بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي بشَّرَ المُتَّقين المؤمنين بجَنَّات النَّعيم، الرَّحمنِ الذي وقاهم عذابَ الجحيمِ، الرَّحيمِ الذي وعَدَ المؤمنين في الجنة بشَرابٍ لا لَغْوٌ فيه ولا تأثيم.
وروى أبيُّ بنُ كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ﴿وَالطُّورِ﴾ كان حقًّا على اللَّه تعالى أنْ يُؤَمِّنَه مِن عذابه، ويُنَعِّمَه في جنَّتِه" (^١).
وهذه السُّورةُ مكِّيَّةٌ، وهي سبعٌ وأربعون آيةً، وقيل: تسعٌ، والاختلافُ في ﴿وَالطُّورِ﴾، ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾.
وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ واثنتا عشرة كلمةً.
وحروفُها: ألفٌ وثلاثُ مئةٍ.
وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السُّورةِ: أنَّ خَتْمَ تلك بالوعيد بالعذاب، وافتتاحَ هذه بالقسَمِ على ذلك العذاب.
وانتظامُ السُّورتين: أنهما في مُحاجَّة المشركين، وفي الأولى زيادةُ تقريرٍ بقِصص الأوَّلين.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٣)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢١٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٨٣)، وهو قطعة من الحديث الطويل الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١٠١٢).
[ ١٤ / ٦٧ ]
(١) - ﴿وَالطُّورِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَالطُّورِ﴾: قال ابنُ عباسٍ والضَّحَّاكُ: هو الجبلُ الذي تجلَّى اللَّهُ تعالى له حين كان موسى ﵇ عليه، وكلَّمَه ربُّه، فسألَ الرُّؤيةَ (^١).
وقال مُقاتلٌ: هما طُورانِ: أحدُهما: طُور سيناء (^٢)، والآخرُ طورُ زَيْتا، أحدُهما يُنْبِتُ التِّينَ، والآخرُ يُنْبِتُ الزيتونَ (^٣)، وهما ما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
وقيل: الطُّورُ بمَدْينَ، واسمُه زَبيرٌ.
وقيل: هو كلُّ جبلٍ.
وقال مجاهدٌ: هو الجبلُ بالسُّرْيانِيَّةِ (^٤).
وقال أبو عبيدةَ والخليلُ وأبو عمرو والنَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ والأصمعيُّ وأبو عبيدٍ وأبو حاتِمٍ: هو عربيَّةٌ صحيحةٌ، وليس في القرآن سوى العربيِّ المَحْضِ، فإنْ وقَعَ فيه شيءٌ موافقٌ لبعض اللُّغات فهو وِفاقٌ وقَعَ بين اللُّغَتين.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٠) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (ف): "تينا"، وهما لغتان.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٣) عن مقاتل بن حيان.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٦٠)، وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١١٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (١/ ١٣٤)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٦)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ١٠٣). وتعقبه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٨٥) بقوله: وهذا ضعيف؛ لأن ما حكاه في العربية يقضي على هذا، ولا خلاف أن في الشام جبلًا يسمى بالطور وهو طور سيناء.
[ ١٤ / ٦٨ ]
قولُه تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾: أي: مكتوبٍ.
﴿فِي رَقٍّ﴾: أي: جِلْدٍ رقيقٍ مُهَيَّأٍ للكتابة.
وقال أبو عبيدة: الرَّقُّ: الوَرَقُ (^١).
﴿مَنْشُورٍ﴾: يُنْشَرُ للقراءة.
قيل: هو قسَمٌ بالقرآن يكتُبُه المؤمنون وينشُرونه للقراءة.
وقيل: هو مكتوبٌ عند اللَّه تعالى في رَقٍّ تقرَؤُه ملائكتُه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨].
وقيل: هو الكتابُ الأوَّلُ: التَّوراةُ، والإنجيلُ، والزَّبُورُ، والصُّحُفُ المُنَزَلَةُ على الأنبياء، وكان ذلك مكتوبًا في رَقٍّ ينشُرُه أهلُه لقراءته.
وقيل: هو الذي كتبَه اللَّهُ لموسى ﵇.
وقيل: هو كتابٌ عند اللَّه كتبَه لملائكتِه في السماء يقرؤونه.
وقيل: هو اللَّوْحُ المحفوظُ.
وقيل: هو صُحُفُ الأعمالِ التي تُخرَجُ يوم القيامة، فيُعْطَون بالأيمان أو بالشَّمائل (^٢)، وهذا عن البراء بنِ عازِبٍ (^٣).
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢٣٠). وذكره عنه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٤٠١)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٧)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٧٦).
(٢) في (ر) و(ف): "والشمائل".
(٣) ذكره الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٩١)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٨٢) من غير نسبة. ولم أقف عليه عن البراء.
[ ١٤ / ٦٩ ]
(٤) - ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: أي: الذي يُعْمَرُ بكثرة الزُّوَّار، والمُتَرَدِّدِين إليه مِن الأقطار.
قال الحسن: هو الكعبةُ (^١)، أقسَمَ اللَّهُ به لِعِظَمِ (^٢) قَدْرِه؛ إذ هو أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس، وهو بيتُ اللَّهِ وقِبْلَةُ خَلْقِه.
وروى أنسٌ وصَعْصَعَةُ وجماعةٌ عن النبي -ﷺ- أنه (^٣): "بيتٌ في السَّماءِ الرَّابعةِ بِحِيال الكعبة مِن الأرض يدخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، ثم لا يعودون إليه أبدًا، فهو مَعْمُورٌ بالملائكة" (^٤).
وقال عليٌّ لأصحابه: ما تقولون في البيت المعمور؟ قالوا: هو البيتُ الحرامُ، قال: بل هو بيتٌ في السماء يُقالُ له: الضُّراحُ -يُروى بالصاد والضاد جميعًا- بِحِيال هذا البيت، حُرْمَتُه في السماء كَحُرْمَةِ هذا في الأرض (^٥).
_________________
(١) رواه عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٤). وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٨)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٧٧)، والكرماني في "غرائب التفسير" (٢/ ١١٤٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٨٦).
(٢) في (ف): "به ليعظم" بدل: "اللَّه به لعظم".
(٣) في (ر): "أنه قال".
