بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعل لكلِّ شيءٍ قَدْرًا، الرحمنِ الذي يُعْظِمُ للمتَّقين أجرًا، الرحيمِ الذي يجعل بعد عسرٍ يسرًا.
وروى أبيُّ بنُ كعب ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ماتَ على سُنَّةِ رسولِ اللَّه -ﷺ-" (^١).
وهذه السُّورة مدنيَّة.
وهي إحدى عشرةَ آية، وقيل: اثنتا عشرة آية، الاختلاف في قوله: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
وهي مئتان وسبع وثمانون كلمة، وألفٌ ومئةٌ وأربعةٌ وسبعون حرفًا.
وخَتْمُ تلك السُّورة بمدح اللَّه وثنائه، وافتتاحُ هذه السُّورة بخطاب الرَّسول وندائه.
وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك السُّورةَ في الدُّعاء إلى التَّوحيد، وختم تلك السُّورة بالأمر بالتَّقوى والطَّاعة والنَّفقة التي هي سبب بقاء التَّوحيد، وهذه السُّورةُ في بيان
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٣١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣١٠)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٤ / ٤٥٧ ]
أحكام الرِّجال والنِّساء المشروعة في حقِّ أهل التَّوحيد، وختمها في دلائل التَّوحيد.
* * *
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أي: يا أيُّها النَّبيُّ وأمَّتُه.
وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ خطابٌ للنَّبيِّ -ﷺ-، وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خطابٌ لأمَّتِه.
وقيل: معناه: يا أيُّها النَّبيُّ قلْ لأمَّتك: إذا طلقتم النِّساء.
ومعناه: إذا أردْتُم تطليقَهُنَّ، وهو كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨].
والمراد من ﴿النِّسَاءَ﴾: هي النِّساء المدخولُ بهنَّ.
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾: أي: للوقت المعدود لطلاقهنَّ المشروع، وهو طهرٌ لم يجامِعْها فيه، كذا فسَّرها النَّبيُّ -ﷺ- حيث قال لابن عمر ﵁ حين طلَّقَ امرأتَه في حالة (^١) الحيض: "ما هكذا أمرَكَ اللَّهُ تعالى، إنَّ مِنَ السُّنَّةِ أنْ تطلِّقَها في طهرٍ لا جماعَ فيه؛ فتلك العِدَّة الَّتي أمر اللَّه تعالى أنْ يُطلَّقَ لها النِّساء" (^٢).
_________________
(١) "حالة" من (ف).
(٢) رواه البخاري (٤٩٠٨)، ومسلم (١٤٧١)، ولفظ مسلم: عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، في عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فسأل عمر بن الخطاب رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر اللَّه ﷿ أن يطلق لها النساء".
[ ١٤ / ٤٥٨ ]
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾؛ أي: عُدُّوا فصولَ عِدَّتها واحفظوها بالأقراء كانت أو بالأشهر؛ لمعرفة وقت المراجعة ووجوبِ النَّفقة وزوالِ الأحكام المتعلِّقة بقيامها إذا انقضَتْ.
وعن أنسٍ ﵁ قال: طلَّقَ النَّبيُّ -ﷺحفصةَ، فاصتتْ أهلَها، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآيةَ، وقيل له: راجعْهَا؛ فإنَّها صَّوامةٌ قوَّامةٌ، وهي من أزواجك في الجنَّةِ (^١).
وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- غضبَ على حفصةَ فيما أسرَّ إليها، فطلَّقها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٢).
وقال السُّدِّيُّ: نزلت الآية في عبد اللَّه بن عمر حين طلَّق امرأته حائضًا، فأمَرَه رسولُ اللَّه -ﷺ- أن يراجعَها (^٣).
