بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي هو غنيٌّ عن العالمين، الرحمنِ الذي وعَد الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة ونعم أجرُ العاملين، الرحيمِ الذي يهدي المجاهدين فيه سبُله وإنَّ اللَّه لَمَع المحسنين.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشرُ حسنات بعدد كلِّ المؤمنين والمنافقين" (^١).
وهذه السورة مكية إلا قولَه في قصة سعد: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وقولَه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فإنهما نزلتا بالمدينة.
وهي تسع وستون (^٢) آيةً، وتسعُ مئة وستّ وسبعون كلمة (^٣)، وأربعة آلاف ومئتان وتسعةٌ (^٤) وثلاثون حرفًا.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٦٩)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٩٠٠)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (ر) و(ف): "وتسعون"، والمثبت من (أ) وهو الصواب. انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٠٣)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٦٩).
(٣) في "البيان في عد آي القرآن": (تسع مئة وثمانون)، وفي "تفسير الثعلبي": (وإحدى وثمانون).
(٤) في هامش (ف): "وسبعة". وفي المصدرين السابقين: (أربعة آلاف ومئة وخمسة وتِسعون حرفا).
[ ١١ / ٤٧٧ ]
(١ - ٢) - ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم﴾: مر ذكر الأقاويل فيه في أول سورة البقرة، ومنها: أن معناه: أنا اللَّه أعلم، وهو وصف اللَّه تعالى بكمال العلم.
وختم تلك السورة بذكر نفاذ الحكم، وذلك وجهُ النظم.
وانتظام السورتين: أنهما جميعًا في بيان وحدانية اللَّه تعالى ودلائلها، ومدحِ المؤمنين ومواعيدهم، وذمِّ الكافرين (^١) ووعيدهم.
وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: أي: أظنَّ الناس -وهم الذين شكَوا أذى المشركين- أن نقتصِر منهم على أن يقولوا آمنا باللَّه ورسوله ويُتركون أن لا (^٢) يختَبروا بالأمر بهجر ديارهم وجهادِ عدوهم والصبرِ على إيذائهم؟ ويدخل في ذلك المصائب والأمراضُ والشدائد، وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا يكون ذلك (^٣)، ولا بد أن يُفتَنوا بأنواع المحن في الدِّين، فيُخلصوا على الامتحان، ويَظهر بذلك صدقُ مَن صدَق فيه وكَذِبُ مَن كَذَب.
وقال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل قوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥] اغتمَّ رسول اللَّه -ﷺ- وقال: "إنْ بَعَث عليهم عذابًا من فوقهم كما بعث على قوم لوط لم يبق منهم أحد، وإن خَسَف بهم كما خَسَف بقارون لم يبق منهم أحد، وإن لَبَسهم (^٤) شيعًا وأذاق بعضَهم بأسَ بعضٍ فكيف
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الكفار".
(٢) في (أ): "أن"، وفي (ر): "أي لا".
(٣) في (أ): "هذا".
(٤) في (أ): "ألبسهم".
[ ١١ / ٤٧٨ ]
يكون حالهم (^١)؟ " فأتاه جبريل ﵇ فقال له: إن اللَّه تعالى يقول: قد أرسلنا قبلك رسلًا إلى قومهم فصدَّقهم مصدِّقون وكذَّبهم مكذِّبون، فسمَّينا المصدِّقين منهم مؤمنين وسمَّينا المكذِّبين منهم كفارًا، ثم لم يمنعْنا بعد (^٢) قبض الأنبياء أن نبتليَهم ليَتبيَّن الصادقُ منهم من الكاذب، وأنزل اللَّه هذه الآية (^٣).
وقال الشعبي: نزلت في أناسٍ مؤمنين من أهل مكة كتب إليهم أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- من المدينة: لا ينفعُكم إيمانكم إلا أنْ تهاجروا، فخرجوا مهاجرين فتبعهم المشركون فردُّوهم، فأنزل اللَّه هذه الآية، فوجَّهوا إليهم الآية، فقالوا: نخرج ثانيًا، فإن خرجوا على إثرنا قاتلناهم، فخرجوا فتبعهم المشركون، فمنهم مَن قُتل ومنهم مَن نجا، وفيهم نزل: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية [النحل: ١١٠] (^٤).
وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَعِ بن عبد اللَّه مولى عمر بن الخطاب أولِ قتيلٍ في الإسلام، جزع عليه أبواه فنزلت (^٥).
_________________
(١) في (ر) وقعت الضمائر كلها بالمخاطب: "إن بعث عليكم. . من فوقكم. . وإن خسف بكم. . لم يبق منكم. . وإن لبسكم. . وأذاق بعضكم. . كيف يكون حالكم".
(٢) في (ر) و(ف): "مع".
(٣) لم أقف عليه. وقد روي في معناه حديث في الصحيح، فقد روى البخاري (٤٦٢٨) عن جابرٍ ﵁، قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أعوذُ بوَجهِك"، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: "أعوذُ بوَجهِك" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "هذا أهونُ - أو: هذا أَيْسَرُ".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٣٩)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٣١).
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٧٢).
[ ١١ / ٤٧٩ ]
وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر حين عذَّبه الكفار (^١).
* * *
(٣) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: يعني: من الأمم، لم نكتفِ منهم بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ بل ابتليناهم، فكذا هؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾: فليفتننَّهم اللَّه ليَظهر صدقُ الصادق وكذبُ الكاذب بالفعل وترك الفعل.
وقيل: ليَعلمن اللَّه ذلك موجودًا عند وجوده كما علمه قبل وجوده أنه يوجد، وقد أوضحنا ذلك في سورة البقرة وآل عمران.
ثم هذا الصدق وهذا الكذب يجوز أن يكونا في القول بأنْ كانوا وَعدوا من أنفسهم الصبرَ، فصبر بعضهم فصار صادقًا في وعده، ولم يصبر بعضهم فصار كاذبًا فيه.
ويجوز أن يكون في معنى تحقيقِ الإيمان والوفاءِ بشروطه؛ كما يقال: صدق فلان القتالَ، وكما قال: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]؛ أي: خلاف.
* * *
(٤) - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: أي: المعاصي، بجزعهم عند الفتنة وإضمارهم النفاق والشك وغير ذلك.
_________________
(١) ذكره عن ابن جريج الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٠)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٣٢)، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عبد اللَّه بن عبيد بن عمير يقول. . .، فذكره.
[ ١١ / ٤٨٠ ]
﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أي: يُعْجزونا فيَفوتونا فلا نقدرَ على مجازاتهم، فلذلك لا يصبرون ولا يجاهدون ولا يهاجرون؟
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: بهذا الحسبان (^١).
وقيل: الأول في المؤمنين وهذا في الكافرين؛ أي: ﴿حَسِبَ﴾ الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ أن نكتفيَ منهم بالإيمان بدون الامتحان، ﴿أَمْ حَسِبَ﴾ الكفار أن يعجزونا فتركوا لأجل ذلك الإيمان؛ أي: فالحسبانان باطلان.
وقيل: نزلت الآية في بني عبد شمس: شيبةَ وعتبةَ والوليدِ بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان وعبيدة بن سعيد بن العاص وعقبة بن أبي معيط والعاص بن وائل، هؤلاء الذين بارزوا عليًّا وحمزة وعبيدةَ بنَ الحارث ﵃ (^٢).
* * *
(٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾: أي: يؤمِّل أن يَلْقَى اللَّه فيُثيبَه على عمله.
وقيل: أي: يخاف أن يلقَى اللَّه (^٣) فيحاسبَه على عمله. والرجاء يحتملُهما.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾: لا محالة، وهو قريبٌ، وهو اسم للموت وللقيامة أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم؛ أي: فلْيجتهِدْ في صالح الأعمال
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الحساب".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٧٣). وفي قوله: "هؤلاء الذين بارزوا عليًّا وحمزة وعبيدة. . . " على الإطلاق نظر؛ فإن الذين بارزوهم هم الثلاثة الأُوَل فقط.
(٣) في (أ) و(ف): "يلقاه".
[ ١١ / ٤٨١ ]
ولْيجتنِبْ سيِّئَ الأفعال، وهو حثٌّ على الصبر على أذى المشركين، والجهادِ مع أعداء اللَّه لإعلاء الدِّين.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: جاهد عدوَّ اللَّه، وجاهَد نفسَه، وجاهد الشيطان، فنفعُ ذلك يرجع إليه، لا حاجة إليه للَّه (^١) تعالى، وهو غنيٌّ عن العالمين كلِّهم وهو غنيٌّ عن الخلائق كلهم (^٢).
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: إن المؤمنين إذا عملوا الصالحات من الصبر على نفسه (^٣)، ومجاهدةِ العدو، وتحمُّل الأذى، وغيرِ ذلك، ليَمحونَّ اللَّه معاصيَه التي سلفت، وليَجْزينَّه على أحسن أعماله، ثم يُلحِقُ سائرَه به.
وقيل: أَي: مَن أمن من الكفار، وعمل صالحًا في الإسلام، يَغفر اللَّه له ما كان من سيئاته في كفره، ويجزيه في الإسلام على الصالح من عمله.
* * *
(٨) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر): "يرجع إليه لا إلى اللَّه".
(٢) "وهو غني عن الخلائق كلهم" من (أ).
(٣) في (أ): "الفتنة".
[ ١١ / ٤٨٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: ثم ذكر بعض ما يُفتَن به الإنسان في إيمانه، وهو أن يأمره أبواه بالشرك والمعصية فلا يحتمِل قلبُه معصيتَهما مع وجوب بِرِّهما شرعًا وعقلًا، وأخبر أنه لا طاعة لهما في ذلك فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾؛ أي: أمرناه أن يفعل بهما حُسنًا.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾: أي (^١): قلنا له بما أوحينا إلى رسولنا وأنزلنا عليه أن يأمره به: وإن استفرَغا مجهودهما لك ﴿لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنه لي شريك ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك.
﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: في القيامة ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أخبرُكم بأعمالكم وأجازيكم عليها، الولدَ المؤمنَ المطيعَ على إيمانه وطاعته، والوالدين الكافرين العاصيين على كفرهما ومعاصيهما.
نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمِّه حَمنةَ بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس، وكانت مشركةً وأسلم ابنها سعدٌ، فحلفت أن (^٢) لا تأكلَ ولا تشرب ولا يظلَّها ظلٌّ حتى يرجع سعد عن دينه، فأبى عليها، فلَمْ تزل كذلك حتى غُشي عليها، فأتاها بنوها فسقَوها (^٣) حتى أفاقت، وأنزل اللَّه هذه الآية يأمر سعدًا بالإحسان إليها وألَّا يطيعها في الشرك (^٤).
_________________
(١) بعدها في (أ): "إن"، ولا وجه لها.
(٢) "أن" من (أ).
(٣) في (ر): "فنبهوها".
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٦٣) عن قتادة، وورد دون عزو في "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٧٤)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٧١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٤١). وروى نحوه مسلم (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة، عقب الحديث (٢٤١٢)، والترمذي (٣١٨٩)، من حديث سعد ﵁.
[ ١١ / ٤٨٣ ]
(٩ - ١٠) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قيل: أي: والذين آمنوا بعد كفرهم وأصلحوا بعد إفسادهم ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾: لنتقبَّلنَّ ذلك منهم، ولنجعلنَّهم من جملة المؤمنين المصلحين.
وقيل: أي: ولندخلن المؤمنين المطيعين الجنة مع عبادي الصالحين.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: وهذه صفة المنافق الذي يُفتن في دينه، يقول بلسانه: آمنت باللَّه وصدقتُ بوعده ووعيده.
﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾: أي: ناله مكروه بسبب دِين اللَّه.
﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾: أي: جعل إيذاء الناس في خوفه وتركِ الدِّين لأجله كعذاب اللَّه الذي هو باقٍ لا ينقطع؛ أي: يترك الإسلام إذا خاف إيذاء الكفار إياه كما يترك المسلم المعصية إذا خاف كذلك عذاب اللَّه.
وسمى الأذى فتنةً لأنه محنةٌ يشتدُّ احتمالها، وهذا تقبيحٌ من اللَّه تعالى فعلَ هذا المنافق، وذمٌّ له بسوء اختياره (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: للمسلمين ظفَرٌ وغنيمة.
﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾: أي: في الدِّين، فأشرِكونا فيما أصبتُم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: بما في قلوب الخلق
_________________
(١) في (ف): "وذم له سوء الاختيار" وفي (ر): "وذم لسوء اختياره".
[ ١١ / ٤٨٤ ]
من الإيمان والكفر والإخلاص والنفاق، فكيف يتوهَّم هذا المنافق أنه يَخْفَى على المسلمين (^١) ولا يُخبرهم اللَّه به وهو عالمٌ به؟ وهذا تهديدٌ لهم.
* * *
(١١) - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾: أي: وليمتحننَّ اللَّه الفريقين، وليُظهرنَّ إخلاصَ المخلِصين ونفاقَ المنافقين، وليُميِّزنَّ بين الفريقين ليَعْرفهم المؤمنون فيجازوهم على حسب استحقاقهم.
وقال عكرمة: كان ناسٌ بمكة قد شهدوا أنْ لا إلهَ إلا اللَّه، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم معهم فقُتلوا، [فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفَروا لهم] فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩] وكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة [أنْ لا عذر لهم]، فخرج ناسٌ من المسلمين حتى إذا كانوا ببعض الطريق طلبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم مَن أعطى الفتنة طائعًا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، فقال رجل من بني صخر لأهله: أخرِجوني إلى الرَّوحاء، وكان مريضًا، فأخرجوه حتى إذا كان ببعضِ الطريق مات، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٠] ونزل في أولئك الذين كانوا (^٢) لم يعطوا الفتنة: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ الآية [النحل: ١١٠] (^٣).
_________________
(١) في (ف): "الناس".
(٢) "كانوا" من (أ).
(٣) رواه عن عكرمة الأزرقيُّ في "أخبار مكة" (٢/ ٢١٢)، ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول" =
[ ١١ / ٤٨٥ ]
ثم في أول الآية: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ على التوحيد، وكذلك: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ﴾ ثم قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ على الجمع؛ لأن (مَن) اسمُ جنس، فجاز توحيدُه لِلَفظه وجمعُه لمعناه.
وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، وذلك أنه أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة رسول اللَّه، فحلفت أمُّه أن لا تقومَ من الشمس ولا تغسل رأسها (^١) حتى يعود عياش كافرًا، وهي [أسماء] بنت مخرمة بن أبي جندل بن نهشل المخزومي، فخرج أخواه أبو جهل والحارث ابنا هشام على إثره إلى المدينة، فلم يزالا يفتلان منه في الغارب والسَّنام (^٢) حتى ردَّاه، فأوثقاه، وضربه كلُّ واحد منهما مئة جلدة، وقالا له: أنت تزعم (^٣) أن في دينك برَّ الوالدين وأن ربك بمكة والمدينة واحد، فرجعاه وآلَ أمرُه إلى أنْ كفَر (^٤).
_________________
(١) = (ص: ١٧٨ - ١٧٩)، وفيهما: (فقال رجل من بني بكر). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٦٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٣٧)، من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄، وما بين معكوفتين منهما. وليس فيهما قصة رجل بني بكر.
(٢) في (أ): "تغتسل"، بدل: "تغسل رأسها".
(٣) أي: ما زالا يُخادِعانه حتى لان، وهو على طريقِ ضَرْب المَثَل، ويقال فيه أيضًا: (في الذروة والغارب)، والذروة: أعلى السنام، الغارِب مُقدَّمُه، قال الأصمعي: يُقال: ما زال يفتل فِي ذروته -أي: يخادعه- حتى يُزِيله عن رَأْي هو عليه. وأصله: أنَّ مَن أراد أنْ يزُمَّ الصَّعبة من الجِمالِ فإنه يَرفُقُ بها، ويمسحُ غارِبها، ويَفتِلُ وَبَرَها، حتى تَستَأنِس به، فيُلقِيَ الزِّمامَ في مِخْطَمها. انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (٢/ ١٥٦)، و"مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: غرب).
(٤) في (ر) و(ف): "تدعي".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٢) عن الكلبي ومقاتل، وهو في "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٧٥)، وما بين معكوفتين منهما.
[ ١١ / ٤٨٦ ]
قال ابن عباس ﵄: ثم أسلم بعد ذلك بدهرٍ وحسُن إسلامه (^١).
* * *
(١٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾: صيغةُ أمرٍ، ومعناه جزاءُ الأمر، جُعل جوابُ الأمر على صيغة الأمر للتقابل.
وهذا أيضًا مما يُفتَنُ به المؤمن عن دينه من الخديعةِ التي يَنْفُق مثلُها على الضَّعَفة، يقول: قال مشركو مكة للمؤمنين: اتبعوا ديننا ونحن نتحمَّل عنكم آثامكم في الآخرة إن كان اتِّباعكم إيانا إثمًا وكانت القيامة حقًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: لا يحمل هؤلاء القائلون من آثام هؤلاء المقول لهم شيئًا؛ لأنَّه لا تَزِر وازرةٌ وِزْر أخرى.
﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في قولهم: إنَّا نحمل خطاياكم.
* * *
(١٣) - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾: أي: أوزار أنفسهم بضلالهتم.
﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: أي: وأوزار الضالين بإضلالهم.
﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: هؤلاء الخادعون ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي:
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٢) عقب الخبر السابق عن الكلبي ومقاتل.
[ ١١ / ٤٨٧ ]
يكذبون بهذا الوعد، وهو حملُ الخطايا عنهم، فكان هذا الخداع منهم داخلًا في أوزارهم التي يحملونها ويعاقَبون عليها.
وقيل: عما كانوا يفترون من الشرك باللَّه والكذبِ على كتاب اللَّه ورسوله.
وقيل: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأمية بن خلف الجمحيِّ قالا لعمر بن الخطاب وخباب بن الأرت: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ الآية (^١).
وقال محمد بن الحنفية: كان أبو جهل وصناديدُ قريش يتلقَّون العرب ويصدون الناسَ عن اتِّباع رسول اللَّه -ﷺ-، ويقولون لهم: لا تُقِرُّوا لمحمدٍ (^٢) ولا تدخلوا في دينه وعلينا أوزاركم (^٣).
وقال النبي -ﷺ-: "ما من عبدٍ يدعو إلى خير إلا أعطاه اللَّه مثلَ أجرِ مَن أجابه لا يَنقُص ذلك من أجورهم شيئًا، وما من عبد يدعو إلى شرٍّ فيُتَّبع عليه إلا جَعل اللَّه عليه مثلَ أوزار الذين اتَّبعوه لا يَنقص ذلك من أوزارهم شيئًا"، ذلك بأن (^٤) اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (^٥).
* * *
_________________
(١) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٣٧٦).
(٢) في (أ): "لا تغتروا بمحمد".
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٦٥٦٧).
(٤) في (ر) و(ف): "وذلك لأن".
(٥) رواه عبد بن حميد وابن المُنذر عن الحسن عن النَّبِي -ﷺ- مرسلًا، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٧٤)، والاستدلال بالآية في آخره هو من كلام الحسن كما صرحوا بذلك. ورواه مسلم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁ دون ذكر الآية.
[ ١١ / ٤٨٨ ]
(١٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: ثم ذكر بعض قصص الأنبياء ﵈ وتحمُّلهم أذى القوم وجهادَهم إياهم في الدعوة إلى الحق بدءًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾: أي: فمكث في قومه يدعوهم إلى اللَّه تسعَ مئة وخمسين سنة.
قال الواقدي: كان عمرُه هذا.
وهذا غلط؛ هذه مدةُ مُقامه فيهم من وقتِ الوحي إلى وقت هلاكهم بالطوفان.
وقال ابن عباس ﵄: بُعث نوح لأربعين سنة، وكذا كان بعثُ كلِّ نبيٍّ إلا عيسى ﵇، وعاش بعد الطوفان ستين سنة (^١)، فذلك ألفٌ وخمسون.
