بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي غفَرَ لرسوله ما تقدَّمَ مِن ذَنْبه وما تأخَّر، وأتمَّ نعمتَه عليه، وهداه صراطًا مستقيمًا، الرَّحمنِ الذي له مُلْكُ السماوات والأرض، يغفِرُ لمن يشاء ويُعذِّبُ مَن يشاء، وكان اللَّه غفورًا رحيمًا، الرَّحيمِ الذي وعَدَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الفَتْحِ كان له مِن الأجر كأنما كان مِمَّن بايعَ محمدًا تحت الشجرة" (^١).
وهذه السورة مدنيَّةٌ، وهي تسعٌ وعشرون آيةً، وخمسُ مئةٍ وستون كلمةً، وألفان وأربعُ مئةٍ وأحدٌ وعشرون حرفًا.
وانتظامُ آخرِ تلك السورة بأوَّل هذه السورة: أنَّه حثَّ في آخر تلك المؤمنين على الجهاد والإنفاق في ذلك، وافتتَحَ هذه السورةَ بذِكْر ما يَتْبَعُه مِن الفُتوح، وما يتَّصِلُ به مِن الكرامات لرسوله والمؤمنين بذلك.
وانتظامُ السورتين: أنَّ تلك في ذِكْر الذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل اللَّه، وهذه
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٤٩) بلفظ: "فكأنما شهد مع محمد فتح مكة"، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢١٥) واللفظ له، وهو قطعة من الحديث الموضوع المروي عن أبي بن كعب ﵁. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٩٩).
[ ١٣ / ٤٣٧ ]
السورةُ في بيان صَدِّهم رسولَ اللَّهِ -ﷺ- والمؤمنين عامَ الحُدَيْبِيَةِ عن المسجد الحرام، وما نزَلَ فيه مِن المواعيد على رسول اللَّه -ﷺ-.
* * *
(١) - ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: ذُكِرَ أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- خرَجَ سنة ستٍّ مِن الهجرة في ذي القَعْدة يُريدُ العمرةَ ولا يُريدُ حَرْبًا، وخرَجَ معه المهاجرون والأنصار وكثيرٌ مِن قبائل العرب، وساقَ معه الهَدْيَ، وأحرَمَ مِن ذي الحُلَيْفة (^١) لِيُعْلِمَ الناسَ أنه ما خرجَ مُحاربًا، وإنما خرَجَ زائرًا للبيت ومُعَظِّمًا له، فلما انتهى إلى ثَنِيَّةِ مُرَارٍ (^٢) التي يُهْبَطُ منها على الحُدَيْبِيَةِ، برَكَتْ ناقةُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فقال الناس: خَلَأَتِ العَضْباءُ (^٣)، خلَأَتِ العَضْباءُ وبرَكَتْ، فقال: "واللَّهِ ما خلَأَتْ، وما ذلك لها بخُلُقٍ، ولكنْ حبَسَها حابِسُ الفيل عن البيت، واللَّهِ لا تسألُني قريشٌ خُطَّةً فيها تعظيمُ البيت إلا أجَبْتُهم إليها، فلما قال هذا القولَ انبعثَتِ (^٤) العَضْباءُ، ونزَلَ بالحُدَيْبِيَةِ (^٥).
_________________
(١) ذو الحُلَيفة: قرية قرب المدينة، ومنها ميقات أهلها ومن حاذاها، تسمى حاليًا بأبيار علي. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٢٩٥).
(٢) كذا ضبطها أبو إسحاق الحربي فيما نقله عنه البكري في "معجم ما استعجم" (٤/ ١٢٠٥).
(٣) الخِلاء في الإبل كالحِران في الدواب، يقال: خلأت الناقة تخلأ؛ إذا بركت ولم تبرح مكانها. انظر: "تهذيب اللغة" (٧/ ٢٣٦). والعَضْباء: اسم ناقة النبي -ﷺ-، وهو علم منقول من قولهم: ناقة عَضْباء؛ أي: مشقوقة الأذن. انظر: "النهاية" لابن الأثير (مادة: عضب).
(٤) في (ر): "انتهضت".
(٥) رواه البخاري مطولًا (٢٧٣١)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٩٦)، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.
[ ١٣ / ٤٣٨ ]
وقيل: لما كان بعُسْفانَ (^١) لَقِيَه بشرُ بن سفيانَ الكَعْبِيُّ، فقال: يا رسولَ اللَّه، هذه قريش قد سمِعَتْ بمَسيركَ، فخرجوا ومعهم العُوذُ المَطافيلُ (^٢)، وقد لبِسوا لك جُلودَ النَّمِر، يُعاهدون اللَّهَ تعالى لا تدخُلُها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خَيْله قد قدَّموه إلى كُراع الغَميم (^٣)، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا وَيْحَ قريشٍ، ماذا عليهم لو ماددتُهم مُدَّةً وخلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإنْ هم أصابوني كان ما أرادوا، وإنْ أظهرَني اللَّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإنْ لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوةٌ، فما تظنُّ قريشٌ؟! فوَاللَّهِ لا أزال أُجاهدُهم (^٤) على الأمر الذي بعثَني به حتى يُظْهِرَه اللَّه".
ثم قال: "مَن يسلُكُ بنا غير طريقهم؟ "، فسَلَكَ بهم رجلٌ مِن أسلَمَ طريقًا وَعِرًا أخرجهم على (^٥) مَهْبَطِ الحُدَيْبِيَةِ، فنزَلَ بَطْنَ الحُدَيْبِيَة، ثم قال للناس: "انزلوا"، فقيل: يا رسولَ اللَّه، ما بالوادي ماءٌ ينزِلُ عليه الناسُ، فأخرجَ سَهْمًا مِن كِنانته، فأعطاه رجلًا مِن أصحابه، فنزلَ في قَليبٍ (^٦). . . . . .
_________________
(١) عسفان: منهلة يستقى منها الماء ما بين الجحفة ومكة، سميت بذلك لتعسف السيل فيها. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ١٢١).
(٢) جمع المُطْفِل: هي الناقة القريبة العهد بالنتاج معها طفلها، والعُوذ: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، والمقصود: أنهم جاؤوا بأجمعهم كبارهم وصغارهم. انظر: "النهاية" لابن الأثير (مادة: عوذ وطفل).
(٣) موضع بين مكة والمدينة، وقيل: قرب المدينة بين رابغ والجحفة، له ذكر كثير في الحديث والمعازي. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٢١٤).
(٤) في (أ): "أقاتلهم".
(٥) في (ف): "عن".
(٦) القليب: هو البئر التي لم تطو، ويذكر ويؤنث. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٩٨).
[ ١٣ / ٤٣٩ ]
مِن تلك القُلَب، فغَرَزَه فيه، فجاشَ (^١) بالرِّواء (^٢) حتى ضرَبَ الناسُ عليه بعَطَنٍ (^٣).
فلما اطمأنَّ رسولُ اللَّه -ﷺ- أتاه بُدَيْلُ بن الوَرْقاء في رجال مِن خُزاعةَ، وكلَّموه، وسألوه: ما الذي جاء به؟ فقال: "إنما لم نأتِ نريد حَرْبًا، وإنما جئنا زائرين لهذا البيت، ثم قال لهم نحوًا مما قاله لبِشْر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا لهم: إنكم تَعْجَلون على محمد، إنَّ محمدًا لم يأتِ لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت، فنَهْنَهُوهم (^٤) وتجهَّموهم (^٥)، فقالوا: واللَّهِ لا يدخُلُ علينا عَنْوةً أبدًا، ولا تَحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغْطَةً (^٦)، فبعثوا إليه مِكْرَزَ (^٧) بنَ حفصِ الأَخْيَفِ، فلما رآه رسول اللَّه -ﷺ- كلَّمه وقال له نحوًا مما كلَّمَ به بُدَيْلًا، فرجعَ إلى قريش فأخبرَهم بما قال، فبعَثوا إليه الحُلَيْسَ بن عَلْقَمة وَكان سيِّدَ الأحابيش، فلما رآه رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنَّ هذا مِن قومٍ يتألَّهون -التألُّه: التعبد، يتألَّهون: يتعبدون ويتنسكون- فابعثوا الهَدْيَ في وجهه حتى يراه"، فلما رأى الهَدْيَ يَسيلُ عليه مِن عُرْض الوادي (^٨) في
_________________
(١) جاش: الجيم والياء والشين أصل واحد، وهو الثوران والغليان، يقال: جاشت نفسه؛ كأنها غلت. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (١/ ٤٩٩).
(٢) الرَّواء: الماء الكثير، وقيل: العذب الذي فيه للواردين ري.
(٣) العَطَن: مبرك الإبل حول الماء، وقد عطَنَتْ الإبل على الماء؛ إذا سقيت ثم أنحيت في عطنها لتعود فتشرب. انظر: "تهذيب اللغة" (٢/ ١٠٣).
(٤) في (ر): "فتنهوهم". النَّهْنَهة: الكف، تقول: نهنهنتُ فلانًا؛ إذا زجرته ونهيمَه. انظر: "العين" للخليل (٢/ ٣١٠).
(٥) الذي في المصادر: "فاتهموهم وجبهوهم".
(٦) الضغطة بالضم: الإكراه. انظر: "القاموس" (مادة: ضغط).
(٧) في النسخ الثلاث: "بكر"، والمثبت من المصادر.
(٨) أي: جانبه. انظر: "معجم ديوان الأدب" للفارابي (١/ ١٨٦).
[ ١٣ / ٤٤٠ ]
قَلائده، رجَعَ إلى قريش، ولم يَصِلْ إلى رسول اللَّه إعظامًا لِما رأى، وقال: يا مَعْشَرَ قريش، إني قد رأيتُ ما لا يحِلُّ صدُّه: الهَدْيَ في قلائده، قالوا له: اجلسْ، فإنما أنت أعرابيٌّ لا عِلْمَ لكَ.
ثم بعَثوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- عُرْوَةَ بنَ مسعود الثَّقَفيَّ، فقال: يا مَعْشَرَ قريشٍ، إني قد رأيتُ ما لَقِيَ منكم مَن بعثتم إلى محمد مِن التَّعنيف، وأنتم تعلمون نُصْحي لكم، فقالوا: ما أنتَ عندنا بمُتَّهَمٍ، فخرجَ حتى أتى النبي -ﷺ-، فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد، أَجَمَعْتَ أَوْباشَ الناسِ، ثم جئتَ بهم إلى بيضتكَ (^١) لِتَفُضَّها بهم؟! فهل رأيتَ أحدًا استأصلَ أهلَه قَبْلَكَ؟! ثم إني أرى أَوْباشًا حولكَ خَليقٌ بهم أنْ يِفرُّوا عنكَ ويدَعوكَ.
فقال أبو بكر الصديق ﵁ وهو قاعدٌ خَلْفَ رسولِ اللَّه -ﷺ-: امْصُصْ بظرَ اللَّاتِ، أنحن نفِرُّ عنه وندَعُه؟! فقال: مَن هذا يا محمد؟ فقال: هذا ابنُ أبي قُحافة، فقال: أما واللَّهِ لولا يدٌ كانت لكَ عندي لكافأتُكَ ولكنْ هذه بهذه، ثم جعلَ يُكَلِّمُ رسولَ اللَّه -ﷺ- ويتناولُ لِحْيتَه.
