بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي صبَّ على الكفَّار سوطَ عذاب، الرحمنِ الذي ذكَّر المؤمنين بما ذَكَر من أهوال يوم البعث والحساب، الرحيمِ الذي خاطب النَّفس المطمئنة بألطف خطاب.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورةَ والفجرِ في ليالِ العَشْرِ غَفَرَ اللَّهُ له، ومَن قرأها في سائرِ الأيَّامِ كانت (^٢) له نورًا يومَ القيامَةِ" (^٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي اثنتان وثلاثون آية، ومئة وسبعٌ وثلاثون كلمة، وخمسُ مئة وثمانيةٌ وستُّون حرفًا.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في إهانة الأعداء، وكرامة الأولياء.
* * *
_________________
(١) في (ف): "والفجر".
(٢) في النسخ الثلاث: "كان"، والمثبت من مصدري التخريج.
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٩١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٧٨)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٣٢٩ ]
(١ - ٣) - ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾: أقسمَ اللَّهُ تعالى بالفجر، واختُلِف فيه:
قيل: هو الصُّبح، وهو كما قال: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]، ثم (^١) قيل: هو فجرُ كلِّ يوم.
وقيل: فجر أوَّل يوم من المحرَّم. وهو قول ابن عبَّاس ﵄ (^٢).
وقيل: فجر أوَّل يوم من ذي الحجَّة.
وقيل: فجر يوم النَّحر.
وقيل: هو صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقيل: هو قَسَم بانفجار المطر من السَّحاب.
وقال عكرمة: هو قَسَم بانفجار الماء من الجبال؛ قال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] (^٣).
وقيل: هو قَسَم بانفجار الماء من حجر موسى ﵇؛ قال تعالى ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
وقال قتادة: هو قَسَم بانفجار الماء من بين أصابع رسولنا ﵊ (^٤).
_________________
(١) "ثم" من (أ).
(٢) ذكره عنه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٤٧٦). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٩١) عن قتادة.
(٣) ذكره دون نسبة الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٩١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٤٧٦).
(٤) ذكره الكرماني في "غرائب التفسير وعجائب التأويل" (٢/ ١٣٣٧).
[ ١٥ / ٣٣٠ ]
وقيل: هو قسم بانفجار الطُّوفان من السَّماء والأرض في زمن نوح ﵇؛ قال تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢].
وقال الضحَّاك: أقسم بانفجار الدُّموع من عيون العصاة (^١).
وقيل: أقسم بانفجار عيون الجنَّة، قال تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦].
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: قيل: هو قسم بعشر عاشوراء، وهي افتتاح السَّنة، وهو قول ابن عبَّاس (^٢).
وقيل: هو العشر الأواخر من شهر رمضان، وفيها ليلة القدر، وكان (^٣) النَّبيُّ -ﷺ- يجتهد فيها ويقوم في لياليها.
وقيل: هي عشر ذي الحجَّة، وفيها الأيَّام الفاضلة والمناسك.
قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: قال ابن عبَّاس: الشَّفعُ: الخلْقُ، والوتر: الخالق (^٤).
وقرأ حمزة والكسائيُّ بكسر الواو، والباقون بفتحها (^٥)، وهما لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة تميم.
وقال الحسن: الشَّفع: الزَّوج، والوتر: الفرد، من كلِّ عدد (^٦).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٩١) عن يمان بن رئاب.
(٣) في (أ): "ولأن".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٥١) بلفظ: (اللَّه وتر، وأنتم شفع).
(٥) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢).
(٦) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٠٣) بلفظ: (هو العدد مِنْهُ شفع وَمِنْه وتر)، وهكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٩٣)، والماوردي في "تفسيره" (٦/ ٢٦٦)، والواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٤٩٤).
[ ١٥ / ٣٣١ ]
وقال ابن عبَّاس وعكرمة والضَّحَّاك: الشَّفع: يوم النَّحر؛ لأنَّ ما بعده للنَّحر أيضًا، والوتر: يوم عرفة (^١).
وقال ابن الزُّبير: الشَّفع اليومان الأوَّلان من يوم النَّحر، والوتر: اليوم الثَّالث من ذلك (^٢).
وقال عمران بن الحصين: الصلوات المكتوبات، منها شفع ومنها وتر (^٣).
وقال عكرمة في رواية: الشَّفع: العيدان، والوتر: يوم عرفة.
وقيل: الشَّفع: عشر ذي الحجَّة، والوترُ: أيَّام التَّشريق.
وقيل: الشَّفع: أيَّام الدُّنيا، والوتر: يوم القيامة.
وقيل: الشَّفع: ليالي الدُّنيا، والوتر: ليلة القبر (^٤).
وقيل: الشَّفع: كل اللَّيالي، والوتر: ليلة القدر (^٥).
وقيل: الشَّفع: قران الحج والعمرة، والوتر: الحجُّ وحده، أو (^٦) العمرة وحدها.
وقيل: الشَّفع: زيارة بيت اللَّه وزيارة حضرة (^٧) الرَّسول، والوتر: زيارة بيت اللَّه وحده.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٤٩).
(٢) رواه ابن وهب في "جامعه - التفسير" (١٠٧) بلفظ: (الشفع: يومان بعد يوم النحر، والوتر: يوم النفر الآخر، يقول اللَّه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣])، وعزاه بنحو هذا السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٥٠٤) إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٥٩٣).
(٤) في (ر) و(ف): "القدر".
(٥) "وقيل الشفع كل الليالي والوتر ليلة القدر" ليس في (ف).
(٦) في (أ): "و".
(٧) في (أ) و(ر): "حظيرة".
[ ١٥ / ٣٣٢ ]
وقيل: الشَّفع: عرفات والمزدلفة، والوتر: الكعبة.
وقيل: الشَّفع: الصَّفا والمروة، والوتر: البيت.