وقال وهب: كان عمر نوح ﵇ ألفًا (^٢) وأربعَ مئةِ سنة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾: أي: الماء الكثير ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾؛ أي: مشركون.
* * *
(١٥) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٣٩١٨)، والدينوري في "المجالسة" (٣٣٨٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٤١)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٠٥).
(٢) في (ر): "ألفي سنة". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "الكشاف" (٣/ ٤٤٥)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٣٤٥)، و"روح المعاني" (٢٠/ ٣٢١).
[ ١١ / ٤٨٩ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾: أي: أنجينا نوحًا ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾؛ أي: والذين حملهم نوحٌ في السفينة.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي: السفينةَ ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: علامةً لهم دالةً على صدق قول الأنبياء ونجاةِ مَن آمن بهم وهلاكِ مَن كذبهم.
وقال قتادة: أبقاها اللَّه تعالى آيةً فهي على الجوديِّ (^١).
وقيل: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: العقوبةَ بالطوفان عبرةً للعالمين يَعتبرون بها.
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾: عطفٌ على قوله ﴿نُوحًا﴾.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: أنفعُ لكم وأصلحُ إن كنتم من أهل العلم بالأمور والتفكُّر في بَوَاديها وعواقبها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾: أي: أصنامًا من خشب وحجر.
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: أي وتفتعلون كذبًا؛ أي: وتسمُّونها آلهة كذبًا.
وقيل: (تخلقون): تنحتون ما تكذبون فيه بتسميته إلهًا.
وقال ابن عباس ﵄: وتصنعون كذبًا (^٢).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٧٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٧٣).
[ ١١ / ٤٩٠ ]
قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾: أي: لا يقدرون أن يرزقوكم، وجَمع بالواو والنون فعلَ الأوثان لأنه وصَفَها بصفاتِ العقلاء (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾: أي: فاطلبوا الرزق من عند اللَّه، ثم بيَّن طريق الطلب فقال: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: في الحال ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: لِمَا مضى من إنعامه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: فيجازيكم بما عملتُم: من الشكر والكفران، والعبادة والطغيان، وهو وعد ووعيد.
* * *
(١٨) - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: قيل: من هاهنا إلى قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ كلامٌ معترِض، وهو خطاب من اللَّه تعالى لمشركي العرب.
ومعناه على الوصل: لمَّا قال إبراهيم ﵇ هذا كذَّبوه، وكذلك قومُ نوح ﵇ كذَّبوا نوحًا، وإن تكذبوا يا معشر العرب فقد كذَّب أممٌ من قبلكم أنبياءهم، فما ضرَّ ذلك الأنبياء بل ضرَّ المكذِّبين، فأهلكهم اللَّه تعالى وأنجى الأنبياء والمؤمنين، وليس على الرسول إلا البلاغ (^٢) الظاهر.
* * *
_________________
(١) في (ر): "من يعقل".
(٢) في (أ): "وليس على الأنبياء والرسل إلا التبليغ".
[ ١١ / ٤٩١ ]
(١٩ - ٢٠) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾: استفهام بمعنى الإثبات؛ أي: قد رأوا ذلك وعلِموه، وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس هذا مما يقع عليه (^١) رؤيتهم، لكنه إخبارٌ ودليلُ ثبوته إبداؤه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: غيرُ متعذِّر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وأكد هذا بما بعده.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: على كثرتهم وتفاوُتِ هممهم، واختلافِ طبائعهم وألوانهم وألسنتهم وصناعاتهم، فتستدلوا بذلك على أنه لم يخلقهم لذلك (^٢) عبثًا بل ليمتحنهم، فلا بد من دارٍ للجزاء والحساب.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿النشاءة﴾ بالمد، والباقون بالقصر (^٣)، وهو كالرأفة والرآفة؛ أي: كابتداءِ إيجادهم في الدنيا مختلفي الأحوال والأعمال، فكذلك يعيدهم في الآخرة مختلفين في الجزاء اختلافهم في الأفعال.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: من الإبداء (^٤) والإعادة وكلِّ شيء.
_________________
(١) في (ر): "في"، وليست في (ف).
(٢) "لذلك" من (أ).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٨)، و"التيسير" (ص: ١٧٣).
(٤) في (ر) و(ف): "الابتداء".
[ ١١ / ٤٩٢ ]
(٢١ - ٢٢) - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾: في النشأة الآخرة ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾؛ أي: وإلى جزائه تردُّون وتُرجَعون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: بفائتين ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ قال الفراء: أي: ولا مَن في السماء (^١)، فأضمر كلمة (مَن) وهو جائز؛ قال حسان ﵁:
فمَن يهجو رسولَ اللَّه منكم وينصرُه ويخذلُه سواءُ (^٢)
أي: ومَن ينصره ومَن يخذله.
وقيل: هو خطاب لأهل السماء والأرض جميعًا: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يا أهل الأرض والسماء ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: فائتين ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
وقيل: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ يا أهل الأرض تعجزون اللَّه هربًا في الأرض، ولا في السماء لو صعدتم إلى السماء، ولا ينفعُكم (^٣) الهرب إليها، ويكون في معنى قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣].
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أموركم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يمنعكم من عذاب ينزل بكم، فإلى اللَّه فافزعوا وإياه فاعبدوا.
_________________
(١) أي: ولا من في السماء بمعجز. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٥).
(٢) انظر: "ديوان حسان" (ص: ٦٤).
(٣) في (ر): "يمكنكم".
[ ١١ / ٤٩٣ ]
(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾: أي: بالقرآن والبعث والحساب ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾؛ أي: فأولئك القانطون من رحمتي ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو تفسير قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وإذا كان اليأس من الرحمة لهؤلاء كانت الرحمة للمؤمنين المخالفين لهؤلاء.
ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم وجوابِ قومه له:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ أي: إلا قولُهم، بالرفع اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾، ونصبِ ﴿جَوَابَ﴾ خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾، [وقرئ بالرَّفع] (^١) وعلى هذا يكون ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ نصبًا خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾، ونظيره: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]، ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، على قراءتين على الوجهين.
﴿اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾: لمَّا ألزمهم الحجةَ أعرضوا عنها وعارضوه بقصد الإهلاك، فقال بعضهم لبعض: اقتلوه بالسيف ونحوه أو حرِّقوه بالنار.
﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾: أي: من أذاها ومكروهها بعد إلقائهم إياه فيها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لَعلاماتٍ للمؤمنين على أن العاقبةَ المحمودة لأهل الإيمان.
_________________
(١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، والقراءة بالرفع نسبت للحسن وسالم الأفطس. انظر: "تفسير الثعلبي" (٥/ ١٠)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٣١٢)، و"البحر المحيط" (١٧/ ١٢٠).
[ ١١ / ٤٩٤ ]
(٢٥) - ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: لتَوَادُّوا بينكم على عبادتها وتَحابُّوا وتَواصَلوا عليها.
وقوله تعالى: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾: فيه أربع قراءات:
قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي: ﴿مودةُ بينِكم﴾ بالرفع والإضافة.
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: ﴿مودةً بينَكم﴾ منونًا منصوبًا.
وقرأ عاصم في رواية الأعشى عن أبي بكر: (مودَّةٌ) مرفوعٌ منوَّن (بينكم) نصبًا.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ نصبًا غيرَ منوَّنٍ مضافًا (^١).
فمَن ترك التنوين (^٢) فقد أضاف ولذلك خفَض ﴿بَيْنِكُمْ﴾، ومَن نوَّن فقد ترك الإضافة فنصب ﴿بينَكم﴾ هو على الظرف، ومَن رفع ﴿مودة﴾ فلها وجهان:
أحدهما: أن يكون: (إنَّ ما) مفصولًا، وتقديره: إن الذين اتخذتُموهم أوثانًا مودةُ بينكم، على خبر (إنَّ).
والثاني: أن يكون ﴿إِنَّمَا﴾ موصولًا، ويكونُ حرفًا واحدًا، ويتمُّ الكلام عند قوله: ﴿أَوْثَانًا﴾، ثم قوله: ﴿مودةُ بينكم﴾ يضمَر قبلها: هي؛ أي: هي مودةُ بينكم.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٨ - ٤٩٩)، و"التيسير" (ص: ١٧٣). والقراءة الثالثة وهي قراءة الأعشى عن أبي بكر لم يذكرها الداني، والمشهور عن أبي بكر الرواية الأخرى؛ أي: مثل قراءة نافع وابن عامر.
(٢) في (أ): "فيه أربع قراءات قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي وأبو زيد عن المفضل: (مودةُ بينِكم) بالرفع والإضافة، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ نصبًا غير منون مضافًا، وقرأ الشموني والبرجمي عن أبي بكر: (مودةٌ) مرفوعًا منونًا (بينَكم) نصبًا، وقرأ الباقون: (مودةً بينَكم) منونًا منصوبًا. فمن ترك التنوين. . . ".
[ ١١ / ٤٩٥ ]
ومَن نصَب ﴿مودة﴾ فلوقوع الاتخاذ عليها وعلى الأوثان؛ لأنَّه فعلٌ يطلب اثنين (^١)، يقول: اتخذْتُموها لتتوادُّوا (^٢) عليها وهي في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾: أي: يتبرأُ ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ كما قال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: يومئذ (^٣) ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ حينئذ.
* * *
(٢٦) - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾: أي: صدَّقه لوطٌ بعد هذا التنبيه وإقامةِ الحجج من بين القوم الكثير.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: قيل: هو قول لوط.
وقيل: هو قول إبراهيم.
وفي رواية (^٤): أنهما هاجرا معًا من أرض السواد إلى الشام.
ومعناه: إني تاركٌ وطني وبلدي ومفارقٌ مَن خالفني مَن أهلي متقرِّبًا (^٥) بذلك إلى ربي.
وقيل: لمَّا صدَّقه لوط من بين قومه لم يتهيَّأ له المقام بينهم، فقال: إني مهاجر إلى حيث أمرني ربي من المواضع التي أمرنا فيها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾: أي: المنيع الذي مَن لجأ إليه مَنَعه من أعدائه.
