثم جاء إلى ابنه فحلَّه (^١).
وفي حديث وهب: فإذا بكبش مثلِ بدنِ الفيل العظيم قد لوى قرْنَه الأيمن على ساقِ سمُرةٍ غليظةٍ، لم يكن ليحبِسَه إلا ذلك.
ولما ذبح الكبش أوحى اللَّه إلى هذا الولد أنِ ادعُ، فإن لكَ دعوةً مستجابةً، فقال: اللهم إني أدعوكَ أن تستجيبَ لي: أيُّما عبد مِن الأولين والآخرين لقِيَكَ لا يُشرك بكَ شيئًا أنْ تدخلَه الجنة، فقال: لكَ ذلك (^٢).
* * *
(١٠٨) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾: أي (^٣): على إبراهيم ثناءً حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: في الأنبياء بعده.
وقيل: في الأمم بعده.
وقيل: في أمة محمد، فكلٌّ ينتمي إليه ويُصلي ويُسلِّم عليه.
وقيل: تَرَك مناسكه ونسائكه فيمَن بعده.
وقيل: هو ما استجاب مِن قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
_________________
(١) ذكر الثعلبي نحوه مطولًا في "تفسيره" (٨/ ١٥٤) عن محمد بن إسحاق بن يسار، ولم أقف عليه لوهب.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٩٨)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٩٠)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦٠٨) عن كعب، والذي في هذه الرواية إسحاق لا إسماعيل، وهذا قول أهل الكتاب، فالخبر من الإسرائيليات التي عرف عن كعب روايتها.
(٣) في (أ): "يعني".
[ ١٢ / ٤٣٤ ]
(١٠٩ - ١١٢) - ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقيل: هو ما بعده: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: على ما شرحناه في قصة نوحٍ مِن هذه السورة.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: هو على ما فسَّرناه في قصة نوح ﵇، وكرَّرَ قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في حق إبراهيم ﵇، لاختلاف الإحسانَين والجزاءَين، وهو ما ذُكِر ثمَّةَ وهاهنا.
قولُه تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: قيل: وجزيناه على صبره في حقِّ إسماعيل أنْ بشَّرناه بولد آخر، وهو إسحاقُ، ﴿نَبِيًّا﴾ نصبٌ على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِت به معرفةٌ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ كالولد الأول.
* * *
(١١٣) - ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.
﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾: أي: على إبراهيم ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾: ولدِه؛ أي: أدَمْنا عليهما البركاتِ، وكثَّرْنا نَسْلَهما.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾: لما ذكَرَ البركة عليهما -ومنها (^١) كثرةُ نسلِهما- وظاهرُه للثَّناء بها، ذكَرَ أنَّ من ذُرِّيتِهما محسنًا فله جزاء المحسنين، ومسيئًا فله جزاء المسيئين، وأنه (^٢) يُميِّزُ بينهما، وإنْ كانا من نسلِهما يُعرِّفُ عبادَه أنَّ الجزاء لا يُستَحقُّ بصلاح الآباء، وإنما يُستَحقُّ بالأعمال الحسنة.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "منهما".
(٢) في (أ): "واللَّه".
[ ١٢ / ٤٣٥ ]
ثم اختلفوا: في أنَّ الولدَ المأمور بذبحه إسماعيلُ أو إسحاقُ؟
قال خوَّات بن جُبير، وسعيد بن المسيَّب، ويوسف بن مهران، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جُبير، وأبو الجَلْد (^١)، وعطاءٌ، والضَّحاك، وأبو صالح، والكلبيُّ، ومحمد بن كعب القُرَظيُّ، وعليُّ بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي، وزيد بن علي، ومعاوية، وابن عباس (^٢)، ومجاهد، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن، ووهْب بن منبِّه ﵃: إنه إسماعيل (^٣).
وقال العبَّاس، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وعبد اللَّه بن سلام، وجابر بن عبد اللَّه، وأبيُّ بن كعب، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وكعب الأحبار، وعبيد بن عمير، وعبد اللَّه بن أبي الهذيل، وأبو ميسرة، وابن سابط، والسُّدِّيُّ، ومسروق، وعثمان بن حاضر، وقتادة، وعكرمة، وعطاء الخُراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبو اليمان: هو إسحاق ﵇ (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الخالد"، وهو تصحيف.
(٢) في (أ): "إسحاق".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٩٢ - ٥٩٨) عن ابن عمر، وابن عباس، والشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، والحسن، ومحمد بن كعب القرظي، وعمر بن عبد العزيز، ومعاوية. وذكره ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٣٣) أيضًا عن سعيد بن جبير، وعطاء، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٥١) عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وسعيد بن المسيب، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٥٤٧) عن عبد اللَّه بن سلام، والقرطبىِ في "تفسيره" (١٥/ ١٠٠) عن الكلبي، ورواه الحاكم في "مستدركه" (٤٠٤٠)، عن خوات بن جبير.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٩٢) عن العباس، وابن عباس، وابن مسعود، وكعب، ومسروق، وعبيد بن عمير، وعبد اللَّه ابن أبي الهذيل، وابن سابط، وأبي ميسرة. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٥١) أيضًا عن عمر بن الخطاب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومقاتل، والزبيري. =
[ ١٢ / ٤٣٦ ]
فمَن جعله إسحاق احتجَّ بما رُوي في الخبر أنَّ يوسف صلوات اللَّه عليه كان يقول: أنا يوسف صدِّيقُ اللَّه ابنُ يعقوبَ إسرائيلِ اللَّه ابنِ إسحاقَ ذبيحِ اللَّه ابنِ إبراهيمَ خليلِ اللَّه (^١).