وقيل: الشَّفع: مسجد مكَّة ومسجد المدينة، والوتر: مسجد بيت المقدس.
وقيل: الشَّفع: الخلفاء الأربعة، والوتر: محمَّد -ﷺ-.
وقيل: الشَّفع أولاد النَّبيِّ -ﷺ- أربعة بنين وأربع بنات، والوتر: نساؤه التِّسع.
وقيل: الشَّفع: الحسن والحسين، والوتر: علي ﵁.
وقيل: الشَّفع: ثمانية أبواب الجنَّة، والوتر: سبعة أبواب النَّار.
وقيل: الشَّفع: الرُّوح والبدن، والوتر: القلب وحده.
وقيل: الشَّفع: جمع القلب بين حبِّ الدُّنيا وحبِّ العُقبى (^١)، والوتر: انفراده بحبِّ المولى.
وقيل: الشَّفع: النِّيَّة والعمل، والوتر: النِّية وحدَها.
وقال عطاء: الشَّفع: السُّنن اثنتا عشرة ركعة، والوتر: الفرائض سبع عشرة ركعة.
وقيل: الشَّفع: الإيمان والعمل، والوتر: الإيمان وحدَه (^٢).
وقال جعفر الصَّادق: الشَّفع: العينان والأذنان واليدان والرِّجلان وكل شفع في البدن، والوتر: القلب وحده.
وقال ابن عبَّاس: الوتر آدم، شُفع بحواء (^٣).
وقال علي: الشَّفع: آدم وحواء، والوتر: ربُّنا تعالى (^٤).
_________________
(١) في (ف): "الآخرة".
(٢) "وحده" ليس في (أ) و(ف).
(٣) ذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٥٢٦)، والواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٤٩١).
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٥٧٧) من طريق الحارث عن علي ﵁.
[ ١٥ / ٣٣٣ ]
وقيل: الشَّفع: الزَّوجان، والوتر: العَزب.
وقال الحسن ومقاتل بن حيَّان ومجاهد: الشَّفع: الخلق، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]، والوتر: اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] (^١).
وقال أبو بكر الورَّاق: الشَّفع: تضادُّ أوصاف المخلوقين، العزّ والذُّل، والقدرة والعجز، والقوَّة والضَّعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى، والسَّمع والصَّمم، وما أشبهها، والوتر: انفراد صفات اللَّه تعالى، عزٌّ بلا ذلٍّ، وقدرةٌ بلا عجز، وقوَّة بلا ضعف، وعلمٌ بلا جهل، وحياةٌ بلا موت (^٢).
* * *
(٤ - ٧) - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾: هو قسمٌ بليلة النَّحر؛ لأنَّه يسري فيه الحاجُّ إلى المزدلفة، ومعناه: يُسْرَى فيه، كما يُقال: ليل نائم؛ أي: يُنام فيه.
وقيل: ﴿يَسْرِ﴾؛ أي: يمضي.
وقيل: هو كلُّ ليلٍ، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾: أي: عقلى، وهو استفهام بمعنى التَّقرير، وجواب هذا القسم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أي: ألم تعلم يا محمَّد علمًا يوازي العيان في الإيقان؟ وهو استفهامٌ بمعنى التَّقرير.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٥١) عن مجاهد وأبي صالح.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٩٣).
[ ١٥ / ٣٣٤ ]
﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾: قالوا: هما عادان: عاد الأولى وعاد الثَّانية، وعاد الأولى هم إرم.
وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ﴾: بدلٌ عنه وترجمة له (^١).
واختلف في طريقه:
قال قتادة: ﴿إِرَمَ﴾: قبيلة من عاد (^٢). فكان في معنى: مررْتُ بقريشٍ بني هاشم منهم.
وقال مجاهد: ﴿إِرَمَ﴾: أمَّة عاد (^٣).
وقال السُّدِّي: هو أبوهم الأكبر (^٤).
وقال معمر: يرجع عاد وثمود إلى إرم، فهو أصلُهم جميعًا (^٥).
وقال الحسن: عاد وإرم اسمان لواحد.
وقال ابن إسحاق: عادُ بن إرَمَ بن عُوصِ بن سَامِ بن نُوح ﵇ (^٦).
فعلى هذا سُمِّي عاد إرم باسم الأب، كما تقول: مررت ببكر بن وائل؛ أي: ببني بكر بن وائل.
ثم إنَّما لم ينوَّن ﴿إِرَمَ﴾ ولم يُصْرَف، وإن كان في الأصل اسمَ رجل؛ لأنَّه صار اسمَ قبيلة، ولذلك أنّث النَّعت (^٧) فقال:
_________________
(١) "له" ليس في (ف).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٤٢٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٢).
(٤) رواه ابن المنذر، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٥٥).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٩٦)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤١٨)، عن الكلبي.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢٦٨).
(٧) في (أ): "الوصف".
[ ١٥ / ٣٣٥ ]
﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: ذا الطَّول (^١).
يقال: رجل مُعَمَّدٌ؛ أي: طويل.
وقال قتادة: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ أي: ذات عُمُد لبيوت الوَبر (^٢). وكانوا ينتقلون بها من مكانٍ إلى مكانٍ للانتجاع.
وقال ابن زيد: ذات إحكام البنيان (^٣).
وقال الضَّحَّاك: ذات القوى الشِّداد (^٤).
وقال الحسن: ذات الأبنية العظام (^٥).
وقال الواقديُّ: كانوا يعالجون العماد، فينصبونه، ثم يبنون فوقه القصور، وكانت تُرى من أرض بعيدة، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨].
* * *
(٨ - ٩) - ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: قيل: هو وصف عاد؛ أي: لم يُخلَق في سائر البلاد مثلُهم في قوَّتهم وطول قامتهم. وكذا قال الحسن (^٦) وقتادة، وقال: قَدُّ أحدهم اتنا عشر ذراعًا وأكثر من ذلك (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٥).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٦٨)، ورواه بمعناه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢٦).