قال: والمغيرةُ بنُ شُعْبةَ واقفٌ على رسول اللَّه -ﷺ- في الحديد، فجعل يَقْرَعُ يدَه إذا تناول لِحْيةَ رسولِ اللَّه -ﷺ-، ويقول له: نَحِّ يدَكَ عن وجه رسول اللَّه -ﷺ- قبلَ أنْ لا تَصلَ إليكَ، فيقول عُرْوةُ: وَيْحَكَ ما أَفَظَّكَ وما أَغْلَظَكَ! فتبسَّمَ رسول اللَّه -ﷺ-، فقال له عُرْوة: مَن هذا؟ قال: هذا ابنُ أخيك (^٢) المغيرةُ بن شعبة، فقال: أيْ غُدَرُ، هل سعيتُ (^٣)
_________________
(١) البيضة: أصل القوم ومجمعهم. انظر: "العين" للخليل (٧/ ٦٩).
(٢) في (ف): "أختك".
(٣) في (أ): "سقيت".
[ ١٣ / ٤٤١ ]
في غَدْرَتكَ إلا بالأمس (^١)؟! فكلَّمه رسولُ اللَّه -ﷺ- بنحو ما كلَّمَ به أصحابَه، وأخبرَه أنه لم يأتِ يُريدُ حَرْبًا.
فقام مِن عند رسول اللَّه -ﷺ- وقد رأى ما يصنَعُ أصحابُه، لا يتوضَّأُ إلا ابتدَروا وَضوءَه، ولا يبصُقُ بُصاقًا إلا ابتدَروه ودلَكوا به وجوهَهم، ولا سقَطَ مِن شَعْره شيءٌ إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا مَعْشَرَ قريشٍ، إني قد جئتُ كسرى في مُلْكه، والنَّجاشيَّ في مُلْكه، وقَيْصَرَ في مُلْكه، وإني واللَّهِ ما رأيتُ مَلِكًا في قوم قطُّ مِثْلَ محمد في أصحابه، ولقد رأيتُ قومًا لا يُسْلِمونه لشيءٍ أبدًا، وقد عرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقبلوها منه.
وكانت قريشٌ بعثوا أربعين رجلًا أو خمسين، وأمَرُوهم أنْ يُطِيفوا بعسكر رسول اللَّه -ﷺ- لعلَّهم يُصيبون مِن أصحابه أحدًا، فأُخِذوا وأُتِيَ بهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، فعفى عنهم، وخلَّى سبيلَهم، وقد كانوا رَمَوا في عسكر رسول اللَّه -ﷺ- بالحجارة والنَّبْل.
ثم دعا عمرَ بن الخطاب ﵁ لِيَبْعثَه إلى مكة، فيُبَلِّغَ عنه أشرافَ قريشٍ ما جاء له، فقال: يا رسولَ اللَّه، إني أخافُ قريشًا على نفْسي، وليس بمكَّةَ أحدٌ مِن بني عَدِيِّ بن كعب يمنعُني منهم، وقد عرَفَتْ قريشٌ عَداوتي لهم وغِلْظَتي عليهم، ولكنْ أدلُّكَ على رجل هو أَعَزُّ بها مني، عثمانَ بن عفان، فدعا رسولُ اللَّه -ﷺ- عثمانَ، فبعثَه إلى أبي سفيانَ وأشرافِ قريشٍ يُخبِرُهم أنه لم يأتِ لحربٍ، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، فخرَجَ عثمان ﵁ إلى مكة، فلَقِيَه أَبانُ بنُ سعيدِ بن
_________________
(١) وذلك أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلًا من بني مالك من ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الأمر. انظر: "سيرة ابن هشام" (٢/ ٣١٠).
[ ١٣ / ٤٤٢ ]
العاصِ حين دخَلَ مكةَ أو قَبْلَ أنْ يدخُلَها، فنزلَ عن دابَّته، وحمَلَه بين يديه، ثم رَدِفَه وأجارَه حتى بلَّغَ رسالةَ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فقال لعثمانَ حين فرَغَ مِن رسالة رسول اللَّه -ﷺ- إليهم: إنْ شئتَ أنْ تطوفَ بالبيت فطُفْ به، قال: ما كنتُ لِأفعلَ حتى يطوفَ به رسولُ اللَّه -ﷺ-، واحتبَسَتْه قريشٌ عندها، فبلَغَ رسولَ اللَّه -ﷺ- والمؤمنين أنَّ عثمانَ قد قُتِلَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ- حين بلَغه ذلك: "لا نبرَحُ حتى نُناجِزَ القومَ"، ودعا الناسَ إلى البَيْعة، فكانت بَيْعةُ الرِّضوان تحت الشجرة.
وكان الناس يقولون: بايعَهم رسولُ اللَّه -ﷺ- على الموت.
وكان جابر بن عبد اللَّه يقول: إنما بايعَنا على أنْ لا نَفِرَّ.
فبايعَ رسول اللَّه -ﷺ- [الناس]، ولم يتخلَّفْ عنه أحدٌ مِن المسلمين إلا الجَدَّ بن قيس، ثم بلَغَ رسولَ اللَّه -ﷺ- أنَّ ما ذُكِرَ له مِن أمرِ عثمانَ باطلٌ، ثم بعثَتْ قريشٌ إلى رسول اللَّه -ﷺ- سُهيلَ بن عمرو، فقالوا له: ائتِ محمدًا فصالِحْه، ولا يكونُ في صلْحِه إلَّا أنْ يرجِعَ عنا عامَه هذا، فواللَّهِ لا تَحَدَّثُ العربُ أنه دخلَها علينا عَنْوةً أبدًا.
قال: فأقبلَ سُهَيلٌ، فلما رآه رسولُ اللَّه -ﷺ- قال: "قد سَهُلُ عليكم أمرُكم، وما أرادَ القومُ إلا صُلْحًا"، فلما انتهى سُهَيلٌ إلى رسول اللَّه -ﷺ- تكلَّمَ، فأطالَ الكلامَ، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصُّلْحُ، فلما التَأَمَ الأمرُ دعا رسولُ اللَّه -ﷺ- عليَّ بنَ أبي طالب ﵁ لِيَكْتُبَ كتابَ الصلْحِ (^١)، فكتب: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، فقال سُهيلٌ: إنا لا نعرِفُ الرَّحمنَ، فاكتُبْ ما نعرِفُ، اكتُبْ: (باسمكَ اللَّهُمَّ)، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "اكتُبْ: باسمكَ اللَّهُمَّ"، قال: فكتبتُها، ثم قال: "اكتُبْ هذا ما صالحَ عليه رسولُ اللَّهِ سُهيلَ بنَ عمرو"، فقال سُهيلٌ: لو عَلِمْنا أنَّكَ رسولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الكتاب بالصلح".
[ ١٣ / ٤٤٣ ]
عن البيت، ولكن اكتُبِ اسمكَ واسمَ أبيكَ، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "اكتُبْ هذا ما صالحَ عليه محمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ سهيلَ بنَ عمرو على أنَّ الحربَ موضوعةٌ بين الناس عشرَ سنين، يَأْمَنُ فيه الناسُ، ويَكُفُّ بعضُهم عن بعض، على أنَّ مَن أتى رسولَ اللَّهِ -ﷺ- مِن قريشٍ ردَّه عليهم، ومَن جاء قريشًا ممَّن مع رسول اللَّه -ﷺ- لم يَرُدُّوه عليه، وأنَّ بيننا عَيْبةً مَكْفُوفةً (^١)، وأنَّه لا إِسْلالَ ولا إِغْلالَ (^٢)، ومَن أحبَّ أنْ يدخُلَ في عَقْدِ قريشٍ وعَهْدِهم دخَلَ فيه، ومَن أحَبَّ أنْ يدخُلَ في عَقْد رسولِ اللَّه -ﷺ- وعَهْدِه دخَلَ فيه، وأنَّكَ ترجِعُ عنا عامَكَ هذا، فلا تدخُلُ علينا مكةَ، وأنَّه إذا كان العامُ القابلُ خَرَجْنا عنها فدخَلْتَها بأصحابكَ، فأقَمْتَ بها ثلاثًا ومعكَ سلاحُ الرَّاكبِ، والسُّيوفُ في القُرَب، لا تدخلُها بغيرها.
فبينا رسولُ اللَّهِ -ﷺ- يكتُبُ الكتابَ وسهيلَ بنَ عمرو إذْ أقبَلَ أبو جَنْدَلِ بن سُهيلِ ابن عمرو يرسُفُ (^٣) في قيوده، قد انفلَتَ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فلما رآه سُهيلٌ قامَ إليه، وضرَبَ وجهَه، وأخذ بِلَبَّتِه، وقال: يا محمد، هذا أوَّلُ العهدِ، ورسولُ اللَّهِ -ﷺ- يقول: "إنا لم نختِمِ الكتابَ بعدُ، فأَجِزْ لي هذا الواحدَ"، فقال: واللَّهِ لا أفعَلُ، فردَّه رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، فجعل أبوه يَجُرُّه معه، وجعلَ أبو جَنْدَلٍ يصرَخُ بأعلى صوته: يا مَعْشَرَ المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين يَفْتِنوني عن ديني؟! فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أبا جَنْدَلٍ، احتسِبْ،
_________________
(١) أي: بينهم صدر نقي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، وقيل: أراد أن بينهم موادعة ومكافة عن الحرب، تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٣٢٧).
(٢) يقال: غلَّ فلان كذا؛ إذا اقتطعه ودسه في متاعه؛ وسلَّ البعيرَ في جوف الليل؛ إذا انتزعه من بين الإبل؛ وهما كناية عن الخيانة والسرقة، وقيل: الإغلال: لبس الدروع، والإسلال: سل السيوف. انظر: "الفائق" للزمخشري (٣/ ٧١).
(٣) الرَّسَفان: مشيُ المقيَّدِ. انظر: "الصحاح" للجوهري (٤/ ١٣٦٤).
[ ١٣ / ٤٤٤ ]
فإنَّ اللَّهَ جاعلٌ لكَ ولِمَن معكَ مِن المُسْتَضْعَفين فرَجًا ومَخْرَجًا، إنَّا قد عقَدْنا بيننا وبين القوم صُلْحًا، وأعطيناهم على ذلك كِتابًا، وأعطَونا عَهْدًا، وإنا لا نَغْدِرُ بهم".
ورُوِيَ أنَّ عمر ﵁ قام إلى أبي جَنْدَلٍ وجعل يمشي معه ويقول له: اصبِرْ يا أبا جَنْدَلٍ، فإنما هُم المشركون، وإنما دمُ أحدِهم مِثْلُ دمِ الكلب، قال: وجعَلَ يُدْني إليه قائمةَ سيفِه رجاءَ أنْ يأخُذَ منه السَّيفَ، فيَضْرِبَ به أباه، قال: فضَنَّ الرجلُ بأبيه.
فلما قضى الكتابَ، وأشهدَ على الصُّلْح رجالًا مِن المسلمين ورجالًا مِن المشركين، وانصرفَ رسولُ اللَّه -ﷺ- مُتَوَجِّهًا إلى المدينة بعدما أمرَ الناسَ بأنْ يُحِلُّوا، جاء عمرُ إلى أبي بكر ﵄، فقال: أليس رسولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ قال: بلى، فقال: ألسنا مِن المسلمين؟ قال: بلى، فقال: ألسنا على الحقِّ وهُم على الباطل؟ قال: نعم، فقال: فعلامَ نُعطِي الدَّنِيَّةَ في دِيننا؟ قال أبو بكر: يا عمرُ، إنه رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، وإنه يفعلُ ما يُؤْمَرُ، فالزَمْ غَرْزَه.