_________________
(١) = وذكره ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٣٣) أيضًا عن علي، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وزيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن شقيق، والزهري، والقاسم بن أبي بزة، ومكحول، وعثمان بن حاضر، والسدي، وقتادة. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٥٤٧) أيضًا عن أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، ووهب بن منبه. وهو القول الذي رجحه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٩٨)، والقرطبي في "تفسيره" (١٨/ ٦٣)، وقال القرطبي: وهذا القول أقوى في النقل عن النبي -ﷺ- وعن الصحابة والتابعين. ورد ذلك ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٣٣) فقال: وهذه الأقوال [القائلة بأن الذبيح هو إسحاق] -واللَّه أعلم- كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر عن كتبه، فربما استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا عنه غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة -واللَّه أعلم- حاجة إلى حرف واحد مما عنده، وقد ورد في ذلك حديث -لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين- ولكن لم يصح سنده. وقال الحاكم في "مستدركه" (٢/ ٦٠٩): وقد كنت أرى مشايخ الحديث قبلنا وفي سائر المدن التي طلبنا الحديث فيه وهم لا يختلفون أن الذبيح إسماعيل.
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" (١٠٢٧٨) موقوفًا على ابن مسعود. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٠٢): فيه بقية مدلس، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. ورواه أيضًا في "الكبير" (٨٩١٦) مو قو فا عليه. قال الهيثمي: رواه الطبراني موقوفًا بإسنادين، رجال أحدهما ثقات غير أن مشايخ الطبراني لم أعرفهم. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١١٧٥٨) من حديث أبي ميسرة التابعي. وقد روى البخاري (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال لما سئل عن أكرم الناس: "فيوسف نبي اللَّه، ابن نبي اللَّه، ابن نبي اللَّه، ابن خليل اللَّه". لم يقل: (ذبيح اللَّه).
[ ١٢ / ٤٣٧ ]
ومَن جعله إسماعيل احتجَّ بقوله ﵇: "أنا ابن الذَّبيحين" (^١)، وعنى بأحدهما أباه عبد اللَّه، وقصَّتُه معروفةٌ، وبالثاني إسماعيل.
وبقول اللَّه تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، فلما بشِّرتْ سارة بأنَّ لها من ولدها إسحاقَ نافلةً هو يعقوب، وعلِم بذلك إبراهيم، كان يتيقَّن أنَّ إسحاق لا يُذبحُ، فلا يتحقَّق الابتلاء بأمره بذبحه.
ولأنه (^٢) قال في هذه السورة بعد تمام قصة الولد: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، فكان التبشير بإسحاق بعد مُضيِّ هذه القصة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا حاجةَ بنا إلى معرفة ذلك الولد بعينه، ولو كانت بنا حاجةٌ (^٣) إليه لبيَّنَ اللَّه تعالى لنا ذلك (^٤).
_________________
(١) لا أصل له بهذا اللفظ، كما ذكر ابن حجر والزيلعي فيما نقله العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٢٦). وقد روى الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٩٧)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٣٦) عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق، فقال: على الخبير سقطتم، "كنا عند رسول اللَّه -ﷺ-، فجاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه! عد علي مما أفاء اللَّه عليك يا ابن الذبيحين، فضحك ﵊"، ثم ذكر أن الذبيح الأول والده عبد اللَّه، والثاني إسماعيل. قال ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٣٥): هذا حديث غريب جدًا. وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ١٠٦).
(٢) في (ر): "ثم"، و(ف): "لأنه".
(٣) في (أ): "حاجة التعيين".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٥٧٦)، وأسوقه بلفظه لنفاسته، قال: (فلا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أنه فلان أو فلان، إذ لو كان لنا إلى بيان ذلك حاجة لبين وأزال الإشكال، واختلاف الناس في ذلك والتكلم فيه فضل وتكلف، إذ لا يحتمل أن يكون بالناس حاجة إلى معرفة ذلك وبيانه، ثم لا يبين لهم ولا يعرف ذلك، فدل ترك التنازع لذلك على أن لا حاجة لهم إلى ذلك). ونحوه قال الزجاج في "معاني القرآن" (٤/ ٣١١).
[ ١٢ / ٤٣٨ ]
(١١٤ - ١١٦) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾: أي: تفضَّلْنا عليهما بإيتاء النبوة والرسالة وغير ذلك مما يكثُر، قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦] إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه: ٣٧] الآيات.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾: أي: بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: الغمِّ الذي يأخذ بالنَّفْس مِن الاستعباد من فرعون وقومه وسائر المِحَن.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾: أي: موسى وهارون وقومهما على فرعون وقومه ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: بالحُجَّة والقوة ووجوه النُّصْرة.
* * *
(١١٧ - ١٢٢) - ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُمَا﴾: أي: موسى وهارون ﴿الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾؛ أي: البَيِّنَ الظاهر الواضح، وهو التوراة.
﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: أرشَدْناهما إلى الدين الحق، ثم أمَرْناهما بدعاء الناس إليه.
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾: له وجهان كما مرَّ في ذِكْر نوح ﵇.
﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: وقد فسَّرْناه في ذِكْر نوح.
[ ١٢ / ٤٣٩ ]
(١٢٣ - ١٢٥) - ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: أي: ألا تخافون اللَّه؟! استفهامٌ بمعنى الأمر.
وقولُه تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: قال عكرمة ومجاهد وقتادة والسُّدِّي: البَعْلُ: الرَّبُّ في لغة أهل اليمن، يقال: هذا (^١) بَعْلُ هذا الثوب؛ أي: ربُّه (^٢).
وقال الحسن والضحاك وابن زيد: هو اسمُ صنمٍ لهم، وبلاد هؤلاء كانت (بَعْلَبَكَّ) بنواحي الشام (^٣).
وقيل: إنَّ البَعْل كانت امرأةً يعبدونها.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾: أي: وتتركون عبادة اللَّه الذي هو أحسن المُقَدِّرين والمصوِّرين، ولا خالقَ إلا اللَّه؟!
والخَلْقُ حقيقةً هو الاختراع، ويُستعمل في التقدير، والمراد به هاهنا ذلك.
* * *
(١٢٦ - ١٢٨) - ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وحفصٌ عن عاصم بالنصب؛ لأنَّه نعتُ قولِه: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "هو".
(٢) رواه الطبري عنهم في "تفسيره" (١٩/ ٦١٢ - ٦١٣).
(٣) رواه عن الضحاك وابن زيد الطبريُّ في "تفسيره" (١٩/ ٦١٤)، وعن الحسن يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٨٤٠).
[ ١٢ / ٤٤٠ ]
وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر، أو على إضمار: هو (^١).
قولُه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: أي: استحقَّوا إحضارَ عذاب النار.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: استثنى الذين أخلصوا العبادة للَّه، والذين أخلصهم اللَّه بالإيمان منهم، وبيَّنَ أنهم لا يحضُرون العذاب.
ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا؛ أي: لكنَّ هؤلاء لا يحضرون النار.
* * *
(١٢٩ - ١٣٢) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾: فسَّرْناه.
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾: قرأ نافع وابن عامر: ﴿على آل ياسين﴾، والباقون ﴿على إل ياسين﴾ (^٢).
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: فسَّرْناه.
قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إلياسُ هو إدريسُ (^٣).
وقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن قيس (^٤) بن فِنْحاص بن العَيْزار بن هارون بن عمران.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١/ ٥٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١/ ٥٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٨٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٣٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٥٨) ثم قال: وإلى هذا ذهب عكرمة، وقال: هو في مصحف عبد اللَّه: وإن إدريس لمن المرسلين، وتفرد عبد اللَّه وعكرمة بهذا القول.
(٤) كذا في النسخ الثلاث، وقد ذكره عنه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦١٢)، وفيه: إلياس بن تسبي، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٥٢)، وفيه: إلياس بن بشر.
[ ١٢ / ٤٤١ ]
والقيِّمُ بأمور بني إسرائيل بعد يُوشَع كان كالِبَ بنَ يُوقَنا ثم حِزْقيلَ مِن بعدِه، ولما قُبِض حِزْقيل كثُرت الأحداث في بني إسرائيل، وتركوا عهد اللَّه الذي عهِدَ إليهم في التوراة، وعبَدوا الأوثان، وبعث اللَّه إليهم إلياس نبيًا في عهد ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له: أَحابُ (^١)، فكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائرُ بني إسرائيل قد اتخذوا صنمًا يعبدونه من دون اللَّه يقال له: بعل (^٢).
فأما قولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ فله وجهان:
أحدُهما: أنَّ ﴿إِلْيَاسَ﴾ زِيد في آخره ياء ونون لِتَسْتويَ الفواصلُ؛ كما في قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢]، وفي آية (^٣) أخرى: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
والثاني: أنَّه إلياسُ ومُتَّبِعوه؛ صار جمعًا بهم؛ كما يقال: المُهَلَّبون، للمُهَلَّب وأتباعه.
ومَن قرأ: ﴿آل ياسين﴾ فقد قيل: هم أهل القرآن، و(ياسين) سورةٌ منها، والإضافةُ إليها إضافةٌ إلى كل القرآن معنًى؛ كما قال ﵊ في حديث حرب (^٤) حُنين: "يا أصحاب سورة البقرة" (^٥).
وقيل: "ياسين" اسم رسول اللَّه -ﷺ-، و"إلْ ياسين" آل محمد ﵇.
* * *
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أجاب".
(٢) رواه مطولًا الطبري في "تفسيره" (٤/ ٤٣٧) من طريق محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه.
(٣) في (أ): "رواية".
(٤) في (أ): "في حديث في حرب".
(٥) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٧٧٦).
[ ١٢ / ٤٤٢ ]
(١٣٣ - ١٣٨) - ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾: قد فسَّرْناها مرات (^١).
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: أي: أهلكناهم.
﴿وَإِنَّكُمْ﴾: يا مَعْشَر العرب ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على بلادهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: داخلين في وقت الصباح.