وقال مقاتل بن حيَّان: نزلَت الآية في عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، والطُّفيل بن الحارث، وعمرو بن سعيد بن العاص، وعتبة بن غزوان ﵃ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾: أي: في العدَّة من بيوتٍ كُنَّ يسكُنَّ فيها مع الأزواج حالةَ النِّكاح، أضيفَتْ إليهنَّ لسكناهنَّ، وهو
_________________
(١) رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٢/ ٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٥٩)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (١٥١)، والحاكم في "المستدرك" (٦٧٥٤). وقال ابن كثير في "تفسيره" عند تفسير هذه الآية: وقد ورد من غير وجه أن رسول اللَّه -ﷺ- طلق حفصة ثم راجعها.
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٤٥٩) عن الكلبي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٣٢).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٤٩٤).
[ ١٤ / ٤٥٩ ]
دليل صحَّة قول أصحابنا في الحنث بدخول دار يسكنها فلان بغير مِلْكٍ، وقد حلفَ لا يدخل داره.
﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: بأنفسهنَّ أيضًا.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال الحسن والضَّحَّاك وحمَّاد وسعيد بن المسيِّب وعطاء بن أبي رباح وعبد الرَّحمن بن زيد ومجاهد والشَّعبي وأبو صالح والسُّدِّيُّ وهو مروي عن ابن عمر: هي الزِّنى، فتُخرج للرَّجم (^١).
وقالت عائشة ﵂ والأسود وسعيد بن المسيِّب في رواية وابن عبَّاس: هي أن تبذو على أحمائها، فتُخرج إلى موضع آخر (^٢).
روي أنَّ فاطمة بنت قيس كان في لسانها ذَرَب، فاستطالَتْ على أحمائها في عدَّتها، فأمرها رسولُ اللَّه -ﷺ- أن تعتدَّ في بيت ابن أمِّ مكتوم (^٣).
وعن ابن عمر في رواية وعن الشَّعبي والسُّدِّي رحمهما اللَّه: أنَّ الفاحشة هي نفس الخروج (^٤).
ومعنى هذا: ألَّا تُخرَجَ أصلًا إلَّا أنْ تخرُجَ بنفسها، فتكون قد أتت بفاحشة؛ أي: فعلة قبيحة في الشَّرع.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٢ - ٣٣) عن الحسن والشعبي ومجاهد وابن زيد. وذكره عن ابن عمر الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٩). وعن السدي الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٥٠٢).
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١٠٢٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٤) عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه أبو داود (٢٢٩٦)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٦٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٤٣٣)، عن سعيد بن المسيب.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٥) عن ابن عمر ﵄ والسدي.
[ ١٤ / ٤٦٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أي: وهذه المذكورات معالم شرع اللَّه.
﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾: أي: يتجاوزها ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ حيث أوردها موارد الهلاك.
﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾: أي: أَحْصُوا العدَّة، فعسى اللَّه أن يُحدث لكم رغبةً في المراجعة بعد الطَّلاق، كذا فسَّره الحسن وقتادة والضَّحاك والشَّعبي والنَّخعي والسُّدِّي وعكرمة وابن زيد (^١).
و﴿لَا تَدْرِي﴾ خطاب للنبي -ﷺ-، وقيل: خطاب للمطلِّق، وقوله: ﴿يُحْدِثُ﴾ دليل على خلق الأفعال، وهو رغبته فيها وميله إليها (^٢).
* * *
(٢) - ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: قاربْنَ انقضاء عدتهنَّ.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: هو الرُّجعة ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: هو التَّرك حتى تنقضي العدَّة من غير إضرار.
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: أي: على الرَّجعة، وهو للاستحباب عندنا، وللإيجاب عند الشَّافعي ﵀.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٨) عن قتادة والحسن وعكرمة والضحاك والسدي وابن زيد وسفيان.
(٢) أي: الأمر الذي لعل اللَّه يحدثه هو رغبة المطلِّق في مطلقته وميله إليها.
[ ١٤ / ٤٦١ ]
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾: أمرٌ للشُّهود بإقامتها للَّه، لا للنَّاس؛ فإنَّها إذا كانت للنَّاس تُرِكَتْ في بعض الأحوال لرضًا أو غضبٍ، وإذا كانت للَّه أقيمَتْ على كلِّ حال (^١).
﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: إنَّما ينتفع به هؤلاء.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾: فائتَمَرَ بأوامرِه وانتهى بنواهيه.
﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾: أي: لا يَضيقُ عليه بتقواه أمرٌ كان يتَّسع عليه لو لم يتَّقِ.
* * *
(٣) - ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: أي: إذا ترك شيئًا طاعةً للَّه عوَّضه اللَّه تعالى خيرًا منه من حيث لا يظنُّ.
وهذا في إقامة الشَّهادة، وفي مراعاة أحكام الطَّلاق، والإمساك بالمعروف، والتَّسريح بالإحسان، جميعًا.
وعن مسروق: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ قال: هو أن يَعلم أنَّ اللَّه هو يرزقه، وهو يعطيه، وهو يمنعه (^٢).
وقال قتادة: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من شبهات الدُّنيا، والكَرْبِ عند الموت، والأفزاعِ يوم القيامة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ في الدُّنيا، فاتَّقوا اللَّه، فإنَّ فيها الرِّزق في الدُّنيا والثَّوابَ في الآخرة (^٣).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أقيمت للوجه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٦).
[ ١٤ / ٤٦٢ ]
وقال ابن كيسان: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيما أَمر به من طلاق السُّنَّة وحسنِ الصُّحبة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ في الدِّين والدُّنيا ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ إن أطاع اللَّه في أمره أهلًا مكان أهل، ومالًا مكان مال، من حيث لا ينتظره.
وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الائتمار بما أمره، والانزجار عمَّا زجره ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة تاركي الأمر ومرتكبي النَّهي ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الثَّواب والجنَّة (^١) ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الصَّبر على الرَّزايا والنَّوائب ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة الجازعين ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الأجر بغير حساب ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في الشُّكر على العطايا والمواهب ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبةِ مَن كفر النِّعمة ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ الزِّيادة ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ﴾ في الرِّضا بمحتوم قدره ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة السَّاخطين ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ رضاه ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
وقال الإمام القشيريُّ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾: يُخرجْه من ظلمات تدبيره، وينقله إلى شهود تقديره، فجرَّده عن كلِّ شغل، وكفاه كلَّ أمر (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾: أي: مَن فوَّض أمرَه إلى اللَّه، ووثقَ بما يدبِّره من الأحوال، فاللَّه حَسْبُهُ مدبِّرًا لأمره.
وفي ذلك ما يدعو إلى إقامة الشَّهادات للَّه، فلا يخافُ غيرَ اللَّه فيها.
وقيل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ وجانبَ معاصيَه، فله فيما يعطيه اللَّه تعالى في
_________________
(١) في (ف): "في الجنة".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٦٠٠).
[ ١٤ / ٤٦٣ ]
الآخرة من ثوابه وكرامته كفايةٌ، ولم يَعنِ بذلك في الدُّنيا؛ لأنَّ المتوكِّل قد يضام في الدُّنيا وينالُه فيها ما يكرهُه.
وقال الحسن ﵀: التَّوكُّلُ على اللَّه: الرِّضا بكلِّ ما (^١) قضى اللَّه (^٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: ومن يتَّقِ باللَّه دون خلقِه، صابرًا محتسبًا، يعلم أن اللَّه يَقْدِر على ما يريد، مستيقنًا بذلك ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ يقول: فاللَّه كافيه (^٣).
وقال الرَّبيع بن خُثَيم: إنَّ اللَّه تعالى قضى على نفسِه أنَّ مَن توكَّلَ على اللَّه كفاه، ومَن آمَنَ به هداه، ومَن أقرضه جازاه، ومَن وثقَ به أنجاه، ومَن دعاه لبَّاه، وتصديق ذلك كلِّه في كتاب اللَّه (^٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ من عجيب الاختصار، ولأنَّه يجزئ عن قول القائل: فهو يرزقه، ويعافيه، وينصره، ولا يُشمت به أعداءه، ويفعل به ويفعل، إلى سائر ما يجوز أن يُقال (^٥).