_________________
(١) في (أ): "اسمين"، وفي (ف): "أيتهن".
(٢) في (ر): "لتودوا"، وفي (ف): "لتوادوا".
(٣) "يومئذ" من (أ).
(٤) في (أ): "والرواية" بدل: "وفي رواية". وستأتي الرواية بذلك.
(٥) في (أ): "تقربًا".
[ ١١ / ٤٩٦ ]
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يمتحن أولياءه بأعدائه، ثم يجعل العاقبةَ المحمودة لأوليائه.
وقال محمد بن إسحاق: خرج إبراهيم ولوط ﵉ مهاجرَين -وقد تزوَّج إبراهيمُ سارةَ بنتَ عمه- فرارًا بدينهم والتماسًا للتمكُّن من عبادة ربهم، حتى نزلوا حرَّان، فمكثوا بها مدة ثم خرجوا إلى مصر ثم إلى الشام، فنزل إبراهيم فلسطين من قرى الشام، ونزل لوطٌ المؤتفكةَ على مسيرة يومٍ وليلة، فبعثه اللَّه نبيًّا إليهم (^١).
* * *
(٢٧) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: أي: في أعقابه ونسله؛ لأن موسى وداود ﵉ وغيرَهما من أنبياء (^٢) بني إسرائيل كلُّهم من ذرية يعقوب، ومحمدٌ -ﷺ- من ولد إسماعيل، وهو ابن إبراهيم، ولهم النبوةُ والكتابُ، ووحَّد الكتاب لأنه مصدرٌ كالنبوة فصلح للجمع.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾: أي: ثوابَ قيامه بأداء الرسالة، وصبرِه على أذى القوم، ومهاجَرته إلى ربه فارًّا بدينه ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ من كثرةِ الأولاد وكونِ الأنبياء فيهم، وإلزامِ الناس اتِّباعَ ملَّته، وإبقاءِ ذكره على ألسنة الآخرين (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: قال الحسن: أي: لَمِن أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] قيل: في جنَّتنا (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣١٣).
(٢) في (ف): "من الأنبياء من".
(٣) في (ف): "على الألسنة".
(٤) "قيل في جنتنا" من (أ). ووقعت هذه العبارة في (ر) و(ف) قبل قوله: "قال الحسن".
[ ١١ / ٤٩٧ ]
(٢٨) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾: عطفٌ على قوله: ﴿وَنُوحًا﴾، وبيَّن صبرَه على أذى قومه:
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: أي: الفعلةَ القبيحةَ المتناهيةَ القُبح، وهي إتيان الذكور.
﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: قرأ ابن كثير، ونافعٌ غيرَ قالون، وسهلٌ، ويعقوبُ غيرَ زيد، بغيرِ استفهام في الأول وبالاستفهام في الثاني بغير مدٍّ، ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿آئنكم﴾: قرأ أبو جعفر وقالون وزيد بالمد في الثانية، وقرأ أبو عمرو بالاستفهام مع المد في الموضعين، ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: قرأ شامي -وهو ابن عامر- وحفصٌ عن عاصم بغير استفهام في الأول وبالاستفهام في الثاني، وهشام عن ابن عامر يدخل بين الهمزتين مدةً، وقرأ الباقون بالاستفهام في الحرفين (^١)، وهو استفهام بمعنى التوبيخ والإنكار.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: لم يفعلها أحد من الناس قبلكم.
* * *
(٢٩) - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
_________________
(١) من قوله: " ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: قرأ ابن كثير ونافع. . . " إلى هنا وقع بدلًا منه في (ر) و(ف): "وقرأ نافع وحفص: ﴿إِنَّكُمْ﴾ في الموضعين بغير استفهام، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالاستفهام في الحرفين، وحفص عن عاصم في الأولى بغير استفهام وفي الثانية باستفهام". وانظر: "التيسير" (ص: ١٧٣)، و"البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" لعبد الفتاح القاضي (ص: ٢٤٥)، وقد لخص القاضي ما فيهما من قراءات للعشرة فقال: (قرأ المدنيان والمكي والشامي وحفص ويعقوب بالإخبار في الأول والاستفهام في الثاني، والباقون بالاستفهام فيهما، فلا خلاف بينهم في الاستفهام في الثاني، وكل على أصله في التحقيق والتسهيل والإدخال). والمدنيان هما: نافع وأبو جعفر، والمكي: ابن كثير، والشامي: ابن عامر.
[ ١١ / ٤٩٨ ]
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾: أي: تُواقعونهم، وهو تفسير تلك الفاحشة.
﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾: قيل: أي: تقطعون طرق الناس وتأخذون أموالهم، وكانوا يفعلون كذلك.
وقيل: كانوا يفعلون (^١) الفاحشة بمن مرَّ بهم من الغرباء، فكانوا لذلك لا يمرُّون بهم فينقطع الطريق لذلك.
وقيل: كانوا يَخْذفون المارَّة بالحصى، فكان الناس يمتنعون من المرور بهم.
وقال الفرَّاء: وتقطعون سبيل الولد لتعطيلكم النساء (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾: قال السدي: كانوا يَخْذِفون بالحصى مَن مرَّ بهم (^٣).
وقال مجاهد: كانوا يأتون الذُّكران مجاهرةً (^٤).
وقال ابن عباس ﵄ هو الضُّراط (^٥).
وقيل: هو كلُّ فعلٍ قبيح يجاهِر به (^٦) أهلُ المجون والذين لا حياءَ لهم.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يأتون".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩٠). وروي مرفوعًا، رواه الترمذي (٣١٩٠) وحسنه، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، والحاكم في "المستدرك" (٧٧٦١) وصححه، من حديث أم هانئ ﵂. وفي إسناده أبو صالح مولى أمِّ هانئ -واسمه باذام، ويقال: باذان- وهو ضعيف كما في "التقريب".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩١).
(٥) لم أجده عن ابن عباس، ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ١٩٦)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٨٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٥٤)، من قول عائشة ﵂. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٥٤ - ٣٠٥٥) من قول القاسم بن محمد.
(٦) في (ف): "مجاهر به"، وفي (ر): "مجاهرة به فعل".
[ ١١ / ٤٩٩ ]
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال (^١): هو الخذفُ بالحصى، والرميُ بالبندق، وفرقعةُ الأصابع، ومضغُ العِلك، وحلُّ الأزرار والإزار (^٢)، وفحشُ المزاح (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: وهو غايةُ وقاحتهم وعنادهم.
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾: سأل اللَّه أن يمنع أذاهم عنه، وأن يُنزل العذاب عليهم، فاستجاب اللَّه ذلك له بما ذكر بعده.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾: أي: الملائكة المرسلون جبريلُ وجماعة من الملائكة ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇ ﴿بِالْبُشْرَى﴾ بإسحاق، ويعقوبَ بعده منه؛ أي: من إسحاق (^٤).
﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾: وهي قرية قوم لوط؛ أي: نهلكُهم، فقد أمرَنا اللَّه بذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾: أي: هم متقادمو الكفر والمعاصي.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقال ابن عباس ﵄".
(٢) "والإزار" من (أ).
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٤٥٠).
(٤) "منه أي من إسحاق" من (أ).
[ ١١ / ٥٠٠ ]
(٣٢) - ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾: أي: قال إبراهيم أتهلكونهم وفيها لوط.
﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾: أي: ليس يخفَى علينا ذلك أن فيها لوطًا ومؤمنين معه، أعلمنا اللَّه تعالى بذلك، فلَنا العلم به حقيقةٌ وغيرُنا من البشر مَن علمهم كذلك فإنما ينبني على الظاهر دون الحقيقة فنحن أعلم منه.
﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: لنأمرنَّ لوطًا أن يخرج مع مَن معه من المؤمنين من القرية بأمر اللَّه إيانا بذلك، فيخرج فينجو بذلك مما يحلُّ بقومه (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي: الباقين في الهلاك.
وقال أبو عبيدة: يعني: من الذين طالت أعمارهم فبقيت بعد موت الأتراب ثم أهلكت (^٢).
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾: أي: لمَّا جاء هؤلاء الملائكة لوطًا ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: ساءه مجيئهم؛ أي: أحزنه.
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: قال في "ديوان الأدب": الذَّرْع قَدْرُ الرجل الذي يبلغُه (^٣).
_________________
(١) في هامش (ف): "بالقرية. نسخة".
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٢١٨) و(٢/ ١١٥).
(٣) انظر: "معجم ديوان الأدب" للفارابي (١/ ١١٦).
[ ١١ / ٥٠١ ]
وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾؛ أي: ضاق قلبُه ولم يحتمل ذلك وُسْعُه، وذلك لأنه لم يعلم أنهم ملائكةٌ فظنَّ أنهم غرباءُ ضافُوه، وخاف عليهم من قومه ما كان (^١) يكون منهم بالغرباء من الفاحشة.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾: أي: لا تخَفْ علينا من وصولهم إلينا، ولا تحزنْ ولا تهتمَّ من ظهور حالٍ يحزنُك بسببنا من الفضيحة، وأَظهَروا أنهم ملائكة أُرسلوا لإنجائه وإهلاك قومه -كما ذكر في سورة أخرى-:
﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾: أي: إنا ننجِّيك وننجِّي أهلك، ونصَبه بهذا التقدير ولم يخفض عطفًا على الكاف المخفوضة بالإضافة؛ لأن المكنيَّ المخفوض لا يَحسُنُ العطف عليه إلا بإعادة الخافض، على ما مر في قوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] (^٢).
﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي: الباقين في الهلاك.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي: عذابًا، وهو إمطار الحجارة.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: بفسقهم المتقادِم.
_________________
(١) "كان" من (أ).
(٢) وهذا الشرط الذي هو إعادة الخافض عند العطف مردود بقراءة حمزة: (والأرحامِ) بالكسر، وللعلماء في هذا كلام طويل، وردود على مَن قال بالشرط المذكور، وينظر في ذلك ما قاله أبو حيان والآلوسي عند تفسير الآية المذكورة في سورة النساء.