﴿وَبِاللَّيْلِ﴾: أي: وتمرُّون عليهم بالليل أيضًا، فكانت مدائنُ (^٢) قوم لوط في أرض العرب، وكانوا يسافرون ويتكرَّرُ مرورهم عليها بالليل والنهار، وهو داعٍ إلى الاعتبار.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفليس لكم عقول تتأمَّلون بها أنَّهم ماذا فعلوا وماذا فعلنا بهم كذلك، فتتَّقوا مثلَ فعلهم لئلَّا (^٣) تُجازَوا مثلَ جزائهم.
* * *
(١٣٩ - ١٤٠) - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: الإِباق: الفرارُ إلى حيث لا يهتدي إليه الطلاب؛ أي: خرج من بين قومه حين (^٤) كذَّبوه من غير علمِ قومِه بخروجه.
_________________
(١) في (أ): "فسرناها" بدل: "قد فسرناها مرات".
(٢) في (أ) و(ف): "مدن".
(٣) في (ر): "كيلا".
(٤) في (ف): "حيث".
[ ١٢ / ٤٤٣ ]
وقيل: هو في معنى قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقيل: فرَّ بدينه إلى حيث يَسْلَم.
وقيل: خرج خائفًا على نفْسه منهم.
وقيل: خائفًا نزولَ العذاب.
﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: أي: السفينةِ المملوءة، وهو واحد هاهنا مذكَّرٌ، والاسم يصلُح للجمع، وقد يؤنَّثُ.
* * *
(١٤١ - ١٤٣) - ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَسَاهَمَ﴾: أي: قارَعَ بإلقاء السِّهام.
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾: أي: مِن الذين خرجت عليهم القُرْعة.
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: أي: فألقى نفْسه في البحر لوقوع القُرْعة عليه، فابتلعه السمك.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: أي: آتٍ (^١) بما يُلام عليه، وهو الخروج قبل أنْ يُؤمر به.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾:
قيل: أي: مِن المصلِّين قبل ذلك، وكان كثير الصلاة. قاله قتادة (^٢).
وقيل: أي: المنزِّهين اللَّهَ بكلمة التسبيح، وكان كثير الذكر للَّه تعالى والتسبيح.
_________________
(١) في (أ): "أتى".
(٢) رواه عن قتادة الطبريُّ، وروى نحوه عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. انظر: "تفسير الطبري" (١٩/ ٦٢٨ - ٦٣٠).
[ ١٢ / ٤٤٤ ]
وقيل: فلولا أنه صار مِن المسبِّحين؛ كقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، وهو قوله في الظُّلُمات: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قاله سعيد بن جبير (^١).
* * *
(١٤٤ - ١٤٥) - ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾.
﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾؛ أي: بقِيَ في بطن الحوت ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: يومِ تُبعَثُ الخلائق، وهو يومُ القيامة؛ أي: لبقِيَ فيه حتى يُحشَرَ يومئذ من بطن الحوت، وسائرُ الناس من القبور.
وفيه دليلٌ على أنَّ إخلاص (^٢) العمل في الرَّخاء سببُ خَلاص العبد حالةَ البلاء.
وقولُه تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾: أي: ألقيناه، يعني: أخرجناه من بطن الحوت وألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾؛ أي: الفضاء، وهو الصحراء الخالية عن البِناء والأشجار وما يُظِلُّ، مِن التَّعَرِّي.
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: أي: سقيمُ البدن، قد رقَّ بدنه وضعُفَ ولطُفَ، وصار لا يطيق حرَّ الشمس وهُبوب الريح.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٢٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٠)، والواحدي في "البسيط" (١٩/ ١٠٩).
(٢) في (أ) و(ف): "إحسان".
[ ١٢ / ٤٤٥ ]
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾: قال أهل اللغة: هو كل شجرة ليس لها ساقٌ، ولها ورق عريض (^١).
وقال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومجاهد وسعيد بن جُبير: هو القَرْع (^٢)، هو (^٣) مأخوذ من: قطَنَ بالمكان؛ أي: أقام به، وهي إقامةُ زوال، لا إقامة رسوخ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: القَرْع أسرع الأشجار نباتًا وامتدادًا وارتفاعًا في السماء في مدة لطيفة، ويقرُب الوصول إلى الانتفاع بها أكلًا واستظلالًا.
قال: وروي عن النبي -ﷺ- أنه قيل له: إنك لتحبُّ القرع؟ قال: "أجل، هي شجرة أخي يونس بن متى وهي تزيد في العقل" (^٤).
وقال السُّدِّي: لبِث في بطن الحوت أربعين يومًا، وكذا قال الكلبي ومقاتل.
وقال عطاء: سبعة أيام.
وقال الضحاك: عشرين يومًا.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عظيم عريض". وانظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣١٤)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٧٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧١) عن ابن عباس والحسن ومقاتل.
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٣٤ - ٦٣٦).
(٣) "هو" من (أ).
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٥٨٩). والحديث بهذا اللفظ ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٦٢)، والقرطبي في "تفسيره" (١٨/ ١٠٤) وغيرهما من غير إسناد. وقال العراقي: لم أقف عليه، وقال ابن حجر: لم أجده. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٥٧). وقد صح عن النبي -ﷺ- أنه كان يحب الدباء وهو القرع، كما عند "مسلم" (٢٠٤١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١٢ / ٤٤٦ ]
وقال ابن حيان: ثلاثة أيام (^١)، وعن الحسن كذلك (^٢).