(٥) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ٣٢٢) بلا نسبة، وعنه الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٥٠٣).
(٦) في (أ): "الأخفش".
(٧) رواه عن قتادة الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢٦). وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٦٨) عن الحسن.
[ ١٥ / ٣٣٦ ]
وقيل: هو وصف أبنيتهم، والتَّأنيثُ راجع إلى العماد، وهي جمع عَمَد على هذا التَّأويل.
وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ﴾: قال مجاهد: أي: قطعوا الجبال بيوتًا (^١)؛ كما قال: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤].
﴿بِالْوَادِ﴾: قال الكلبيُّ: بوادي القُرى (^٢).
وقد جاب يجوب جوبًا، وجاب يَجيب جيبًا؛ أي: قطع.
* * *
(١٠ - ١٤) - ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾: قال ابن عبَّاس: أي: ذي الجنود الذين كانوا يشدُّون أمره (^٣).
وقال مجاهد: كان يوتِدُ الأوتاد في أيدي النَّاس (^٤).
وقيل: هي أوتادٌ نصبَها للعذاب، يشدُّ النَّاس إليها يعذِّب بها، وكذا فعل بامرأته، مدَّها إلى أربعة أوتاد، وجعل على صدرها رحًى.
وقال قتادة: هي ملاعبُ كان يَلعب له بها، ويضرب تحتها بالأوتاد (^٥).
وهو عن ابن عبَّاس في رواية (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٦٩).
(٢) ذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٥٧٨)، وذكره الواحدي في "تفسيره" (٢٣/ ٥٠٤) عن مقاتل.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٧١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢٦).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٧١).
(٦) لم أقف عليه.
[ ١٥ / ٣٣٧ ]
وقيل: هي أوتاد خيام عسكره، وكانت في غاية الكثرة.
وقيل ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾؛ أي: ذي المُلْك والرِّجال، قال الشَّاعر:
في ظلِّ مَلِكٍ راسخِ الأوتادِ (^١)
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾: صفة عاد وثمود وفرعون؛ أي: تمرَّدوا في بلادهم.
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾: الكفر والمعاصيَ وظلم النَّاس.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾: مجاز عن إيقاع العذاب بهم، قال الشَّاعر:
وما صَبَّ رِجْلي في حَدِيدِ مجُاشِعٍ مع القَدْرِ إلَّا حاجَةٌ لي أُرِيْدُها (^٢)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ هو كقولهم: طريقُكَ عليَّ، وكقول اللَّه تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
والمرصاد والمَرْصَد: الطَّريق الذي يُرْصَد فيه المارُّ؛ أي: يُرْقَب ويُحْفَظ، ومعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى يحفَظُ كلَّ إنسان وما يعمل، ويجزيه به؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ.
وفي ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قولٌ آخر؛ أنَّه اسم مدينة بناها شدَّاد بن عاد، وتقدير الآية على هذا: كيف فعل ربُّك بإرم شدَّاد بن عاد، وهو تسمية شدَّاد باسم أبيه، وذَكَر إرم بدلًا عنه، كقولك: ضربْتُ زيدًا رأسَه.
_________________
(١) عجز بيت للأسود بن يعفر النهشلي كما "المفضليات" (ص ة ٢١٥)، وفيه: (ثابت الأوتاد)، وصدره: ولقد غَنُوا فيها بأنعَمِ عيشةٍ
(٢) للفرزدق كما في "ديوانه" (١/ ٢١٥).
[ ١٥ / ٣٣٨ ]
ودليله قصَّته، وهي ما أخبر به الشَّيخ الإمام الخطيب أبو محمَّد عطاء [بن] (^١) مالك بن عبد الجبَّار النَّحوي ﵀، قال: أخبرنا الشيخ طاهر بن عبد اللَّه الشاشي (^٢)، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو القاسم الحسن بن محمَّد بن حبيب قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمَّد بن عبد اللَّه الصفَّار الأصفهاني، قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم الأصفهاني (^٣)، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن صالح المصري (^٤)، قال: حدثني ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن وهب بن منبِّه، عن عبد اللَّه بن قِلَابة (^٥): أنَّه خرج في طلب إبلٍ له شردَتْ، فبينما هو في صحارى عدن يطلبُ إبلَه في تلك الفلوات، إذا هو قد وقع على مدينة في تلك الفَلَوات عليها حصنٌ، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طِوال، فلمَّا دنا منها ظنَّ أنَّ فيها أحدًا يسأله عن
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "لسان الميزان" ترجمة الفضل بن علي بن خلف الألمعي الكاشغري، نقلًا عن السمعاني.
(٢) في (ر): "أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم الأصفهاني" بدل: "الشيخ طاهر بن عبد اللَّه الشاشي"، ولعله سبق نظر من الناسخ، فإن المذكور سيرد في السند بعد علَمين.
(٣) في (ف): "الأصبهاني".
(٤) في (أ): "الصرمي"، والصواب المثبت، وهو عبد اللَّه بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني مولاهم، أبو صالح المِصْري كاتب الليث بن سعد. من رجال "التهذيب".
(٥) هذا الخبر رواه بطوله الثعلبي في "تفسيره" (٢٩/ ٣٢٧) (ط: دار التفسير) عن أبي القاسم الحسن بن محمد به، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١٤٩٣) من طريق عبد اللَّه بن صالح به، وذكره مختصرًا الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٧٤٨)، وقال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٨٤): آثار الوضع عليه لائحة. وقال ابن كثير عند هذه الآية: هذه الحكايةُ ليس يَصِحُّ إسنادُها، ولو صحَّ إلى ذلك الأعرابيِّ (يعني عبد اللَّه بن قلابة) فقد يكونُ اختَلَق ذلك، أو أنه أصابه نوعٌ من الهَوَس والخَبَال فاعتَقَد أن ذلك له حقيقةٌ في الخارج، وليس كذلك. وهذا ممَّا يُقْطَع بعَدَم صحته.