(٤) رواه البخاري (٣٢٠٧) من حديث مالك بن صعصعة ﵁، ومسلم (١٦٢) من حديث أنس ﵁ في حديث المعراج الطويل، وسياق الحديث يدل على أن البيت المعمور في السماء السابعة، وعليه أكثر الروايات. وأما كونه في السماء الرابعة، فقد رواه عبد بن حميد في "مسنده" (١٢١٠) من حديث أنس ﵁. وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٦٢ - ٥٦٤) عن علي وابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم.
(٥) رواه الحارث في "مسنده" (٣٨٨ - زوائد الهيثمي)، وإسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" =
[ ١٤ / ٧٠ ]
وقال ابن عباس: في السماء السادسة (^١).
وقال مُقاتلٌ: في السماء الدنيا (^٢).
ورُوِيَ أنَّ كعبَ الأحبارِ دخَلَ على ابن عباس، فقال له: أرأيتَ البيتَ المعمورَ أين هو؟ قال: هو بيتٌ في السماء يدخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ لم يدخُلُوه قطُّ قَبْلَه، ولا يدخُلُون حتى تقومَ الساعة، فقال ابن عباس: سبحانَ اللَّهِ! ما أكثَرَ خَلْقَ ربي! فقال: يا ابنَ عباس، والذي نفسي بيده، لَلملائكةُ التي في السماء أكثرُ مِن عدَدِ التُّراب في الأرض، وما في السماوات مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا وفيه ملَكٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ ويُقَدِّسُه، وإنَّ تحت العرش لَملائكةً ما زالوا خاضِعين رقابَهم ما ينظُرون إلى العرش مِن مَخافَةِ اللَّهِ تعالى (^٣).
_________________
(١) = (٤٢١٩)، الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٦٣)، والحاكم في "المستدرك" (١٦٨٤)، والبيهقي في "الشعب" (٣٩٩١).
(٢) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٤٣). ورواه ابن وهب في "جامعه" (١٥٢)، والأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٤٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٦٣) عن علي ﵁. وذكره عن علي مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١١٦)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٧). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٠)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٨٦) من غير نسبة.
(٣) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٤/ ١٤٣) مقدمًا له بصيغة قيل.
(٤) لم أقف عليه، وقوله: "لَلملائكةُ التي في السماء أكثرُ مِن عدَدِ التُّراب في الأرض" رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٧٤٢) عن كعب. وقوله: "هو بيتٌ في السماء يدخُلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ لم يدخُلُوه قطُّ قَبْلَه، ولا يدخُلُون حتى تقومَ الساعة" له شاهد من حديث مالك بن صعصعة ﵁ عند مسلم (١٦٤/ ٢٦٤)، وآخر من حديث أنس عند مسلم أيضًا (١٦٢/ ٢٥٩).
[ ١٤ / ٧١ ]
وعن ابن عباس أنه قال: هو البيتُ الذي بناه آدمُ في الأرض، فرُفِعَ أيَّامَ الطُّوفان، ووُضِعَ حِيالَ الكعبةِ (^١).
وقال مُقاتل: يُصَلِّي فيه ما يشاءُ اللَّهُ كلَّ يومٍ صِنْفٌ مِن الملائكة يُقالُ لهم: الجِنُّ، كان منهم إبليسُ، فإذا فرَغوا نزَلوا إلى الأرض، وطافوا بالبيت الحرام، ثم يَصْعَدون إلى السماء ولا يَهْبِطون أبدًا (^٢).
* * *
(٥ - ٦) - ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: هو السَّماءُ، رُفِعَ فوق كلِّ شيء، وفيها الملائكةُ، ومنها نزولُ الوحيِ ونزولُ المطرِ.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾: قال الفرَّاء: أي: المَمْلُوء (^٣).
وقال عليٌّ: أي: المُوقَد (^٤)، و(قد سَجَرْتُ التَّنُّورَ)؛ أي: أَوْقَدتُّه.
وقال كعبٌ: هو البحرُ يُسْجَرُ فيكون جهنَّمَ (^٥).
_________________
(١) رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٣٦). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٢٧٤)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ١٥٠).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١٤٣).
(٣) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ٩١).
(٤) رواه معناه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٦٧ - ٥٦٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٩٣١)، والبيهقي في "البعث" (٤٩٥). ورواه بلفظه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٦٨) عن مجاهد وابن زيد. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٤) عن مجاهد والضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش. وسيأتي عن الضحاك قريبًا.
(٥) رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٠٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٧٥).
[ ١٤ / ٧٢ ]
وقيل: يُحْمى فيكون شرابَ أهلِ النار.
وقيل: ﴿الْمَسْجُورِ﴾: أي: المَفْجُور، قال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣].
وقال ابن عباس: البحرُ المَسْجورُ: المُرْسَلُ (^١)؛ كما قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣].
وقال ابن كيسان: ﴿الْمَسْجُورِ﴾: المجموع (^٢)، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ (^٣): أي: جُمِعَتْ حتى صارت بحرًا واحدًا.
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿الْمَسْجُورِ﴾: المُوقَدُ (^٤).
ثم رُوِي أنَّ النبيَّ -ﷺ- قال: "لا يَرْكَبَنَّ البحرَ إلَّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهدٌ في سبيل اللَّه، فإنَّ تحت البحرِ نارًا، وتحت النار بحرًا، وتحت البحر نارًا" (^٥).
فهذه الأقاويلُ على أنَّ البحرَ هو على بحار الدنيا.
_________________
(١) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٢٩). وذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٦٨)، والكرماني في "غرائب التفسير" (٢/ ١١٤٦). وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٩) عن سعيد بن جبير.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٥). وقد تقدمت نسبته لعلي قريبًا.
(٣) " ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ " ليس من (أ) و(ف).
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٤)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٨٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٨٦).
(٥) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٣٩٣)، وأبو داود (٢٤٨٩)، والطبراني في "الكبير" (١٤٤٩٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٨٦٦٢)، والخطيب في "تلخيص المتشابه" (١/ ١٥٦)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢٤٠): هو حديث ضعيف مظلم الإسناد، لا يصححه أهل العلم بالحديث؛ لأن رواته مجهولون لا يعرفون.
[ ١٤ / ٧٣ ]
وقال عكرمةُ: هو بحرٌ تحت العرش (^١).
* * *
(٧ - ٨) - ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾: أقسَمَ بهذه الأشياء أنَّ العذابَ واقِعٌ بالكفار لا محالةَ.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾: عنهم إذا نزَلَ بهم، وذلك في اليوم الذي هُم به مُكَذِّبون.