وهذه الآية نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أن المشركين أسَرُوا ابنًا له، اسمه: سالم، فأتى النَّبيَّ -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ العدوَّ أسروا ابني، فقال له
_________________
(١) في (ف): "الرضا بما".
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "التوكل" (١٧).
(٣) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٧٥).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٣٨).
(٥) لم أقف على كلام القشيري في المطبوع من "لطائف الإشارات" وقال القشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٦٠٠) في تفسير ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾: لم يقل: ومن يتوكل على اللَّه فتوكُّله حسبه، بل قال: فهو حسبه؛ أي: فاللَّه حسبه؛ أي: كافيه".
[ ١٤ / ٤٦٤ ]
النَّبيُّ -ﷺ-: "استكثِرْ من قول: لا إله إلا اللَّه، ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه" -وفي رواية قال: "اتِّقِ اللَّه واصبر ولا تستعجل"- ففعل (^١)، فبينما هو في بيته، فقَرع ابنه الباب، فخرج فرآه ومعه مئة من الإبل. في رواية الكلبي (^٢) -وقال مقاتل بن حيَّان: ومعه أغنام- فأتى عوفٌ النَّبيَّ -ﷺ-، وقال: إنَّ ابني عاد بكذا وكذا، فهل يحلُّ لنا أن نتناول منه؟ قال: "نعم"، وكان عوفٌ رجلًا فقيرًا، فأنزل اللَّه فيه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ كما اتَّقى عوفٌ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ من شدائد الدُّينا، وسكرات الموت، وأهوال يوم القيامة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ كما رزق عوفَ بن مالك وابنه (^٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: أي: منفِذُ أمره، ممضٍ له، لا مانع له منه، ولا معترِض عليه.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾: أي: مقدارًا، هو بالغٌ أمرَه إليه.
وقيل: أي: قد جعل لكلِّ شيءٍ أجلًا ينتهي إليه، بلا تأخير ولا تقديم.
وقيل: هو راجعٌ إلى كلِّ ما ذُكِرَ مِن أوَّل السُّورة إلى هاهنا، من حدود الطَّلاق والعدَّة، أخبر أنَّ لكلٍّ مِن ذلك -من شرائعه وأحكامه- عنده مقدارًا؛ أي: حدًّا فالزموه ولا تتعدَّوه.
* * *
(٤) - ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.
_________________
(١) "ففعل" ليس في (أ).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٣٦).
(٣) المرجع السابق.
[ ١٤ / ٤٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾؛ أي: اللَّائي انقطع رجاؤهنَّ لكبرهنَّ من أن يريْنَ دمًا من زوجاتكم المدخول بهنَّ.
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: أي: شككْتُم في حكم عدتهنَّ أنهنَّ (^١) بماذا يعتددْنَ؟
﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾: مُقام ثلاثة قروء في التي تحيض.
﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: من الصِّغار اللَّاتي لم يبلغْنَ، واللَّائي بلغْنَ بغير الحيض، كذلك يعتددْنَ بثلاثة أشهر.
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾: أي: والمطلَّقات الحوامل.
﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: وهو اسم لكلِّ ما في البطن من الولد، واحدًا كان أو أكثر، تنقضي عدَّتها كذلك.
قال ابن عبَّاس ﵄: لَمَّا نزل قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال معاذ بن جبل ﵁: يا رسول اللَّه، لو كانت المرأة آيسة لا تحيض، كيف تعتدُّ؟ فنزل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية، فقام رجل آخر فقال: لو كانت صغيرة فكيف عدَّتها؟ فنزل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾، فقام آخر وقال: لو كانت حاملًا فكيف عدَّتها؟ فنزل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٢).
