بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي ذكَّرنا الغاشية، الرحمنِ الذي خوَّفنا بالنَّار الحامية، الرحيمِ الذي شوَّقنا إلى الجنَّة العالية.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (^٢) حاسبَه اللَّهُ حسابًا يسيرًا" (^٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ستٌّ وعشرون آية، واثنتان وتسعون كلمة، وثلاثُ مئة وأحدٌ وسبعون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر المؤمنين والكفَّار، ومصير هؤلاء إلى الجنَّة، ومصير هؤلاء إلى النَّار.
* * *
_________________
(١) في (ر): "سورة هل أتاك حديث الغاشية".
(٢) في (أ): "من قرأ سورة الغاشية".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٨٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٧٣)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٣١٧ ]
(١ - ٦) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: قد أتاكَ خبرُ القيامة (^١) التي تَغْشَى النَّاس بالأهوال؛ أي: تجلِّلُهم، يعني: تَعمُّهم.
وقيل: أي: تأتيهم.
وقيل: ﴿الْغَاشِيَةِ﴾: النَّار بهذه الصِّفة؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
وقيل: ﴿الْغَاشِيَةِ﴾: أهلُ النَّار الذين يغشونها؛ أي: يأتونها، والهاء للجماعة.
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾؛ أي: ذليلةٌ لِمَا اعترى أصحابها من الخزي والهوان، خافضةٌ أبصارها، قال تعالى: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقال: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧].
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: قال الحسنُ: أخشعَها اللَّهُ، وأعمَلَها وأنصبَها بمعالجة السَّلاسل والأغلال في النَّار، وهم قبلَ ذلك أيضًا قيام على أرجلِهم في عَرَصَات القيامة، عُراة ظمأى (^٢).
وقيل: ﴿خَاشِعَةٌ﴾ يومَئذ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ في الدُّنيا؛ أي: تعِبة.
وقيل: عملَتْ فلم تَنتَفع بعملها يوم القيامة، وتقديرُه: كانت عاملةً ناصبةً في الدُّنيا.
_________________
(١) في (ف): "الغاشية".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٢٨) بلفظ: (لم تعمل للَّه في الدنيا، فأعملها في النار).
[ ١٥ / ٣١٨ ]
وقيل: إنَّما لم يَذكر (كانت) لأنَّهم يُسمَّون به يومئذ (^١)، فيُقال: هم (^٢) عاملة ناصبة؛ أي: هم قوم عملوا في الدُّنيا فلم يحصل لهم من ذلك إلَّا نَصَبٌ.
﴿تَصْلَى﴾: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿تُصْلَى﴾ برفع التَّاء، من الإصلاء، وهو الإدخال، والباقون بفتحها (^٣)، من الصَّلي وهو الدُّخول، ولهم الوصفان جميعًا، والملائكةُ يُدخلونهم فيَدخلونها.
﴿نَارًا حَامِيَةً﴾: أي: قد أُحْمِيَتْ مُددًا طويلة، فلا حرَّ يعدِلُ حرَّها.
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: أي: من عينِ ماءٍ (^٤) قد انتهى حرُّها، فهذا شرابُهم.
والتَّأنيث في هذه الصِّفات والأفعال راجعةٌ إلى الوجوه، والمراد أصحابُها، ولذلك قال بعده:
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ﴾: بالهاء والميم اللَّتين هما لجمع العقلاء.
﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾: إذا دخلوا النَّار وقد اشتدَّ جوعُهم وعطشُهم لطول الموقف وشدَّة الأمر سألوا طعامًا وشرابًا، فيُسْقَون من الحميم الذي يشوي الوجوه، ويقطِّع الأمعاء، ومن الضَّريع الذي يغصُّون به، ويقاسون الشِّدة والعناء.
قال الضَّحَّاك: ﴿ضَرِيعٍ﴾: شجرة في النَّار يأكلون منها (^٥).
وقال سعيدٌ: هو الحجارة (^٦).
_________________
(١) "يومئذ" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "لهم".
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١).
(٤) "ماء" ليس في (أ).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٣٣) عن ابن عباس ﵄.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٣٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢١).
[ ١٥ / ٣١٩ ]
وعنه: أنَّه الزَّقوم (^١).
وقال الحسن: هو المُضرِع (^٢). كالسَّميع بمعنى المسمِع؛ أي: الموقِع في الضَّراعة؛ أي: الذِّلة والتَّضرُّع والمسكنة.
وقال الفرَّاء: هو نبت يُقال لرَطْبه: الشِّبْرِق، وإذا يبسَ: فهو ضريع، وهو سمٌّ (^٣).
وفي حديث ابن عبَّاس: أنَّه كأظفار الهرِّ (^٤).