قال: ثم أتى عمرُ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ألستَ رسولَ اللَّهِ؟ قال: "بلى"، قال: ألسنا على الحقِّ وهُم على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نُعطِي الدَّنِيَّةَ في دِيننا؟ فقال: أنا عبدُ اللَّهِ ورسولُه، وإني أفعلُ ما أومَرُ، ولن يُضَيِّعَني اللَّهُ، قال: فكان عمرُ يقول: ما زلتُ أصومُ وأتصدَّقُ وأُعْتِقُ وأُصَلِّي مِن الذي صَنَعْتُ يومئذٍ مَخافةَ كلامي الذي تكلَّمْتُ به، وعَلِمْتُ يومئذٍ فَضْلَ عِلْمِ أبي بكر على عِلْمي.
قال: فلما انصرفَ رسولُ اللَّه -ﷺ- قافلًا نحو المدينة حتى إذا كان بين مكةَ والمدينةِ نزلَتْ سورةُ الفتحِ، فما كان في الإسلام فتحٌ قَبْلَه أعظمَ منه، إنما كان القتالُ
[ ١٣ / ٤٤٥ ]
حيث التقى الناسُ، فلما كانت الهُدْنَةُ، ووَضَعَتِ الحربُ أوزارَها، وأمنَ الناسُ، والتقَوا، وتفاوضوا الحديثَ، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يعقِلُ إلا دخَلَ فيه، ودخَلَ في السِّنين في الإسلام مثلُ مَن كان في الإسلام قَبْلَ ذلك أو أكثرُ (^١).
وبعثَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- في هذه المدة دُعاةً، فوجَّهَ دِحْيةَ الكلبيَّ إلى هِرَقْلَ وغيرِه، وقرأ رسولُ اللَّه -ﷺ- بالحُدَيْبِيَةِ على أصحابه هذه السورةَ، وفيها بشارةٌ للنبيِّ -ﷺ- ثم للمؤمنين، ثم وعيدُ المشركين والمنافقين، ثم وَعْدٌ بالمَغانم والفُتوحِ للمسلمين، وبدخول مكةَ آمِنين، وأنجزَ (^٢) اللَّهُ تعالى ذلك، فدخلوه في العام القابل سنةَ سبعٍ، ثم فُتِحَتْ مكةُ سنةَ ثمانٍ، وحجَّ أبو بكرٍ سنةَ تسعٍ، ثم حجَّ النبيُّ -ﷺ- سنةَ عشرٍ، ونزلَ يومَ عرفةَ وهو بعرفاتٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ تحقيقًا لمواعيد هذه السورة.
ولَمَّا قرأَ عليهم هذه السورةَ قالوا: أَفَتْحٌ هو؟ قال: "نعم"، يعني: كان في الظَّاهر صَدًّا عن المسجد الحرام، وانغِلاقًا لِمَا أرادوه، لكنه كان فَتْحًا معنًى؛ لأنَّه كان سببًا لِتَتابُعِ الفُتوح عليهم، وانفتاحِ الطُّرُق على مَن كان لا يَصِلُ إليه، ووُفودِ رسلِ الملوك مِن أقطار الأرض، ثم تتابعَتِ الفتوحُ بعده على ما وعَدَ، وأثابَهم فتحًا قريبًا: فَدَكَ، وخَيْبرَ، وفتحَ مكَّةَ، وما ذكَرَ في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] في عصر الصحابة، ثم تتابَعَ فتوح البلاد.
_________________
(١) ذكر قصة صلح الحديبية الواقدي في "مغازيه" (٢/ ٥٧١)، وابن إسحاق كما في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٣١٠) وعنه نقل المؤلف، والطبري في "تاريخه" (٢/ ٦٢٠)، وفي "تفسيره" (٢١/ ٢٩٦)، وابن حبان في "السيرة النبوية وأخبار الخلفاء" (١/ ٢٨٠). والحديث بطوله رواه بنحو ما ذكر البخاري (٢٧٣١)، والإمام أحمد في "مسنده" (١٨٩٢٨)، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.
(٢) في (أ): "وأجر".
[ ١٣ / ٤٤٦ ]
قولُه تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾: قال أنس ﵁: أي: قضينا لك (^١)؛ وهو كما قال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾: أي: قضاءً بَيِّنًا تَظهرُ آثارُه إذا أمضيناه وأبرزنا مَكْنونَه، وهو ما ألهمناكَ مِن هذا الصلْح الذي هو سببٌ لانفتاح أمور يظهرُ به الدِّين، وتكثُرُ بعده الفُتوحُ على المسلمين؛ لِتَقِفَ على إنعامنا، وتشكُرَ لنا، فتستحِقَّ به المغفرةَ وإتمامَ النِّعمة وإدامةَ الهدايةِ والنَّصْرِ والعِزَّةِ، وذلك قولُه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآيات.
وقال الكلبي ومقاتل رحمهما اللَّه: أرادَ به فتحَ الحُدَيْبِيَةِ (^٢).
وقال الشَّعبي: نزلت يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وبايعَه المسلمون بها بَيْعَةَ الرِّضْوان، وأُطْعِموا نخيلَ خيبرَ، وظهَرَت الرُّومُ على فارسَ، وفَرِحَ به المسلمون (^٣).
وقال عَطِيَّة: أراد به فَتْحَ خَيْبَرَ (^٤).
وقال سعيد بن جُبير: لبِثَ رسولُ اللَّه -ﷺ- في غزوة الحُدَيْبِيَةِ خمسةً وأربعين يومًا، وفيها كانت بيعةُ الرِّضْوان تحت الشجرة (^٥).
_________________
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٦) عن قتادة عن أنس ﵁. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٢١٠)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٣٨) عن قتادة. وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٤/ ٦٥).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٣) عن الكلبي، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٧٩) عن الكلبي عن ابن عباس ﵄. وانظر قول مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٦٥).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٢١٠)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٤٤). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٠٩)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٨٠).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٢٧) عن مجاهد وعطية العوفي.
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٣ / ٤٤٧ ]
وقيل: أي: إنا نفتَحُ، ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه كائنٌ، وهو كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾: أي: يأتي.
وقيل: أي: فتَحْنا لكَ أبوابَ العلوم والخيرات.
وقال ابن عباس: الفتحُ المُبين هو فتحٌ مِن غير قتالٍ (^١).
* * *
(٢) - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾: قيل: اللامُ على ظاهره، واتِّصالُه بالأوَّل بما ذكَرْنا؛ أي: لِتشكرَ اللَّهَ تعالى على هذا، فيَغْفِرَ اللَّهُ لكَ بذلك، وتقديرُه: لِيغفِرَ لكَ اللَّهُ إذا شكَرْتَ هذه النِّعمةَ.
وقال أبو حاتمٍ سَهْلُ بن محمد: اللامُ لامُ القسَمِ، ولكنْ لَمَّا حُذِفَتِ النُّونُ مِن فِعْلِه كُسِرَتْ اللامُ ونُصِبَ فعلُها تشبيهًا لها بلام (كي)، وتقديرُه: لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ لكَ، وكذا ما بعده (^٢).
وقال بعضهم: كان وعَدَ اللَّهُ الفَتْحَ والمغفرةَ، فلما أنجزَ وعدَه بالفتح ذكَرَ له أمرَ المغفرةِ أيضًا باللام، وكان الفتحُ علامةً لها لا عِلَّةً.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٧٩) عن ابن عباس ﵄ من رواية الكلبي. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٧)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٨٠) عن الضحاك.
(٢) ذكره عنه النحاس في "معاني القرآن" (٦/ ٤٩٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٢)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٨٢).
[ ١٣ / ٤٤٨ ]
وقال الحسين بن الفَضْل ﵀: لا يجوز أنْ يكون الفتحُ عِلَّةً للمغفرة، واللامُ للتعليل، فلم يكن اتِّصالُه لذلك، لكنْ يتَّصِلُ هذا بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ الآيات (^١).
وقال مقاتل: إنَّ اللَّه تعالى أنزلَ عليه وهو بمكة قولَه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾، ففرِحَ بذلك أهلُ مكَّةَ، وقالوا: ما أمرُنا وأمرُه عند إلهه الذي يعبُدُه إلا واحدٌ، ولولا أنَّه ابتدعَ هذا الأمر عن هواه لكان ربُّه يُخبِرُه بما يفعل به، وشَقَّ ذلك على المؤمنين، فلمَّا قدِمَ المدينةَ قال عبد اللَّه بن أُبيٍّ: كيف تتَّبعون رجلًا لا يدري ما يُفعَلُ به، ولا يدري ما يُفعَلُ بأصحابه، فلما رأى اللَّهُ فرَحَ المشركين وحُزْنَ المؤمنين، أنزلَ عليه بعدما رجع مِن الحُدَيْبِيَةِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾؛ أي: قبل المَبْعَثِ، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: أي بعد المَبْعَثِ (^٢).
فأخبرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أصحابَه بذلك، وقال: لقد نزلت عليَّ سورةٌ ما يسُرُّني بها حُمْرُ النَّعَم" (^٣)، ثم قرأها عليهم فقالوا: طوباكَ يا رسولَ اللَّهِ، فأنزل اللَّه تعالى الآيةَ التي في الأحزاب: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧].
وقولُه تعالى: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾: أي: مِن زلَّتِكَ، ولا نبحثُ عن ذلك
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٧).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٦٥). وذكره عنه مختصرًا السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٠٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٢)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٨١).
(٣) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٦٦) بلفظ: "لهي أحب إلي مما بين السماء والأرض"، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٢) واللفظ له، ولم يذكرا له إسنادًا. والحديث رواه البخاري (٤١٧٢)، ومسلم (١٧٨٦) من حديث أنس ﵁.
[ ١٣ / ٤٤٩ ]
بتعيينه؛ لأنَّه طلَبُ النَّقْصِ فيه، وهو باطلٌ، ويُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تعالى عاتبَه على شيء ثم غفَرَه له، ولا حاجةَ بنا إلى معرفة ذلك بعينه.
وقيل: هو غُفْرانُ عِصْمَةٍ.
وقيل: ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾: زلَّةُ آدمَ ﵇، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: ذُنوبُ أمَّتِه. قاله عطاء بن أبي مُسْلم الخُراسانيُّ ﵀ (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾: قيل: بإظهار الدِّين.
وقيل: بإعطاء الشفاعة.
وقيل: بالقسَمِ بقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾.
وقيل: بالمعراج.
وقيل: برُؤْيَةِ اللَّهِ غدًا، وحقَّقَ ذلك بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وقولُه تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: أي: ويُثَبِّتَكَ على الصواب والسَّداد.
* * *
(٣) - ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾: أي: يُعِينَكَ على أعدائكَ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾؛ أي: مُعِزًّا يُعِزُّ (^٢) ذلك النَّصْرُ مَن آمنَ بِكَ.
قالوا: ولَمَّا نزلَتْ هذه الآياتُ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، طُوباكَ، هذا لكَ، فما لنا؟ فأنزل اللَّه تعالى ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية [الفتح: ٥].
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٨).
(٢) في (أ): "بعد".
[ ١٣ / ٤٥٠ ]
وفي حقِّ النُّصْرَةِ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
وفي حقِّ إتمامِ النِّعْمَةِ: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وفي حقِّ الهداية: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠].
* * *
(٤) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾؛ أي: الطُّمَأْنِينةَ ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾: أي: يقينًا مع يقينهم.
وقال ابن عباس ﵄: السَّكينةُ: الطُّمَأْنِينةُ في قلوبهم يوم صَدَّ المشركون رسولَ اللَّه -ﷺ- وأصحابَه عن دخول مكة، فأذهبَ عنهم الحَمِيَّةَ واطمأنُّوا ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾؛ أي: تصديقًا مع تصديقهم (^١).