[ ١٥ / ٣٣٩ ]
إبله، فإذا لا خارج يخرج من باب حصنها ولا داخل يدخل فيها، فلمَّا رأى ذلك نزل عن ناقته وعَقَلَها، ثم استلَّ سيفَه ودخل من باب الحصن.
فلمَّا خلف (^١) الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم يُرَ في الدُّنيا شيءٌ أعظم منهما ولا أطول، وإذا خشبُهما محمَّرٌ، وفي ذينك البابين نجوم (^٢) من ياقوت أبيض وياقوت أحمر تضيء ذينك البابين فيما بين الحصن والمدينة، فلمَّا رأى ذلك الرَّجل أعجبه وتعاظمه الأمر، ففتح أحد البابين ودخل، فإذا هو بمدينة لم يرَ الرَّاؤون مثلها قطُّ، فإذا هي قصور (^٣) كلُّ قصر تحتَه أعمدة من زبرجد وياقوت، ومن فوق كلِّ قصر منها غرف، ومن فوق الغرف غرفٌ مبنيَّة بالذَّهب والفضَّة واللُّؤلؤ والياقوت والزَّبرجد، وكلُّ مصاريع تلك القصور وتلك الغرف مثل مصراعي باب المدينة، محمَّرٌ كلها مفصصةٌ بالياقوت الأبيض والياقوت الأحمر، مقابَل بعضها ببعض، يُنوَّر بعضُها من بعض، مفروشةٌ تلك القصور كلُّها باللُّؤلؤ وبنادق المسك والزَّعفران.
فلمَّا عاينَ الرَّجل ذلك، ولم يرَ فيها أحدًا، ولا أَثَرَ أحدٍ، وإنما هو شيءٌ مفروغ منه، لم يسكنه أحد، فهاله ذلك وأفزعه، ثم نظر إلى الأزقَّة، فإذا هو بشجرٍ في كلِّ زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار كلُّها، وإذا تحت الأشجار أنهار مطَّردة يجري ماؤها من قنوات من فضَّة، كلُّ قناة منها أشدُّ بياضًا من الشَّمس، تجري كل (^٤) تلك القنوات تحت الأشجار.
فقال الرَّجل: والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ، ما خلقَ اللَّهُ تعالى مثل هذه في الدُّنيا،
_________________
(١) "فلما خلف" كذا في النسخ و"العظمة"، وفي "الثعلبي": (فلما دخل في).
(٢) في (ر): "وفي ذينك البابين فما بين الحصن تخوم".
(٣) في (ف): "هو بقصور".
(٤) "كل" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٥ / ٣٤٠ ]
وإنَّ هذه الجنَّة التي وصفَها اللَّه تعالى، وما بقي ممَّا وصفه اللَّه تعالى شيء إلَّا وهو في هذه المدينة، وهذه (^١) الجنَّة، الحمد للَّه الذي أدخلَنيها، فبينما هو على ذلك يؤامر نفسه [ويتدبَّر رأيه إذ دعته نفسه] (^٢) أن يأخذ من لؤلؤها وياقوتها وزبرجدها، ثم يخرج حتى يأتي بلاده، ثم يرجع إليها، ففعل، فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزَّعفران، فلم يقدِرْ أن يقلَعَ من زبرجدها شيئًا ولا من ياقوتها؛ لأنَّها مثبَّتة في أبوابها وجدرانها، وكان ذلك اللّؤلؤ والبنادق والزَّعفران منثورًا في تلك القصور والغُرَف كلِّها، فأخذ ما أرادَ وخرج حتى أتى ناقتَه وحلَّ عقالها وركبها، ثم سار راجعًا يقفو أثر ناقته، حتى رجع إلى اليمن، وأظهر ما كان معه، وأعلم الناس أمرَه وما كان من قصَّته، وباع بعض تلك (^٣) اللُّؤلؤ، وكان ذلك اللُّؤلؤ قد اصفارَّ وتغيَّر من طول كرور اللَّيالي والأيَّام (^٤) عليها، فلم يزل أمر ذلك الرَّجل ينمي حتَّى بلغ ذلك (^٥) أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، فأرسل رسولًا وكتب إلى صاحب صنعاء يأمره ببعث الرَّجل ليسأله عمَّا كان من أمرِه، فخرج به رسول معاوية من اليمن حتى قدم به الشام، وكان قد أمر (^٦) صاحبُ صنعاء الرَّجلَ أن يأتي معاوية ويَخرج إليه ببعض ما جاء به من متاع تلك المدينة.
فسار الرَّجل ورسول معاوية معه حتى قدم على معاوية، فخلَا به يسائله عمَّا رأى، فقصَّ عليه أمر المدينة وما رأى فيها شيئًا فشيئًا، فأعظم ذلك معاويةُ، وأنكر ما
_________________
(١) "المدينة وهذه" ليس في (أ).
(٢) ما بين معكوفتين من "العظمة".
(٣) "تلك" من (أ).
(٤) في (أ): "كرور الزمان" وفي (ر): "كروب الليالي والأيام".
(٥) "ذلك" من (أ).
(٦) في (أ) و(ر): "وأمر" بدل: "وكان قد أمر".
[ ١٥ / ٣٤١ ]
حدَّثه به، وقال: ما أظنُّ ما تقول حقًّا، فقال الرَّجل: يا أمير المؤمنين، معي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها، قال: ما هو؟ قال: اللُّؤلؤ وبنادق المسك والزَّعفران، فقال معاوية: هاتِ حتَّى أراه، فأراه لؤلؤًا أصفر من أعظم ما يكون من اللُّؤلؤ، وأراه تلك البنادق، وشمَّها معاوية، فلم يجد لها ريحًا، فأمر ببندقة منها حتى دُقَّت، فسطع ريحها مسكًا وزعفرانًا، فصدَّقه عند ذلك معاوية، وقال: كيف لي أن أعلم ما اسم هذه المدينة؟ ومَن بناها؟ ولمن (^١) كانت؟ فواللَّه ما أُعطيَ أحا مثل ما أُعطِيَ سليمان بن داود، وما مَلَك سليمان بن داود مثل هذه المدينة.