* * *
(٧ - ١١) - ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾؛ لأنَّ ضريع الدُّنيا الذي هو مرعًى للسَّوائم لا يُسْمِن ولا يُشْبع، فكيف ضريعُ جهنَّم؟!
ولا يعارض هذه الآيةَ قولُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٥ - ٣٦]، فإنَّ في (^٥) جهنَّم دَرَكَات، وتمضي عليهم أوقاتٌ، ويختصُّ كلُّ وقتٍ وكلُّ موضع بشيء، فالضَّريع يكون في وقتٍ وموضع، والغسلين في وقت آخر وموضع آخر.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢١).
(٢) ليس هذا قول الحسن بل هو معنى كلام ابن كيسان كما جاء في "تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٨٨)، ولفظه: (وقال عمرو بن عبيد: لم يقل الحسن في الضريع شيئًا، إلا أنه قال: هو بعض ما أخفى اللَّه من العذاب، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلُّون ويتضرَّعون إلى اللَّه سبحانه، وعلى هذا التأويل يكون المعنى: المضرع).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٥٧).
(٤) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٥٠٩).
(٥) "في" ليس في (ف).
[ ١٥ / ٣٢٠ ]
وعن أبي الدَّرداء ﵁ قال: يُرْسَل على أهل النَّار الجوع حتى يزيدَ على كلِّ عذاب، فيستغيثون فيُغاثون بالضَّريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غُصَّة، فيذكرون أنَّهم كانوا يسيغون الغَصَصَ في الدُّنيا بالشَّراب، فيُدفع إليهم بكلاليب الحديد، فإذا دنا من وجوههم شواها، ودخل بطونهم فقطَّع ما فيها، فيقولون: كلِّموا خزنة النَّار، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ الآية [غافر: ٤٩ - ٥٠] (^١).
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾: ذكر صفة وجوه الكفَّار أوَّلًا، ثم ذكر صفة وجوه المؤمنين، ولم يقل: (ووجوه)؛ لأنَّ الكلام الأوَّل قد طال وانقطع، وصار هذا كالمبتدأ.
ومعناه: وأقوام يومَئذ ناعمون في الجنَّة.
﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾: أي: لمساعيهم في الدُّنيا حامدون في الجنَّة؛ لِمَا نالوا (^٢) من ثوابها.
وقيل: أي: راضون بثواب سعيهم.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: أي: رفيعةِ المنازلِ، درجاتُها بعضُها فوقَ بعضٍ.
وقيل: أي: عاليةِ القَدْر، بتكامل ما فيها من النَّعيم.
﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء التَّذكير مضمومةً (^٣)، ﴿لاغيةٌ﴾ بالرَّفع، والتَّذكيرُ لتقدُّم الفعل والحائل.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥٨٦)، وتقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
(٢) في (ر): "نالها".
(٣) "مضمومة" ليس في (أ).
[ ١٥ / ٣٢١ ]
وقرأ نافع: ﴿لا تُسْمَعُ﴾ بتاء التَّأنيث وبضم التَّاء، ﴿لاغيةٌ﴾ وبالرَّفع، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه.
والباقون بفتح تاء التَّأنيث، ﴿لَاغِيَةً﴾ بالنَّصب (^١)، على أنَّ الفعل للوجوه ظاهرًا، ولأصحابها معنًى.
واللَّاغيةُ: اللَّغو، كالخائنة هي الخيانة، والكاذبة هي (^٢) الكذب، وهو كلُّ كلام لا فائدة فيه.
يقول: الجنَّةُ منزَّهةٌ عن جريان اللَّغو فيها بين أهلها؛ لأنَّهم نالوها بالجدِّ والحقِّ، لا باللَّغو والباطل، وكلُّ مجلسٍ من مجالس الدُّنيا يُصان عن هذا، فله جلالُه على غيره.
وقال القتبيُّ ونفطويه: ﴿لَاغِيَةً﴾؛ أي: قائلةَ لغوٍ (^٣).
وقال الأخفش: كلمة لغو (^٤).
وقال أبو عبيدة: أي: لغو (^٥).
وقال مجاهد: أي: شتم (^٦).
وقال قتادة: أي: باطل (^٧).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨١ - ٦٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢).
(٢) في (ر): "من" في الموضعين.
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥٢٥).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٧٧).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٩٦).
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٣٥).
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٥٨٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٣٥)، بلفظ: "لا تسمع فيها باطلًا ولا إثمًا".
[ ١٥ / ٣٢٢ ]
وقال محمَّد بن كعب القُرظيُّ: إثم (^١).
وجملته: كلُّ كلامٍ لا فائدةَ فيه، ولا (^٢) منفعة فيه.
