بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي هو (^٢) الأكرم، الرحمنِ الذي علَّم بالقلم، الرحيمِ الذي علَّم الإنسانَ ما لم يعلم.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ المفصَّل كلَّه" (^٣).
وهذه السورة مكية، وهي ثماني عشرةَ آيةً (^٤)، واثنتان وسبعون كلمة، ومئتان وثمانون (^٥) حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في بيان خلق الإنسان وجزاءِ الإساءة والإحسان.
وهذه أولُ سورة نزلت من القرآن، قالت عائشة ﵂: أولُ ما بُدئَ به رسول اللَّه -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فلَق
_________________
(١) في (ر) و(ف): "سورة اقرأ باسم ربك".
(٢) "الذي هو": ليس في (أ).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٢)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١١٠)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٤) انظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٢٨٠)، وفيه: (ثماني عشرة آية في الشَّامي، وتسع عشرة في الكوفي والبصري، وعشرون في المدنيين والمكي). وانظر اختلافها ثمة.
(٥) في (ر): "وسبعون". والمثبت من باقي النسخ و"البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٢٨٠).
[ ١٥ / ٤٠٧ ]
الصبح، ثم حبِّب إليه الخلاء فكان يأتي حراءً فيتحنَّث فيه -وهو التعبُّدُ- الليالي ذواتِ العدد [قبل أن ينزع إلى أهله] ويتزوَّد (^١) لذلك، ثم يرجع إلى خديجه فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال رسول اللَّه: "فقلت: ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية ثم الثالثة حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ " قال: فرجع بها يرجُفُ فؤاده حتى دخل على خديجة، فقال: "زمِّلوني زمِّلوني" فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فقال: "يا خديجة! ما لي؟ " وأخبرها الخبر وقال: "قد خشيتُ على نفسي" فقالت: كلا، أبشرْ فواللَّه لا يُخزيك اللَّه أبدًا، إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُق الحديثَ، وتحمل الكَلَّ، وتَقْري الضيف، وتُعين على نوائب الحق.
ثم انطلقت به خديجه حتى أتت ورقةَ بن نوفلِ بنِ أسد بنِ عبد العُزَّى بن قصي، وهو ابنُ عمِّ خديجه أخو أبيها، وكان امرَأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتابَ العربي (^٢)، ويكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِي، فقالت له خديجة: أي ابنَ عم! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة بن نوفل: يابن أخي! ما تَرى؟ فأخبره رسول اللَّه -ﷺ- بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، [يا ليتني فيها جذعًا] يا ليتني أكون فيها حيًا حين يُخرجك قومك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أوَ مُخْرِجِيَّ هم؟! " فقال ورقة: نعم، لم يأت أحدٌ بما جئتَ
_________________
(١) في النسخ: "فيتزود"، والمثبت من الصحيحين، وما بين معكوفتين منهما، لكن عند مسلم: (يرجع) بدل: (ينزع).
(٢) "العربي" كذا في النسخ و"صحيح مسلم"، وعند البخاري: "العبراني". وكلاهما صحيح كما قال النووي في "شرح مسلم" (٢/ ٢٠٣)، وانظر توجيهه ثمة.
[ ١٥ / ٤٠٨ ]
به إلا عُودي (^١)، وإن يدركْني يومُك أَنصُرْك نصرًا مؤزَّرًا (^٢).
ثم لم ينشب (^٣) ورقةُ أن توفِّي، وفَتَر الوحي فترةً حتى حزن رسول اللَّه -ﷺ- فيما بلغَنا حزنًا غدا منه مرارًا حتى يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقيَ نفسَه تبدَّى له جبريل فقال له: يا محمد، إنك لرسول اللَّه حقًّا، فيسكن بذلك جأشه (^٤) وتقوَى نفسُه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثلِ ذلك، فكلما أوفى بذروة الجبل تبدَّى له جبريل فقال له مثلَ ذلك (^٥).