وعن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ قال: أتيتُ النَّبيَّ -ﷺ- أُكَلِّمُه في أُسارى بدرٍ، فألفيتُه في صلاة الفجر يقرأُ سورة ﴿وَالطُّورِ﴾، فلما بلَغَ قولَه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ أَسْلَمْتُ؛ خوفًا مِن أنْ يَنْزِلَ بي العذابُ (^٢).
وقال الإمام القُشَيريُّ: أقسَمَ بالطُّور؛ لأنَّه مَحَلُّ قَدَمِ الأحبابِ وقتَ سَماعِ الخِطاب، وسَمِعَ هناك موسى ذِكْرَ محمَّدٍ وأُمَّتِه حتى نادانا مِن أصلاب آبائنا: أعطيتُكم قبلَ أنْ تسألوني.
و﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾: ما كتَبَ على نفْسِه مِن الرَّحمة لعباده، وما كتَبَ مِن قولِه: "سبَقَتْ رحْمَتي غضَبي"، وما قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٧٠) عن علي وعبد اللَّه بن عمرو وأبي صالح. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٠١) عن أبي صالح مولى أم هانئ. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٥) عن علي ﵁.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٩). ورواه مختصرًا ابن حبان في "صحيحه" (٥/ ١٤٢)، والطبراني في "الكبير" (١٤٩٨). وأصله في "الصحيحين" أن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قرأ في المغرب بالطور. رواه البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣).
[ ١٤ / ٧٤ ]
قولُه تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾: قلوبُ العارفين عُمِّرَتْ بمَحَبَّتِه ومعرفتِه.
وقيل: هو مواضِعُ عباداتِهم، ومجالِسُ خَلَواتِهم.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾: عذابُه في الظَّاهرِ هو ما توعَّدَ به عبادَه العاصين، وفي الباطن الحِجابُ بعد الحُضور، والسَّتْرُ بعد الكَشْف، والرَّدُّ بعد القَبول.
قولُه تعالى: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾: إذا رَدَّ عَبْدًا أُبْرِمَ القضاءُ بِرَدِّه، فلا قَبولَ له مِن بعده (^١).
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾: أي: العذابُ واقِعٌ في يوم تمورُ السماءُ.
وقال مُجاهدٌ: أي: تدورُ، وهو يومُ القيامة (^٢).
وقال الفراء: تدورُ بما فيها (^٣).
وقال القُتَبيُّ: يدورُ أهلُها فيها (^٤).
وقال الضَّحَّاكُ: أي: يموجُ أهلُها بعضُهم في بعضٍ (^٥).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٧١ - ٤٧٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الأهوال" (٣٥)، وابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص: ١٣١)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٧٢)، والدينوري في "المجالسة" (٢٦٢٥)، وأبو الشيخ في "ذكر الأقران" (٤٣٥)، والخطيب في "الكفاية" (ص: ٣٨٣).
(٣) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ٩١).
(٤) انظر: "غريب القرآن" (ص: ٤٢٣).
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٧٣). وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١١٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٧٩).
[ ١٤ / ٧٥ ]
وقال الأخفش: تَكَفَّأُ (^١)، وأنشدَ بيتَ الأعشى:
كأنَّ مِشْيَتَها مِن بيتِ جارتِها مَوْرُ السَّحابةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ (^٢)
وهو: التَّكَفُّؤُ في المشي.
وقيل: أي: تَضطربُ.
وهذا كلُّه بيانُ حالِ السماء حالَ زوالِها وتشقُّقِها.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾: فإنَّ اللَّه تعالى يُسَيِّرُها، فتصيرُ الأرضُ قاعًا صَفْصَفًا.
* * *
(١١ - ١٤) - ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: بالبعث والجزاء.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾: أي: في اضطرابٍ وتَرَدُّدٍ في الباطل، يقولون (^٣) ما يعرِضُ لهم مِن غير حُجَّةٍ، بل بهوًى وشَهْوَةٍ.
وقيل: أي: في خَوْضٍ في أسبابِ الدنيا يلعبون فيها، لا يُفَكِّرون في حسابٍ ولا جَزاءٍ.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾: أي: يُدْفَعون إليها بعُنْفٍ وشِدَّةٍ.
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: أي: يُقالُ لهم ذلك.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٦).
(٢) انظر: "ديوان الأعشى" (ص: ٥٥)، وفيه: "مر السحابة"، وهو بيت من معلقته المشهورة.
(٣) في (ف): "يقول".
[ ١٤ / ٧٦ ]
﴿اصْلَوْهَا﴾: أي: ادْخُلوها وقاسُوا حَرَّها، هذا إلى آخِرِ الآيةِ مُقَدَّمٌ في المعنى، وهذا المُعْتَرِضُ (^١) مُؤَخَّرٌ، وهو قولُه تعالى:
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾: يُقالُ لهم: أَفَتَخْيِيلٌ هذا العذاب الذي ترونه؟!
﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾: ليسَتْ لكم أَعْيُنٌ تُبْصِرون بها هذا؟!
وهذا تقريعٌ لهم، فقد كانوا يقولون في الدنيا في الآيات: إنَّها سِحْرٌ وتَخْيِيلٌ، ولا يُتَيَقَّنُ بصِحَّتِها، فيُقالُ لهم عند رُؤية العذابِ: أَفَتَتَوَهَّمون هذا تَخْيِيلًا أم ليست لكم عُيونٌ باصِرَةٌ ترونه بها -والخَفاءُ يكون بهذين الطَّريقين- أم تتيقَّنون أنه عذابٌ؟!
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: صَبْرُكم وجَزَعُكم سواءٌ، فلا يُخَفَّفُ عنكم، ولا تُرْحَمون فتُخرَجوا منها، وكانوا يقولون في الدنيا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]، فيُقالُ لهم في النار: سواءٌ عليكم أَصَبَرْتُم أم جَزِعْتُم، فلا فرَجَ لكم مِن العذاب المُهين، وهم يقولون أيضًا لأنفسهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾.
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أنتم جَلَبْتُم إلى أنفسكم هذا.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "الغرض"، وفي (ر): "معترض".
[ ١٤ / ٧٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾: وهذا بيانُ حالِ الذين يُخالِفونهم، وهُم الذين اتَّقوا الشركَ والمعاصيَ، وهُم في بساتينِ الفِرْدَوسِ ونَعيمِها.