* * *
(١٢ - ١٦) - ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾: أي: عين الشَّراب جاريةٌ على وجه الأرض من غير أخدود، تجري لهم حيث أرادوا إجراءها.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾: أي: في الهواء عاليةً، ليرى المؤمنُ إذا جلسَ عليها جميعَ ما أعطاه ربُّه في الجنَّة من المُلْك والنَّعيم.
وقال خارجة بن مصعب: بلغَنَا أنَّ بعضَها فوقَ بعضٍ، فترتفع ما شاء اللَّه تعالى، فإذا أراد وليُّ اللَّهِ أن يجلسَ (^٣) عليها تطامنَتْ له، فإذا استوى عليها ارتفعَتْ إلى حيث شاء اللَّه (^٤).
﴿وَأَكوَابٌ﴾: هي كِيْزانٌ لا عُرى لها، جمع كوب.
﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: أي: معدَّةٌ لأهلِها، كالرَّجل يلتمسُ من الرَّجل شيئًا، فيقول: هو هاهنا موضوع؛ أي: مُعَدّ.
وقيل: موضوعةٌ على حافة العين الجارية، كلَّما أراد الشُّرب وجدها ملأى من الشَّراب.
_________________
(١) انظر عبارة قتادة في التعليق السابق.
(٢) "فائدة فيه ولا" ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "فإذا جاء ولي اللَّه ليجلس".
(٤) ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٣١/ ١٤٣).
[ ١٥ / ٣٢٣ ]
وقيل: أي: موضوعةٌ بين أيديهم لاستحسانها والتَّلذُّذ بالشُّرب منها.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾: قال قتادة: أي: وسائد (^١).
وقيل: المرافق المصفوفة: الموضوعةُ بعضُها بجنب بعض، كالشَّيء يُجعَل صفًّا، وكالقوم يقومون صفًّا، يتَّكئون عليها.
وواحدتها نُمْرُقة ونمْرِقة بالضَّم والكسر.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾؛ أي: طنافس متفرِّقة، وهي عبارة عن الكثرة. قاله الفرَّاء (^٢).
وقال أبو عبيدة: هي البُسُط (^٣). وقال نفطويه كلاهما.
وهي جمع زِرْبِيَة وزِرْبِي (^٤).
ذكر أنَّ لهم وسائدَ يتَّكؤون عليها، وطنافسَ وبُسطًا يمشون عليها ويجلسون عليها إذا أحبُّوا، ثم فيها زينة مجالسهم يتلذَّذون بالنَّظر إليها.
* * *
(١٧ - ٢٠) - ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾: أي: بُسِطَتْ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٣٧).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٥٨).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٩٦).
(٤) مثلثة الزاي كما ذكر ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" (مادة: زرب).
[ ١٥ / ٣٢٤ ]
لَمَّا أنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيات في صفة الجنَّة: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، وفسَّرها النَّبيّ -ﷺ- بأن السَّرير يكون ارتفاعُه مسيرة مئة سنة، والأكوابَ الموضوعة تكون كثيرةً ولا تدخل في حساب الخَلْق، والنَّمارقَ يكون طولها كذا، ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ يكون عرضُها كذا، فوصف طولًا عظيمًا، وعرضًا عظيمًا، أنكره الكفَّار، وقالوا: إذا أراد الإنسانُ أن يصعدَ السَّرير كيف يفعل؟ وكيف تكثر الأكواب هذه الكثرة، وتطول النَّمارق هذا الطُّول، وتُبْسَط الزَّرابيُّ هذا الانبساط، ولسنا نشاهد ذلك في الدُّنيا؟! = فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيات (^١):
فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ طويلةً، ثم تبرُك فتُرْكَب ويُحْمَل عليها، ثم تقومُ، فكذلك السُّرر (^٢).
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ثم نجومُها تكثر هذه الكثرةَ، فلا تدخل في حساب الخَلْق، فكذلك الأكواب.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ تطول هذا الطُّول، فكذلك النَّمارق.
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾: فهي كلُّها بساطٌ واحدٌ يُبسَطُ من الأفق إلى الأفق، فكذلك الزَّرابيُّ.
وقيل: هي تنبيهٌ على البعث بعد الموت، ومحاجَّةٌ بها مع منكري البعث (^٣).
يقول: مَن قدر على خلق هذه الأشياء العجيبة (^٤) العظيمة قدرَ على الإعادة بعد الإماتة.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٨٩)، والواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٤٧٣) عن قتادة مختصرًا بلفظ: (ذكر اللَّه سبحانه ارتفاع سرر الجنة وفرشها، فقالوا: كيف نصعد؛ فأنزل اللَّه سبحانه هذه الآية).
(٢) في (ر): "السرير".