[ ١١ / ٥٠٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: قال قتادة: هي الحجارةُ التي أُمطرت عليهم (^١)، ما من أحدٍ مرَّ منهم (^٢) من المدينة إلى الشام إلا رآها في قرية سدوم.
وقيل: هو عفو آثارهم مع ظهور هلاكهم، يقول: ولقد ألقينا في قرية قومِ لوط علامةً واضحة على قدرتنا وعلى انتقامنا من أعدائنا لأوليائنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الآيات فيتدبرونها.
وقال الحسن: إن ملكًا موكَّلًا بالأرض، فإذا أراد اللَّه أن يخسف بأرض ناداه جبريل باسمه، فيقول: لبيك، فيقول جبريل: أَرْخِ أرض كذا وكذا، فإذا هو لا يمسكها بشيء فيُخسَف بها، فلما أراد اللَّه أن يخسف بقوم لوط ناداه جبريل: أن ارفعها إليَّ، فرفعها إليه حتى جعلها على جناحي جبريل، حتى سمع أهل السماء صياحَ الدجاج ونباح الكلاب ثم قلبها، ثم نادى ملَكَ المطر: عليَّ بالسحاب، فجاء بالسحاب فيها الحجارةُ، فأمطرها على مَن كان خارجًا من القرية وعلى مَن كان في القرية، ثم قال: كذلك قال رسولُ اللَّه ﵇ (^٣).
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق "تفسيره" (٢٢٥٧)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٥٨).
(٢) "مر منهم" من (ر).
(٣) من قوله: "وقال الحسن. . . " إلى هنا من (أ). ولم أجده عن الحسن، وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٤].
[ ١١ / ٥٠٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾: عطف على قوله: ﴿نُوحًا﴾.
﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: وحِّدوا اللَّه وأطيعوه.
﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: قال الحسن: أي: صدِّقوا به، ومعناه: أنهم كانوا لا يصدِّقون به فلا يرجون كونَه، فكأنه قال: وارجوا كونَه.
وقيل: معناه: فاعملوا الصالحات راجين ثوابه في الآخرة.
وقيل: أي: خافوا عذاب اللَّه يوم القيامة على المعاصي فلا تعصُوه، والرجاء يقع على الأمل والخوف جميعًا على ما مر (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: أي: ولا تبالغوا في الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي؛ من نقص الكيل والوزن (^٢) وغير ذلك.
* * *
(٣٧) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: أي: الزلزلة التي أصابتهم يوم الظلَّة، رجَفَتْ (^٣) بهم الأرض مع أخذِ الحر فهلكوا.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾: أي: بلدهم ﴿جَاثِمِينَ﴾: ميتين لاصقينَ بالأرض. وقال أبو عبيدة وقتادة: ساقطين بعضهم على بعض (^٤).
وقيل: جاثمين على الركب.
_________________
(١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾.
(٢) في (ف): "الكيل والميزان"، وفي (ر): "كيل أو وزن".
(٣) في (ر): "وجفت".
(٤) انظر: "مجاز القرآن" (١/ ٢١٨) و(٢/ ١١٦). وروى عبد الرزاق في "تفسيره" (١٢٠٦)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٠)، عن قتادة قوله: (ميتين).
[ ١١ / ٥٠٤ ]
(٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾: قيل: عطف على الهاء والميم في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾.
وقيل: أضمر قوله: وأهلكنا.
وقيل: أي: واذكر عادًا وثمودَ.
وقال الكسائي: يرجع هذا إلى أول السورة: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفتَنَّا عادًا وثمود.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾: كيف خرَّبها اللَّه تعالى وأخلاها عن أهلها؛ كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧].
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: الكفرَ والمعاصيَ بالوسوسة.
﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي: صرَفهم بالدعوة عن الطريق المستقيم، وهو الدِّين الحق.
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: قال قتادة: أي: صاروا ذوي بصائرَ في دينهم عند أنفسهم لعُجْبهم بضلالتهم (^١).
وقال مجاهد: وكانوا ذوي بصائر يمكنهم تمييز الحق من الباطل، ولكنهم أغفلوا ولم يستعملوا بصائرهم (^٢).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٤٨)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٠)، عن قتادة بلفظ: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في ضلالتهم معجبين بها). وروى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس قوله: (كانوا مستبصرين في دينهم).
(٢) ذكره بنحوه دون نسبة الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٢٢٧)، والنحاس في "إعراب =
[ ١١ / ٥٠٥ ]
(٣٩) - ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾: عطف على قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾.
وقيل: فصدَّهم وصدَّ قارونَ وكذا.
قوله تعالى (^١): ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالترؤس على أهلها واستعبادِ ضعفائها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾: أي: فائتين أَخْذَنا.
* * *
(٤٠) - ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾: أي: فأخَذْنا كلًّا مِن هؤلاء بكفره ومعصيته.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: حجارةً كقوم لوط.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾: كقوم صالح.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: كقارون.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾: بالطوفان كقوم نوحٍ، وبالبحر كفرعون وقومه.
_________________
(١) = القرآن" (٣/ ١٧٤)، أما مجاهد فروى الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٩٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٠)، عنه قوله: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في الضلالة). وهو شبيه بما روياه عن قتادة.
(٢) "وكذا قوله تعالى" ليس في (ف).
[ ١١ / ٥٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: أي: ليعاقبَهم من غيرِ ذنبٍ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالمعاصي المنزلةِ بهم الهلاك.
* * *
(٤١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾: أي: مَثَلُ مَن أشركَ باللَّه الأوثانَ وتولَّاها في ضَعْف احتيالهم وسوءِ اختيارهم كمثَل العنكبوت حيث ابتنَتْ لنفسها (^١) بيتًا، وإن ذلك البيت لا يكنُّ من حرٍّ ولا بردٍ، ولا يَقي ما تقي البيوتُ، فكذلك أوثانُ هؤلاء لا تنفعُهم ولا تغني عنهم في الدارين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي: واعتمادُهم على الأوثان أضعفُ شيء لو كانوا يرجعون إلى علمٍ.
والعنكبوت مؤنَّثةٌ في الآية، وقد ذكرها بعض الشعراء فقال:
على هَطَّالهم منهم بيوتٌ كأنَّ العنكبوتَ هو ابْتَناها (^٢)
* * *
(٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: قرأ أبو عمرو
_________________
(١) في (ر): "حين أثبتت لها".
(٢) البيت في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٧)، و"الصحاح" (مادة: هطل)، وفيه: الهطَّال اسم جبل.
[ ١١ / ٥٠٧ ]
وعاصم في رواية (^١) بياء المغايبة، والباقون بتاء الخطاب (^٢)؛ أي: إن اللَّه يعلم ما يعبدون من دونه من صنمٍ أو ملَكٍ أو جنٍّ أو شيطان.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا شريك له ﴿الْحَكِيمُ﴾: في ترك المعاجلة بالعقوبة.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: أي: هذا المثلُ وسائر الأمثال نبيِّنها للناس ونذكِّر (^٣).
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: أي: وما يفهمها ويعرف حقائقها إلا أولو العلم الذين يضعون الأشياء مواضعها، فأما مَن ألِفَ الجهل وترَك التدبُّر فما يَنتفِع بها انتفاعَ مَن يَعقِل.
فإن قيل: لِمَ لمْ يقل وما يعلمها إلا العاقلون، والعقل يسبق العلم؟
قلنا: لأن العقل آلةٌ يُستدرك بها معاني الأشياء بالتأمُّل فيها، ولا يمكن التأمُّل فيها والوصول إليها بطريقها إلا بالعلم، ودلَّت الآية على فضل العلم على العقل، ولا عالم منَّا إلا وهو عاقل وأما العاقل فقد يكون غير عالم.
* * *
(٤٤ - ٤٥) - ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: لم يخلقها باطلًا ولا جُزافًا، بل بحكمةٍ بالغةٍ وهو الامتحان، ثم ذلك يقتضي دارًا أخرى للحساب والجزاء على الأعمال.
_________________
(١) في (أ): "قرأ أهل البصرة وعاصم غير الأعشى يدعون".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠١)، و"التيسير" (ص: ١٧٤)، عن أبي عمرو وعاصم.
(٣) في (ر) و(ف): "تنبيهًا للناس وتذكيرًا".
[ ١١ / ٥٠٨ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: أي: لدلالةً على قدرة اللَّه تعالى وربوبيَّته وحكمته.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: والدلالةُ للكل، لكن انتفَع بها المؤمنون فأُضيفت إليهم.
وقيل: ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: لحجةً للمؤمنين على الكافرين في التوحيد والإسلام.
وقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: تقرُّبًا إلى اللَّه تعالى بقراءةِ كلامه، ولتَقفَ على ما أمر اللَّه تعالى به ونهى عنه فيه (^١)، وعلى ما يعامَلُ به الكفار.
وقيل: أي: اتلُ على الكفار وأنذرهم به وادعُهم إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي: إذا فرغْتَ من إنذارهم به.
وقيل: دُمْ على تلاوة الكتاب وإقامةِ الصلوات.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: أي: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ تشتمِل على قراءة القرآن، وفيه الوعظُ والوعيد والوعد، وذلك مانعٌ (^٢) ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾؛ أي: الفعلةِ القبيحة ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ما يُنكره العقل والشرع.
والنهيُ يكون بالقول، ولكن هذا مجازٌ عن المنع، ولأن الصلاة تشغلُ المصلي عن ذلك كلِّه، فإن المصليَ يناجي ربه فإذا أراد أن يعطيَ الصلاة حقَّها وجب عليه أن يُقبلَ عليه بقلبه ويُشعرَ قلبه الخشيةَ للَّه والمراقبةَ له، وذلك يمنعه عن المعاصي بعدها.
قال أبو هريرة ﵁: قيل للنبي -ﷺ-: إن فلانًا يصلي الليلَ كلَّه فإذا أصبح سرق، قال: "سينهاه ما تقول" (^٣).
_________________
(١) "فيه" من (أ).
(٢) في (أ): "يمنعه"، وفي (ف): "لمنعه".
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٧٧٨)، والبزار (٧٢٠ - كشف)، وابن حبان في "صحيحه" (٢٥٦٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٥٨): رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح.