﴿فَاكِهِينَ﴾: قال الفراء: أي: مُعْجَبين (^١).
وقال القُتَبِيُّ ونِفْطَوَيْهِ: ناعِمين (^٢).
وقيل: مُتَوَسِّعين فيما يَشْتَهونه مِن الفواكه وغيرِها.
وقيل: طَيِّبين.
﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾: أي: أعطاهم.
﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾: أي: حَفِظَهم.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾: أي: يُقال لهم: ﴿كُلُوا﴾: مِن أَطْعِمَتِها، ﴿وَاشْرَبُوا﴾: مِن أَشْرِبَتِها، ﴿هَنِيئًا﴾: سائِغًا طَيِّبًا لا أذًى فيها.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: جزاءً لكم بطاعتِكم في الدنيا، يُقالُ لهم هذا في مُقابلَةِ ما قيل لأولئك: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
و﴿هَنِيئًا﴾: يجوزُ نعتًا للمصدر المحذوف، ويجوزُ دُعاءً؛ كما يُقالُ: هَنَّاكمُ اللَّهُ سَقْيًا ورَعْيًا.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ٩١).
(٢) انظر: "غريب القرآن" (ص: ٤٢٥). وذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٧١) عن نفطويه.
[ ١٤ / ٧٨ ]
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾: جَمْعُ سَريرٍ.
وقال الكلبيُّ: صُفَّ بعضُها إلى بعض (^١)، طولُها مئةُ ذِراعٍ في السماء، يتقابلون عليها في الزِّيارة، وإذا أراد أحدُهم القُعودَ عليها تطامَنَتْ واتَّضَعَتْ، وإذا قعَدَ عليها ارتفعَتْ (^٢).
﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾: أي: قَرَنَّاهم بحُورٍ؛ أي: سُودِ الأعيُنِ واسعاتِها.
وقال ابن عباس: يعني: أتَوْنا فُرادى، فجعلناهم أزواجًا بالحُور العِين (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿وأَتْبعناهم﴾ بالألف والنون ﴿ذرِّيّاتِهِم﴾ على الجمع، ﴿وأَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهم﴾ على الجَمْعِ أيضًا، وقرأ الباقون: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾.
وقرأ نافعٌ: ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ في الأول على التوحيد بالرفع، والثاني ﴿ذُرِّيَّاتِهم﴾ على الجمع بالألف.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ وابنُ كثيرٍ كليهما على التوحيد، والأولى رَفْعٌ، والثانيةُ نَصْبٌ.
وقرأ ابنُ عامرٍ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ بالتاء (^٤)، ﴿ذُرِّيَّاتُهم﴾ على الجمع رفعًا، ﴿ألحقنا بهم ذرياتِهم﴾ على الجمع نصبًا (^٥).
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٧) من غير نسبة.
(٢) ذكره عنه بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٣)، وفيه أن طول كل سرير ثلاث مئة ذراع.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) في (أ): "واتبعتهم" بدل من "وتبعتهم بالتاء".
(٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣).
[ ١٤ / ٧٩ ]
وهذا مِن تَكْميلِ النِّعَمِ عليهم في الجنة، يقول: وهؤلاء المُتَّقون الذين آمَنوا وآمَنَ أولادُهم كما آمَن آباؤُهم ألْحَقْنا الذُّرِّيَّةَ -وهُم الأولادُ- بالآباء في الجنة في درجةٍ واحدةٍ.
يقول: وأرفَعُ الجميعَ إليها لِتَقَرَّ أعينُهم بالاجتماع في الجنة كما كان كذلكَ في الدنيا، فلا يَتَنَغَّصُ عليهم الحالُ بتَفَرُّقِ الشَّمْلِ.
ثم قيل: هذا في أولادٍ هم أقلُّ حسناتٍ مِن الآباء، يتفضَّلُ اللَّهُ على الآباء فيُثِيبُ (^١) الأبناءَ مثلَ ثوابِ الآباء، ويتجاوزُ عن تقصير الأبناء.
وقيل: هذا في أولادٍ لم يُقَصِّروا في العمل، لكنْ كان عُمُرُهم أقصرَ مِن أعمار الآباء، فيُثِيبَ الأولادَ مثلَ ثوابِ الآباء؛ لأنَّه على الأعمال لا على الأعمار، فلم يَنْتَقِصْ بنُقْصانِ العُمُر.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ما نَقَصْناهم -أي: الأبناءَ- مِن ثواب أعمالهم بقِصَرِ أعمارهم.
وقيل: ما نَقَصْناهم مِن ثواب الآباء بسبب إلحاق الأبناءِ بهم، مع أنَّهم أقلُّ عملًا (^٢) مِن الآباء، وهو كما يُروى: "مَن فطَّرَ صائمًا فله مِثْلُ أَجْرِه مِن غير أنْ يَنْقُصَ مِن أجرِه شيءٌ" (^٣).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنسٍ: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾: أي: بإيمانِ آبائِهم، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أي: أعطيناهم مِن الثواب ما أعطينا الآباءَ (^٤).
_________________
(١) في (ف): "ثم يثيب".
(٢) في (ر): "أعمالا".
(٣) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٧٠٣٣)، والترمذي (٨٠٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣٣١٧)، وابن ماجه (١٧٤٦)، من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٨٣).
[ ١٤ / ٨٠ ]
وقال ابن عباس: مَن أدرَكَ العملَ وعمِلَ صالحًا أُلْحِقَ بآبائِه بعمَلِهم، ومَن كان صغيرًا أُلْحِقَ بآبائِه بإيمانِ آبائِه (^١).
وقال أبو مِجْلَزٍ: تُجْمَعُ له ذُرِّيَّتُه في الجنة كما كان يُحِبُّ في الدنيا أنْ يجتمعوا إليه (^٢).
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب (^٣): بلَغَني أنَّ الرجل مِن أهل الجنَّة يرى درجةً أرفعَ مِن درجتِه، فيقول: أنَّى لي هذا ولم يَبْلُغْه عملي؟ فيُقال: نشأَ لكَ ولدٌ صالحٌ مِن بعدكَ، فدعا لكَ (^٤).