(٣) في (أ): "ومحاجة على منكريه" وفي (ف): "ومحاجة بها مع منكريه".
(٤) "العجيبة" ليس في (أ).
[ ١٥ / ٣٢٥ ]
ثم معنى تقديم الإبل على السَّماء والأرض والجبال، وقَصْرِ التَّنبيه على هذه الأشياء الأربعة: أنَّ هذا خطابٌ للعرب، وحَثٌّ على الاستدلال، والمرءُ إنما يستدلُّ بما هو أكثر له مشاهدة، وأوقف على معانيه، والعرب في الغالب تكون في البوادي، وأعزُّ أموالهم إليهم الإبل، وهم لها أكثر استعمالًا منهم لسائر الحيوانات؛ لأن جملتها ترجع إلى الأكولة والحلوبة والركوبة والحمولة، وهي كلُّها تجتمع في الإبل دون غيرها، فإنَّه يُختصُّ سائرُها ببعض ذلك دون بعض، وليس جيل في الدُّنيا تكلَّف في وصف هذا الحيوان ما تكلَّفوه، ولا عرفَ من ظاهرها وباطنها ما عرفوه، ومن أحبَّ ذلك فلينظر في الكتب المؤلَّفة في صفات الإبل وأعراقها وأجناسها وأسنانها ولقاحها ونتاجها وألوانها ووجوه سيرها وأدوائها ومعالجاتها، فإذا كان استعمالهم في الصَّحارى لها، ونظرهم فيها إلى السَّماء والأرض والجبال = حُرِّكوا على تأمُّلها والاستدلال بها على قدرة خالقها ووحدانيَّته وعلمه وحكمته.
ثم من عجائب الإبل بروكُها ونهوضُها بالحمل الثَّقيل، وتناولُها الشَّوك وإدرارها اللَّبن الخالص الغزير، وعظمُ جثتها وانقيادُها للصبيِّ الصغير.
* * *
(٢١ - ٢٤) - ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ أي: عِظْ يا محمَّد هؤلاء المكذِّبين بالبعث بما توردُه عليهم من الحُجج، ولا يضيقَنَّ صدرُك بإصرارهم على إنكارهم.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾: أي: إنَّما اختارك اللَّه تعالى لهذا، فاصبر عليه ودُمْ على ما اختارك له.
[ ١٥ / ٣٢٦ ]
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾: أي: بمسلَّطٍ (^١) تحملهم على الإيمان جبرًا، وتدخله في قلوبهم كرهًا، إنَّما عليك التَّذكير والإرشاد والتَّبصير.
وقيل: لست الآن مسلَّطًا عليهم تقاتلهم. وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أُمِر به.
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾: قيل: أي: إلَّا مَن أعرض عن إجابتك، وكفر بربِّك، فتكون مسلَّطًا عليه بما يؤذَنُ لك في قتاله وسَبْيه وقتله.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾: بك، وعلى يدك، وبما يصيِّره إلى عذاب النَّار.
وقيل: الاستثناء من قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ أي: فعظ إلَّا مَن لا تطمع في إجابته.
وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى: لكن، ومعناه: لست بمسلَّط على أحد في إدخال الإيمان في قلبِه، ولكن مَن تولى وكفر فاللَّه يعذِّبه العذاب الأكبر، وهو عذاب الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١].
وقيل: هو في العذاب في الدَّرك الأسفل من النَّار.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾: أي: فنحن نعذِّبه، فإنَّ إلينا رجوعهم في الآخرة؛ أي: إلى حكمنا وجزائنا.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾: أي: وإذا رجعوا إلينا حاسبناهم على أعمالهم، وجزيناهم بها جزاء أمثالهم.
_________________
(١) في (ر): "أي: بمسلط على أحد في إدخال الإيمان؛ أي".
[ ١٥ / ٣٢٧ ]
و(على) لتأكيد الوعيد (^١)، لا للوجوب، فليس يجب على اللَّه شيء.
وقيل: هو إخبار عن القدرة على حسابهم، وهو كقول القائل:
لِأَمْرٍ عليهم أنْ تَتِمَّ صُدُورُهُ وليسَ عَلَيهم أنْ تَتمَّ عواقبُهْ (^٢)
وروى جابر ﵁ أن النَّبيَّ صلى اللَّه علية وسلم قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللَّه، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ تعالى"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (^٣).
* * *
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الوعد".
(٢) البيت لأبي تمام. انظر: "ديوانه" (ص: ٤٤).
(٣) رواه مسلم (٢١/ ٣٥) لكنه ذكر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. ورواه دون الآية: البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢)، من حديث ابن عمر ﵄. والبخاري (٢٩٤٦)، ومسلم (٢١/ ٣٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٥ / ٣٢٨ ]