فقيل له: ما علمُ هذا عند أحدٍ من أهل الدُّنيا في زماننا إلَّا عند كعب الأحبار، ومثلُ هذه المدينة لا يستطيع هذا الرَّجل دخولها إلَّا أن يكون سبق في الكتاب دخولُه إيَّاها، فابعَثْ إلى كعبٍ فإنَّه ليس على وجه الأرض أحدٌ اليوم أعلم منه، ولا شيء مضى في الدَّهر ولا يكون بعد اليوم إلَّا وهو في التَّوراة مفسَّر، فليبعَثْ إليه أمير المؤمنين، فإنَّه سيجد خبرَها عنده.
فأرسل معاويةُ إلى كعبٍ ﵀، فلمَّا أتاه قال له: يا أبا إسحاق، إنِّي دعوتُكَ لأمرٍ رجوْتُ أن يكون عندَكَ علمُه، فقال: على الخبير سقطْتَ، فسلني عمَّا بدا لك، فقال: هل بلغَكَ أنَّ في الدُّنيا مدينةٌ مبنيَّةٌ بذهب وفضَّة، وعمدها زبرجدٌ وياقوت، وحصباءُ (^٢) قصورها وغرفها اللُّؤلؤ، وأنهارها في الأزقَّة تحت الأشجار؟
فقال: والذي نفسُ كعبٍ (^٣) بيدِه، لقد ظننْتُ أنِّي سأتوسَّد يميني قبل أن يسألني أحدٌ عن تلك المدينة، وما فيها، ولمن هي؟ ولكن أخبرُكَ بها، أَمَا إنّها حَقٌّ على ما
_________________
(١) في (أ) و(ر): "وإن".
(٢) في (ف): "وحصى".
(٣) في (أ): "محمد".
[ ١٥ / ٣٤٢ ]
بلغَكَ، وأمَّا صاحبُها الذي بناها فشدَّاد بن عاد، وأمَّا المدينة فهي إرم ذات العماد التي وصفَها اللَّه تعالى في كتابه المنزَّل على محمَّد -ﷺ-: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.
فقال معاوية: حدِّثنا بحديثِها رحمَك اللَّه.
فقال: إنَّ عادًا الأولى ليسَ عادَ قومِ هودٍ، ولكنْ عادٌ الأولى إنما هود وقوم هود ولدُ ذلك، وكان عادٌ له ابنان: شديد وشدَّاد، فهلك عادٌ، وبقَيا وتجبَّرا ومَلَكا وقَهَرا العباد عنوة، حتى دان لهما جميع النَّاس، ولم يبقَ في المشرق والمغرب أحدٌ إلَّا وهو في طاعتهما، ثمَّ ماتَ شديدٌ، وبقي شدَّاد، فملَكَ وحدَه، ولم ينازِعْه أحدٌ.
وكان مُوْلعًا بقراءة الكتب الأولى الغائبة (^١)، وكلَّما مَرَّ فيه بذكر الجنَّة وما سمع ممَّا هو فيها من البنيان والياقوت واللُّؤلؤ دعَتْه نفسُه إلى أن يفعل لنفسه (^٢) تلك الصِّفة في الدُّنيا؛ عُتُوًّا على اللَّه، فلمَّا وَقَرَ ذلك في قلبِه أمر بصنعةِ تلك المدينة، فأمَّر على صنعتها مئة قهرمان، مع كل قهرمان ألفٌ (^٣) من الأعوان.
ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها، واعملوا لي فيها مدينة من ذهبٍ وفضَّة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، تحت المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصورٌ، ومن فوق القصور غرفٌ، واغرِسوا تحت تلك القصور في أزقَّتها أصنافَ الثِّمار كلِّها، وأَجْروا فيها الأنهار حتى تكون تحت الأشجار؛ فإنِّي أسمع في الكتب صفة الجنَّة، وإنِّي أحبُّ أن أجعل مثلها في الدُّنيا، وأتعجَّل سكناها.
_________________
(١) "الغائبة" من (أ) و(ف)، وفي "العظمة": (الفانية)، وليست عند الثعلبي.
(٢) "لنفسه" من (ف). وفي "العظمة": (دعته نفسه أن يقلد).
(٣) في (ف): "مئة ألف"، والمثبت من باقي النسخ والمصدرين المذكورين.
[ ١٥ / ٣٤٣ ]
فقال له قهارمتُه (^١): فكيف لنا أن نقدر على ما وصفْتَ لنا من الزَّبرجد والياقوت والذَّهب واللُّؤلؤ والفضَّة نبني منه (^٢) مدينة من المدائن؟
فقال لهم: ألستم تعلمون أنَّ مُلْكَ الدُّنيا كلَّها بيدي؟ قالوا: بلى.
قال: فانطلقوا إلى كلِّ شيء في الدُّنيا من معادن الزَّبَرجد والياقوت، أو بحر فيه لؤلؤ أو معدن ذهبٍ أو فضَّة، ووكِّلوا به من كلِّ قوم رجلًا يُخْرِج لكم ما كان في كلِّ معدن، ثم انطلِقوا فانظروا إلى ما كان (^٣) في أيدي النَّاس من ذلك فخذوه، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن، فإنَّ معادن الدنيا أكثر من ذلك.
فانطلَقوا وكتبوا (^٤) فيه إلى كلِّ ملكٍ في الدُّنيا يأمرُه أن يجمع له ما في بلاده من جواهرها، ويحفظ (^٥) معادنها، وبعثوا إلى كلِّ ملك كتابًا.