وقال الشَّعبي: ما مكث يومًا تامًّا (^٣)، التقمَه ضحًى، فلما كان بعد العصر تثاءب الحوت، فرأى يونس ضوء الشمس، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فنبَذه وقد صار كأنه فَرْخ (^٤).
وقيل: كانت وَعْلَةٌ تختلف إليه، فيشرب من لبنها، لا تفارقه.
وعن الحسن: أنه قيل له: اليقطين هو القَرْع؟ فقال: وما يجعل القَرْع أحقَّ به من البِطِّيخ والقِثَّاء (^٥).
وقال مقاتل: مرَّ الزمان على الشجرة فيبِست، فبكى يونس جزَعًا، فأوحى اللَّه إليه: بكيتَ على شجرة يبِسَتْ جزعًا، ولا تبكي على مئة ألف في يد الكفار (^٦).
* * *
(١٤٧) - ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾.
_________________
(١) ذكر الأقوال الأربعة الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٠)، والواحدي في "البسيط" (١٩/ ١٠٩).
(٢) ذكر الزجاج في "معاني القرآن" (٤/ ٣١٣)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٦٢) أن الحسن قال: لم يلبث إلا قليلًا.
(٣) في (ر): "كاملا".
(٤) رواه عبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والحاكم؛ كما في "الدر المنثور" (٧/ ١٢٧). وذكره الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٣٣)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٦٨).
(٥) لم أقف عليه للحسن، ورواه الطبري في تفسيره" (١٩/ ٦٣٣) عن ابن عباس ﵄.
(٦) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٣٦) عن سعيد بن جبير، وذكره عن مقاتل البغويُّ في "تفسيره" (٤/ ٤٨)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٦٢) بصيغة روي.
[ ١٢ / ٤٤٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: بل يزيدون (^١).
وقيل: هو إبهامٌ من اللَّه تعالى على السامعين، وتقديرُه: أرسلناه إلى أحد هذين العددين.
وقيل: هو تشكيك المخاطَبين.
وقيل: أي: هو عند الناظر إليهم كذلك، لا يظُنُّ أنهم دون مئة ألف، ولكن يظُنُّ مئة ألف أو زيادةً على ذلك.
وقيل: ﴿أَوْ﴾ هاهنا للغاية (^٢)؛ كما في قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، فكأنه قال: وأرسلناه إلى مئة ألف حين أرسلناه إليهم وكان فيهم إلى أنِ ازدادوا على ذلك.
* * *
(١٤٨) - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
واختُلِف في هؤلاء وفي وقت الإرسال إليهم:
قيل: هم القوم الذين خرج منهم، والإرسالُ كان قبل الخروج منهم، وتقديرُه: وكُنَّا أرسلناه (^٣) إلى مئة ألف أو يزيدون ﴿فَآمَنُوا﴾ به بعد مفارقته إياهم ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: وقد بيَّنا تلك القصة عند قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ الآية [يونس: ٩٨].
وقيل: القوم هؤلاء، و(أرسلنا) معناه: أي: وأرسَلْناه إليهم بعد الخروج من بطن
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٣٧).
(٢) في (ر) و(ف): "بمعنى الغاية".
(٣) في (أ): "وكما أرسلنا" بدل من "وكنا أرسلناه".
[ ١٢ / ٤٤٨ ]
الحوت؛ أي: أعَدْناه إليهم ﴿فَآمَنُوا﴾: فجدَّدوا الإيمان به ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى انقضاء آجالهم.
وقد ذكَرْنا قصة الخروج إلى السفينة والخروج من بطن الحوت في سورة الأنبياء.
وروى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إنَّ يونس كان أوعَدَ قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجَأَروا إلى اللَّه تعالى واستغفروه، فكفَّ اللَّه عنهم العذاب، وغدا يونس ينتظر العذاب، فلم ير شيئًا، وكان مَن كذَب ولم يكن له بيِّنة قُتِل، فانطلق مغاضبًا حتى أتى قومًا في سفينة فحمَلوه وعرَفوه، فلما دخل السفينة ركَدت والسفينةُ تسير يمينًا وشمالًا، فقال: ما لِسفينتكم؟ قالوا: ما ندري، قال يونس: إنَّ فيها عَبْدًا آبِقًا، وإنها واللَّهِ لا تسير بكم إلا أنْ تُلْقوه، قالوا: أمَّا أنتَ يا نبي اللَّه فلا واللَّهِ لا نُلْقيكَ، قال لهم يونس: فاقترِعوا، فمَن قُرعَ فليَقَعْ، فقارَعهم يونس، وقال: مَن قُرع ثلاثًا فليقعْ، فقُرع يونس ثلاث مرات فوقَع، وقد وُكِّلَ به الحوت، فلما وقع ابتلعه، فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمِعَ يونس تسبيح الحصا، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، ظُلْمةُ بطن الحوت، وظُلْمةُ البحر، وظُلْمةُ الليل، قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾، قال: كهينة الفَرْخ المَمْعُوط الذي ليس عليه رِيشٌ، فأنبَتَ اللَّه عليه شجرة من يقطين، وكان يستظلُّ بها فيُصيب منها، فيبِسَتْ فبكى عليها، فأوحى اللَّه إليه: أتبكي على شجرة أنْ يبِسَتْ ولا تبكي على مئة ألف أو يزيدون أردتَ أنْ تُهْلِكَهم؟ فخرج فإذا هو بغلام يَرعى غنمًا، فقال: مَن أنت يا غلامُ؟ قال: مِن قوم يونس، قال: فإذا رجعتَ إليهم فاقرأْ ﵈، وأخبِرْهم أنَّك قد لقيتَ يونس، فقال له الغلام: إنْ تكُ يونسَ فقد تعلَمُ أنَّ مَن كذَبَ ولم تكن له بينة
[ ١٢ / ٤٤٩ ]
يُقتَل، فمَن يشهدُ لي؟ قال يونس: تشهدُ لك هذه الشجرة وهذه البقعة، فقال الغلام ليونس: مُرْهما، قال لهما: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام إلى قومه، فأتى الملكَ، فقال: إني قد لقيتُ يونس، وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر به أن يُقتَل، فقال: إنَّ لي بينةً، فأَرسل معه، فانتهَوا إلى البقعة والشجرة، فقال لهما الغلام: أنا أَنشُدُكما اللَّهَ: هل أشهدَكما يونس؟ قالتا: نعمْ، فرجع القوم مذعورين، فأتوا الملك فحدَّثوه بما رأوه، فتناول الملكُ بيد الغلام، فأجلسه في مجلسه، فقال: أنت أحقُّ بهذا المكان مني".