وعن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- كان لا يزال يسمع الصوت قبل أن يوحَى إليه، فكان يذعر منه، فيشكو ذلك إلى خديجة فتقول له خديجة: إنه واللَّه لا يصنعُ اللَّه بك إلا خيرًا، قال: فبينما (^٦) رسول اللَّه -ﷺ- قد خرج ذات يوم فبدأ مع (^٧) الناس نحو حراءٍ وقد صنعت له خديجةُ طعامًا، فأرسلت في طلبه فلم تجده، وابتغَتْه عند أعمامه وعند أخواله فلم تجده، إذ أتاها رسول اللَّه -ﷺ- وهو متغيِّرُ الوجه، فظنت خديجة أنه غبارٌ على وجهه، فجعلت تمسح الغبار عن وجهه فلم يذهب، فإذا هو كسوفٌ قالت: ما لكَ يا ابنَ عبد اللَّه؟! فقال لها: "أرأيتَكِ الذي كنتُ أخبرتُك أني أسمعه، فإني واللَّه لقد رأيتُه اليوم" قال: "بينما أنا قائم على حراء إذا أتاني فقال: أبشِرْ يا محمد، أنا
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ر): "وأوذي" وليست في (ف) والصحيحين.
(٢) رواه البخاري (٦٩٨٢) عن عائشة ﵂.
(٣) في (ر) و(ف): "يلبث"، والمثبت من (أ) والبخاري.
(٤) في (ر) و(ف): "قلبه"، والمثبت من (أ) والبخاري.
(٥) رواه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠).
(٦) في (أ): فبينا" بدل: "قال فبينما".
(٧) في (ر) و(ف): "فتدافع" بدل: "فبدأ مع".
[ ١٥ / ٤٠٩ ]
جبريل وأنت رسول ربِّ العالمين بُعثتَ إلى (^١) هذه الأمة، ثم أخرج إليَّ قطعةَ نَمَطٍ (^٢) فقال لي: اقرأه، قلت: واللَّه ما قرأتُ كتابًا قطُّ، وما أرى شيئًا أقرؤه (^٣)، وإني لأميٌّ، فغتَّني غتَّةً ثم أقلع عني فقال: اقرأه، قلت: واللَّه ما قرأت كتابًا قط، وما أدري شيئًا أقرؤه، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم قال: انزل، فنزل بي عن (^٤) الجبل إلى القرار فأجلسني على دُرْنُوك (^٥)، ثم ضرب برجله الأرض ضربةً فخرجت عين ماء، فتوضأ منها فقال لي: توضَّأ، فتوضَّأتُ، ثم قام يصلي (^٦) وصليتُ معه ركعتين، قال: هكذا الصلاةُ يا محمد"، قال: "وعلى جبريل ثيابٌ خضر، ثم انطلق"، فقالت له خديجة: ألم أُخبِرْك أن ربك لم يصنع بك إلا خيرًا؟
قال: ثم لبستْ ثيابها وانطلقت إلى عدَّاسٍ، فقال لها حين رآها: ما لكِ يا سيدة نساء قريش؟ وكانت تسمى بهذا الاسم، فقالت: يا عداس، نَشدتُك اللَّه (^٧) هل سمعتَ فيما سمعتَ بجبريل؟ فقال عداس: مالك وجبريل؟ ولمَ تذكرينه في هذا البلد؛ فذكرت (^٨) له، فقال: نعم واللَّه إنه لرسول اللَّه.
ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفلِ بن أسد وهو ابن عمِّها (^٩)، وقد كان ورقة بن نوفل
_________________
(١) "رب العالمين بعثت إلى" من (ف).
(٢) النمط: ظهارة فراش، أو ضرب من البسط. انظر: "القاموس" (مادة: نمط).
(٣) "وما أرى شيئًا أقرؤه": من (ر).
(٤) في (ر): "فنزل من".
(٥) بضم الدال: نوع من البسط له خمل. انظر: "فتح الباري" (١٢/ ٣٥٦).
(٦) في (أ) و(ف): "ثم قام فصلى".
(٧) في (ر): "ننشدك باللَّه".
(٨) في (أ): "فقالت".