وقال أيضًا: بَعَثَ اللَّهُ تعالى نبيَّه بشهادةِ أنْ لا إله إلا اللَّه، فلمَّا صدَّقوه فيها زادَهم اللَّهُ تعالى الصلاةَ، فلما صدَّقوه زادَهم اللَّهُ الزكاةَ، فلما صدَّقوه زادَهم اللَّهُ الصيامَ، فلما صدَّقوه زادَهم اللَّهُ الحجَّ، فلما صدَّقوه زادَهم الجهادَ، ثم أكمَلَ لهم دِينَهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (^٢).
_________________
(١) ذكره مختصرًا الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٣)، والبغوي في تفسيره" (٧/ ٢٩٨).
(٢) رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٥٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٤٥)، والآجري في "الشريعة" (٢/ ٥٥٢)، والطبراني في (١٢/ ٢٥٥)، وابن بطة في "الإبانة" (٨١٥). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩٨).
[ ١٣ / ٤٥١ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: لو أرادَ اللَّهُ إِهلاكَ المشركين الصَّادِّين رسولَ اللَّهِ والمؤمنين عن البيت لم يُعْجِزْه ذلك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾: أي: بما كان، وبما يكون ﴿حَكِيمًا﴾: أي: فيما يفعلُه به وبكم.
* * *
(٥) - ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: لِيكون ازديادُ تصديقِهم ويقينِهم سببًا لإدخالِهم الجنةَ.
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: عَطْفٌ عليه.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: في حُكْمِ اللَّه، وقيل: في الآخرة.
فَوْزًا عَظِيمًا﴾: ظفَرًا بكل مَحبوبٍ، وأَمْنًا مِن كل مَرْهوبٍ.
* * *
(٦) - ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾: أي: ولِيُعَذِّبَهم في الدنيا بإيصال الأحزان بهم بعُلُوِّ المؤمنين، وتَسليطِ النَّبيِّ عليهم قَتْلًا وأَسْرًا واستِرْقاقًا.
﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: وهو ما توهَّموه أنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ رسولَه والمؤمنين، وهو ما قال بَعْدَ هذا: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾.
[ ١٣ / ٤٥٢ ]
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو بضَمِّ السين، وهو مصدرٌ، والباقون بالفتح (^١)، وهو نَعْتٌ.
والدَّائرةُ: الرَّاجِعةُ بخيرٍ أو بشَرٍّ، وها هنا أُضِيفَ إلى السَّوء، فأُريدَ بها: دائرةُ الأمر السَّوء.
أي: أكذَبَ اللَّهُ ظنَّهم، وجعلَ دائرةَ السَّوءِ (^٢) عليهم، فدخلَ النبيُّ العامَ القابلَ مكةَ، وأجلى عنها مَن امتنعَ عن الإسلام، وقهرَ أهلَها على ما أراد منهم مِن الإسلام أو الجَلاء.
وقولُه تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: وهذا كلُّه في حقِّ مَن مات منهم أو قُتِلَ على شركه أو نفاقه.
* * *
(٧) - ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أعاد هذا؛ لأنَّ الأوَّلَ في معنى التَّهديد للمشركين الصَّادِّين رسولَ اللَّهِ والمؤمنين عن مكة، وهذا في حقِّ كلِّ المنافقين والمشركين.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾: أي: مَنيعًا لا يُرَدُّ بأسُه ﴿حَكِيمًا﴾: يضَعُ الإمهال مَوْضِعَه (^٣)، وقد بيَّنَ حِكْمةَ ذلك بقوله في هذه السورة: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية.
وقال مقاتل بن حيان: لَمَّا نزل قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾، قال عبد اللَّه بن
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٣)، و"التيسير" للداني (١١٩).
(٢) في (ر) و(ف): "الشر".
(٣) في (ر): "الأشياء موضعها".
[ ١٣ / ٤٥٣ ]
أُبَيٍّ: ما نحن وهم -يعني: الصَّحابةَ- إلا في منزلةٍ واحدةٍ، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (^١).
* * *
(٨) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: فسَّرْناه في سورة الأحزاب.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾؛ أي: بعثناكَ إلى أُمَّتِكَ شاهدًا بالبلاغ إليهم ﴿وَمُبَشِرًا﴾ بالقرآن المؤمنين بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ (^٢) بالقرآن الجاحدين بالنار (^٣).
وقيل: ﴿شَاهِدًا﴾: على الرسل والكتب بالصِّدق ﴿وَمُبَشِرًا﴾ للمُصَدِّق بهم وبها وبكتابك بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾: ومُخَوِّفًا لِمَن جحَدَ ذلك بالنار.
* * *
(٩) - ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو كلَّه بياء المُغايبة؛ أي: بعثناكَ إليهم ليفعلوا ذلك كلَّه، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة للمُرْسَل إليهم (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" (٤/ ٦٨)، وذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٢٩).
(٢) في (أ): "ومنظرًا". وفي (ف): "ومنذرًا".
(٣) رواه عنه الطبراني في "الدعاء" (١٦٠٥)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٥١٣)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٦٢٤) أيضًا إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر.
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١).
[ ١٣ / ٤٥٤ ]
وقال أبو حاتم: يجوز أنْ يكون التَّعْزيرُ والتَّوقيرُ للَّه مع التسبيح (^١)، وهو أَوْفَقُ للنَّظْمِ، والتَّعزيزُ هو النَّصْرُ.
وقال الزَّجَّاج: هو النَّصرُ مَرَّةً بعد أخرى، وهو نصرُ دينِ اللَّه ورسوله، والتَّوقيرُ: التَّعظيمُ، والتَّسبيحُ: التَّنزيهُ له (^٢).
وقال أبو حاتم: ويجوزُ أنْ يكون التَّعزيزُ والتَّوقيرُ لرسول اللَّه، وأما التَّسبيحُ فلا يجوز إلا للَّه.
وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود: (وتُسَبِّحوا اللَّهَ بُكْرةً وأصيلًا) (^٣).
وتعزيرُ الرَّسولِ: المنعُ له، والحمايةُ له، والقتالُ دونه.
وتوقيرُه: تعظيمُه في مُخاطباته، وتعظيمُ أمرِه.
وقال الضحاك: ﴿تعزروه﴾: تُنَصِّروه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: تُفَخِّموه (^٤).
وقال زيد بن أَسْلَمَ: تُشَرِّفوه (^٥).
_________________
(١) ذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٦٩٤٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣١٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٢٩) من غير نسبة، واختاره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٣٥).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢١).
(٣) روى القراءة عنه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣١٢)، وذكرها الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٥٣) من غيرنسبة.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٥١) عن قتادة، وروى عن الضحاك قوله: كل هذا تعظيم وإجلال.
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٩٠) عن ممَاتل بن حيان، والنحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٣١) من غير نسبة.
[ ١٣ / ٤٥٥ ]
وقال مقاتل: ﴿تعزروه﴾: تُعِينوه (^١).
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: قيل: نهارًا وليلًا.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿بُكْرَةً﴾: صلاة الفجر، ﴿وَأَصِيلًا﴾: سائر الصلوات (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: قال جابر بن عبد اللَّه: بايَعْنا رسولَ اللَّهِ -ﷺ- تحت الشَّجرةِ السَّمُرةِ -وهي بيعةُ الرِّضْوان- على الموت، وعلى أنْ لا نَفِرَّ، فما نكَثَ أحدٌ منا البيعةَ إلا جَدُّ بنِ قيسٍ، وكان مُنافقًا، اختبَأَ تحت إِبِطِ بعيرِه، ولم يَسِرْ مع القوم (^٣).
وقال ابن عباس: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: بالوفاء (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٠).
(٢) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٤٠٩)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٦٠)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ٢٦٣)، عن الكلبي.
(٣) ذكره هكذا الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٥) من غير إسناد، ورواه بنحوه مسلم (١٨٥٦)، وفيه: أن جابرًا ﵁ سئل: كم كانوا يوم الحديبية؛ فقال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمرُ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غيرَ جد بن قيس، اختبأ تحت بطن بعيره.
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٠)، وهو في "معاني القرآن" للفراء (٥/ ٢٢)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٢)، و"تفسير السمعاني" (٥/ ١٩٤) من غير نسبة.
[ ١٣ / ٤٥٦ ]
وقال السُّدِّي: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾: وذلك أنهم كانوا يأخذون بيدِ رسولِ اللَّه -ﷺ- ويُبايعونه، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ عند المُبايعة بالنُّصْرة والتوفيق (^١).
وقال الكلبي: اليدُ ها هنا بمعنى النِّعْمة؛ أي: نِعْمةُ اللَّهِ عليهم فوق ما صنعوا مِن البيعة (^٢).
وقيل: أي: قوَّةُ اللَّهِ في نُصْرة نبيِّه (^٣) فوق نُصْرَتِهم إياه.
وقيل: يدُ اللَّهِ بالمِنَّة في الهداية فوق أيديهم بالطاعة.
وقيل: إنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ على الوفاء منهم، وأملى بما يُرادُ بهذه البيعة مِن الثوابِ لِمَن وفَّى بها، والعقابِ لِمَن نقَضَها؛ لأنَّ مَن وفَّى بها أثابَه اللَّهُ جناتِ النَّعيم، ومنهم مَن بذَلَ النُّفوسَ والأموال التي هي عطاءُ اللَّهِ لهم وعواريه عندهم، وهي قليلةٌ فانيةٌ، وما يُعطيه اللَّهُ تعالى فهو كثيرٌ باقٍ.
﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: أي: فمَن نقَضَ ذلك فإنما ضرَرُ نَقْضه راجعٌ إليه.
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو ما ذكَرْنا.
وقيل: مُبايعةُ اللَّهِ تعالى هي ما ذُكِرَ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١].
* * *
_________________
(١) في (ف): "بالنصر والتوفيق"، وفي (أ): "يعني: النصر والتوفيق". والخبر ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٠).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٠)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٩١).
(٣) في (ف): "نصر دينه".
[ ١٣ / ٤٥٧ ]
(١١) - ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: قال ابن عباس: هم غِفَارٌ ومُزَيْنَةُ وأَشْجَعُ وجُهَيْنَةُ وأَسْلَمُ والدُّئِلُ (^١).
وقال مجاهد: هُم أعرابُ أهلِ المدينة وجُهَيْنةُ ومُزَيْنةُ، استتَبْعَهم رسولُ اللَّه -ﷺ- بالخروج إلى مكة معه، فقال بعضُهم لبعض: نذهبُ معه إلى قوم أخرَجوه؛ فاعتَلُّوا بالشُّغْل (^٢).
وقال الكلبي: خرج رسول اللَّه -ﷺ- إلى الحُدَيْبِيَةِ، وتخلَّفَ عنه عامةُ الأعرابِ، وخافوا أنْ يكونَ قتالٌ، فلما رجع رسول اللَّه -ﷺ- وقد وعدَه اللَّهُ تعالى خيبرَ، أَتَوْه ليعتذروا إليه، وليَغزوا معه خيبرَ رجاءَ الغَنيمةِ (^٣).
وقال مقاتل: لَمَّا استنفرَهم رسولُ اللَّه -ﷺ- معه قالوا: إنَّ محمدًا وأصحابَه أَكَلَةُ رَأْسٍ في جَنْبِ أهل مكة -يَعْنون: هُم قليلٌ-، وقالوا: لا يرجعُ هو وأصحابُه، فأين
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٠) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد. وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٣٠) عن ابن عباس ﵄ من رواية أبي صالح. وفي المصادر: "الدِّيل"، قال يونس النحوي فيما نقله ابن الجوزي: الدِّيل في عبد القيس ساكن الياء، والدُّول من حنيفة ساكن الواو، والدُّئل في كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٥٧)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٤/ ١٦٤).