قال عبد اللَّه بن مسعود: فأقام به الغلام أربعين سنة (^١).
وذُكِرَ أنَّ اللَّه تعالى أوحى إلى يونس ﵇ بعد نجاته: أنْ قل لفلانٍ الفخَّارِ يكسرِ الجِرار التي عملها بهذه السنة كلها، فقال يونس: يا رب! إنه عمِل مدةً في اتخاذ ذلك، فكيف آمرُه أنْ يكسرَه كله؟! فقال: يا يونس! يرِقُّ قلبُك لخزَّافٍ يُتلِفُ عمَلَ سنةٍ، وأردتَ أنْ أُهلِكَ مئة ألف أو يزيدون من عبادي؟ يا يونس، أنتَ لم تخلقهم ولم توجدهم، ولو كانوا مِن عمَلِكَ لرحمتهم (^٢).
* * *
(١٤٩) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: أعاد الكلام إلى مُحاجَّة المشركين في وصفهم اللَّهَ تعالى باتخاذ البنات.
يقول: فاسأل هؤلاء المشركين عن قولهم: إنَّ الملائكة بنات اللَّه، وإنهم يعبدونهم
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣١٨٦٧)، وابن أبي الدنيا في "العقوبات" (١٧١)، والنحاس في "إعراب القرآن" (٥/ ١٥٢) موقوفًا على ابن مسعود ﵁.
(٢) ذكره القشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٢٤٢).
[ ١٢ / ٤٥٠ ]
لهذا السبب تقرُّبًا به إلى اللَّه: ما حُجَّتهم من العقل أو السمع؟ أفي مُقتضى العقل أنْ يكون للَّه البناتُ وللمشركين البنون، فيكونَ لكم أفضلُ نوعَيِ الأولاد وللَّه أَدْوَنُهما؟!
وهو كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]؛ أي: جائرة.
* * *
(١٥٠ - ١٥٢) - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: أي: أيدَّعون أنهم شهدوا خَلْقَنا الملائكةَ؛ أي: حضروه فرأوا أنا خلَقْناهم (^١) إناثًا؟!
وهو كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، وهذا لا يمكنهم أنْ يدَّعوه، وإذا بطَلَ هذا بالعقل ولا مشاهدةَ ثبَتَ كذبُهم، وذلك قولُه:
﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: والإِفْكُ: الكلام المصروف عن الحق إلى الباطل.
* * *
(١٥٣ - ١٥٦) - ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾: دخل ألفُ الاستفهام على ألف "الافتعال"، وهو استفهام بمعنى الإنكار، يعني: أتقولون أنَّه اختار البنات على البنين مع نُقْصانهن رضًا بالأخسِّ، فما حُجَّتكم على ذلك؟
_________________
(١) في (ر): "أي حضروا فرأوا أنا خلقنا الملائكة"، وليس من (ف).
[ ١٢ / ٤٥١ ]
﴿مَا لَكُمْ﴾: وهو استفهام في معنى التوبيخ؛ أي: وماذا يحمِلُكم على هذا القول بغير حُجَّة؟!
﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: كذلك أيضًا.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي: أفلا تتذكَّرون ما في عقولكم؟! أفلا تتَّعِظون بمواعظ ربكم؟!
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: أي: حُجَّةٌ ظاهرة مِن كتاب.
* * *
(١٥٧) - ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾: أي: الكتابِ الذي أُنزِل عليكم وفيه حُجَّة ذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: في هذه الدَّعوى، فإذا بطَلت الدِّلالة بالعقل أو المشاهدة أو السمع سقَط ذلك وبطَل.
ورُوِي: أنَّ جُهَيْنة وبني سَلَمة بن عبد الدار زعموا أن الملائكة بنات اللَّه (^١).
وقال مقاتل بن حيان: زعموا أن اللَّه وإبليس أخوان (^٢).