فأمَّا الحامل المتوفَّى عنها زوجها فكذلك تنقضي عدَّتها بوضع حملها؛ لِمَا رُوي أنَّ سبيعة بنت الحارث وضعَتْ بعد وفاة زوجها بعشرين يومًا، فمرَّ بها أبو السَّنابل بن بَعْكَك، فقال لها: أتريدين أن تتزوَّجي؟ قالت: نعم، قال: لا، حتى يأتيَ
_________________
(١) "أنهن" ليس في (أ).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٤٦٢)، وذكره مختصرًا الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٥٠٩).
[ ١٤ / ٤٦٦ ]
عليك أربعة أشهر وعشرًا، فأتت النَّبيَّ -ﷺ- فقال لها: "قد حللْتِ" (^١).
وعن عليٍّ ﵁ أنَّه كان يقول: تعتدُّ أبعدَ الأجلَيْن؛ لأنَّ قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يقتضي الاعتداد بالأشهر في الحامل وغير الحامل، وآية هذه السُّورة تقتضي انقضاءَ عدتها بوضع الحمل في الطَّلاق والوفاة، فيُجمع بينهما احتياطًا (^٢).
وعن عمر وابن عمر وابن مسعود وجماعةٍ من الصَّحابة: أنَّ عدَّتها تنقضي بوضع الحمل.
قال عمر ﵁: لو وضعَتْ ما في بطنها وزوجُها على سريره قبل أن يُدلَّى في حفرته لانقضَتْ عدَّتها وحلَّت للأزواج (^٣).
وقال ابن مسعود ﵁: مَن شاء باهلْتُه عند الحجر الأسود أنَّ سورة النِّساء القُصرى نزلت بعد الآية التي في سورة البقرة، فكانت ناسخةً لذلك (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾؛ أي: ومَن يَلزم طاعة اللَّه فيما أمره به ونهاه عنه، فذلك وإن ثقل عليه في الحال فإنَّه يجد له يُسرًا في عاقبته؛ لِمَا يأمن من عقوبة المعصية، وينال من ثواب الطَّاعة، ولذا سمَّى اللَّه الطَّاعة اليسرى، والمعصية العسرى، بقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠].
_________________
(١) رواه البخاري (٣٩٩١)، ومسلم (١٤٨٤)، من حديث أبي سلمة ﵁.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٧١٠٢، ١٧١٠٣)، وانظر: "الأم" للشافعي (٧/ ٢٦٤).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٧٠٩٨).
(٤) رواه البخاري (٤٩١٠)، ولفظه: "أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة، لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى"، ورواه أبو داود (٢٣٠٧) بلفظ قريب من لفظ المصنف، ولفظه: "من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشرًا".
[ ١٤ / ٤٦٧ ]
(٥ - ٦) - ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾: أي: هذا كلُّه من أوَّل السُّورة إلى هاهنا أمرٌ أمركم اللَّه تعالى به، وأنزله في القرآن على رسوله.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾: وهذا يعمُّ هذا الأمر وغيره.
وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾: أي: أسكنوا المعتدَّات في مساكنكم.
و﴿مِنْ﴾ للتَّبعيض؛ أي: موضعًا من المواضع التي تسكنونها، فأنفقوا عليهنَّ في العِدَّة.
﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: أي: من وسعكم وطاقتكم؛ أي: من سَعتكم وغناكم.
والوُجْد والجِدَة، الغنى، والواجدُ: الغنيُّ.
﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾: أي: ولا تؤذوهنَّ؛ أي: في السُّكنى والنَّفقة ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾.
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: فتنقضيَ عِدَّتهنَّ.
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾: أي: أرضعَتِ المطلَّقات أولادكم.
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: إذا لم يتطوَّعْنَ بذلك، فإنَّه من النَّفقة، والنَّفقة على الأب.