(٣) لم أقف عليه عن الكلبي، ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٤/ ١٦٤) عن مجاهد، وهو تتمة الأثر السابق.
[ ١٣ / ٤٥٨ ]
تذهبون؟ انتظِروا ما يكون مِن أمره، فأنزل اللَّه: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ (^١).
وقولُه تعالى: ﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾: أي: المتروكون خَلْفَ الخارجين.
وقولُه تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾: أي: لم يكن لنا مَن يَخْلُفُنا في أموالنا وأهلينا، فخِفْنا الضَّياعَ عليها وعليهم.
﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾: أي: وإنْ كان هذا عُذْرًا عند أنفسنا، فإنا نسألُكَ أنْ تسألَ اللَّهَ أنْ يغفِرَ لنا تخلُّفَنا عنكَ؛ إذ كنا حِراصًا على الخروج معكَ، وإنما مُنِعْنا عنه بعُذْرٍ.
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي: لم يكن تخلُّفُهم لِما يقولون، بل كان في قلوبهم الخوفُ على أنفسهم.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾: تَخَلَّفْتُم أو خرَجْتم.
﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: أي: عالِمًا.
* * *
(١٢) - ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أي: توَهَّمْتم أنهم يُقْتَلون (^٢) أو يُهْزَمون، فيتبَدَّدون في البلاد النائية، فلا يرجعون إلى المدينة، وقَوِيَ هذا التَّوَهُّمُ في قلوبكم.
﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: أي: ظَنًّا يسوءُ المؤمنين تحقُّقُه.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧١).
(٢) في (ر): "يغلبون".
[ ١٣ / ٤٥٩ ]
وقيل: يسوؤُكم حيث (^١) تُعاقَبون عليه.
وقيل: هو سُوءٌ في نفْسِه؛ لأنَّه علُوُّ الكفرِ وانتشارُ الفسادِ في الأرض.
﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾: قال قتادة: أي: فاسدين (^٢).
وقال مجاهد: هالكين (^٣).
وأصلُه مصدرٌ، وإذا نُعِتَ به استوى فيه الذَّكَرُ والأنثى، والواحدُ والتَّثنيةُ والجَمْعُ.
وقال السُّدِّي: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾: أي: غيرَ مُتَّقِين ولا مُحْسِنين (^٤).
وقال عكرمة: البُورُ في لغة أهل عُمانَ: الفاسدُ (^٥)، وفي كلام العرب: لا شيءَ، العربُ: أصبحت أعمالُهم بورًا؛ أي: مُبْطَلَةً، وأصبحت منازلُهم بورًا؛ أي: خَرِبَةً.
* * *
_________________
(١) في (ر): "حين".
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٥٩)، وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣١٤).
(٣) علقه البخاري (٦/ ١٣٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٦٠)، وذكره النحاس في "معاني القرآن" (٥/ ١٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣١٤).
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٥٣٢)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٩٦)، من غير نسبة.
(٥) رواه الطستي فيما عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٢٤٢) عن ابن عباس ﵄ في قصة سؤالات نافع بن الأزرق. ورواه الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٦٦) عن ابن عباس ﵄ من رواية الكلبي عن أبي صالح. وذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" (١/ ٤١٢)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣١٥)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٩٦). وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٦) عن قتادة.
[ ١٣ / ٤٦٠ ]
(١٣ - ١٤) - ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾: أخبرَ أنَّ هؤلاء كافرون باللَّه ورسوله، وأنَّ مصيرَهم إلى النار.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: النبيُّ -ﷺ- مُسْتَغْنٍ عن هؤلاء المنافقين وعن الاعتضاد بهم، وإنما يأمرُهم بالجهاد وسائر العبادات ابتلاءً، فمَن أطاعَه رَحِمَه، ومَن عصاه عذَّبَه، فذلك قولُه:
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: وفيه تحريكٌ للمنافقين على التوبة، ووعدٌ مِن اللَّه قَبولَها منهم، وفيه دِلالةٌ على صِحَّةِ نبوَّةِ نبيِّنا، حيث أخبرَ أنهم سيقولون كذا، وكان كما أختز، فدلَّ أنه علِمَ ذلك مِن عند اللَّه تعالى.
وفي تسميتهم (^١) مُخَلَّفين بتخلُّفهم دليلُ أهلِ السنة والجماعة على خَلْقِ أفعال العِباد، وأنَّ تخلُّفَهم كان بتخليف اللَّهِ إياهم؛ لمَّا علِمَ منهم في الأزل اختيارَ ذلك.
* * *
(١٥) - ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾: وهُم المذكورون مِن قبلُ، وجعلَ اللَّهُ مَغانِمَ خيبرَ لأهل الحُدَيْبِيَةِ خاصَّةً؛ مَن غاب منهم ومَن حضَرَ.
_________________
(١) في (ر): "نسبتهم".
[ ١٣ / ٤٦١ ]
قالوا: ولم يَغِبْ عنها أحدٌ إلا جابرَ بنَ عبدِ اللَّه، فقسَمَ له رسولُ اللَّهِ -ﷺ- كَسَهْمِ مَن حضَرَ، وانصرفَ رسول اللَّه -ﷺ- مِن الحُدَيْبِيَةِ في ذي الحِجَّة، وأقامَ بالمدينة بَقِيَّةَ ذي الحِجَّة وبعضَ المُحَرَّم، ثم خرَجَ في بَقِيَّةِ المُحَرَّم إلى خيبرَ، وخرجَ معه مَن شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، فلما سمِعَ هؤلاء المنافقون بهذا الوعد قالوا لهم حين قصَدوا خيبر:
﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾: فإنا قد أَوْضَحْنا عُذْرَنا في التَّخَلُّف عن الحُدَيْبِيَةِ، فمنعَهم النبيُّ بأمرٍ مِن اللَّه تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾: قرأ حمزةُ: ﴿كَلِمَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون: ﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^١)؛ أي: يريدون أنْ يُغَيِّروا كلامَ اللَّه، حيث قال لرسوله: لا تأذَنْ لهم بالخروج إلى غزوةٍ أخرى معكَ.
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾: أي: في المَسِير إلى خيبرَ إلَّا مُتَطَوِّعين مِن غير أنْ يكونَ لكم (^٢) شِرْكةٌ في الغنيمة (^٣).
﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أنَّهم لا يَتَّبِعونكم، وقيل: أنَّ خيبرَ لكم خاصَّةً.
﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾: أي: على الغنيمة، فتُريدون أنْ تنفردوا بها.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ولو فقِهوا لَكَفُّوا عن مَسْأَلتِكم الإذنَ لهم بعد إخباركم إياهم أنَّ اللَّهَ قد خصَّكم بغنائمِ (^٤) خيبرَ.
وقيل: لا يَفْقَهون أنَّ الرسولَ والصحابةَ لا يُحْسَدون، واستثنى القليلَ منهم؛ لِمَا أنَّ بعضَهم أَخْلَصَ بعد ذلك.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" (ص: ٢٠١)، عن حمزة والكسائي.
(٢) في (أ): "من غير أن لهم".
(٣) في (ر): "المغنم".
(٤) في (أ): "مغانم".
[ ١٣ / ٤٦٢ ]
(١٦) - ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: وهُم هؤلاء الذين مُنِعوا عن الخروج إلى خيبرَ في حياة النبي -ﷺ-.
﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أي: أولي قُوَّةٍ في الحرب؛ أي: بعد وفاة النبي -ﷺ-.
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾: وفي مصحف أُبَيٍّ: (أو يُسْلِموا) (^١)، ومعناه: حتى يُسْلِموا، وحَذَفَ النُّونَ للنَّصْب، وقراءةُ العامَّةِ ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ على معنى: أو هُم يُسْلِمون.
﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾: أي: تُخْلِصوا في تلك الحرب، وتُطِيعوا الواليَ الذي دعاكم إليه.
﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾: الغَنيمةَ في الدنيا بدلَ ما فاتَكم مِن غنائمِ خيبرَ، والثوابَ في الآخرة.
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾: عن الإجابة ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن إجابة النبي -ﷺ- يومَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا والآخرة.
واختُلِفَ في هؤلاء القوم الذين وُصِفوا بالبأس الشديد:
قال أكثرُ أهلِ التفسير: هُم بنو حَنيفةَ، وهُم أهلُ اليَمامة، رأسُهم مُسَيْلِمَةُ الكذَّابُ (^٢)، قاتلَهم أبو بكر الصديق ﵁.
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ٢٦٩)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٤)، و"إعراب القرآن" للنحاس (٤/ ١٣٣)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٤٦).
(٢) رواه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٥١٧)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٦٨) عن الزهري، وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٤/ ٧٢)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٦). وذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٣٠٤) عن ابن عباس ﵄ ومقاتل، وعزاه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٣٨) إلى أكثر المفسرين.
[ ١٣ / ٤٦٣ ]
وقال مجاهد ﵀: هُم أهلُ فارسَ (^١)، قاتلَهم عمرُ ﵁.
وقال الحسن: هُم فارسُ والرُّومُ (^٢).
ودلَّتِ الآيةُ على صحَّةِ خِلافة أبي بكر وعمر ﵄، حيث أوجبَ اللَّهُ تعالى طاعةَ مَن يَدْعو إلى قتال هؤلاء.
وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير وعكرمة: هُم أهلُ حُنَينٍ وثَقيفٌ وهوازنُ (^٣)، وعلى هذا تكون الدَّعوةُ إليه في حياة النبي -ﷺ- أيضًا، وكان المُخَلَّفون ممنوعين عن خيبرَ، مَدْعُوِّين إلى قتال أهل حُنينٍ.
* * *
(١٧) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾: لَمَّا نزَلَ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٦٦) عن ابن عباس ﵄ وابن أبي ليلى والحسن ومجاهد وابن زيد، وهو أحد قولي مجاهد كما ذكر السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣١٦)، والآخر: أنهم أهل الأوثان. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٦) عن مجاهد، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٢) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وعطاء.
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٦٦)، وذكره الماتريدي في "تفسيره" (٩/ ٣٠٤)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣١٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٦٧) عن سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة، ورواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٤/ ٢٥) عن ابن عباس ﵄. وذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ١٩٨) عن ابن عباس ﵄ من رواية الضحاك.
[ ١٣ / ٤٦٤ ]
وعيدُ المُتَخَلِّفين عن الغزو، اهتَمَّ الزَّمْنى لذلك، فنزَلَ هذا في عُذْرِهم (^١) عن التَّخَلُّف عنه لِعَجْزِهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: في الجهاد وغيرِ ذلك.
﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾: أي: عن طاعة اللَّه ورسوله.
﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: في الدنيا والآخرة.
* * *
(١٨) - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾: وهي شجرةُ سَمُرَةٍ بالحُدَيْبِيَةِ.
ورُوِيَ: أنَّها عُمِّيَتْ عليهم مِن قابلٍ، فلم يَدْروا أين ذهبَتْ.
قال ابن عباس ﵄: أثنى اللَّهُ على الذين بايعوا رسولَه تحت الشجرة يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وهي بيعةُ الرِّضْوان، وكانوا ألفًا وخمسَ مئةِ رجلٍ، وكانت الشجرةُ سمُرَةً، وأوَّلُ مَن بايعه أبو سنان الأسديُّ، بايعوه على ألَّا يفِرُّوا وعلى الموت (^٢).