[ ١١ / ٥٠٩ ]
وقال أبو عون (^١): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى﴾ قال: إذا كنتَ في صلاةٍ فأنت في معروفٍ وطاعةٍ وقد حجزَتْك عن الفحشاء والمنكر (^٢).
قال ابن عباس ﵄: إقامةُ الصلاة: إتمام وضوئها وقيامها وركوعها وسجودها وقراءتها، ومراعاةُ السُّنن فيها (^٣)، فمَن كان هكذا مواظبًا على هذا يرجو ثوابَها نهتْه ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: الزنا والقبيح من الأعمال ﴿و﴾ عن ﴿المنكرِ﴾: البغي والظلم.
وقال ابن مسعود ﵁: قال النبي -ﷺ-: "لا صلاة لمن لم يُطِع الصلاة، ومَن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" (^٤).
قال أبو هريرة ﵁: أيما (^٥) صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللَّه إلا بعدًا (^٦).
_________________
(١) في (أ): "ابن عوف"، وفي (ر) و(ف): "ابن عون". والصواب المثبت. وهو أبو عون الأنصاري الشامي الأعور، واسمه عبد اللَّه بن أبي عبد اللَّه. من رجال "التهذيب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٤٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٠٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٦). وفي إسناده جويبر بن سعيد وهو متروك.
(٥) في (أ): "قال النبي ﵇ أيما".
(٦) لم أجده عن أبي هريرة ﵁، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٠٩)، وابن الأعرابي في "معجمه" (١٩٥٤) من طريق الحسن عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٦)، والطبراني في "الكبير" (١١٠٢٥)، من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا. وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٠٩)، والطبراني في "الكبير" (٨٥٤٣)، عن ابن مسعود ﵁ موقوفا. =
[ ١١ / ٥١٠ ]
وقال بعض أهل المعرفة: معناه: إن الصلاة الخالصة للَّه تنهَى عن الرياء والعُجب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: قيل: ولذكرُ اللَّه ﷻ بتلاوةِ القرآن والأذكار في الصلاة أكبرُ من كلِّ شيء.
وقيل: ولذكر اللَّه في الصلاة بالقرآن أفضلُ من ذكره بغيره.
وقال ابن عباس ﵄: هو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ولذكر اللَّه إياكم أكبر من ذكركم إياه (^١).
وقال عبد اللَّه بن ربيعة: قال لي ابن عباس: أرأيتَ قول اللَّه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فقلت: ذكر اللَّه بالقرآن وبالصلاة وبالتسبيح وبالتكبير حسن، وأفضل من ذلك كلِّه إذا ذكر الرجل ربه عند المعصية فانحجز عنها، قال: لقد قلتَ قولًا عجبًا، وما هو كما قلتَ، ولكن ذكرُ اللَّه إياكم أكبر من ذكركم إياه (^٢).
وقيل: يتصل هذا بقوله: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ولذكر اللَّه بقلبه عند الهم بالفحشاء والمنكر، والكفُّ عن ذلك أكبرُ من كل عمل.
وقيل: ولذكر اللَّه في الصلاة أكبر من أفعالها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾: أي: ما تعملون من الصلاة وغير ذلك،
_________________
(١) = قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ١٠٤): (أخرجه علي بن معبد في كتاب "الطَّاعة والمعصية" من حديث الحسن مرسلًا بإسناد صحيح، ورواه الطبراني وأسنده ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عَبَّاس بإسناد لين، والطَّبرانيّ من قول ابن مسعود: من لم تأمره صلاته بالمعروف وتَنْهَه عن المُنكر لم يَزْدَدْ من اللَّه إِلَّا بعدا. وإسناده صحيح).
(٢) انظر التعليق الآتي.
(٣) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٥٦)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٧).
[ ١١ / ٥١١ ]
والتعظيم فيها وترك التعظيم، وهو حثٌّ على الطاعات والإخلاصِ فيها ونهيٌ عن المعاصي والرياء في الصلاة (^١).
* * *
(٤٦) - ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أمره بمحاجَّة المشركين بما مرَّ، وبمجادلة أهل الكتاب بالأحسن (^٢)، فقال: ولا تخاصموا أهل الكتاب في الدِّين إلا بالجهة التي هي أحسنُ من غيرها، وهو الدعاء إلى اللَّه تعالى بآياته والتنبيهِ على حججه، على سبيل النصح والرفق وتصويرِ الحق بأحسن الصور على وجهٍ يُرجى به ميلُهم إلى الإسلام.
وقال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في وفد نجران: السيدِ والعاقب وذريتِهم (^٣)، وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران (^٤).
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: أي: الذين أصرُّوا على كفرهم وامتنعوا من إعطاء الجزية، فجادلوهم بالسيف -وهو الجدالُ بغيرِ الأحسن- حتى يُسْلموا أو يعطوا الجزية.
وقيل (^٥): يحتاج هؤلاء إلى المغالظة والتشديد، فيكون جدالًا بغير الأحسن.
_________________
(١) في (أ): "الطاعات".
(٢) في (ر): "أمره بمحاجَّة المشركين لما مرَّ، ونهاه عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالأحسن".
(٣) في (أ): "وذويهم".
(٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
(٥) في (أ): "وقد".
[ ١١ / ٥١٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: وهو القرآن ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾: وهو التوراة والإنجيل، وهو بيان مجادلةِ الأحسن؛ أي: قولوا لهم: كتابكم حكَمٌ بيننا وبينكم ككتابنا حكَمٌ علينا، وقد آمنا بالكتابين.
وقوله: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون، فقد اتَّفقنا على اللَّه (^١) الذي يستحق أن يُعبد ويطاع، وعلى الكتاب الذي أُنزل إليكم، فقد رضينا بحكمه كرضانا بحكم كتابنا، فلم يبق إلا الرجوع إلى قصة (^٢) الكتاب، فهلموا نرجعْ إليه فيما اختلفنا من نبوة نبينا محمدٍ -ﷺ-، وهو موصوف في كتابكم بصفاتٍ لا توجد إلا في محمد ﵇، فما بقي بعد هذا إلا العِنادُ، والمجادلةُ على هذا الوجه مجادلةٌ بالأحسن.
وقيل: معناه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلا بالجميل ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: إلا مَن ظلم رجلًا بحق له قِبَله فأنه يؤخَذُ بذلك الحق ولو بالإغلاظ (^٣) له في القول.
وقيل: معناه ما روي في الخبر عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إذا حدَّثكم أهل الكتاب عن كتابهم فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ " (^٤).
* * *
(٤٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.
_________________
(١) بعدها في (ف): "هو".
(٢) في (ف): "قضية".
(٣) في (أ): "ولو بإغلاظ".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٢٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٧٠)، من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه البخاري (٤٤٨٥)، لكن فيه: وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦].
[ ١١ / ٥١٣ ]
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: أي: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء المتقدمين فكذلك أنزلنا إليك القرآن وأمرناك أن تحاجَّهم به.
﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: والذين آتيناهم الكتاب من قبلك من بني إسرائيل يؤمنون بهذا الكتاب؛ لإيمانهم بالأنبياء الذين بشَّروهم بك وبأمَّتك والكتابِ المنزلِ عليك.
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: أي: ومن أهل عصرك مِن بني إسرائيل مَن يؤمن به؛ كعبد اللَّه بن سلَام وأصحابِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾: أي: القرآنِ ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ باللَّه وكتبه، فلا يَضيقنَّ صدرُك بكفر هؤلاء، فقد آمَن بك وبكتابك أولئك.
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾: يدل على صحة كتابه ويقول: وما كنتَ تقرأ مِن قبل هذا الكتاب المنزل عليك كتابًا من الكتب المتقدمة فتكونَ قد وقفتَ بذلك على قصص الأولين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾: أي: وكنتَ لا تكتب كتابًا بيمينك (^١) فتكونَ قد وجدتَ كتابًا من الكتب المتقدِّمة فنظرتَ فيه وحفظتَ القصص منه، بل كنتَ أميًّا في بلاد الأميين لا تقرأ ولا تكتب.
وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: أي: ولو كنتَ تتلو كتابًا أو تخطُّه لشكُّوا إذًا، وإذ لم يكن كذلك فلا وجهَ للارتياب في أنَّ ما تتلوه عليهم هو وحيٌ من السماء.
والمبطِلون: الكفار، وقيل: أهل الكتاب.
_________________
(١) "أي: وكنت لا تكتب كتابًا بيمينك" ليس في (أ).
[ ١١ / ٥١٤ ]
وقيل: معناه: لو كنتَ تقرأ الكتب لقالوا: أخذ القصص منها، ولو كنت تخطُّه بيمينك لقالوا: نظَمْتَه وألَّفْتَه من عندك.
وقيل (^١): منعُ الخط والقراءة كان معجزةً له، وهما من الفضل لغيره، وقد أكرمه اللَّه بذلك في آخر عمره، وروى مجالد عن (^٢) عون بن عبد اللَّه [عن أبيه] أنه قال: ما مات رسول اللَّه -ﷺ- حتى كتب وقرأ (^٣).
* * *
(٤٩) - ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: القرآن، و﴿بَلْ﴾
_________________
(١) في (أ): "وقالوا".
(٢) في (أ) و(ف): "مجاهد عن"، وليست في (ر)، والصواب المثبت، ومجالد هو ابن سعيد، وقال عنه الحافظ في "التقريب": ليس بالقوي.