﴿وَأْتَمِرُوا﴾؛ أي: تشاوروا بجميل في حقِّ الصَّبي ﴿بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: اتَّفقوا فيما بينكم -يعني: الأزواجَ والزَّوجاتِ- بمعروف؛ أي: في أمر الإرضاع على شيءٍ مستحسَنٍ عقلًا وشرعًا.
﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾: أي: وإن تضايقْتُم، وهو أن يأبى الرَّجل أن يعطيَ المرأة أجرَ
[ ١٤ / ٤٦٨ ]
إرضاعها، وأبَتِ المرأة أن ترضعَه بغير أجرٍ (^١)، أو هي طلبَتِ الكثير وهو يعطي القليل.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ﴾: أي: للزَّوج ﴿أُخْرَى﴾؛ أي: امرأةٌ أخرى؛ أي: يطلب إرضاعَ الولد من امرأة أخرى بأجرٍ أو بغير أجرٍ على ما يتَّفق.
* * *
(٨ - ٧) - ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾: أي: الزَّوج الذي هو والد الرَّضيع، ويحتمِل أن ينفق (^٢) الزَّوج على معتدَّته (^٣)، فقد سبق ذكر الكلِّ.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾: أي: ضُيِّقَ عليه ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾؛ أي: على قَدْر ما أعطاه اللَّه.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾: أي: قَدْر ما أعطاها.
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: وهذا وعدٌ لذي العُسْرِ باليسر.
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾: ذكرَ حدودًا في هذه السُّورة، ونهى عن تعدِّيها، تمَّ ذكر الذين تعدَّوا حدود اللَّه من الماضين وما صنع بهم، وخوَّف هؤلاء مثلَه، وقال: وكم من أهل قرية عتَوا؛ أي: عصَوا وأبَوا.
_________________
(١) في (ف): "وأبت المرضعهَ أن ترضعه".
(٢) "أن ينفق" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "المعتدة".
[ ١٤ / ٤٦٩ ]
وقيل: العتوُّ: الخروج إلى فاحش الفساد.
وقيل: هي من مجاوزة الحدِّ في المعصية.
وقال قتادة: هو المخالفة (^١).
﴿وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: عتَتْ عن أمر رسلِه أيضًا.
﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾: أي: جازيناها بذنوبها كلِّها في الدُّنيا ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ في الدُّنيا.
* * *
(٩) - ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾.
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ في الدُّنيا ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ في الآخرة.
وقيل: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا غليظًا مستعظمًا كالخسف والقذف والمسخ والغرق والرِّيح العاتية ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾؛ أي: قاسَتْ ضرر عصيانها، لم يعاقبْها اللَّه تعالى إلَّا بذنوبها، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾: هلاكًا، وقيل: خسرانًا، حيث باعوا نعيم الآخرة بالعذاب.
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٧١) عن السدي، ولفظه: (﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾: غيرت وعصت)، وعن ابن زيد (٢٣/ ٧٢)، ولفظه: (﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾: تركته ولم تقبله).
[ ١٤ / ٤٧٠ ]
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: في الآخرة، وهو بيانُ هذا الخسر.
وقيل: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ في الآخرة، ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ في الدُّنيا.
وقيل: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ ﴿وَعَذَّبْنَاهَا﴾ كلاهما في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ عند الموت، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ خسروا في الدُّنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أن تعصُوه وتتعدَّوا حدودَه، فيفعلَ بكم ما فعل بهم.
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾: قال ابن كيسان: أي: كتابَه الذي ذَكر فيه ما أَحَلَّ بالأمم من قبلكم، وما الخلقُ صائرون إليه في المعاد.
قال مجاهد ﵀: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: شرفًا وحديثًا، وهما الرَّسول والقرآن (^١).
وقيل: ﴿ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾؛ أي: أنزل اللَّه ذكرَه رسولًا، مفعول بالذِّكر؛ أي: قرآنًا يُذكَر فيه الرَّسول.
وقيل: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: لذكرٍ؛ أي: لتذكيرٍ وعظة، و﴿رَسُولًا﴾ مفعول بقوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أو لذكر منه ما تحتاجون إليه، والإنزال بمعنى الإرسال.