وقال الكلبي: زعموا أن اللَّه صاهَرَ إبليس، فولَدت الملائكة، فاتخذهم اللَّهُ بناتٍ (^٣).
* * *
(١٥٨) - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قيل: قالوا: إنَّ أمهات الملائكةِ بناتُ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٦٢)، والواحدي في "البسيط" (١٩/ ١١٨)، وذكر أيضًا من الأحياء التي زعمت أن الملائكة بنات اللَّه خزاعة وبنو مليح.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٤٥) عن ابن عباس ﵁، ولم أقف عليه لمقاتل.
(٣) ذكرها الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٣٤).
[ ١٢ / ٤٥٢ ]
سَرَواتِ الجن (^١)؛ أي: ساداتِهم، فقد جعلوا اللَّهَ أبًا، والجنَّ أمهاتٍ، والملائكةَ بناتٍ، وهو نسَبٌ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: وهُمُ الجنُّ (^٢).
﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: أي: يحضُرون الحساب يوم القيامة، وفِعْلُ العِلم واقع على ذلك، وإنما كسر ﴿إِنَّهُمْ﴾ ولم يفتَحْ؛ للجواب باللام: ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾.
وإنما قال: ﴿عَلِمَتِ﴾؛ لأنَّ فيهم مؤمنين قد أتوا النبيَّ -ﷺ- وآمنوا به على ما ذُكِرَ في سورة الجن.
وذكَرَ مجاهد وغيره أنَّ القائلين بمصاهرة الجن مشركو العرب (^٣).
وقال قتادة: هم اليهود (^٤).
وقيل: معنى قوله: ﴿بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾؛ أي: الملائكةِ، وهو قولهم: إنَّ الملائكة (^٥) بنات اللَّه، و(الجِنَّة) من الاجتنان، وهو الاستتار، وصِفَةُ الملائكة كذلك، وعلى هذا تأويلُ بعضهم: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ أي: من الملائكة، وقولُه تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾: أي: الملائكة ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: القائلون بهذا ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ الحسابَ والعذابَ يوم القيامة.
* * *
(١٥٩ - ١٦٣) - ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٤٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٣١) عن مجاهد.
(٢) "وهم الجن" ليس من (أ).
(٣) رواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٤٥).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٦٤٥).
(٥) في (أ): "إنهم".
[ ١٢ / ٤٥٣ ]
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: نزَّه نفْسَه عن قولهم هذا.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: استثنى المؤمنين المخلَصين من المحضَرين العذابَ.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾:
قال الحسن: فإنكم أيها القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام ما أنتم على عبادة الأوثان بمُضِلِّين إلا مَن قُدِّرَ عليه أنه يَصْلى الجحيم (^١).
وقال الفراء: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: به (^٢)، ويرجع إلى (ما).
وقيل: معناه: أي: مِن أجله؛ كقولكَ: اشتريتُ هذا على فلان؛ أي: من أجله؛ أي: قصدُكم إضلالَ النَّاسِ يكون من جهة الأصنام؛ لتكون العبادة لها.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ﴾: مفعول؛ لوقوع فعلِ الفتنة عليه، وهي الإضلال؛ أي: لا يَقْدِرون على إضلال أحد إلا مَن علِمَ اللَّه منه اختيار الكفر والإصرارَ عليه، فقدَّرَ عليه الكفرَ والإصرارَ عليه ودخولَ النار.
وصَلْيُ النار: دخولُها.
وقيل: قرأ الحسن: (صالُ الجحيم) بالرفع (^٣).
قال الأصمعي: كان الحسن أعلمَ باللغة وأفصحَ مِنْ أن يقرأ هكذا.
_________________
(١) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٤٨)، وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٥٩٣).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٩٤).
(٣) ذكرها الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٦٥٠)، والزجاج في "معاني القرآن" (٤/ ٣١٥)، والفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٩٤)، وذكروا للقراءة -إن صحت- وجهًا أقوى من الذي ذكره المصنف، وذلك حملًا لها على الجمع، حيث أراد: "صالون الجحيم"، فحذفت النون للإضافة، وحذفت الواو لسكونها وسكون اللام من "الجحيم"، مع تقدير "مَن" جنسيةً؛ أي: بالجنس الذين هم صالوا الجحيم.
[ ١٢ / ٤٥٤ ]
وقالوا: إنْ ثبَت ذلك عنه فهو على القلب؛ كما يقال: شاكُ السِّلاحِ، فأصلُه: شاكي السلاح (^١).
* * *
(١٦٤ - ١٦٦) - ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: أكثر المفسرين على أنه خبَرٌ عن الملائكة أنهم يقولون هذا، وفيه إضمار ليتَّصِلَ بالأول: وتقول الملائكة الذين جعلتُموهم بنات اللَّه تعالى: وما منا إلَّا له مقام معلوم في السماء للعبادة، لا يتقدَّمُه ولا يتأخَّرُ عنه، فنحن عَبيده لا بناته.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: للخدمة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزِّهون اللَّه عما لا يليق به من الصفة.
وقيل: هو قول النبي -ﷺ- والمؤمنين: ﴿مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: ليس منا ومنكم -أيها المشركون- أحدٌ إلا له مقام معلوم في الآخرة للحساب، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ في الدنيا للصلاة ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ للَّه المنزِّهون له.