فأخذ كلُّ ملك ما يجدُه في ملكه عشر سنين حتى يبعثَ إلى فَعَلَةِ إرم ذات العماد بما (^٦) قِبَله من ذلك، وأخذ الفَعَلَةُ في طلبِهم له مواضعَ كما أرادَ ووصَفَه لهم، وكان تحت يده مئتان وستُّون مَلِكًا.
وخرجَ الفَعَلَة والقهارمة فتبدَّدوا في الصحارى ليجدوا ما يوافِقُه، فلم يجدوا ذلك عشر سنين، حتَّى وقفوا على صحراء عظيمة نقيَّة من الجبال والتِّلال، ذات
_________________
(١) في (أ): "قادته".
(٢) "منه" من (ف).
(٣) في (أ): "هو".
(٤) كذا في النسخ: "وكتبوا"، وفي المصدرين المذكورين: (وكتب).
(٥) "ويحفظ" ليس في (ف).
(٦) في (أ): "فيما"، وفي (ر): "ما".
[ ١٥ / ٣٤٤ ]
عيون (^١) مطَّردة، فقالوا: هذه صفة إرم التي أمرنا بها، فعمدوا فأخذوا بقدر الذي أمرهم من العرض والطُّول، ثم جعلوا ذلك حدودًا محدودة، ثم عمدوا إلى مواضع الأزقَّة التي فيها الحدود، فأجروا فيها قنواتٍ لتلك الأنهار، ثم وضعوا [الأساس] (^٢) من صخور الجزَع اليماني، وجعلوا طين ذلك الأساس من مسكٍ وزعفران، فلمَّا فرغوا من الأساس، وأجروا من القنوات، أرسل الملوك إليهم بالزَّبرجد والياقوت واللُّؤلؤ والجواهر والذَّهب والفضَّة، وكلُّ مَلِكٍ عمل ما كان في معدنه، فمنهم مَن بعث بالعُمُد مفروغًا منها، ومنهم من بعث بالذَّهب والفضَّة مصوغًا مفروغًا منه، فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها في ثلاث مئة سنة، وكان عمره تسعَ مئة سنة، ولَمَّا أتَوه وأخبروه بفراغهم من بنائها (^٣) قال: انطلقوا فاجعلوا عليها حصنًا، واجعلوا حوالي (^٤) الحصن ألف قصر، عند كلِّ قصر ألفُ عَلَم، يكون في كلِّ قصر من تلك القصور وزرائي، ويكون فوق كلِّ علَم منها ناطور.
قال: فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحُصُن، ثم أتوه وأخبروه بالفراغ ممَّا أمرهم به، فأمر ألف وزير من أهل خاصَّته ومَن يثق به أن يتهيَّؤوا للنّقْلة إلى إرم ذات العماد، فأمر لتلك الأعلام برجال ليَسكنوها ويقيموا فيها ليلهم ونهارهم، وأمر لهم بالعطايا والأرزاق والجهاز إلى تلك الأعلام، وأمر مَن أراد من نسائه وخدمه بالجهاز إلى إرم ذات العماد، وأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين، فسار إليها الملك فيمَن أراد، وخلَّف من قومة في عدن أبين والشَّجر أكثر ممَّا سار به.
_________________
(١) في (أ): "فإذا هم"، وفي (ف): "فإذا هم بعيون"، بدل: "ذات عيون".
(٢) ما بين معكوفتين من "العظمة"، وعند الثعلبي: (أساسها).
(٣) في (أ) و(ف): "منها".
(٤) في (أ): "حول".
[ ١٥ / ٣٤٥ ]
فلمَّا استقلَّ وسار اليها ليسكنها وبلغها إلَّا مسيرةَ يوم وليلة، بعثَ اللَّهُ تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من السَّماء فأهلكتهم جميعًا، ولم يبقَ منهم أحدٌ، ولم يدخل هو إرمَ ولا مَن كان معه، ولم يقدر على [أن يدخلها] (^١) أحد منهم حتى السَّاعة.
فهذه صفة إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك هذا يا أمير المؤمنين، ويَرى ما فيها، ويحدِّثُ بما فيها، ولا يُصدَّق.
قال: نعم يا أبا إسحاق، وهل تصفُه لنا؟
قال: نعم، هو رجل أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عنقه خال، يخرج ذلك الرَّجل في طلب إبل له في تلك الصَّحارى، فيقع على إرم ذات العماد، فيدخلها ويحمل ممَّا (^٢) فيها، والرَّجل جالسٌ عندك يا أمير المؤمنين، فالتفَتَ فرأى الرَّجل. فقال: هذا ذاك الرَّجل، قد دخلَها، فسَلْه عمَّا حدَّثتك به.
فقال معاوية ﵁: يا أبا إسحاق، إنَّ هذا من خدمي ولم يبارحني.
فقال: قد دخلَها، وإلَّا فسيدخُلها، وسيدخلها أهل هذا الدِّين في آخر الزَّمان.
فقال معاوية: لقد فضلَكَ اللَّهُ يا أبا إسحاق على غيرك من العلماء، ولقد أُعطيْتَ من علم الأوَّلين والآخرين مالم يُعْطَ أحدٌ.
قال كعب ﵁: والذي نفسُ كعبٍ بيده، ما خلقَ اللَّه شيئًا إلَّا فسَّره في التَّوراة لعبده موسى ﵇ مفسَّرًا (^٣).
_________________
(١) ما بين معكوفتين من "العظمة"، ووقع في النسخ: "يقدروا" بدل: (يقدر).
(٢) في (ف): "ويرى ما" بدل: "ويحمل مما".
(٣) هنا آخر الخبر.
[ ١٥ / ٣٤٦ ]
وفي بعض التَّفاسير: أنَّ شدَّاد بن عاد مات من الجوع؛ لأنَّه اعتلَّ بعلَّة منعَتْه من الأكل والشُّرب حتى مات.