(٩) بعدها في (أ) و(ف): "لحاء"، ولم أجد لها وجهًا هنا فإن اللحاء معناه: قشر الشجر، ويأتي بمعنى المنازعة، وقد ورد في بعض المصادر: ابن عمها حقيقةً، إشارة إلى أن ما جاء في بعض روايات =
[ ١٥ / ٤١٠ ]
طلب الدِّين وخالف دينَ قومه، ودخل في دين النصرانية قبل أن يُبعث النبي -ﷺ-، فسألته عن جبريل، فقال لها: وما ذاك؟ فذكرتْ له الذي كان من أمر النبي -ﷺ-، فقال لها: واللَّه لئن كانت رِجْلا جبريلَ ﵇ استقرَّتا على الأرض فقد نزل على خيرِ خلق اللَّه، أرسلي محمدًا إليَّ، فرجعت فأرسلتْه، فأتاه رسول اللَّه فسأله ورقةُ: هل أمرك جبريل بشيء؟ فقال النبي -ﷺ-: "لا"، قال: هل أمرك أن تدعوَ أحدًا إلى الإسلام؟ قال: "لا"، قال: واللَّه لئن بقيتُ إلى دعوتك لأُبْلينَّ (^١) للَّه عذرًا في نصرك، فمات ورقة قبل أن يدعوَ النبي -ﷺ- إلى الإسلام، ولم يدرِكِ النبي -ﷺ-.
وفشا أمرُ النبي -ﷺ-، قال: فبينا رسول اللَّه -ﷺ- يصلي ذات يوم إذ اطَّلع (^٢) عليٌّ ﵁ عليه، وذلك من بعد ثلاثةِ أيام من إسلام خديجة ﵂، فقال: يا محمد! ما هذا؟ قال: "هذا دينُ اللَّه تعالى، هل لك فيه؟ " قال: إن هذا خلافُ دِين أبي، حتى أنظر، فقال له النبي -ﷺ-: "فانظر واكتم عليَّ"، فمكث عليٌّ بعضَ يومه ذلك ثم أتاه من يومه ذلك فآمن به وصدَّقه.
وفشا الخبر بمكة فقالوا: واللَّه لجُنَّ محمدٌ! فنزل في ذلك: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ حتى انتهى إلى آخرِ خمس آيات، وهي الثانية مما نزل، فلم يزل رسول اللَّه -ﷺ- يصلي ركعتين كما علَّمه جبريل حتى كان قبل خروجه من مكة إلى المدينة بسنةٍ (^٣) ثم فرضت الصلوات (^٤).
_________________
(١) = مسلم من قولها له: (يا عم) كان احتراما له لكبر سنه ومكانته لا أنه عمها حقيقة. انظر: "شرح مسلم" (٢/ ٢٠٣).
(٢) في (ر): "لأبيتن".
(٣) في (أ) و(ف): "طلع".
(٤) "بسنة": سقط من (أ).
(٥) لم أجده مسندًا.
[ ١٥ / ٤١١ ]
وقال محمد بن إسحاق ﵀: إن جبريل ﵇ قال للنبي -ﷺ- في اليوم الذي تبدَّى له فيه: أبشر يا محمد فقد تمت نعمةُ اللَّه عليك وأعطاك اللَّه عشرَ خصال لم يُعطَهُنَّ نبي قط قبلك ولا واحدةً، قال: "ما هن يا جبريل؟ " قال: أن اللَّه تعالى لا يُذكر إلا ذُكرت معه، وأن اللَّه تعالى جعل أمَّتك خيرَ أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وأن الأرض جعلت طهورًا لأمتك، ومَن كان قبلهم من الأمم كان يصيب أحدَهم بولٌ ولا يصيبه ماء فيقطعه بالجلم (^١)، وأن أمتك يقرؤون القرآن على ظهور قلوبهم وإن كلَّ أمةٍ لا تقرؤه إلا نظرًا في كتابها، وأن اللَّه وملائكته يصلون عليك إلى يوم القيامة، وأن اللَّه يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأن اللَّه يُظهر دِينك على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون.
* * *
(١ - ٥) - ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾: قال أبو عبيدة: أي: اقرأ اسم ربك (^٢)، والباء زائدة؛ أي: الاسم الذي نزَّله عليك في كتابه وعلى لسان جبريل.
وقيل: اقرأ ما يوحَى إليك من القرآن بتسميتك للَّه متبرِّكًا باسمه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ يحتمِل خَلْقَ كلِّ شيء، ويحتمل خصوصَ ما ذكر بعده.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقةٍ، وهو الدم الجامد، وجُمع لأن ﴿الْإِنْسَانَ﴾ أريدَ به الجنس وهم أولادُ آدم.
_________________
(١) في (أ): "بالحلم". وفي (ر): "بالحكم".
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣٠٤).
[ ١٥ / ٤١٢ ]
﴿اقْرَأْ﴾: كرر للمبالغة ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فإن ربك لا أكرم منه.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾: قيل: علَّم الخطَّ بالقلم.