(٣) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٤٢)، وما بين معكوفتين منه. قال البيهقي: (هذا حديث منقطع، وفي رواته جماعة من الضعفاء والمجهولين). قلت: وقد نقل عن بعض العلماء القول بذلك، قال الآلوسي في "روح المعاني" (٢٠/ ٣٧٧): وممن ذهب إلى ذلك أبو ذر عبد بن أحمد الهروي، وأبو الفتح النيسابوري، وأبو الوليد الباجي من المغاربة، وحكاه عن السمناني، وصنف فيه كتابًا، وسبمَه إليه ابن منية، ولما قال أبو الوليد ذلك طعن فيه ورمي بالزندقة وسُب على المنابر، ثم عقد له مجلس فأقام الحجة على مدعاه وكتب به إلى علماء الأطراف فأجابوا بما يوافقه، ومعرفة الكتابة بعد أميته -ﷺ- لا ينافي المعجزة، بل هي معجزة أخرى لكونها من غير تعليم، وردّ بعض الأجلة كتاب الباجي لما في الحديث الصحيح: "إنا أمةٌ أميةٌ لا نكتب ولا نحسب"، وقال: كل ما ورد في الحديث من قوله: كتب، فمعناه أمر بالكتابة كما يقال: كتب السلطان بكذا لفلان. . .) إلى آخر ما قال، وقد استوفى ﵀ الكلام في هذه المسألة، واستوفينا في تحقيقنا له تخريج أحاديثه ومسائله وترجمة من ذكر من الأئمة فيه.
[ ١١ / ٥١٥ ]
لردِّ ما سبق، وتقديره: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون إنه سحر وشعر وكهانة ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؛ أي: دلائلُ واضحات وحججٌ نيِّرات، يُعرَف بها دينُ اللَّه وأحكامُه.
وقوله تعالى: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: هي كذلك في قلوب أصحابك العلماء يحفظونها ويعتقدونها، فمَن وصَفَه بغير هذه الصفة (^١) فهو من أهل الجهل، فلا تبالِ بقوله.
وقيل: ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: بل محمدٌ -ﷺ- ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؛ أي: رسولُ اللَّه حقٌّ ظاهرُ الدليل، وجمع الآيات لوجوه:
أحدها: أنه عَلَمٌ (^٢) على أشياءَ كثيرة من أمور الدِّين (^٣)، فهو آيةٌ واحدة لذاته آياتٌ لمدلولاته، وهو كقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] على قولِ مَن جَعَل ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ تفسيرًا لها وترجمةً عنها.
وقيل: كلُّ صفةٍ كانت آيةً، فكانت صفاتُه آياتٍ.
وقيل: كان (^٤) من أولِ ما نشأ (^٥) إلى آخر أمره آيات؛ لِمَا ذُكر من النور في وجه أبيه ما دام في صلبه، ثم في وجه أمه إذ وقع في رحمها، ثم من ضياء الليلة التي وُلد فيها، ثم مِن ظِلِّ السحاب الذي أظلَّه، وأمثالها، وهي كثيرةٌ.
﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ أي: أوتوا منافع العلم؛ فهم الذين يعتقدونه ويصدقونه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "بغير هذا الوصف".
(٢) في (ف): "أعلم".
(٣) في (ر) و(ف): "الدنيا".
(٤) في (أ): "فكان"، وفي (ف): "وقال". بدل: "وقيل كان".
(٥) في (أ): "فشا".
[ ١١ / ٥١٦ ]
وقيل: الذين أوتوا العلم: أهلُ الكتاب، وجدوه في كتبهم وعلِموه.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾: بمحمدٍ ﴿إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أنفسَهم، وقيل: الواضعون التكذيبَ في غير موضعه.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: كآيات الأنبياء موسى وعيسى وغيرِهما؛ كفَلق (^١) البحر، وإحياءِ الموتى، وإخراجِ الناقة من الصخرة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: هو يأتي بها على ما يعلمه صلاحًا لكلِّ نبيٍّ ولكلِّ قومٍ، لا أملك أنا شيئًا منها.
﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: مخوِّف بالقرآن أن يأتيَكم عذابٌ إذا أصرَرْتُم على شرككم وعنادكم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾: استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: لقد كفاهم ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ وهو معجزة (^٢) فهو آيةٌ كافية.
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: بلسانهم، ولقد تحدَّاهم (^٣) أن يأتوا بسورةٍ مثلِه فعجزوا.
وقرأ ابن كثير، وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، وحمزةُ والكسائي (^٤): ﴿آيةٌ من ربه﴾،
_________________
(١) في (أ): "من فلق".
(٢) في (أ): "معجز".
(٣) في (ر) و(ف): "تحديتهم".
(٤) في (أ): "وحماد وحمزة والكسائي غير قتيبة وخلف لنفسه" بدل: "وحمزة والكسائي".
[ ١١ / ٥١٧ ]
وقرأ الباقون: ﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (^١) لأنهم كانوا يقترحون آيات كما قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، ومَن وحَّد فهو للجنس فيؤدِّي معنى الجمع، وهو كقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: إن في ذلك الكتاب المنزل عليك لرحمةً وموعظةً لمن همَّتُه الإيمانُ بما قامت دلالتُه.
وقيل: هو متصلٌ بقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ على تأويلِ مَن قال: لا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم بما يُخبرون به من كتابهم، ثم (^٢) قال: أولم يكفهم ما في القرآن (^٣).
ورُوي أن بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم كان في يده رقٌّ فيه شيءٌ مكتوبٌ (^٤) من كتبهم، فقال النبي -ﷺ-: "ما هذا؟ " قال: كتبتُه من كتبهم (^٥) لأزدادَ علمًا على علمي، فتغيَّر وجهُ رسول اللَّه -ﷺ- وقال: "أمتهوِّكون أنتم كما تهوَّكتِ اليهود والنصارى؟! كفى بقومٍ حُمقًا وضلالًا أن يرغبوا عما أتاهم به نبيهم إلى غيره" فأنزل اللَّه هذه الآية (^٦).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠١)، و"التيسير" (ص: ١٧٤).
(٢) "ثم" من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "ما في الأرض من القرآن".
(٤) "مكتوب" ليست في (ر).
(٥) في (أ): "كتابهم".
(٦) رواه الدارمي في "سننه" (٤٧٨)، وأبو داود في "المراسيل" (٤٥٤)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٢٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٧٢)، عن يحيي بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكثب قد كتبوها فيها بعض ما سَمِعُوه من اليهود، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "كفى بقوم حمقًا. . " الحديث، وهو مرسل، وليس فيه: "أمتهوِّكون أنتم كما تهوَّكتِ اليهود والنصارى؟! "، وهذه العبارة وردت في حديث آخر رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٢/ ٣٢٣) (ط: الأميرية)، والإمام أحمد في "المسند" (١٥١٥٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٦٤٢١)، والبغوي في "شرح السنة" (١٢٦)، من حديث جابر ﵁، وإسناده ضعيف. ولفظه: "أمتهوّكون أنتم =
[ ١١ / ٥١٨ ]
(٥٢) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾: أي: شاهدًا بصدقِ ما أدَّعيهِ (^١) من الرسالة وإنزالِ القرآن عليَّ.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لا يخفَى عليه شيء مما فيهما، وهذا وعيد لهم بتعريضٍ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾: بالجبت والطاغوت ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي أشركوا به.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: قيل: الهالكون، وقيل: المغبونون؛ حُرِموا الجنة واستحقُّوا الخلود في النار.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾: ولمَّا قال ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: بالعذاب، قالوا: متى هذا الوعد؟ وقال النضر بن الحارث: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، فنزل هذا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، ونزل: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، ونزل: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦].
_________________
(١) = كما تهوّكت اليهود والنّصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، ولو كان موسى حيًّا ما وسعه إلّا اتّباعي". وليس فيه ذكر نزول الآية.
(٢) في (ر): "ادعيت".
[ ١١ / ٥١٩ ]
قوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾: أي: إن لكلِّ عذابٍ يُنزله اللَّه بالعصاة أجلًا معلومًا عنده لا يقدِّمه قبله ولا يؤخِّره بعده.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾: أي: العذاب ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقتِ مجيئه.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: عجبٌ من جهلهم في استعجال العذاب وقد أَعد اللَّه لهم جهنم (^١) وهي قد أحاطت بهم؛ أي: هم في المعنى كالمحصور فيها لا يجد مخرجًا.
وقيل: أي: ستحيط بهم في الآخرة لا محالةَ، فلا معنى لاستعجالهم في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: مُحيطةٌ (^٢) بهم في (^٣) يومٍ يأتيهم ويغطِّيهم العذاب ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ومن (^٤) كلِّ جهاتهم، وهو كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: قرأ نافع وأهل الكوفة بالياء ردًّا على قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾ ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: تقول لهم الملائكة بأمر اللَّه: هذا جزاء عملكم فذوقوه؛ أي: فقا سوه، وقرأ الباقون بالنون ردًّا على قوله: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ (^٥).
_________________
(١) قوله: "عجب من جهلهم. . . " إلى هنا من (أ). والمراد: (تعجيب من جهلهم) لأنه سبحانه منزه عن أن ينسب إليه العجب.
(٢) في (ر): "يحيط".
(٣) "في" من (أ).
(٤) في (أ): "من" بدل: " ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ومن".
(٥) في (ر) و(ف): "قرأ ابن كثير وابن عامر بالنون ردًّا على قوله: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾، وقرأ الباقون بالياء =
[ ١١ / ٥٢٠ ]
(٥٦ - ٥٧) - ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: أي: يا عبادي الذين آمنوا بي وبرسولي، وخالَفوا عشائرهم وقومهم، وخافوا الفتنة منهم وألَّا يصبروا على أذاهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: أي: بلادي والمواضعَ التي (^١) خلقتُها لمعاشِ خلقي كبيرةٌ لا تَضيق عنكم فهاجِروا إليها.
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ لا ما يدعوكم إليه المشركون، ولا يَشُقَّنَّ عليكم احتمالُ الغربة لأجلي، فإن حياة الدنيا منقضية، والبلايا منتهية، ومرجعُكم إليَّ، وذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
وقيل: ﴿إِنَّ أَرْضِي﴾؛ أي: أرضَ الجنة ﴿وَاسِعَةٌ﴾، ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ حتى أُوتيكم ذلك.
* * *
(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾: قرأ حمزة والكسائي وخلف (^٢). . . . . . . .
_________________
(١) = ردًّا على قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: تقول لهم الملائكة بأمر اللَّه تعالى: هذا جزاؤكم فذوقوه؛ أي: فقاسُوه". والمثبت من (أ)، وأهل الكوفة هم عاصم وحمزة والكسائي، وانظر: "السبعة" (ص: ٥٠١)، و"التيسير" (ص: ١٧٤).