* * *
(١٥ - ١٨) - ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾: قال ابنُ جريج: هو أميَّة بن خلف، قتله بلال يوم بدر.
﴿ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾؛ أي: امتحنه بالإنعام عليه والتَّوسعة في دنياه؛ ليتعبَّده بالشُّكر.
﴿فَأَكْرَمَهُ﴾: بالأموال والأولاد ﴿وَنَعَّمَهُ﴾: ربَّاه ناعمًا.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾: أي: إنَّ لي عنده منزلةً، ولديه كرامة، فلهذا أفضل (^١) عليَّ.
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾: امتحنه بالضِّيق ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾؛ أي: ضَيَّقَ عليه ليتعبَّده بالصَّبر.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: أي: هنْتُ على ربِّي فلذلك أذلَّني بالفقر.
أي: هذا حالُ الإنسان الذي لا يَعرف إلَّا الدُّنيا، فيرى الكرامة في وجودِها، والهوانَ في عدمِها.
﴿كَلَّا﴾: ليس كما يقول، بل الكرامة في الطَّاعة، والهوان في المعصية.
﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾: قال الحسن: كلَّا، لم أُهِنْكَ أنْ قَدَرْتُ عليك رزقَكَ، ولكنْ أهنْتُكَ بأنَّك كنْتَ في الدُّنيا لا تكرم اليتيم (^٢). وهو للجنس.
_________________
(١) في (ف): "تفضل".
(٢) رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٠٩).
[ ١٥ / ٣٤٧ ]
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: أي: لا تحثُّون، ولا تحرِّضون على إطعام المساكين، و﴿الْمِسْكِينِ﴾ جنس.
* * *
(١٩ - ٢١) - ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾.
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾: أي: الميراث (^١)، وأصله: الوُرَاث، صُيِّرَت الواو تاءً، كما في التُّجَاه والتُّكَأة والتُّهَمة.
ومعناه: يأكلون تراث اليتيم الذي يَلُونه، والمراد من الأكل: إتلافُه في وجوه الحوائج، وخصَّ الأكل لأنَّه هو المقصود الأعظم بالمال.
﴿أَكْلًا لَمًّا﴾؛ أي: شديدًا، وقيل: أي: كثيرًا.
وأصله الضَّمُّ والجمع؛ أي: يجمعون كلَّه في الأكل.
وقال قطرب: أي: لفًّا.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾: أي: كثيرًا، وهو نعت الحبِّ.
وقيل: هو حال ﴿الْمَالَ﴾؛ أي: حالَ (^٢) كثرته.
وقر أ أبو عمرو: ﴿يكرمون﴾، ﴿ويحضُّون﴾، ﴿ويأكلون﴾، ﴿ويحبون﴾ كلَّهنَّ بياء المغايبة ردًّا إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ﴾، وهو جنس أريد به الجمع.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي كلهنَّ بتاء المخاطبة للمشركين.
_________________
(١) "أي: الميراث" من (ف).
(٢) في (ر): "بعد".
[ ١٥ / ٣٤٨ ]
وقرأ عاصم بالتَّاء أيضًا على الخطاب، و﴿تَحَاضُّونَ﴾ بالألف (^١)؛ أي: لا يحضُّ بعضُكم بعضًا على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾: أي: ما ينبغي أن يكون هكذا.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾: أي: دُقَّتْ. وقيل: أي: سُوِّيَتْ، من قولهم: ناقة دَكَّاءُ؛ أي: مستوية الظَّهر.
﴿دَكًّا دَكًّا﴾: التَّكرار للتَّأكيد والتَّقرير.
وقيل: أي: دكًّا بعدَ دَكٍّ، وهو كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤].
وقيل: معناه: تزلزلت (^٢)؛ لأنَّ الدَّقَّ والتَّسوية يقع بها، وقد قال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١].
* * *
(٢٢ - ٢٤) - ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: أي: ملائكة ربك بأمره (^٣)، وقيل: أي: عذابُ ربك.
﴿وَالْمَلَكُ﴾: أي: الملائكة.
﴿صَفًّا صَفًّا﴾: أي: صفًّا بعد صفٍّ، أهلُ كلِّ سماءٍ صفٌّ على حِدَة.
_________________
(١) انظر: "السبحة" (ص: ٦٨٥)، و"التيسير" (ص: ٢٢٢). وقرأ حمزة والكسائي مثل عاصم: ﴿تَحَاضُّونَ﴾.
(٢) في (ف): "زلزلت" وفي (ر): "زلزلت الأرض".
(٣) كذا قال، وفيه نظر؛ لأنه ذكر الملائكة بعده، ففي تفسيره بمجيء الملائكة تكرار ينزه عنه كتاب اللَّه.
[ ١٥ / ٣٤٩ ]
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾: قال أبو سعيد الخدريُّ: لَمَّا نزلَتِ الآية تغيَّر لونُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، وعُرِفَ في وجهِهِ حتَّى اشتدَّ على أصحابه ما رأَوا من حالِه، فانطلقوا إلى عليٍّ ﵁، وقالوا له: قد حدث أمرٌ قد رأيناه في نبيِّ اللَّه -ﷺ-، فجاء عليٌّ ﵁، فاحتضنَه من خلفِه، ثم قبَّل ما بين عاتِقَيْه، وقال: بأبي أنت وأمي، ما الذي حدث اليوم؟ فقال: "جاء جبريل فأقرأني هذه الآية: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ (^١) "، قال: فكيف يُجاءُ بها؟ قال: "يجِيءُ بها سبعون ألف مَلَكٍ، يقودونها بسبعين ألف زمام، فتَشْرُدُ شَرْدَةً لو تُرِكَتْ لأحرَقَتْ أهلَ الجَمْعِ، ثم تَعْرِضُ لي جهنَّم فتقول: يا محمَّد، لقد حرَّم اللَّه لحمك عليَّ (^٢)، فلا يبقى أحدٌ إلَّا يقول: نفسي نفسي، وإنَّ محمَّدًا يقول: أمَتي أمَتي" (^٣).