_________________
(١) في (ف): "لعذرهم" بدل من "في عذرهم".
(٢) رواه مختصرًا الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٧٧)، وكونهم يومئذ ألفًا وخمس مئة رواه البخاري (٤١٥٣) ومسلم (١٨٥٦/ ٧٢ و٧٣). وروي في الصحيحين أيضًا أنهم كانوا ألفًا وأربع مئة، رواه البخاري (٤١٥٤) ومسلم (١٨٥٦/ ٦٧). وروى مسلم (١٨٥٧) والبخاري تعليقًا (٤١٥٥) من حديث عبد اللَّه بن أبي أو في أنهم كانوا ألفًا وثلاث مئة. قال الآلوسي في "روح المعاني" (٢٥/ ٢٧٢) بعد أن ذكر ما تقدم من روايات: وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع أنهم كانوا ألفًا وسبع مئة، وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفًا وستَّ =
[ ١٣ / ٤٦٥ ]
﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: مِن صِدْق البَيْعة (^١).
وقال مقاتل: مِن كراهية الصُّلْح (^٢).
﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: الطُّمَأْنِينةَ على طاعة الرسول.
ورُوِيَ أنهم كانوا يُبايعون رسولَ اللَّه -ﷺ- على الموت، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "بل على ما استطعتم" (^٣).
وقيل: قال: "بل على أنْ لا تَفِرُّوا" (^٤).
وقال سلَمةُ بنُ الأَكْوَع: بينا نحن قائلون، نادى مُنادِي رسولِ اللَّه -ﷺ-: البيعةَ البيعةَ، نزلَ رُوحُ القُدُسِ، فثُرْنا إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو تحت شجرةِ سَمُرَةٍ، فبايعناه (^٥).
_________________
(١) = مئة، وحكى ابن سعد أنهم ألفٌ وخمسُ مئة وخمسة وعشرون. قال: وجمع بين الروايات بأنها بناء على عد الجميع، أو ترك الأصاغر والأتباع والأوساط أو نحو ذلك، وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبع مئة، فلم يوافقه أحد عليه؛ لأنه قاله استنباطًا من قول جابر: ننحر البدنة عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا غير البدن، مع أن بعضهم كأبي قتادة لم يكن أحرم أصلًا.
(٢) ذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣١٧)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٣٠٥).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٣)، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣١٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣١٦)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٣٠٥)، بلفظ: من الكراهية للبيعة على أن يقاتلوا ولا يفروا في أمر البيعة.
(٤) رواه البخاري (٧٢٠٢)، ومسلم (١٨٦٧) من حديث ابن عمر ﵁. ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٧٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٠٥) عن بكير بن الأشج.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) رواه عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٦٨٥٢)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٧٣).
[ ١٣ / ٤٦٦ ]
وقال عبد اللَّه بن المُغَفَّل: كنتُ قائمًا على رأس رسول اللَّه -ﷺ- ذلك اليوم، وبِيَدي غُصْنٌ مِن الشَّجرةِ أذُبُّ عنه وهو يُباجُ النَّاسَ (^١)، وكانوا ألفًا وأربعَ مئةٍ (^٢).
وقال عطاءُ بن مسلمٍ الخُرَاسانيُّ وقتادةُ: بايعوا النبيَّ ﵇ يومئذٍ، وكانوا ألفًا وأربعَ مئةٍ (^٣).
وكان عثمانُ إذ ذاك غائبًا بمكة، فقال النبي -ﷺ-: "إنَّ عثمانَ في حاجةِ اللَّه وحاجةِ رسوله وحاجة المؤمنين"، ووضَعَ النبيُّ -ﷺ- إحدى يديه على الأخرى، وقال: "هذه بيعةُ عثمانَ، ويدُ اللَّهِ خيرٌ مِن أيديكم" (^٤).
﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: قال قتادة وابن أبي ليلى: يعني: خيبرَ (^٥).
* * *
_________________
(١) رواه النسائي (١١٤٤٧). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٥٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣١٣).
(٢) ذكرنا قريبًا الرواية بهذا، والخلاف في عددهم يومئذ، وتأويل ذلك.
(٣) قد ذكر الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٤٨)، والواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٣٠٥) أن قتادة قال: كانوا خمسة عشر ومائة. ولم أقف عن عطاء على شيء فيه.
(٤) رواه الترمذي (٣٧٠٢)، وابن شاهين في "شرح مذاهب أهل السنة" (١١٤)، وأبو نعيم في "تثبيت الإمامة" (١٠٣) عن أنس ﵁، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وروى نحوه مطولًا الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (٧٨٤) من حديث سالم بن عبد اللَّه بن عمر مرسلًا.
(٥) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٧٨). ورواه عن قتادة: عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩٠٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٥٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣١٦). ورواه عن ابن أبي ليلى: يحيى بنُ آدم في "الخراج" (٨٨)، وذكره النحاس في "معاني القرآن" (٦/ ٥٠٦).
[ ١٣ / ٤٦٧ ]
(١٩) - ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾: قيل: لَمَّا سمِعَ أهلُ القرى المجاورةِ لِخيبرَ ما جرى عليها، صالَحوا رسولَ اللَّه -ﷺ- على الشَّطْر مِن قُراهم، وفَدَكُ في جُمْلَتها، فهي مِن المغانم الكثيرة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾: أي: مَنيعًا لا يُغالَبُ ﴿حَكِيمًا﴾: فيما يَحْكُمُ به، فلا يُعارَضُ.
* * *
(٢٠) - ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾: أي: بعد خيبرَ، وقد فُتِحَ عليه بعد ذلك حُنَينٌ وأَوْطاسٌ وفارسُ والرُّومُ.
وقال ابن عباس ﵄: هو كلُّ فتحٍ يكون إلى يوم القيامة (^١).
وقولُه تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: أي: خيبرَ ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾: قيل: أي: حُلفاءِ خيبرَ -وهم أسدٌ وغَطَفانُ- جاؤوا لِنُصرةِ أهل خيبرَ، فقذفَ اللَّهُ في قلوبهم الرُّعْبَ فانصرفوا، وكان عليهم مالك بن عوف النَّصْريُّ وعُيَيْنَةُ بنُ حُصْنِ بن بدرٍ الفَزَارِيُّ، هابوا فانصرَفوا.
﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: لِتكونَ هزيمتُهم مِن غير قتال عِبْرةً للمؤمنين، ودِلالةً على حُسْنِ صُنع اللَّه تعالى بالمسلمين.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: أي: ولتَسْلُكوا في كلِّ أحوالكم هذه الطريقةَ المستقيمةَ في الثِّقة باللَّه تعالى على مواعيده.
_________________
(١) ذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣١٧)، وقال الواحدي في "الوسيط" (٢٠/ ٣٠٦): هو قول الجميع.
[ ١٣ / ٤٦٨ ]
(٢١) - ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: أي: ووعدَكم أخرى، وهي مكَّةُ، لم تَقْدِروا على دخولها العامَ بصدِّ المشركين.
﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: أي: قد أعدَّها لكم وحبَسَها عليكم، فهي لكم كالشيء قد أُحِيطَ به مِن كل جانبٍ، فهو مَحْصورٌ، لا يُفْلِتُ ولا يمتنعُ عن المُحيطين به، يَحوزونه متى أرادوا، وهذا بلاغةٌ عجيبةٌ.
وقيل: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: فارسُ والرُّومُ، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: أي: قد علِمَ أنها ستكون لكم.
وقيل: هي هوازِنُ وغَطَفانُ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾: أي: مِن فَتْحِ هذه القُرى، وإنجازِ هذه المواعيد، وكلِّ شيء.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: يعني: الذين صَدُّوهم عن المسجد الحرام، وهو إِيناسٌ لهم عن الوَحْشة التي اعتَرَتْ بعضَهم بانصرافهم، وتشجيعٌ لقلوبهم على كلِّ جهادٍ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: سَنَّ اللَّهُ تعالى هذه السُّنّةَ؛ أي: هكذا أجرى اللَّه تعالى العادةَ في الأُمَم الخالية أنَّ الكافرين لا يجدون وليًا ولا نصيرًا، فهُم مخذولون وإنْ أُمْهِلوا إلى حينٍ.
[ ١٣ / ٤٦٩ ]
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: أي: ولن تجدَ لهذه السُّنَّةِ تغييرًا.
* * *
(٢٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: أي: أيدي أهلِ مكَّةَ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن أهلِ مكَّةَ ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: بالحُدَيْبِيَةِ، وقيل: وادي مكة.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أَقْدَرَكم وسَلَّطَكم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: وهو ما ذَكَرْنا في أول القصة: أنَّ خيلًا طافوا بعَسْكَرِ رسول اللَّه -ﷺ- لِيُصِيبوا منهم غِرَّةً، فأُخِذوا، وخلَّى عنهم رسولُ اللَّه -ﷺ-.
وفي حديث سَلَمةَ بن الأَكْوع قال: لَمَّا تواعَدوا الصُّلْحَ وتوادَعوا، كان في المسلمين ناسٌ مِن المشركين، وفي المشركين ناسٌ مِن المسلمين، فتنكَّرَ أبو سفيانَ، فإذا الوادي يَسِيلُ بالرجال والسِّلاح، قال سلَمةُ: فجئتُ بستَّةٍ مِن المشركين أَسوقُهم مُتَسَلِّحين، لا يملكون لأنفسهم نَفْعًا ولا ضرًا، فأتيتُ بهم النَّبيَّ -ﷺ-، فعفا عنهم، وشدَدْنا على مَن في أيدي المشركين، فما ترَكْنا في أيديهم مِنَّا رجلًا إلا استنقَذْناه، وغَلَبْنا على مَن في أيدينا منهم، ونزَلَتْ هذه الآيةُ (^١).
وروى الزُّهريُّ عن القاسم بن محمد قال: لَمَّا كُتِبَ في الصلْحِ بِرَدِّ مَن جاء إلى رسول اللَّه -ﷺ- إلى أهل مكَّةَ، وجاء أبو بَصيرٍ وأصحابُه فردَّهم رسولُ اللَّه -ﷺ-،
_________________
(١) في (ف): "فنزلت فيه هذه الآية". رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٦٨٥١)، وابن زنجويه في "الأموال" (٦٥٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٩٣)، وفي "تاريخه" (٢/ ٦٢٩).
[ ١٣ / ٤٧٠ ]
لَحِقَ أبو بَصيرٍ بالسَّاحلِ، واجتمَعَ إليه مَن فرَّ مِن المسلمين، وجعَلوا يَقْطعون الطَّريقَ على كلِّ مَن يَحْمِلُ المِيرةَ (^١) إلى مكَّةَ، حتى وقعَ فيهم القَحْطُ، فلما رأى ذلك كُفَّارُ قريشٍ، ركِبَ نفَرٌ منهم إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا له: إنَّ هذا الصُّلْحَ لا يُغْني شيئًا، وإنا نُقْتَلُ وتُنْهَبُ أموالُنا، فنسألُكَ بالرَّحِم الذي بيننا وبينك أنْ ترُدَّهم إلى حَضْرَتِكَ، وتكَفَّ عنا أيديَهم (^٢)، فقَبِلَ رسول اللَّه -ﷺ- ذلك، فنزلَت هذه الآيةُ (^٣).