وقال خارجةُ بن مُصْعَبٍ السَّرَخْسِيُّ: يُلْحِقُ اللَّهُ تعالى الذُّرِّيَّةَ الصِّغارَ بآبائهم في الدرجات، ولم يكن للذُّرِّيَّةِ أعمالٌ يَبْلُغون بها درجاتِ آبائِهم، فبلَّغَهم اللَّهُ تعالى تلك الدَّرَجاتِ بأعمال آبائِهم (^٥).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٠٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٨٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٤٤)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٤٥٣). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٨١).
(٢) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٣٣).
(٣) في (ف): "جبير".
(٤) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٩٧٤٠)، والإمام أحمد في "مسنده" (١٠٦١٠)، والبزار في "مسنده" (٩٠٢٤)، والطبراني في "الدعاء" (١٢٤٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٤٥٩)، مرفوعًا من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٥٥) موقوفًا على أبي هريرة ﵁. ورواه الطبراني في "الأوسط" (١٨٩٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ٨١ ]
وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾: قال ابنُ عباس: أي: مَجْزِيٌّ بكَسْبِه (^١).
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾: أي: أَتْبَعْنا ما أعطيناهم فاكهةً كثيرةً لا تَنْقَطِعُ، كُلَّما أكلوا ثمرةً عادَ مكانَها مِثْلُها.
قولُه تعالى: ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: أي: وأَمْدَدْناهم بهذا أيضًا.
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾: أي: يَتَعَاطَون ويتداولون في الجنة قَدَحًا فيه شرابٌ، ولا يُسَمَّى كأسًا حتى يكونَ فيها شرابٌ؛ كما لا تُسَمَّى مائدةً حتى يكونَ عليها طعامٌ.
﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾: قرأ أبنُ كثيرٍ كليهما بالفتح مِن غيرِ تنوينٍ، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين (^٢)؛ أي: لا يَذْهَبُ هذا الشَّرابُ بعقولِهم فيتكلَّموا باللغو -وهو الكلامُ الباطلُ- فيَأْثَموا به.
وقيل: اللَّغْوُ في القول، والتَّأْثيمُ في الفعل.
وقيل: أي: هو مُباحٌ لهم، لا تأثيمَ فيه بالتحريم.
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ، وذكره عنه الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٤٩١) بلفظ: (﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢)، ووافق أبو عمرو ابنَ كثير في قراءته.
[ ١٤ / ٨٢ ]
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: لِلخِدْمَة.
﴿غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾: خُلِقوا في الجنة.
﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾: أي: مَصُونٌ لِلَطافَتِهم وصَفْوَتِهم، وقال في الجواري: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، وهو معَ صفائِه ولَطافَتِه مأكولٌ، فأشارَ بذلكَ أنَّ الجواريَ يُتَمَتَّعُ بهن نَظَرًا وتناوُلًا، والغِلْمانَ للنَّظَر دون التَّناوُل، وجمَعَتْ هذه الآيةُ نهايةَ ما يُشْتَهى، وكمالَ ما يُبْتَغى، وليس وراءَه مُنْتَهى.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: وهو مِن المُفاوضة التي يتِمُّ بها الاستئناسُ.
أي: أقبَلَ بعضُ أهلِ الجنة على بعضيى يتساءلون عن أعمالهم في الدنيا التي بها وصَلوا إلى هذه النِّعَمِ بوعد اللَّه تعالى.
* * *
(٢٦ - ٢٧) - ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾.
﴿قَالُوا﴾: أي: قال المسؤولون:
﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾: أي: قبلَ هذا ﴿فِي أَهْلِنَا﴾: أي: مع أهلنا ﴿مُشْفِقِينَ﴾: أي: خائِفين.
وهؤلاء كانوا مِن أهل التقوى والطاعة، أَدَّوا فرائضَ اللَّهِ تعالى، واجتنبَوا مَحارِمَه، إلَّا أنهم استَصْغَروا أنفسَهم، واستَقْصَروا (^١) أعمالَهم، فكانوا مُشفقين أنْ يُؤْخَذوا بتقصيرهم.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: بقَبولِ الطاعات مع تقصيرِها، وعفا عن السيئات مع توفيرِها.
﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾: أي: حَفِظَنا مِن عذاب السَّموم؛ أي: الحَرُور.
_________________
(١) في (ر): "واستحقروا".
[ ١٤ / ٨٣ ]
(٢٨) - ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: في الدُّنيا ﴿نَدْعُوهُ﴾ أنْ يمُنَّ علينا، ويَقِيَنا عذابَ السَّموم.
قال ابن عباس: أي: حرَّ النارِ (^١).
وقيل: ﴿السَّمُومِ﴾: الحَرُّ الذي يدخُلُ مَسامَّ البدَنِ فيؤلِمُه.
﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: قرأَ نافعٌ والكسائيُّ: ﴿إِنَّهُ﴾ بفتح الألف؛ أي: نَدْعُوه بأنه، وقرأَ الباقون بالكسر على الاستئنافِ (^٢).
﴿الْبَرُّ﴾: البَارُّ اللَّطيفُ.
وقال الضَّحَّاكُ: أي: الصَّادِقُ فيما وعَدَ (^٣).
﴿الرَّحِيمُ﴾: الرَّؤوفُ العَطوفُ.
وقال ابن عباس: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾: خائفين مِن عذاب اللَّه (^٤).
وقال الضَّحَّاكُ: خائفين أنْ يُنْزَعَ منا الإيمانُ (^٥).
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: لولا أنهم قالوا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، لكانوا قد لاحَظوا
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٤٩٧)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ٢٣٩)، دون نسبة.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣).
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩١).
(٤) ذكره الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٩٠)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٠)، والواحدي في "الوجيز" (ص: ١٠٣٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٠)، دون نسبة.
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ٨٤ ]
إشفاقَهم، ولكنَّ الحقَّ اختطَفَهم عن شُهودِ إشفاقِهم، حيث أشهَدَهم مِنَّتَه عليهم حتى قالوا: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾، وقالوا: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.
* * *
(٢٩ - ٣٠) - ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾: أي: فَدُمْ على تذكيرِهم بهذا كلِّه، ولا تَلْتَفِتْ إلى قولِهم لكَ: إنك كاهنٌ أو مجنونٌ، فما أنتَ كذلك ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: قد أنعَمَ اللَّهُ عليكَ بكمال العقلِ، وبرَّأَكَ مِمَّا وصفَكَ به أهلُ الجهلِ.
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾: وهذه مُحاجَّةٌ للمشركين، يقولُ: أتقولون: إنَّ محمدًا شاعرٌ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾؛ أي: ننتظِرُ به الموتَ فنستريحُ منه؛ كما ماتَ شاعرُ بني فُلانٍ فاستراحَ الناسُ مِن لسانِه وشَتْمِه.