(٢) في (ر) و(ف): "أي الأرض التي".
(٣) في (أ): "حمزة وخلف"، وفي (ف): "حمزة والكسائي" وفي (ر): "ابن كثير والكسائي"، والمثبت من المصادر.
[ ١١ / ٥٢١ ]
بالثاء المعجمة فوقها بثلاثٍ من الثَّواء، وهو (^١) الإقامةُ، والإثواءُ تعديتُه، وقرأ الباقون بالتاء من التَّبْوِئة وهي الإنزال (^٢).
﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾: وهي أعالي المنازل بها.
قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: من تحت أشجارها وقصورها المياه في الأنهار، وهي أنزه ما يكون.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: أي: ثبتوا على الإيمان مع الفتنة، وتحمَّلوا أذى الكفار ومفارقة الديار.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: أي: يعتمدون في أرزاقهم وجهادِ أعدائهم وكفايةِ أمورهم على ربهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾: أي: وكم من ذاتِ حياةٍ تدبُّ على وجه الأرض ليس معها رزقُها مدَّخرًا يرزقها اللَّه تعالى كما يرزقكم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾: الذي لا تخفى عليه الأصواتُ ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي أحاط علمُه بالخَفِيَّات.
نزلت في الذين أُمروا بالهجرة من المستضعَفين، فقالوا: كيف نهاجر إلى المدينة
_________________
(١) في (أ): "وهي".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٠٢)، و"التيسير" (ص: ١٧٤)، عن حمزة والكسائي، و"النشر" (٢/ ٣٤٤) عن خلف.
[ ١١ / ٥٢٢ ]
وليس لنا بها دار ولا عِقار، ولا أحد يؤوينا ويطعمنا ويسقينا؟ فنزلت هذه الآية.
وقال ابن عباس ﵄: لا يخبئ القُوتَ إلا الإنسان والفأرة والنملة.
* * *
(٦١) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي: ولئن سألتَ هؤلاء المشركين: مَن خالقُ السماوات والأرض على كبرهما وسَعَتهما وكثرةِ عجائبهما، وما علَّق اللَّهُ تعالى بهما من قرارِ هذا العالم على كثرتهم، ومَن الذي صيَّر الشمس والقمر غيرَ ممتنعَين عما خلَقهما له من منافعِ العباد، وما علَّق بهما من أسباب المعاش؟ لأقرُّوا أن فاعل ذلك كلِّه هو اللَّهُ وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُون﴾: أي: فأين يُصرَفون، وإلى أين يذهبون عن الإخلاص له مع إقرارهم بهذا كلِّه، ومن أين يجوز مع هذا أن يكون مَن عَبَد (^١) خالقَ هذه الأشياء يعاقبُه اللَّه تعالى بالتقتير عليه، ومَن أشرك به غيرَه يُثيبه اللَّه تعالى بالتوسيع عليه.
* * *
(٦٢) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾: أي: إن اللَّه هو المستحِقُّ العبادة وحده، وهو الموسِّع للرزق على مَن يشاءُ وهو المضيِّق له والمعطي بقَدْر الكفاية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: هو العليم بمصلحة كلِّ عبدٍ، فيعطي كلًّا ما فيه صلاحُه، قال النبي -ﷺ-: "يقول اللَّه تعالى: إنَّ مِن عبادي مَن لا يصلحُه إلا
_________________
(١) في جميع النسخ: "عند"، ولا يستقيم به السياق.
[ ١١ / ٥٢٣ ]
الفقرُ، ولو أغنيتُه لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي مَن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقَرْتُه لأفسده ذلك، أدبِّر أمور عبادي بعِلمي" (^١).
ثم من تمام معنى الآية: أن اللَّه هو يبسط الرزق ويَقْدِره، فلا يحملنكم خوفُ الفقر والضِّيق في الغربة على ترك الهجرة، فإن اللَّه هو رازقكم أين كُنْتم.
* * *
(٦٣) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: فإذا كانوا مُقرِّين بأن فاعل ذلك هو اللَّه، وهو القادر عليه وعلى كل شيء، أفلا يقدر على إغناء المؤمنين؟ قل: الحمد للَّه على ما أوضح لنا من الحجة، وبصَّرنا من العَمَاية (^٢)، وأنقذَنا من الجهالة.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أي: لا يتدبَّرون بما فيهم من العقول فيما يُريهم من الآيات ويُقيم من الدلالات، فصاروا بذلك كمَن لا يعقل ما يقال له ولا ما يقول.
وقيل: لا يعقلون ما يلزمهم بهذا الإقرار.
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول" (٢/ ٢٣٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٣١٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٩٥)، من حديث أنس ﵁.
(٢) في (ف): "وبصرنا من الحماقة"، وفي (ر): "ونصرنا بالحماية".
[ ١١ / ٥٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾: أي: ما (^١) يعطيه اللَّه تعالى لهؤلاء الأغنياء من السَّعة في دنياهم فليس هو في سرعة انقضائه إلا كاللهو، وهو الشيء الذي يَتلذذ به الإنسان فيُلهيه ويُفرحه ساعةً ثم ينقضي، وكاللعب الذي لا حقيقة له.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾: أي: والدار الآخرة التي هي للثوابِ والعقاب ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (^٢)؛ أي: فيها الحياةُ الباقية؛ أي: هي الحياةُ في الحقيقة لأنها حياةٌ لا تنتغَّص (^٣) بانقضائها بالموت.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لو كان هؤلاء المشركون المفتخرون بالدنيا يعرفون حقائق الأشياء.
* * *
(٦٥) - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾: أي: لأمرٍ من أمور المعاش، فأصابتهم شدة يخافون منها الغرق والهلاك ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: لا يَدينون في تلك الحالة أن شيئًا يفرج عنهم ذلك غيرَ اللَّه وحده.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: فإذا خلَّصهم (^٤) من البحر إلى البر وأَمِنوا ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عادوا إلى الشرك باللَّه.
* * *
(٦٦) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "إنما".
(٢) في (أ): "لهي الحياة".
(٣) في (ف): "تنتقض".
(٤) في (أ): "خلصناهم".
[ ١١ / ٥٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (^١) بتسكين اللام: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ على الأمر (^٢)، وعلى هذا ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ يكون على صيغة الأمر وهو للتهديد؛ كما قال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، فدل على أنه للتهديد.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: يعني: في الآخرة إذا عُوقبوا على ذلك.
وقرأ الباقون بكسر اللام، وعلى هذه القراءة يجوز أن يكون على صيغة الأمر وتأويله ما مر، ويجوز أن يكون بمعنى (كي) ويتصل بقوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُون﴾ كي يكفروا نعمتنا ويتمتَّعوا بالدنيا، وسوف يعلمون سوء تدبيرهم عند تعذيبهم وتدميرهم.
* * *
(٦٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: استفهام بمعنى التقرير ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾؛ أي: لهم ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾؛ أي: وسائرُ أهل بلاد العرب يُستلبون بالإغارة والسبي، إنعامًا مني على أهل الحرم وقد خلَّصتهم في البر كما خلَّصتهم في البحر، فكيف صاروا يشركون بي في البر ولا يشركون بي في البحر ويدعون لي مخلصين؟
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: بما يعبدونه من دون اللَّه ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾: وهو الرسول والكتاب، استفهام بمعنى التوبيخ.
_________________
(١) في (أ): "قرأ ابن كثير عن البزي من طريق الهاشمي وقالون عن نافع وحمزة والكسائي وخلف والشموني والبرجمي والخزار عن هبيرة" بدل: "وحمزة والكسائي".
(٢) وهي أيضًا قراءة قالون، وقرأ باقي السبعة بكسر اللام. انظر: "السبعة" (ص: ٥٠٢)، و"التيسير" (ص: ١٧٤).
[ ١١ / ٥٢٦ ]
(٦٨ - ٦٩) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: لا أظلم منه ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِين﴾ استفهام بمعنى الإثبات.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾: أي: أعدائي، وقيل: الشيطان، وقيل: أنفسَهم.
﴿فِينَا﴾؛ أي: لأجْلنا وفي طلب رضانا.
وقوله تعالى: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: أي: لنثبِّتنَّهم على الحق.
وقيل: لنوفِّقنَّهم سُبلَنا، وسبيلُ اللَّه واحد وجُمع لذكر المجاهدين، فصار السبيل جمعًا لاجتماع السالكين.
وقال الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينَّهم إلى ما لم يعلموا (^١).
وقال سهل بن عبد اللَّه: والذين جاهدوا في إقامة السنَّة لنهدينَّهم سبل الجنة (^٢).
وقال الواسطي: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم إلينا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: حافظُهم وناصرُهم.
والحمد للَّه رب العالمين، اللهمَّ يا مستعان، أسألك الثبات على الإيمان، بحق
_________________
(١) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٤٦٥)، ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٠) بلفظ: (الذين يعملون بما يعلمون يهديهم ربّهم إلى ما لا يعلمون).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٠)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٢٥٦).
[ ١١ / ٥٢٧ ]
كتابك الفرقان (^١)، وآياتك والتبيان، وأياديك والإحسان، على أنبيائك وعلى أهل التوحيد والإيمان، احفظنا يا رحيم يا رحمن، عن المعاصي والطغيان، وعن شر الجن والإنس (^٢) والشيطان، وأدخِلْنا بفضلك دار الجنان، وأَمِّنَّا من (^٣) درَكات النيران، مع الآباء والأمهات، والمؤمنين والمؤمنات، من الإخوة والأخوات، والأبرار والأصحاب والأقران، من الطغيان والعصيان، بحقِّ نبيِّك وخِيرتك من البَرِيَّة والإنسان (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "القرآن".
(٢) في (ر): "والإنسان".
(٣) في (ف): "وآمنا عن".
(٤) من قوله: "والحمد للَّه رب العالمين. . . " إلى هنا ليس في (أ).
[ ١١ / ٥٢٨ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
ماهر أديب حبوش - سارية فايز عجلوني
المجلد الثاني عشر
دار اللباب
[ ١٢ / ١ ]
سورة الروم
[ ١٢ / ٥ ]