* * *
(١٦٧ - ١٧٠) - ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) أي: يقلب حتى يصير: صائل، ثم يقال: صال، في صائل، كما يقال: شاك، في شائك. وذكروا للقراءة وجهًا آخر، وهو حملها على الجمع والتقاء السَّاكنين، حيث أراد: "صالون الجحيم" محمولًا على معنى ﴿مَنْ﴾، والتَّوحيدُ في ﴿هُوَ﴾ على لفظه، فحذفت النون للإضافة، وحذفت الواو لسكونها وسكون اللام من "الجحيم"، مع تقدير "مَن" جنسيةً؛ أي: بالجنس الذين هم صالوا الجحيم.
[ ١٢ / ٤٥٥ ]
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾: أي: ولقد كان هؤلاء المشركون يقولون قبل أنْ يُبعثَ إليهم محمد:
﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: كتابًا مِن الرسل الأولين؛ أي: لو أُرسِلَ إلينا رسول، وأُنزِلَ علينا كتاب.
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: مؤمنين مخلِصين (^١) غيرَ مشركين.
﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾: أي: فقد جاءهم الذِّكْر -وهو القرآن- فجحَدوه.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: عن قريب ما يحلُّ بهم من العذاب؛ أي: فلا يَضِقْ صدرُك يا محمد بكفرهم وإيذائهم.
* * *
(١٧١ - ١٧٤) - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾: أي: لقد (^٢) تقدَّمَ وعدُنا ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾.
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾: كُسِرَ لأجل اللام مع أنَّ الفعل واقع عليه، ويجوز أنْ يكون مبتدأً على الحكاية؛ أي: سبَق للأنبياء قولُنا لهم ذلك، وكذلك يكون لك يا محمد.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: جُمِعَ لأن معنى (الجُنْد) الجمع، وقال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١]، فوحَّدَ لأن لفْظَه واحد.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: يا محمد، أعرِضْ عن مُكافأتهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: وهو نزول الأمر بالقتال.
* * *
(١٧٥) - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
_________________
(١) قوله: "مؤمنين مخلصين" ليس من (أ)، وهذا المعنى أنسب بقراءة كسر اللام، وكسر اللام وفتحها قراءتان سبعيتان تقدمتا.
(٢) في (ر) و(ف): "فقد".
[ ١٢ / ٤٥٦ ]
﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: أي: فانتظِرْ ما ينزل بهم، وهو كقولكَ: انظرْ ما أصنعُ بفلان (^١).
وقيل: أي: أبصِرْهم حين ينزل بهم العذاب، ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: عن قريب يَرون ذلك.
وقيل: أي: كُنْ على بصيرة من عذابهم ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: يصيرون على بصيرة من ذلك.
وقيل: على بصيرة من أمرِكَ، ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (^٢): حين لا ينفعهم.
* * *
(١٧٦ - ١٧٩) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾: قَبْل حينِه، وهو توبيخ.
﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾: أي: العذاب ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾؛ أي: بعرَصَتهم، وهو نزول بهم.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: نزل بهم ما يسوؤُهم، وكانت عادتُهم مفاجأةَ الأعداء صباحًا، فقيل هاهنا كذلك مجازًا.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: قيل: التَّكرار (^٣) للتأكيد والتقرير.
وقيل: الأول حين القتالِ وإبصارِ عذاب الدنيا، والثاني للآخرة.
* * *
(١٨٠ - ١٨٢) - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "انظر ماذا أصنع لفلان".
(٢) في (أ): "يصيرون كذلك".
(٣) في (ر) و(ف): "التكرير".
[ ١٢ / ٤٥٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾: أي: تنزيهًا لربك يا محمد عمَّا وصفَه به المشركون مِن الأولاد والشُّرَكاء.
﴿رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي: له العزَّةُ بذاته، فلا حاجةَ له إلى التَّعزُّز بالأولاد، وهو كما قال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
وقيل: أي: مالكُ العِزَّة التي تكون للعباد مِن الظَّفَر والنُّصْرة وغير ذلك، فمنه التمسِ العزَّةَ.
﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: تحيَّةٌ مِن اللَّه عليهم.
وقيل: أي: وأمان لهم أنْ يُنصَرَ عليهم أعداؤهم في الدنيا، أو ينالَهم عذاب في العُقْبى.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: هو المُستحِقُّ للثناء والحمد.
وانتَظَمَتْ هذه الخاتمة بتنزيهِ اللَّه تعالى عن كل صفات المشركين الذين معهم المُحاجَّة في هذه السورة، والثناءِ على المرسلين الذين بلَّغوا رسالات اللَّه إلى أُمَمهم على ما ذكروا في هذه السورة، والشُّكرِ للَّه على ما أنعمَ على عباده، ففصَّلَها في هذه السورة.
ورُوِي عن علي ﵁ أنه قال: مَن أحبَّ أن يكتال بالمِكْيال الأوفى مِن الأجر يوم القيامة فليكن آخرَ كلامه إذا قام من مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٤)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٣٦) موقوفًا على علي ﵁. وفي إسناده الأصبغ بن نباتة رمي بالكذب، ورواياته عن علي لا يتابع عليها كما قال ابن عدي. انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٣/ ٣٠٨). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٣٤) عن الشعبي.
[ ١٢ / ٤٥٨ ]
سورة ص
[ ١٢ / ٤٥٩ ]