و﴿الْمَنُونِ﴾: عند الكسائيِّ والأخفشِ والفرَّاءِ: الدَّهْرُ (^١)، و﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: حوادثُ الدَّهرِ.
والخليلُ يقولُ: ﴿الْمَنُونِ﴾: الموتُ (^٢)، وهي مُؤَنَّثةٌ سماعًا، ورَيْبُها: أوجاعُها (^٣)، وسُمِّيَ الدهرُ مَنونًا؛ لأنَّه يذهَبُ بمُنَّةِ الإنسان؛ أي: قُوَّتِه، وسُمِّيَ الموتُ مَنونًا لأنه
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٩٣). وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٥٠٠) عن الفراء، والأصمعي، والكسائي. وذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٤٢٦) عن الكسائي.
(٢) انظر: "العين" (٨/ ٣٧٥).
(٣) في (أ): "إرجاعها".
[ ١٤ / ٨٥ ]
يَقْطَعُ العُمُرَ، والمَنُّ: القَطْعُ، و﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]؛ أي: غيرُ مَقْطوعٍ.
* * *
(٣١ - ٣٢) - ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾: هو تهديدٌ لا أَمْرٌ؛ أي: أنتم تتربَّصون موتي، وأنا أترَبَّصُ أنْ يُظْفِرَني اللَّهُ عليكم فتنقادوا إليَّ بالإسلام (^١)، أو يَقْتُلَكم اللَّهُ بيَدِي وأيدي أصحابي، أو تموتوا على الكفر على الذُّلِّ والقَهْرِ.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾: أي: إنَّهم يدَّعون أنهم أصحابُ عُقولٍ، ويفتخرون بها، أَفَعُقُولُهم تَدْعُوهم إلى الكذب عليكَ، وتَسْمِيَتِكَ بهذه الأسماء القبيحة، والعُقولُ تدُلُّ على براءَتِكَ عن هذه الصِّفات؟
﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾: أي: بل يفعلون (^٢) ذلك لِطُغْيانِهم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾: أي: اختَلَقَه؛ أي: القرآنَ.
﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بل هُم لا يُصَدِّقون بما يأتيهم مِن الحقِّ.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾: أي: فليأتوا بمِثْلِ هذا القرآنِ مُتَقَوَّلًا إنْ كانوا صادقين أنَّ محمدًا تقوَّلَه، فإنهم مِثْلُ محمَّدٍ في اللِّسانِ، ومعرفةِ ضُروبِ الكلام.
_________________
(١) في (ف): "فتنقادوا إلى الإسلام".
(٢) في (ر) و(ف): "يقولون".
[ ١٤ / ٨٦ ]
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾: أي: أم يقولون: إنَّهم خُلِقُوا مِن غير خالِقٍ، أم يَدَّعون أنهم خَلَقوا أنفُسَهم؟
يعني: فإذا كانوا لا يَدَّعون واحدًا مِن هذين، بل يُقِرُّون أنَّ لهم صانِعًا غيرَه، فما الذي يمنَعُهم عن إفرادِه بالعِبادةِ، وعن إثباتِ القُدْرةِ له على الإعادة؟
وقيل: أم خُلِقُوا مِن غير تُرابٍ ولا نُطْفَةٍ؟ فليسوا يدَّعون هذا، بل يُقِرُّون أنَّ آدمَ خُلِقَ مِن تُرابٍ، وهُم خُلِقُوا مِن ماءٍ مَهينٍ، فما يمنَعُهم أنْ يُقِرُّوا أنهم يُخْلَقُون مَرَّةً أخرى مِن عظامٍ رَميمٍ؟
وقيل: أم خُلِقُوا مِن غيرِ آباءٍ وأُمَّهاتٍ، فهُم كالجَماد لا يعقلون ما يُذَكَّرون به، أم هُم الخالِقون هذا الخلقَ، فكذلك لا يَأْتَمِرون ولا ينتهون؛ لأنَّ الأمرَ والنَّهْيَ للخالق.
وقيل: معناه: أم خُلِقُوا مِن غيرِ حسابٍ ولا ثوابٍ وعقابٍ -وتقديرُه: لغير شيءٍ؛ كقولكَ: فعلْتُ هذا مِن غير شيءٍ- فبئس ما يَظُنُّون.
وقال ابنُ كَيْسَانَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾؛ أي: بغير شيءٍ؛ أي: تُرِكوا سُدًى، لا يُؤْمَرون ولا يُنْهَونَ.
وقال أيضًا: أَخُلِقوا عبَثًا، وترُكِوا سُدًى (^١)؟ قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٢).
[ ١٤ / ٨٧ ]
قولُه تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: أي: أم يَدَّعون خَلْقَهما، فإذا لم يدَّعوا خَلْقَ البعضِ ولا خَلْقَ الكُلِّ، واعترَفوا بأنَّ خالقَ الكُلِّ هو اللَّهُ تعالى، فلِمَ امتناعُهم عن توحيدِه، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عنه؟
﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾: أي: ليس تكذيبُهم الرُّسُلَ وجُحودُهم البعثَ عن دليلٍ يَتَيَقَّنون به.
وقيل: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ بوعيد اللَّهِ بتَرْكِ النَّظَر والإصرارِ على الكفر.
وقيل: أي: لا يجحدون البعثَ مُوقِنين باستحالتِه، بل شَاكِّينَ في كونه.
قولُه تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: قيل: أم يقولون: ﴿عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ مِن عِلْمِ الغَيبِ، فعَلِموا بذلك أنه كاذبٌ، وأنَّ البعثَ غيرُ كائنٍ؟
وقال عكرمةُ: ﴿خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: أي: النُّبُوَّةُ (^١).
وقيل: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾: مِن أرزاقِه وعَطائِه، فهُم يَمْلِكون الضُّرَّ والنَّفْعَ لأنفُسِهم ولغيرهم، فيستغنون بذلك عن ربهم؟
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾: أي: أم ليس شيءٌ مِن هذا بل هُم يتمرَّدون ويتسلَّطون عليكَ جهلًا؟
وقيل: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ فهُم المالِكون أرزاقَ العبادِ، أم هُم المُسَلَّطون على الناس، المالِكون تَصْرِيفَهم كيف أرادوا؟
أي: فإذا كانوا غيرَ مالِكين ذلك، بل يُقِرُّون أنَّ اللَّهَ مالِكُ ذلك كُلِّه، فهل يجوزُ أنْ يكونَ عاجزًا عن البعث، أو عاجزًا عن إبانة الصَّادقِ مِن الكاذب بالدليل؟
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣١)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٥٠٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٨٠).
