بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يحب المقاتلين، الرحمنِ الذي يُظهر دينَه على كلِّ دين، الرحيمِ الذي يبشِّر المؤمنين.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سورة الصَّفِّ كان عيسى ابن مريم صلوات اللَّه عليه مصلِّيًا عليه، ويستغفر له ما دام في الدُّنيا، وكان رفيقَه يوم القيامة" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة عند عكرمة والحسن وقتادة، مدنيَّة عند عامَّة المفسِّرين (^٢).
وهي أربعَةَ عشر آيةً، ومئتان وإحدى وعشرون كلمة، وتسعُ مئة وواحدٌ وخمسون حرفًا.
وانتظام آخر تلك السُّورة بأولى هذه السُّورة: أنَّ آخر تلك في ذكر الكفَّار الذين عليهم غضبُ اللَّه، وأوَّل هذه السُّورة في ذكر المسبِّحين الذين لهم رضا اللَّه تعالى.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٠١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٩٠)، كلاهما بلفظ: "من قرأ سورة عيسى ﵇ كان عيسى مصليًّا. . . ". قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٤٥)، وفيه: مدنية في قول قتادة، وقال ابن عباس ومجاهد وعطاء: هي مكِّيَّة.
[ ١٤ / ٤٠٣ ]
وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك في قطع موالاة أعداء اللَّه، وهذه في الجهاد الذي هو تحقيق معاداة أعداء اللَّه.
* * *
(١ - ٢) - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا التَّسبيح شهادةٌ للَّه تعالى بالرُّبوبيَّة والوحدانيَّة والقدرة والملكة (^١) والغنى عن معونة الخليقة؛ بما (^٢) فيهم من دلائل الصَّنعة، وأعلام الذِّلة.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يمتنع عليه ما يريد.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي لحكمته تعبَّد خلقَه بالجهاد في إقامة دينه؛ ليعوِّضهم بذلك النَّفعَ الذي لا يعدِلُه نفع، ويعطيَهم النَّعيم الذي لا يبلغُه نعيم، ولو شاء لهداهم أجمعين، ولو شاء لأهلكهم بما شاء من غير مُعين.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: روي أنهم تذاكروا أيُّ الأعمال أحبُّ إلى اللَّه تعالى، فأنزل اللَّه تعالى آيةَ الجهاد، فتباطأ بعضُهم، فنزلت الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٣).
* * *
(٣) - ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "والمملكة".
(٢) في (ر) و(ف): "لما".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣١٥). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٠٧) عن أبي صالح.
[ ١٤ / ٤٠٤ ]
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾: أي: بُغضًا، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية [النساء: ٧٧].
ودلَّت الآية أنَّ صاحب الكبيرة مؤمنٌ رغمًا للمعتزلة؛ لأنَّ ما استَحق عليه العبدُ مقتَ اللَّه -وهو أشدُّ البغض- فهو كبيرةٌ، ومع ذلك خوطبوا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قال نجم الدِّين (^١): ولنا حديث مُسلسلٌ في هذا، مُسنَدٌ إلى عبد اللَّه بن سلام، قال: خرجْنا نتذاكرُ، فقلْنا: أيُّكُم يأتي رسولَ اللَّه فيسألَه: أيُّ الأعمال أحبُّ إلى اللَّه تعالى؟ ثم تفرَّقنا، وَهِبْنا أن يأتيَه أحدٌ منَّا، فأرسل إلينا رسولُ اللَّه -ﷺ- وجمعَنا، فجعل يومئ بعضُنا إلى بعض، فقرأ علينا: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ السُّورةَ إلى آخرها، وكذا قرأ كلّ راوٍ السُّورة عند رواية هذا الحديث إلى شيخنا (^٢).
قيل: إنَّما قرأها كلَّها لأنَّ في أوَّلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، وفي آخرها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
وقال مجاهد: نزلَتْ في نفرٍ من الأنصار منهم عبد اللَّه بن رواحة، كانوا في مجلسٍ فقالوا: لو علمنا أيَّ الأعمال أحبَّ إلى اللَّه تعالى لعملناه حتى نموت، فأنزل اللَّه تعالى السُّورة، فقال عبد اللَّه بن رواحة: لا أبرح حبيسًا في سبيل اللَّه تعالى حتَّى أموت أو أقتل شهيدًا، وكان على ذلك حتى قتل في غزوة مؤتة شهيدًا (^٣).