وقال سعيد بن جُبير ﵁: لَمَّا خرجَ رسول اللَّه -ﷺ- إلى الحُدَيْبِيَةِ، فساقَ الهَدْيَ، نزلَ بذي الحُلَيْفَةِ، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: تأتي قومًا حَرْبًا لكَ ليس معك سِلاحٌ ولا كُراعٌ (^٤)! فبعثَ إلى المدينة، فأتوه بكل سلاحٍ وكُراعٍ كان فيها، فلما نزلَ رسول اللَّه ﵇ بمنى أتاه عينُه (^٥)، فأخبرَه أنَّ عِكْرِمةَ بن أبي جهل خرجَ إليكَ في خمس مئةِ فارسٍ، فقال ﵇ لخالد بن الوليد: "هذا ابنُ عمِّكَ أتاك في خمس مئة فارس"، فقال خالد: أنا سيفُ اللَّهِ وسيفُ رسولِه، فيومئذٍ سُمِّيَ سيفَ اللَّهِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ارمِ بي حيث شئتَ، فوجَّهَه على خَيْلٍ (^٦)، فأتى
_________________
(١) في حاشية (ر): الميرة -بالكسر والفتح-: الطعام الذي يأتي من أطراف المصر إليه.
(٢) في (ف): "أذيتهم".
(٣) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٨٩٢٩)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٠٣). وأصل الحديث رواه مطولًا عبد الرزاق في "مصنفه" (٩٧٢٠)، والبخاري (٢٧٣١)، وأبو داود (٢٧٦٥)، والطبري في "تاريخه" (٢/ ٦٣٨) وغيرهم، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.
(٤) الكُراع: اسم يجمع الخيل والسلاح إذا ذكر مع السلاح، والكُراع: الخيل نفسها. انظرة "تهذيب اللغة" (١/ ٢٠٢).
(٥) في (أ): "عتبة"، وفي (ف) و(ر): "عيينة"، والمثبت موافق لمصادر التخريج الآتية.
(٦) في (أ): "جبل".
[ ١٣ / ٤٧١ ]
عِكْرِمةَ بن أبي جهلٍ، فهزَمه حتى أدخلَه مكةَ، ثم عاد فهزمَه حتى أدخلَه جوفَ مكةَ، فنزلت هذه الآيةُ (^١).
وقال أنس: اطَّلَعَ قومٌ على النبي -ﷺ- مِن قِبَلِ التَّنْعيم لِيَأْخُذوه، فأخذَهم رسولُ اللَّه -ﷺ-، فخلَّى سبيلَهم، فأنزلَ اللَّهُ (^٢) هذه الآيةَ (^٣).
* * *
(٢٥) - ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ﴾: أي: وصَدُّوا الهَدْيَ.
﴿مَعْكُوفًا﴾: أي: مَوْقوفًا مَمْنوعًا.
﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: أي: عن أنْ يبلُغَ المَوْضِعَ الذي يحِلُّ فيه ذَبْحُه، وهو الحَرَمُ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٩١)، وفي "تاريخه" (٢/ ٦٢٢) عن ابن أبزى. قال ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٣٤٣): ورواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه، وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية؛ لأن خالدًا لم يكن أسلم، بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح، ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء؛ لأنَّهم قاضوه على أن يأتي من العام المقبل فيعتمر ويقيم ثلاثة أيام، فلما قدم لم يمانعوه، ولا حاربوه ولا قاتلوه، فإن قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: لا يجوز أن يكون يوم الفتح؛ لأنَّه لم يسق عام الفتح هديًا، وإنما جاء محاربًا مقاتلًا في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل، قد وقع فيه شيء، فليتأمل.
(٢) في (ر): "فنزلت".
(٣) رواه عنه الإمام أحمد في "مسنده" (١٢٢٢٧)، ومسلم (١٨٠٨)، وأبو داود (٣/ ٦١)، والترمذي (٣٢٦٤)، والنسائي (٨٦١٤)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٩٠).
[ ١٣ / ٤٧٢ ]
أي: هُم مع هذه الأفعال القبيحة كانوا مُسْتَحِقِّين القتالَ والقَتْلَ، وإنما أمَرْناكم بالرُّجوع لِحِكْمةٍ، وهي ما ذكَرَ بعده:
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾: أي: مِن بين (^١) أهل مكةَ.
﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾: أي: لم تَعْلَموا أنتم بإيمانهم.
﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: أي: لولا أنْ تَطَؤُوهم بِخَيْلِكم إذا دخلتم مكةَ وأنتم لا تَعْلَمون بإيمانهم، وهو كقوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: أي: أحسَنَ خَلْقَ كلِّ شيءٍ، على البدَل والترجمة، وهو كقولك: لولا زيدٌ حقُّه وحُرْمَتُه لَفَعَلْتُ كذا؛ أي: لولا حقُّ زيدٍ.
وقيل: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾: بأقدامكم.
وقيل: أنْ تُصيبوهم بسيوفكم، وهو مَجازٌ واستعارةٌ.
﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ﴾: أي: فتَنالَكُم مِن جهة المَوْطُوئين بغير قصدٍ ﴿مَعَرَّةٌ﴾: قيل: مَساءَةٌ.
وقيل: عَيْبٌ وشَيْنٌ، مِن (العُرَّة) (^٢)، وهي القَذَرُ، ومِن (العُرِّ)، وهو القُروحُ في مَشافِرِ الإبل (^٣) وقوائمِها، ومعناه: تلزمُكم الدِّيَةُ بقتلهم.
وقيل: يَعِيبُكم الكفارُ بقتلِكم أهلَ دينِكم.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي: بإيمانهم.
﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: أي: آمَنَ هؤلاء رجاءَ أنْ يُدْخِلَهم اللَّهُ جنَّتَه.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: هُمُ المؤمنون.
_________________
(١) في (ف): "من"، وفي (ر): "بين"، بدل: "من بين".
(٢) في (ر): "المعرة".
(٣) المِشْفَر للبعير كالشَّفَة للإنسان. انظر: "المحكم" لابن سيده (٨/ ٤٦).
[ ١٣ / ٤٧٣ ]
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾: أي: لو زايلَ هؤلاء المؤمنون الكافرين.
﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: هو لِتَمييزِ هؤلاء الكفار مِن سائر الكفار؛ كما جاء في آخر هذه السورة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾؛ هو لتمييزهم مِن سائر المؤمنين.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: لَعَذَّبْنا الكفارَ بسيوفكم في الدنيا، وبالنار في الآخرة.
وقولُه تعالى: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ جوابٌ لقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ﴾ ولقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ جميعًا.
وبيَّنَ بهذه الآية أنَّ الحِكْمةَ في صَرْفِ المؤمنين عن دخول مكة كانت لِسَلامةِ هؤلاء المؤمنين المُسْتَضْعَفين المَغْمُورين (^١) بمكةَ، وفيه بيانُ قَدْرِ ضُعَفاءِ (^٢) المؤمنين عند اللَّه.
* * *
(٢٦) - ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾: أي: لَعَذَّبْنا هؤلاء بسيوفكم حين جعل هؤلاء المشركون الصَّادُّون في قلوبهم الحَمِيَّةَ؛ أي: الأَنَفَةَ.
﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: ترجمةٌ عنه.
والجاهليَّةُ: حالةُ الكفرِ والجهلِ باللَّه، قالوا: قتَلَ محمَّدٌ آباءَنا وإخوانَنا، ثم أتانا يدخُلُ علينا في منازلنا، واللَّهِ لا يدخُلُ علينا.
_________________
(١) في (ر): "المقهورين".
(٢) في (ر): "الضعفاء من".
[ ١٣ / ٤٧٤ ]
ومن هذه الحَمِيَّةِ ما مرَّ في ذِكْرِ الصُّلْح مِن مَنْعِه أنْ يكتُبَ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ويكتُبَ: صالَحَ محمدٌ رسولُ اللَّهِ، وشَرْطِ أنْ لا يَرُدُّوا مَن جاءَهم مِن المسلمين، ويَرُدَّ المسلمون مَن جاءهم منهم، ونحو ذلك.
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: حتى اطمَأَنُّوا، فلم يضطَرِبوا.
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: قال عليُّ بن أبي طالب، وابنُ عباس، وقتادةُ، ومجاهدٌ، وسلَمةُ بن كُهَيلٍ، وعُبيدُ بن عُميرٍ (^١)، وعكرمةُ، وطلحةُ بن مُصَرِّف، والسُّدِّيُّ، والرَّبيعُ بن أنس ﵃: هي (^٢) قولُ: لا إله إلا اللَّه (^٣)، وهي
_________________
(١) في (أ): "عمر".
(٢) في (أ): "أي".
(٣) رواه عن علي ﵁ الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣١٠)، والطبراني في "الدعاء" (١٦٠٧)، والحاكم في "مستدركه" (٣٧١٧) وصححه، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٣)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٩٧). ورواه عن ابن عباس ﵄ الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣١١)، والطبراني في "الدعاء" (١٦١١)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٩٩). ورواه عن قتادة عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٩١٨)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣١٢). ورواه عن مجاهد البخاريُّ قبل الحديث (٦٦٨١) معلقًا، والطبريُّ في "تفسيره" (٢١/ ٣١٢)، والطبراني في "الدعاء" (١٦٢٠). ورواه عن سلمة بن كهيل عن عباية بن ربعي عن علي ﵁ الطبريُّ في "تفسيره" (٢١/ ٣١٠)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٣). ورواه عن عكرمة الترقفيُّ في "حديثه" (١٢١)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣١٢)، والطبراني في "الدعاء" (١٦٢١)، وابن البنا في "فضل التهليل" (٣٧). وذكره عن عبيد بن عمير وطلحة بن مصرف والسدي الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٣). وروي مرفوعًا لكن بإسناد ضعيف؛ رواه الترمذي (٣٢٦٥) من حديث أبيٍّ ﵁ وقال: =
[ ١٣ / ٤٧٥ ]
أصلُ التَّقْوى، فإنها التَّقْوى مِن الشرك، وبها يُتَوَقَّى أيضًا مِن النار.
وقال الزُّهْري: هي: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (^١)، هي شِعارُ هذه الأمة، والإلزامُ هو التَّثْبيتُ عليها.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾: أي: أولى بها مِن غيرهم.
وقيل: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ في عِلْم اللَّه مِن كفار مكةَ.
﴿وَأَهْلَهَا﴾: أي: مُسْتَحِقِّين بها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: بِمَن كان أهلًا للإيمان باختياره ذلك، وبكل شيءٍ.
* * *
(٢٧) - ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾: أي: أراهُ ما أراهُ في المنام صِدْقًا لا خُلْفَ فيه، وكان رأى في المنام ما تأويلُه دخولُ مكةَ، فأخبرَ أصحابَه، ولَمَّا صُدُّوا عن المسجد الحرام وأمرَهم رسولُ اللَّه -ﷺ- بالتَّحَلُّلِ والانصراف، قالوا: ألستَ كنتَ تَعِدُنا أنْ نأتيَ البيتَ فنَطوفَ به، فقال: "هل أخبرتكم أَنَّا نأتيه هذا العامَ؟ "، فقالوا: لا، فقال: "إنك ستأتيه وتطوفُ به"، قالَه لرجلٍ قال له ذلك (^٢).
_________________
(١) = غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة. قال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فلم يعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣١٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٣)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٥٥٤).
(٣) روى نحوه مختصرًا: الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣١٧) عن ابن زيد. وبينت رواية البخاري =
[ ١٣ / ٤٧٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بتحقيق ما أَراه.
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: وهذا قسَمٌ، ورُؤْيا الأنبياءِ وحيٌ (^١) لا خَطَأَ فيه، وخبَرٌ لا كَذِبَ فيه، والقسَمُ تأكيدٌ لا وَهْنَ (^٢) فيه.