[ ١٤ / ٨٨ ]
وقال أبو عبيدةَ والأخفشُ: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾: أي: الأربابُ، يُقالُ: سَيْطَرَ فلانٌ عليَّ؛ أي: اتَّخَذَني مِن خَوَلِه (^١).
وقيل: أم هُم المُتَسَلِّطون بالغَلَبة بحُجَّةٍ أو عُدَّةٍ؟!
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾: أي: أم يَدَّعون أنَّ لهم سُلَّمًا يتوصَّلون بصُعوده إلى السماء فيَسْتَمعون الأخبارَ بها، ويَصِلون بذلك إلى أخبار السماء كما يَصِلُ محمَّدٌ إليه، فيستمعون بذلك أنَّ ما هُم فيه حقٌّ، فهُم كذلك مُتَمَسِّكون به.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: أي: فلْيَأْتِ مَن يَدَّعي سماعَ ذلك بحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ على سماعِه، وذلك أنْ يُخْبِرَ بغَيبٍ، فيَظْهَرَ كما أَخْبَرَ.
﴿لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾: أي: هُم مِن ضَعْفِ العُقول بهذه المرتبة يُضِيفون إلى اللَّه تعالى البناتِ مع أَنَفَتِهم منهنَّ، ومَن كان مِن قِلَّةِ التَّمييز بهذه المنزلة، كيف تَنْجَعُ فيه الحُجَّةُ والموعظةُ؟
وقيل: معناه: أم قد تَقَرَّرَ عندكم أنَّ ربَّكم له البناتُ، واختارَهنَّ أولادًا لنفْسِه وأَصْفاكم بالبَنينَ، فاستَدْلَلْتُم بذلكَ على كرامتِكم عليه، فقلتم: يَتْرُكنا سُدًى لا حِسابَ علينا ولا جَزاءً؟ فلذلك لا تُبالون بشِرْكِكم ومَعاصيكم، كلَّا ما هذا كذا.
* * *
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢٣٣).
[ ١٤ / ٨٩ ]
(٤٠ - ٤٣) - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قولُه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾: أي: جُعْلًا لكَ مِن أموالهم على الإيمان بكَ.
﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾: فلذلك لا يُؤمنون بكَ.
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾: أي: أم يَدَّعون أنَّ عندهم عِلْمَ الغَيبِ، فهم يكتبون مِن ذلك مِثْلَ ما تأتيهم به، فيُعارِضونكَ به؟
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾: أي: إنْ يَمْكُروا بكَ بتَنْفِيرِ الناس عنكَ، وتَأْلِيبِهم عليكَ احتيالًا لِقَتْلِكَ أو لِغَلَبَتِكَ ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾؛ أي: بل ضَرَرُ كيدِهم يعودُ عليهم، فيُغْلَبون ويُخْزَون ويُهْلَكون، وهذه بشارةٌ لهم.
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾: يَعْتَضِدون به، ويَلْتَجِئون إليه مما نُريدُ إنزالَه بهم مِن العذاب؛ كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: هو مُنَزَّهٌ عن ذلكَ.
وقال مُقاتلٌ ﵀: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر﴾: نزَلَتْ في أبي جهلٍ، والنَّضْرِ بن الحارثِ، وعُقْبَةَ، والحارثِ بنِ قيسٍ، ومُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ، ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: تُوُفِّيَ أبوه شابًا، ونحن نرجو أنْ يكونَ موتُه كَمَوْتِ أبيه (^١).
وقال الحسن: ﴿الْمَنُونِ﴾: الموتُ (^٢).
وقال ابن عباس: الدَّهْرُ (^٣)، وأنشدَ:
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١٤٧).
(٢) لم أقف عليه عن الحسن، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٩٣) عن ابن عباس ﵄.
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣١). =
[ ١٤ / ٩٠ ]
تَرَبَّصْ بها رَيْبَ المَنونِ لعلَّها تُطَلَّقُ يومًا أو يموتُ حليلُها (^١)
وقال في قوله: ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾: أي: لِنُزولِ العذابِ بكم، فعُذِّبوا يومَ بدرٍ.
* * *
(٤٤ - ٤٥) - ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾: أي: وإنْ يرَ هؤلاء المشركون قِطْعةً مِن السماء ساقطًا يَسْقُطُ عليهم وهُم يُعايِنُونها بإنزال اللَّه ذلك حُجَّةً لكَ عليهم؛ كما سألوكَ تَعَنُّتًا فقالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، لَأَدْخَلوا على أنفسهم التَّمْوِيهَ، وقالوا: إنه سحابٌ مَرْكومٌ؛ يعني: رُكِمَ بعضُه على بعضٍ؛ أي: جُمِعَ، فسَقَطَ علينا، وليس بسماءٍ، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: وهذا قد يكون مِن المُعاند
_________________
(١) = وروى عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٩٣) أنه الموت.
(٢) ذكره الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٩٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣١)، والواحدي في "البسيط" (٧/ ١٥٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩١) من غير نسبة. والشطر الثاني عند الطبري هكذا: سيهلك عنها بعلها أو تسرح. ورواه المعافى بن زكريا في "الجليس الصالح" (ص: ١٢٣)، والسراج في "مصارع العشاق" (٢/ ١٥٩) عن حمدان البرتي. ونسبه المرزباني في "معجم الشعراء" (ص: ٣١٩)، والحاتمي في "حلية المحاضرة" (ص: ٣٩)، والراغب الأصفهاني في "محاضرات الأدباء" (٢/ ٢٣٠)، والمستعصمي في "الدر الفريد" (٥/ ٣١٤)، إلى فرَّاص بن عتبة الأزدي.
[ ١٤ / ٩١ ]
بعد التَّيَقُّنِ والمعرفةِ، وقد يكون مِمَّنِ استولى عليه الإِلْفُ والتَّمادي في تَرْكِ النَّظَرِ لِلحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ، فكُلُّ ما ورَدَ عليه مِن الحُجَجِ الباهرةِ أَدْخَلَ على نفْسِه التَّلبيسَ، وتَرْكَ النَّظَرِ والتَّفْتيش.