وروي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- بعثَهم في غزوة مؤتة، وأمَّر عليهم زيد بن حارثة وقال: "إنْ قُتِلَ زيدٌ فأميرُكم جعفرُ بن أبي طالب، فإنْ قُتِلَ جعفرٌ فأميرُكم عبدُ اللَّه بن رواحة. . .
_________________
(١) يعني: المؤلف، وقوله: "قال نجم الدين" ليس في (أ) و(ف).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٧٨٩)، والترمذي (٣٣٠٩). قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ٦٤١): إسناده صحيح قل أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه.
(٣) رواه ابن المبارك في "الجهاد" (٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٠٧).
[ ١٤ / ٤٠٥ ]
فأخذ زيدٌ الرَّاية فقتل، ثمَّ أخذها جعفرُ فقُتِلَ، وقطعَتْ يداه ورجلاه، فجعل اللَّه له جناحَيْن يطير بهما مع الملائكة، ثمَّ أخذَ عبدُ اللَّه بن رواحة الرَّاية، فكأنَّه تلكَّأ قليلًا، ثم حمل عليهم حتى استُشْهِد" (^١).
* * *
(٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾: أي: مصطفِّين على نسقٍ واحد.
﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: أي: ملزَقٌ بعضُه ببعضٍ، لا فُرْجةَ فيه، يقال: رَصَّهُ يرصُّهُ رَصًّا: إذا ألزق بعضَه ببعضٍ التزاقًا محكمًا شديدًا، ورجلٌ أرصُّ: متلازقُ الأسنان.
وهذا التَّمثيل يقع على حسن المقام، حتى إنْ دَلَفوا إلى العدوِّ دَلَفوا (^٢) صفًّا، وإنْ وقفوا وقفوا صفًّا، وهذا أيضًا أهيبُ وأبعدُ من طمع العدوِّ من هزيمتهم، وهذا أيضًا أشبهُ بصفوف الصَّلاة التي خُصَّتْ بها هذه الأمَّة.
ويكون التَّمثيل أيضًا بالبنيان على جهة الثَّبات للقتال كالبناء المرصوص.
والبنيانُ واحد كالبناء، ولذلك قال: ﴿مَرْصُوصٌ﴾، ولم يقل: مرصوصة.
_________________
(١) رواه البخاري مختصرًا (١٢٤٦) من حديث أنس بن مالك ﵁، ولفظه: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة فأصيب -وإن عيني رسول اللَّه -ﷺ- لتذرفان- ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له". ورواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٥٦٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٤٨) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٢) في (أ): "إذا دلفوا إلى أحد ودلفوا"، وفي (ف): "إذا دلقوا إلى العدو لقوًا"، وفي (ر): "إن ذلقوا إلى العدو ذلقًا"، ولعل الصواب المثبت.
[ ١٤ / ٤٠٦ ]
ودلَّ على أنَّ النُّزول أفضلُ من الرُّكوب، فإنَّ التَّراصَّ فيه أمكنُ.
وقال إبراهيم النَّخعيُّ: ثلاث آيات منعَتْني أن أقصَّ على النَّاس: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ الآية (^١).
فدلَّ أنَّ الآية عامَّة، وليست بمقتصرةٍ على القتال.
* * *
(٥) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ الآية: أَتبعَ الأمرَ بالجهادِ قصَّة موسى وعيسى ﵉، واختلافَ قومهما عليهما فيما أمراهم به من نصر دين اللَّه، وما كان من النَّصر والظَّفر لمن وافقهما على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ يحتملُ ما قال: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وقد بيَّنا في تلك الآية.
وقيل: هو ما دسَّ قارون إلى امرأةٍ تدَّعي على موسى أنَّه زنى بها، وقد بيَّنا ذلك في تلك القصَّة.
وقيل: هو قولهم: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهةٌ.
وقيل: هو قولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
_________________
(١) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ٤٣٦). وروى نحوه البيهقي في "الشعب" (٧٥٦٩) عن ابن عباس في قصة أنه وعظ بهن رجلًا جاءه يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ١٤ / ٤٠٧ ]
وقيل: هو قول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾: أي: لمَ تؤذونني مع معرفتكم أنِّي رسول اللَّه إليكم، أَخبر أنَّ الذَّنب في إيذائه مع معرفتهم بنبوَّته أعظمُ؛ فإنَّ العلم بتحريم الشَّيء هو أحدُ الزَّواجر عنه، فكلَّما كانت الزَّواجر أكثر كان الإثم في ارتكابه أكبر.
﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾: أي: مالوا إلى الباطل ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أي: خذلهم وحرمَهم توفيق اتِّباع الحقِّ.
ودلَّ ذلك على أنَّ اللَّه تعالى خالقُ أفعالِ العباد، حسَنِها وقبيحِها، ظاهرِها وباطنِها، وأنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن علم منه اختيارَ الضَّلال، ويهدي مَن علم منه اختيار الاهتداء.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: ما داموا مختارين للفسق، ثابتين عليه.
* * *
(٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصب على القطع؛ لأنَّه نكرة نُعِتَ به معرفةٌ، وكذا قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾.
يقول: أنا موافِق لِمَا نزل قبلي من التَّوراة، وفيها صفتي، ولم أتكلَّم بشيء يكذِّب التَّوراة فتنفروا عنِّي.
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾: لتؤمنوا به، فتستكمِلوا الثَّواب بإيمانكم بمن كان قبلي وبي وبمن يكون بعدي.
[ ١٤ / ٤٠٨ ]
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي ظاهر، وليس من اللَّه.
وقيل: أي: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: جاء بقيَّةَ بني إسرائيل محمَّدٌ -ﷺ- بالقرآن وسائر المعجزات ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ مع تقدُّم الدَّلائل والبشارات به.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: فجعل آياته البيِّنات سحرًا.
﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾: أي: يُدْعى على لسان رسول اللَّه -ﷺ- إلى دين اللَّه تعالى، لا يدعو إلى شيء يردُّه العقل، وهو الدِّين الذي لا يَقبلُ اللَّه دينًا غيره، فمَن دُعِيَ إلى ما لا يَقبلُ اللَّه دينًا غيره، وقد أتاه داعيهِ بالبيِّنات، فردَّه وجعلَ ما أتى به سحرًا، فلا أظلم منه.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا مختارين لذلك.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾: أي: يريد هؤلاء الفاسقون الظَّالمون أن يُذْهِبوا نورَ اللَّهِ الذي أرسلَه على محمَّدٍ -ﷺ-، وهو ما هدى به عبادَه من دينه وكتابه.
﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: بقولهم بأفواههم (^١): إنَّه سحرٌ، لا يزيدون على ذلك، ولا يجدون عليه حُجَّة، وهذا شيء لا أوهى منه.
﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص على الإضافة.
_________________
(١) "بأفواههم" ليس في (أ).
[ ١٤ / ٤٠٩ ]
والباقون: ﴿متمٌّ﴾ بالتَّنوين ﴿نُورَه﴾ بالنَّصب (^١)، يقول: قد أتمَّ نورَه للحال، ويُديمه في الاستقبال، حتى يعمَّ الآفاق، ويظهرَ في البلاد، ويهتدي به العباد.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: اليهود والنَّصارى وسائر الكفَّار.
* * *
(٩ - ١١) - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: أي: بالرَّشاد ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الذي لا يشوبُه باطلٌ من شرٍّ، أو تفريقٌ بينَ الرُّسل، أو تشبيهٌ ونحوه.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: أي: ليُعلِيَه (^٢) على الأديان كلِّها بالحُجج وبالغَلَبة، وعند نزول عيسى ﵇ بألَّا يبقَى دينٌ غيرُه.
وقيل: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليُطْلِعَ محمَّدًا -ﷺ- على علم الدِّين كله، وهو كقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: هو استفهامٌ على معنى الحثِّ والعرض، كقولك: هل أنت ساكت؟ و: هل أنت آكلٌ معي؟
ولَمَّا نزلت هذه الآية لم ينزل معها ما بعدَها، وكانوا في شوقٍ إلى معرفتِه ليعملوا به، فبقُوا على ذلك ستَّة عشر شهرًا، ثم نزل:
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية: وهو تفسيرُ تلك التِّجارة.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٠).
(٢) في (ر): "ليغلبه".