وقيل: علَّم بعلم خطِّ القلم العلومَ التي كانت (^١) تُكتب وتقرأ.
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ بالخط.
وقيل: علَّم سوى (^٢) الخطِّ علومًا أُخرَ لم يكن يعلمها.
وقيل: علَّم آدم ما لم يعلم، وهو قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
* * *
(٦ - ٨) - ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾: ذكروا (^٣) أن أول هذه السورة إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ نزل أولَ ما أُوحي إلى النبي -ﷺ-، ثم باقي السورة في أبي جهلٍ لعنه اللَّه، وكان فرعونَ هذه الأمة، وأمرُه متأخرٌ عن ابتداء الوحي، وكان بعده بزمانٍ ونزولُه متأخرٌ، وكثير من سور القرآن كذلك، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال الحسن: أي: حقًّا (^٤)، وكذا قال بعض أهل اللغة.
وقال أكثر أهل اللغة: هو ردُّ ما قبله، وتقديره: ما ينبغي للإنسان أن يُنعِم اللَّه عليه بخلقه وتعليمه ثم هو يَطغى بسبب ماله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾؛ أي: يُفْرِط في المعصية ويتمرَّد ويركب رأسه (^٥).
_________________
(١) "كانت": زيادة من (أ).
(٢) في (أ): "وعلم وسوى".
(٣) في (ف): "ذكر".
(٤) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٤٥٦)، وابن أبي زمنين في "تفسيره" (٥/ ١٤٧)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٥١)، والواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٢٢٦).
(٥) في (ر): "ويتمرد وتزكيه نفسه".
[ ١٥ / ٤١٣ ]
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾: أي: رأى نفسه قد كثُر ماله فاستغنى به عن غيره.
وقيل: استغنى بعشيرته وأنصاره.
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾: أي: الرجوعُ، فهو يحاسبه على طغيانه، ويسأله من أين جمع وفيما أنفق.
وقيل: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ لا إلى المال.
وقال ابن مسعود ﵁: منهومان لا يشبعان ولا يستويان: طالب علم وطالب دنيا، فأما طالب العلم فيزداد رضا الرحمن، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وأما طالب الدنيا فيزداد طغيانًا، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (^١).
* * *
(٩ - ١٤) - ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: وهذا تعجيبٌ من أبي جهل ونهيِه رسولَ اللَّه -ﷺ- عن الصلاة في الكعبة.
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾: أي: أرأيت يا محمد إن كان المنهيُّ (^٢) عن الصلاة مهتديًا بصلاته وتعظيمِه ربَّه (^٣) وأمرِ غيره بتقوى اللَّه، أَيَحْسُنُ منعُه عن الصلاة؟ وهذا تعجيبٌ أيضًا.
_________________
(١) رواه الدارمي في "سننه" (٣٣٢)، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٦٤).
(٢) في (ر): "الناهي".
(٣) في (ف): "أمر ربه".
[ ١٥ / ٤١٤ ]
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: وهو (^١) تعجيبٌ آخرُ أيضًا: أرأيتَ إن كان الناهي عن الصلاة مكذِّبًا بالحق (^٢) متولِّيًا عنه غيرَ قابلٍ له، أيَصْلُح له هذا؟ وهذا (^٣) أمر منعكس، وهو أن يأمر ضالٌّ مهتديًا بترك هداه (^٤)، فعجَّب اللَّه عباده من أبي جهل في منع رسول اللَّه -ﷺ- عن الصلاة من ثلاثةِ أوجهٍ، و﴿أَرَأَيْتَ﴾ كلمةُ تعجيب.
وقيل: معناه: أرأيت مَن فعل هذا، ما يكون حاله عند اللَّه، وما يستحِقُّ على سوء فعله من العذاب؟
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾: وهذا وعيدٌ لأبي جهل؛ أي: ألم يعلم أن اللَّه يرى فعله ويسمعُ قوله فيجازيه على قوله وفعله.
وقيل: لما قال أبو جهل لعنه اللَّه: لأطأن رقبةَ محمد -ﷺ- إن رأيتُه يصلي، فقال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ﴾ أبو جهل ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ يراه حينئذ فيَحُول بينه وبينه.