قولُه تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾: أي: أَعْرِضْ عنهم، ولا تَحْرِصْ على أنْ يُعاجَلوا بالعذاب.
﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾: أي: يُهْلَكون بالصَّاعقة، وهي العذابُ المُهْلِكُ.
وقيل: هي عند النَّفْخَةِ الأولى، قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾: أي: يومَ القيامةِ.
﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: لا يَمْنَعُهم مِن عذابِ اللَّهِ مانِعٌ.
قرأ عاصِمٌ وابنُ عامرٍ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضَمِّ الياء، والباقون بفتحها (^١).
(صُعِقَ) بضم الصاد: أُنْزِلَتْ به الصاعقةُ، و(صَعِقَ) بالفتح: وقَعَ في الصاعقة.
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: أَشْرَكوا، فوضَعوا العِبادةَ في غير مَوْضِعِها.
﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: قَبْلَ اليومِ الذي فيه يُصْعَقون، وهو ما نالَهم مِن القَحْطِ والسَّبْيِ والقَتْلِ يومَ بدرٍ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤).
[ ١٤ / ٩٢ ]
وقال ابنُ زيدٍ: مَصائب الدُّنيا في الأموال والأولاد (^١).
وقيل: هو عذابُ القبرِ. قالَه ابنُ عباسٍ والبراءُ وزاذانُ (^٢).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: يَغْفُلون عنه.
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾.
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: يا محمد؛ أي: لِمَا حُكِمَ عليكَ مِن تبليغِ الرِّسالة، وتَحَمُّلِ أذى أهلِ الضَّلالة.
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: أي: بمَرْأًى مِنَّا، فنحن نحفَظُكَ (^٣) ونَدْفَعُ عنكَ، ولا يَخْفى علينا صَنِيعُكَ وصَنِيعُهم، فنَجْزِي كُلًّا على وَفْقِ عَمَلِه.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: أي: صَلِّ لِربِّكَ حامِدًا له.
﴿حِينَ تَقُومُ﴾: مِن مَنامِكَ (^٤) باللَّيل: الحمدُ للَّه الذي أحياني بعد ما أماتني، وإليه النُّشُورُ (^٥)، وذلك صلاةُ الغَداةِ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦٠٤).
(٢) رواه عن ابن عباس ﵄ عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠١٦)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦٠٣). ورواه عن البراء ﵁ الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦٠٣)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٤). ورواه عن زاذان عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٣٠١٤)، والآجري في "الشريعة" (٨٥٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٠٠)، والبيهقي في "إثبات عذاب القبر" (٦٩).
(٣) في (ف): "نحوطك".
(٤) في (أ) و(ر): "مقامك".
(٥) "الحمد للَّه الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور" زيادة من (ف).
[ ١٤ / ٩٣ ]
وقيل: هو أنْ يقولَ إذا قام إلى الصلاة: سُبحانكَ اللَّهُمَّ وبحمدِكَ. قالَه الضَّحَّاكُ والرَّبيعُ بن أنسٍ (^١).
وقيل: تقومُ مِن القَيْلُولةِ، وهي صلاةُ الظُّهرِ.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: أي: فصَلِّ لِرَبِّكَ أيضًا باللَّيلِ، وهي صلاةُ المغربِ والعشاءِ.
﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: قال عمرُ، وعليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وأبو هريرةَ، والحسنُ، وقتادةُ، وعكرمةُ، ومُجاهدٌ، والشَّعْبِيُّ، وزاذانُ: أي: الرَّكعتين قبل الصُّبح (^٢).
_________________
(١) رواه عن الضحاك ابنُ أبي شيبة في "مصنفه" (٢٤٠٢)، والطبريُّ في "تفسيره" (٢١/ ٦٠٦)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٨٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٥). وذكره عن الربيع الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٥).
(٢) رواه عن عمر ﵁ ابنُ أبي شيبة في "مصنفه" (٨٧٥٤)، والمروزيُّ في "مختصر قيام الليل" (ص: ٧٨). ورواه عن علي وابن عباس ﵄ الطبريُّ في "تفسيره" (٢١/ ٦٠٨). ورواه عن أبي هريرة ﵁ ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٣٨)، وذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١٠٧)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩٤). ورواه عن الحسن بن علي ﵁ عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٩٦٨)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠٧) عن الحسن بن علي، والحسن البصري. ورواه عن قتادة عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٣٠١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦٠٩). وذكره الجصاصُ في "أحكام القرآن" (٣/ ٥٤٤) عن عليٍّ وعمرَ والحسن بن عليٍّ وابن عباسٍ والحسن البصريِّ ومجاهد والنَّخَعيِّ والشَّعبيِّ. وذكره عن الشعبي أيضًا الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٦٥). ورواه عن زاذان ابنُ أبي شيبة في "مصنفه" (٨٧٥١). ولم أقف عليه عن عكرمة.
[ ١٤ / ٩٤ ]
وقال الحسنُ: هو أَمْرٌ بالمُواظبة على الصلوات مَفْروضِها ومَسْنُونِها.
وقيل: هي صلاةُ الفجرِ، والأمرُ للفريضة.
وقيل: التَّسبيحُ: هو الذِّكْرُ باللِّسان إذا قام مِن فراشِه إلى أنْ يدخُلَ في الصلاة. قاله عوف بن مالك (^١).
وقيل: هو في حَقِّ مَن قامَ مِن مَجْلِسِه. وهو قولُ مجاهد، وعطاء، وأبي الأَحْوَصِ (^٢).
وعن النبي -ﷺ- أنه كفَّارةُ المجلسِ (^٣).
والحمدُ للَّهِ الواحدِ الأحدِ، ونشكُرُه على جميع ما وعَدَ.
* * *
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦٠٥) أنه قول: سبحان اللَّه وبحمده، وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩٤).
(٢) انظر: "تفسير مجاهد" (ص: ٦٢٤)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٣٧) إلى الفريابي وابن المنذر. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٣)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٥١٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩٤) عن عطاء وأبي الأحوص.
(٣) روى الإمام أحمد في "مسنده" (٨٨١٨) واللفظ له، والترمذي (٣٤٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "كفارة المجالس أن يقول العبد: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك". وروى النسائي نحوه (١٠١٨٧) من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ وغيره.
[ ١٤ / ٩٥ ]