[ ١٤ / ٤١٠ ]
وهذا الحثُّ بمعنى الأمر، بدليل أنَّه قال في جوابه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالجزم، وتقديرُه: آمنوا به وبرسوله؛ أي: دُوموا عليه.
﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: جاهدوا.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: أنفعُ لكم دينًا ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ التِّجارةَ وما فيها من الرِّبح والزِّيادة، وجعل هذا تجارةً كما جعلَه بيعًا وشراء في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]؛ لأنَّه بذلُ (^١) الأنفس والأموال على عوضِ الجنَّة كالمعاوضات.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: جزمَ -على قول الفرَّاء- بـ (هل) (^٢)؛ لأنَّ فيه معنى الأمر على ما مرَّ.
وقال الزَّجَّاج: وهو جوابُ: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ لأنَّهما في معنى: آمنوا وجاهدوا.
وقال: قولُ مَن قال: إنَّه جواب ﴿هَلْ﴾ غلطٌ؛ لأنَّهُ ليس إذا دلَّهم على ما ينفعُهم غفرَ اللَّه لهم، إنَّما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾: أي: ولكم خصلةٌ أخرى على جهادكم في الدُّنيا قبل المصير إلى الجنَّة، تحبُّون تلك الخصلة: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾: وهي نصرةٌ على الأعداء ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ لبلادهم.
_________________
(١) في (أ): "بذل له".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٥٤).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ١٦٦).
[ ١٤ / ٤١١ ]
وقيل: ﴿وَأُخْرَى﴾؛ أي: وتجارةٌ أخرى.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بهذا الوعد.
* * *
(١٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿أنصارًا﴾ بالتَّنوين ﴿للَّه﴾ بالَّلام، وقرأ الباقون: ﴿أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ على الإضافة (^١)؛ أي: انصروا دين اللَّه ورسوله.
قوله تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾: أي: لأصفياءِ أصحابه.
﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: قيل: أي: مع اللَّه؛ أي: مع نصرته، كقولهم: الذَّود إلى الذَّود إبلٌ (^٢).
وقيل: أي: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ تقرُّبًا إلى اللَّه تعالى.
وقيل: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ أيَّام حياتي إلى أن أصير إلى اللَّه تعالى؛ أي: يقبضني إلى حيث يشاء.
قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: أي: أنصار نبيِّه ودينه.
وقد ذكرنا الأقاويل في الحواريِّين في (سورة آل عمران).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٠).
(٢) قولهم الذود إلى الذود إبل: يراد أن القليل إذا جمع إلى القليل كثر، والذود ما بين الثلاث إلى العشر من إناث الإبل ويجمع أذوادًا. انظر: "مجمع الأمثال" للميداني (١/ ٤٦٢).
[ ١٤ / ٤١٢ ]
﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بعيسى ﵇ ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾.
﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: قوَّيناهم ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾؛ أي: أعدائهم.
﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾: أي: عالين غالبين، فكذلك أنتم يا أصحاب محمَّدٍ -ﷺ- يكون لكم الظُّهور على مَن خالفَكم.
قيل: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ بقتال الحواريِّين على موافقة عيسى ﵇.
وقيل: قاتلوهم بعد رفع عيسى.
وقيل: لم يكن منه قتال ولا بعدَه من أصحابه، وإنَّما ظهروا بالحُجَّة.
وقيل: ظهروا بعد خروج محمَّد -ﷺ-، فإنَّه أظهرَ دينَ الحقِّ، وأبطل دين الكفَّار.
وقال قتادة ﵀: دعا اللَّه تعالى إلى أن يكون لرسوله حواريُّون من أمَّته كما كان لعيسى ﵇، وقد كان ذلك عند العقبة، وهم كلُّهم من قريش: أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرَّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقَّاص وطلحة بن عبيد اللَّه والزُّبير بن العوَّام وعثمان بن مظعون ﵃ أجمعين، وبايعه ليلة العقبة اثنان وسبعون من الأنصار، بايعوه على أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئًا، وعلى أن يمنعوا رسول اللَّه -ﷺ- ممَّا يمنعون به أنفسهم وأبناءهم، ولهم النَّصر في الدُّنيا، والجنَّة في الآخرة (^١).
والحمد للَّه كثيرًا
* * *
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢١١) بذكر أصحاب البيعة فقط، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٢٠ - ٦٢١) مقطعًا.
[ ١٤ / ٤١٣ ]