ثم قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: وهو في كلامِنا يُذْكَرُ فيما يكون ولا يكون، فما معناه مع ما سبق؟ وجوابُه من وجوه:
أحدُها: أنَّ مَلَكَ الرُّؤْيا خاطبَه في الرُّؤْيا بذلك إِطْماعًا، فنزَلَ الكتابُ بذلك إسماعًا.
والثَّاني: أنه تحقيقٌ لا تعليقٌ، وتقديرُه: لَتَدْخُلُنَّه بإدخال اللَّه، وهو بمشيئتِه وإرادتِه، لا مُعْتَرِضَ عليه، ولا مُنازِعَ له، ولا مانِعَ دونه.
والثَّالثُ: أنَّ اللَّهَ علِمَ أنَّ بعضَهم يموتُ قَبْلَ ذلك.
والرَّابعُ: أنَّه على قوله: ﴿آمِنِينَ﴾، لا على قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، فكان الدُّخولُ مَوْعودًا مُتَحَقِّقًا، وكان الأمانُ عند ذلك مَوْعودًا مُعَلَّقًا.
والخامسُ: أنَّ معناه: إذ شاء اللَّهُ؛ كما قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: إذ كنتم.
﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾: أي: تَدْخُلونه مُحْرِمين بالعمرة، ثم تَحْلِقون رؤوسَكم للتَّحلُّل، ويُقَصِّرُ بعضُكم.
والتَّشديدُ للتَّكْثير، وهو تكثيرُ مَحالِّ الحَلْقِ، وهي الرُّؤوسُ، والتَّقْصيرُ: قَطْعُ أطرافِ الشُّعور.
_________________
(١) = (٢٧٣١) أن السائل هو عمر ﵁.
(٢) في (أ): "حق".
(٣) في (أ): "وهي".
[ ١٣ / ٤٧٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾: مِن الحكمة في تأخير الرُّؤيا إلى العام القابل، وهو ما مَرَّ.
﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: فَتْحَ خيبرَ.
* * *
(٢٨) - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: أي: بالتوحيد ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بالإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾؛ أي: لِيُعْلِيَه على الأديان كلِّها.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: أي: شاهِدًا على صِدْقِ رسولِه بإقامة حُجَجِه (^١).
* * *
(٢٩) - ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾: مُبتدأٌ وخبرٌ، وهو وقفٌ تامٌّ، وما بعده مُبتدأٌ وخبَرٌ أيضًا.
وقال أبو حاتمٍ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾: مبتدأ، وما بعده معطوفٌ عليه، وخبَرٌ الكلِّ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ (^٢).
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أي: مِن الصحابة ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾؛ أي: غِلاظٌ عليهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: عاطِفون على أهل الإسلام.
_________________
(١) في (ف): "الحجة".
(٢) انظر: "القطع والائتناف" للنحاس (ص: ٦٧٢).
[ ١٣ / ٤٧٨ ]
ومِن الشِّدَّةِ على الكفار: حِرْصُهم على دخول مكةَ بالسيف، وأَنَفَتُهم مِن إعطاء الدَّنِيَّةِ.
ومن رحمتِهم بينهم: أنه شَقَّ عليهم قَبولُ الشَّرطِ في رَدِّ مَن أتاهم مُسْلِمًا إليهم.
ثم شِدَّتُهم على الكفار في كلِّ مَوْطِنٍ وعَطْفُهم على المسلمين في كلِّ مَوْضعٍ مما لا يَخفى.
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: مع جهادهم في سبيل اللَّه كانوا مُجْتَهِدين في العبادة للَّه تعالى.
﴿يَبْتَغُونَ﴾: بذلك ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾: بتَضْعيفِ الحسنات ﴿وَرِضْوَانًا﴾: بعَفْوِ السيئات.
وقولُه تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: أي: علامتُهم.
قيل: هي صُفْرَةُ (^١) الوُجوهِ بكثرة التَّهَجُّد.
وقيل: هي إشراقُ وجوهِهم مِن أَثَرِ السُّجود، قال -ﷺ-: "مَن كثُرَتْ صلاتُه بالليل حَسُنَ وجهُه بالنهار" (^٢).
وقيل: هي ما يَظْهَرُ عليها مِن النور يوم القيامة.
_________________
(١) في (أ): "من صفوة" بدل: "هي صفرة".
(٢) رواه ابن ماجه (١٣٣٣)، والمروزي في "مختصر قيام الليل" (ص: ٨٥)، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ١٧٦)، وابن أبي حاتم في "علل الحديث" (٢/ ٣٦)، وغيرهم من طريق ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ يرفعه. وقد اتفقت آرأء المحدثين على أن الحديث بهذا الإسناد موضوع عن غير قصد، وأنه من كلام شريك؛ قال السخاوي: واتفق أئمة الحديث ابن عدي والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شريك قاله لثابت لما دخل عليه. انظر: "المقاصد الحسنة" للسخاوي (ص: ٦٦٦). وانظر تفصيل الكلام عليه في هذا الكتاب عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [الصف: ١٤].
[ ١٣ / ٤٧٩ ]
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾: أي: صفَتُهم؛ كما قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [محمد: ١٥]، وقال: ﴿وَلَهُ اَلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧].
أي: ذُكِروا في التوراة أنهم أشَدُّ على الكفار. . . إلى آخره.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾: هذا على حقيقة المَثَل.
﴿كَزَرْعٍ﴾: أي: مَثَلُهم في توادِّهم وتراحُمِهم فيما بينهم، وتآلُفِهم على الجهاد في سبيل اللَّه، ونُصْرَةِ دِين اللَّه؛ كزَرْعٍ.
﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: قال الأخفشُ: أي: فِراخَه (^١). وقيل: قوائمَه. وقيل: سُنْبُلَه.
وقال الفراء: هو أنْ يُنْبِتَ سبعًا وثمانيًا وعشرًا (^٢).
قرأ ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ بنصب الشين والطاء، والباقون بتسكين الطاء (^٣)، وهما واحدٌ.
وقولُه تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾: أي: قوَّى الشَّطْءُ أَصْلَ الزَّرعِ بالتفافِه عليه وتكاثُفِه.
﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾: أي: فغلُظَ قَصَبُ الزَّرع.
﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾: جَمْعُ ساق.
﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾: أي: يروقُ هذا الزَّرْعُ الزَّارِعَ.
تمثيلُ إعجابِ النَّبيِّ ﵇ بأصحابه، وتوافُقِهم على الطاعة، وتظاهُرِهم
_________________
(١) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٢٣)، وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢١٨).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٦٩).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢).
[ ١٣ / ٤٨٠ ]
على نُصْرَةِ الدِّين، فيتعجَّبُ الأنبياءُ منهم يومَ القيامة؛ لِمَا يَرَوْنَ مِن فضلِهم على كل الأُمَم، فالزُّرَّاعُ مَثَلُ الأنبياءِ.
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: أي: قد جعَلَهم اللَّهُ كذلك لِيُكْمِدَ بتآلُفِهم قلوبَ الكفار، وتنقَطِعَ بذلك أطماعُهم في الظُّهور عليهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩].
وقال عكرمة: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أبو بكر كان معه في كلِّ حَضَرٍ وسفَرٍ، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: عمرُ بن الخطاب، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمانُ بن عفان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: عليُّ بن أبي طالب ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: عامَّةُ الصحابةِ رِضْوان اللَّه عنهم (^١).
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾:
_________________
(١) رواه الداني في "المكتفى" (ص: ٢٠١) عن موسى الكاظم، عن جعفر الصادق عن آبائه. ورواه ابن مردويه، والقلظي، والقاضي أحمد بن محمد الزهري في "فضائل الخلفاء الأربعة" والشيرازي في "الألقاب" فيما عزاه إليهم السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٥٤٤) عن ابن عباس ﵄. وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٠)، والقشيري في "لطائف الإشارات" (٤/ ٤٣٣)، والكرماني في "غرائب التفسير" (٢/ ١١١٨) من غير نسبة. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٢٥) عن الحسن، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢١٠) عن جعفر الصادق. قال ابن المظفر الرازي في "مباحث التفسير" (ص: ٢٨١) بعد أن ضعف هذا القول: فحمله على عامة الصحابة أولى لفظًا ومعنى، وهو أقرب إلى الإنصاف، وترك التعصب والاعتساف، ولا فيه من إعطاء كل واحد من الصحابة حظه من هذه الفضيلة دون الحرمان، فإن كلهم كانوا أعلام الإسلام، وأيمان الإيمان!
[ ١٣ / ٤٨١ ]
قال ابن عباس ﵄: أثَرُ السَّهرِ (^١).
وقال مجاهد: أثَرُ الخُشوعِ (^٢).
وقال أبو العالية: يسجدون على التُّراب لا على الأثواب (^٣).
وقال عطاء بن أبي رباحٍ: استنارتْ وجوهُهم مِن طُول ما صَلَّوا (^٤).
وقال منصور: سألتُ مُجاهدًا عن قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾: أهو الأثَرُ يكون بين عَيْنَيِ الرجل؟ قال: ربما يكون بين عَيْنَيِ الرجل ذلك الأثَرُ وهو أقسى قَلْبًا مِن الحَجَر، ولكنه نورٌ في وجوههم مِن الخُشوع (^٥).
_________________
(١) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص ٤٣٤). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٢٥) عن شمر بن عطية، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٥). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٤٦٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٣٣٤)، عن عكرمة. وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٢٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٤٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٢٤)، عن الضحاك، وابن عطية في "تفسيره" (٥/ ١٤١) عن الحسن بن أبي الحسن وشمر بن عطية، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٣٩) عن سعيد بن جبير.
(٢) رواه عنه ابن المبارك في "الزهد" (١٧٣)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢٩١٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٢٤)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١/ ٢٨٢)، والدينوري في "المجالسة" (١٨٩٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٨٢).
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٤٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٤١). وجاء في (ف) و(ر): "لا على النبات والأثواب".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٥)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٤١)، عن عطاء والربيع بن أنس.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٢٤)، والبيهقي في "الكبرى" (٣٥٦٠). وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٥)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٤١).
[ ١٣ / ٤٨٢ ]
وقال ابن جُريجٍ: هو الوَقارُ والبَهاءُ (^١).
وقال الزُّهْري: يكون ذلك يوم القيامة (^٢).
وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: تكون مواضِعُ السجود مِن وجوههم كالقمر ليلةَ البدرِ يومَ القيامة (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾: قيل: هو محمد ﵇، ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: هو أبو بكر، ﴿فَآزَرَهُ﴾: هو عمر أعانَه على كفار مكة، ﴿فَاسْتَوَى﴾: هو عثمان سَوَّاهم وقوَّاهم بنفقته ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾: هو عليُّ بن أبي طالب قام بنَصرِ الدِّين وقَهْرِ الكافرين، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾: جميعَ المؤمنين، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: جميعَ المشركين.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾: هو لِتَمييز الجنس، لا للتَّبْعيض.
وقيل: أي: مِن هؤلاء الصحابة.
﴿مَغْفِرَةً﴾: عَفْوًا عن السيئات.
﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾: في الجنة بما لا ينقطِعُ مِن الكرامات.
وقال أبو العالية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: أَحَبُّوا أصحابَ رسولِ اللَّه -ﷺ-، فعُرِضَ هذا القول على الحسن، فاستحسَنه (^٤).
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين
_________________
(١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٥).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٤٦)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٣٩).
(٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٥).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٦٧).
[ ١٣ / ٤٨٣ ]
سورة الحجرات
[ ١٣ / ٤٨٥ ]