قال أبو هريرة ﵁: قال أبو جهل للمشركين: هل يعفِّر محمد وجهه بين أصحابه، قالوا: نعم، فقال: والذي يُحلف به لئن رأيتُه يصلي لأطأنَّ رقبته، فقيل: هو في المسجد ساجدٌ، فأقبل مسرعًا ليطأ رقبته، فما لَبِثَ إن نكص (^٥) على عقبيه، فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقًا من نار! فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات (^٦).
_________________
(١) في (ف): "وهذا".
(٢) في (ر): "للحق".
(٣) في (أ): "وهو".
(٤) في (ر) و(ف): "بترك هذا".
(٥) في (ر): "تنكص".
(٦) رواه مسلم (٢٧٩٧).
[ ١٥ / ٤١٥ ]
وقال سعيد بن المسيب: قال أبو جهل: لئن رأيتُ ابنَ أبي كبشة يصلي في مسجدنا لأطأنَّ عنقه، فأتى جبريل رسول اللَّه -ﷺ- فقال: إنه قال كذا فانطلِقْ فادخلِ المسجد فاقرأ باسم ربك الذي خلق، فإذا فرغت فخِرَّ ساجدًا حتى يأتيَك، فانطلق رسول اللَّه -ﷺ- ففعل ما قال، فقيل لأبي جهل: فها هو ذا ساجدٌ في الحِجر، فقام مسرعًا حتى أتى الحجر، ثم نكص راجعًا فقالوا له: ما لك لا تتقدم؟ فقال: إن بيني وبينه فحلًا فاغرًا فاهُ لو تقدَّمتُ لالْتَقمني، ثم دخل على أهله فزِعًا، فأتى أعرابيٌّ المشركين وهم في المسجد فقال: أَعْدُوني (^١) على أبي جهل فلقد ابتاع مني جملًا وليس يؤدي إليَّ حقِّي، فقالوا له: عليك بذاك الفتى، يعنون النبيَّ -ﷺ- على جهة السخرية، فأتى الأعرابيُّ إلى النبيِّ -ﷺ- فقال: أَعْدِني على أبي جهل، فلقد ابتاع مني جملًا وحبس عني ثمنه، فقام معه رسول اللَّه -ﷺ- فأتى باب أبي جهل فقرعه، فخرج إليه مرتاعًا فزعًا، فقال: "هل ابْتَعْتَ من هذا الأعرابيِّ شيئًا؟ " فقال: نعم، جملًا! فقال: "وفِّر عليه ثمنه" فوفره عليه، فدخل الأعرابي المسجد مع ثمن الجمل، فظنوا أن أبا جهل أسلم، فقاموا إليه فقالوا: صبأتَ يا أبا الحكم؟! قال: لا واللَّه، قالوا: فما لك أطعْتَه فيما قال؟ فقال: لو لم أفعل لانهدم عليَّ البيت.
* * *
(١٥ - ١٩) - ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما يقول أبو جهل أنه يقدر على أن يطأ رقبته.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ عن هذا القول ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾؛ أي: لنأخذنَّ بناصيته فنَجُرَّنَّه (^٢) إلى
_________________
(١) "أعدوني"؛ أي: انصروني وأعينوني، أمر من أعداه يُعديه: نصره. انظر: "القاموس" (مادة: عدى).
(٢) في (ف): "فنجر به".
[ ١٥ / ٤١٦ ]
النار؛ أي: تفعل ذلك ملائكتنا بأمرنا، وهو كقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
وقال يزيدُ النحويُّ (^١): فأُخِذَ بناصيته يوم بدرٍ فأُلقي بين يدي رسول اللَّه صلى عليه وسلم قتيلًا.
وقيل: أي: لنسوِّدنَّ وجهه، والناصية: شعر مقدَّم الرأس، وكُني به عن الوجه على هذا القول الثاني.
وقيل: السفع: الضرب. وقيل: هو الاختطاف. وقيل: هو اللَّفْح. وقيل: هو اللَّطْم.
وقيل: أراد به الوَسْمَ هاهنا.
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾: بدلٌ عن الأول، وإنما نكَّر ذا والأولُ (^٢) معرفة لأنها ترجمةٌ عن وصفها لا عنها في نفسها، والوصف بالكاذبة الخاطئة راجعٌ إلى صاحبها؛ كقوله: ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ونظائرِها.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾: أي: أهلَ مجلسه، والنَّدِيُّ والنادي: المجلس.
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾: أي: ملائكةَ العذاب.