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ﴾: أي: يتَّعظُ هذا ﴿الْإِنْسَانُ﴾ الذي كان همُّه الدُّنيا.
﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾: أي: ومن أينَ له نفعُ الاتِّعاظ؟
_________________
(١) في (أ) و(ف): "هذه الآية كلها: إذا دكت الأرض دكًا"، وفي (ر): "هذه الآية: وجيء بجهنم"، والمثبت من "تفسير الثعلبي".
(٢) في (ر): "على النار".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠١ - ٢٠٢)، وعنه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٨٥)، ورواه ابن أبي حاتم كما في "التخويف من النار" لابن رجب (ص: ٢٢٤)، وقال ابن رجب: عبيد اللَّه بن الوليد الوصافي شيخ صالح لا يَحفظ، فكثرت المناكير في حديثه. وروى مسلم (٢٨٤٢) من حديث عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".
[ ١٥ / ٣٥٠ ]
وقال الحسن: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾؛ أي: يتوب (^١)، وفي رواية عنه قال: يؤمن (^٢).
وقال مقاتل: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾: هو أميَّة بن خلف (^٣).
﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾: أي: يا ليتني قدمت في (^٤) الدُّنيا التي كانت حياتي فيها منقطعةً فانيةً لحياتي هذه التي هي باقيةٌ دائمة؛ أي: قدَّمْتُ عملًا صالحًا يُنالُ به الثَّواب، ويُخلَص به من العذاب.
وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية قال: هناك حياة طويلة فاعملوا لها (^٥).
* * *
(٢٥ - ٣٠) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾: قرأ الكسائيُّ: ﴿يُعَذِّبُ﴾ بفتح الذَّال ﴿وَلَا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ بفتح الثَّاء، والباقون بكسرها (^٦).
ومعنى قراءة الفتح: ﴿لَا يُعَذِّبُ﴾ أحدٌ في الآخرة كعذاب أميَّة بن خلف، ويجوز أن يكون مخصوصًا بعذابٍ لا يكون ذلك لغيره، ﴿وَلَا يُوْثَقُ﴾ أحدٌ؛ أي: لا يُشَدُّ بالسَّلاسل والأغلال كما يُشَدُّ هو.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢٩) عن الضحاك. وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ٢٤٥) عن الحسن، لكن في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]، ثم نقل بعده عن الفراء: ومثله قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾.
(٢) لم أجده.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٦٩١).
(٤) في (أ): "في حياتي".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٩١).
(٦) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢).
[ ١٥ / ٣٥١ ]
وقيل: أي: لا يقوم مقامَه أحدٌ في التَّعذيب والتَّقييد فداءً عنه.
وقراءة الكسر: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ﴾ أحدٌ أحدًا عذابَ اللَّهِ؛ أي: لا يكون التَّعذيب إلَّا منه، وقد انقطعَتْ تصرُّفات ملوك الدُّنيا، والأمر يومئذ للَّه.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: ثم ذكر حالَ مَن يخالف حال المذكور أوَّلًا، وهي النَّفس المطمئنة المنقادة لأمر ربِّها الواثقةُ بوعده.
وقيل: هو أمرٌ بصيغة إخبار بحقيقته، كقولهم: "إذا لم تستحيِ فاصنعْ ما شئْتَ" (^١)، وفي القرآن: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]، ومعناه: أنَّ النَّفس المطمئنة يكون حالها كذا.
وقيل: هو على حقيقته، ومعناه: أنَّه يُقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾.
﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾: أي: إلى ثواب ربِّك.
﴿رَاضِيَةً﴾: من اللَّه بما أُعْطِيْتِ.
﴿مَرْضِيَّةً﴾: عند اللَّه بما عمِلْتِ.
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾: قال أبو عبيدة: أي: مع عبادي، وبين عبادي (^٢)، وهم خواصِّي (^٣)، كما قال خبرًا: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٢٠) من حديث أبي مسعود البدري، ولفظه: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
(٢) "وبين عبادي" ليس في (ف).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٤) عن مقاتل والقرظي وأبي عبيدة، ولفظه: "يعني مع عبادي جنّتي، في معنى الآية تقديم وتأخير". وروى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥١٥) عن السدي: ﴿فِي عِبَادِي﴾: مع عبادي.
[ ١٥ / ٣٥٢ ]
وقرأ ابن عبَّاس: (فادخلي في عَبْدِي) (^١)؛ أي: يا أيَّتها الرُّوح ادخلي في جسد عبدي ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
وقال مجاهد: ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: المخبتة الموقنة بلقاء اللَّه تعالى (^٢).
وقال قتادة: هي التي أعطاها اللَّه تعالى كتابَها بيمينها، وبيَّضَ وجهَها، فاطمأنَّتْ بذلك وآمنَتْ (^٣).
وقيل: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بذكر اللَّه تعالى، كما قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وقيل: هذا خطاب للرُّوح عند الموت، يخاطبها اللَّه تعالى بذلك، فتخرج على سهولة وراحة.
وروى صالح بن حيَّان عن بريدة قال: يعني نفسَ حمزة بن عبد المطَّلب يوم أُحُد حين استُشهد، فلم تزل عند ربِّ العالمين في كرامة حتى يردَّها إلى جسد حمزة يوم القيامة (^٤).
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ١٧٤)، "المحتسب" لابن جني (٢/ ٣٦٠). ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٩٩)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٩٣) بلفظ: "هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد اللَّه". وذكر الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٠٢) نحوه عن الكلبي وأبي روق، قالا: "هي التي يبيّض اللَّه وجهها ويعطيها كتابها بيمينها فعند ذلك تطمئن".
(٤) رواه مختصرًا بذكر نفس حمزةَ: ابنُ المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥١٤).
[ ١٥ / ٣٥٣ ]