وقيل: أضمر هاهنا فعلًا آخر، وتقديره: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾؛ أي: قرَانًا، وأرسل إليكم رسولًا، قاله أبو حاتم، كما قال الشاعر:
وَزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيُوْنا (^٢)
_________________
(١) ذكره دون نسبة السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٤٤٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٤٢).
(٢) عجز بيت للراعي النميري. وصدره: إذا ما الغانيات برزن يومًا انظر: "ديوان الراعي النميري" (ص: ١٥٠).
[ ١٤ / ٤٧١ ]
أي: وكحَّلْنَ العيونَ.
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾: وهي القرآن.
﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: أي: الضَّلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: الهدى.
والإخراجُ: هو النَّقل من الكفر إلى الإيمان في حقِّ مَن آمنَ بعدَ كفرِه، والحفظُ عن الوقوع في الكفر في حقِّ مَن كان مؤمنًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾: أي: في الجنَّة رزقًا واسعًا طيِّبًا هنيئًا مأمونًا من التَّغيير والانقطاع.
* * *
(١٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: ذكر ملكَه وسلطانَه وقدرتَه تأكيدًا لِمَا سبق من الوعد والوعيد.
﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: أي: سبعًا.
قال الضَّحَّاك: هي منطبِقة، لا سكانَ لها، إلَّا الأرضَ التي نحن عليها (^١).
قال ابنُ عبَّاس ﵄: في كلِّ أرض سكانٌ؛ إمَّا ملائكة، وإمَّا جِنٌّ (^٢).
_________________
(١) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢١/ ٦٣).
(٢) روى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٧٧) عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية قال: "في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق".
[ ١٤ / ٤٧٢ ]
وقال قتادة والحسن: في كلِّ أرض خلقٌ من خلقه (^١).
وقال كعب: السَّماوات سبعٌ، بعضُها فوق بعض: الأولى سماء الدُّنيا، والثَّانية رتقًا، والثَّالثة فيلون (^٢)، والرَّابعة رقيعًا، والخامسة ديكون (^٣)، والسَّادسة عريبا، والسَّابعة إسحاقابيل.
وقال وهبٌ: والأرضون سبع: الأولى البسيطة (^٤)، والثَّانية جلدة، والثَّالثة غرقة، والرَّابعة جربا (^٥)، والخامسة ملتا، والسَّادسة يالنجين (^٦)، والسَّابعة عجيبا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؛ أي: ومن الأرضين.
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾: قيل: ينزل أمر اللَّه تعالى (^٧) بين السَّماوات والأرض، يُنزل إلى كلِّ سماء من أمره (^٨) ما يريد على مَن فيها من الملائكة، وكذلك أنزل أمره إلى الأرض بما يريد أن يتعبَّد به الجنَّ (^٩) والإنس.
ومعنى نزول الأمر: نزولُ الملائكة بتبليغ الأمر.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٤٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٨٠).
(٢) في (ر): "غيلون".
(٣) في (أ): "ديلون"، وفي (ف): "ملقا".
(٤) في (ف): "بسيط".
(٥) في (أ): "حربا".
(٦) في (أ): "يالنجين". وفي (ف): "بلنجين".
(٧) في (ر): "ينزل اللَّه تعالى أمرًا".
(٨) بعدها في (أ): "على".
(٩) في (ر): "الملك والجن".
[ ١٤ / ٤٧٣ ]
وقال مجاهد ﵀: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾؛ أي: بين السَّماء السَّابعة والأرض السَّابعة (^١).
﴿لِتَعْلَمُوا﴾ أنِّي خلقْتُ هذه الخليقة، وأخبرتكم بها؛ لِيُستدلَّ بها على قدرتي وسلطاني فتعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: علِمَ كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء، ﷾.
واللَّه المستعان
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٨١).
[ ١٤ / ٤٧٤ ]