وقال ابن عباس: لما نهى أبو جهلٍ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن الصلاة انتهره رسول اللَّه -ﷺ-، فقال أبو جهل: أتهددني؟! فواللَّه لأملأنَّ عليك هذا الوادي أهل النادي، فنزلت، قال عكرمة: قال ابن عباس: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لو فعل أبو جهلٍ لأخذته الملائكة عيانًا" (^٣).
_________________
(١) يزيد بن أبي سعيد النحوي، أبو الحسن القرشي مولاهم، المروزي، روى عن عكرمة ومجاهد وسليمان وعبد اللَّه ابني بريدة، كان متقنًا من العباد تقيًّا تاليًا لكتاب اللَّه تعالى عالمًا بما فيه جهده، قتله أبو مسلم لأمره إياه بالمعروف سنة (٥١٣١)، وسمى ابن حبان أباه عبد اللَّه. من رجال "التهذيب".
(٢) في (أ): "وإنما كرر الأول" وفي (ف): "وإنما نكر والأول".
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣٠٤٤)، والترمذي (٣٣٤٩)، والنسائي في "الكبرى" (١١٦٢٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٣٧). قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقوله: "لو فعل. . . " جاء =
[ ١٥ / ٤١٧ ]
وقيل على هذا: كان هذا في الدنيا، وقد فُعل به ذلك يوم بدر.
وقيل: هو في الآخرة، وهو على التقديم والتأخير: سنَدْعُ الزَّبَانيَة فليَدْعُ نادِيَه لدفعهم، وهو معنى قول الحسن.
وقال الخليل: النادي: المجلس إذا كان فيه أهله (^١).
وأما ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾ فقد قال مجاهد والحسن والضحاك وقتادة والعوفي عن ابن عباس: هم الملائكة (^٢).
وقال ابن أبي نجيح: الزبانية: الملائكة الغلاظُ الشداد (^٣).
وقال ابن جريج: بلغني أن النبي -ﷺ- قال: "إن الزبانية رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض" (^٤).
وقال شمر بن عطية: الزبانية في الملائكة كالشُّرَط فيكم (^٥).
_________________
(١) = في هذا الحديث من كلام ابن عباس، لكنه ورد مرفوعًا في رواية أخرى نحو المذكورة صحيحة الإسناد كذلك، رواها عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٥٦)، وعنه الإمام أحمد في "المسند" (٣٤٨٣)، والترمذي (٣٣٤٨)، والنسائي في "الكبرى" (١١٦٢١)، ورواها الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٣٩). وكلا الروايتين من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٢) انظر: "العين" (٨/ ٧٦).
(٣) رواه عنهم عدا الحسن الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٣٩ - ٥٤٠).
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ١٧٩) عن عطاء، والقرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٣٨٥) عن ابن عباس، والزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ٣٤٦) دون عزو.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٤٠) من قول عبد اللَّه بن أبي الهذيل، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤١٦٤)، والإمام أحمد في "العلل" (٢٢٨٥)، من قول عبد اللَّه بن الحارث.
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٥٨) عن قتادة.
[ ١٥ / ٤١٨ ]
وقال خارجة: سُمُّوا زبانيةً لأنهم يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم (^١)، والزَّبْن: الرفع.
وقال أبو عبيدة: الزبانية جمع واحدها: زِبْنِيَة (^٢). وقيل: زِبْنيّ، وقيل: لا واحد له.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما يقول أبو جهل أنه يقدر على قهرك.
﴿لَا تُطِعْهُ﴾ فيما يأمرك به من ترك الصلاة.
﴿وَاسْجُدْ﴾ للَّه تعالى ﴿وَاقْتَرِبْ﴾؛ أي: تقرَّبْ إلى اللَّه تعالى (^٣) بما يمكنك من الطاعة.
وقيل: أي: اقترب إلى كرامة اللَّه تعالى بالسجود.
وقال -ﷺ-: "أقربُ ما يكونُ العبد من ربِّه إذا سجد" (^٤).
وقيل: اسجد بنفسك واقترب بقلبك.
وقيل: اسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل منه لإيذائه تَرَ جزاءك، وهو وعيد.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) ذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٥٧٥) دون نسبة.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣٠٤).
(٣) في (ف): "تقرب إليه".
(٤) رواه مسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "وهو ساجد فأكثروا الدعاء" بدل: "إذا سجد".
[ ١٥ / ٤١٩ ]