بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، الرحمنِ الذي له الملكُ الحقُّ يوم القيامة وكان يومًا على الكافرين عسيرًا، الرحيمِ الذي جعل في السَّماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة الفرقان بعثه اللَّه يوم القيامة وهو موقنٌ أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأُدخل الجنةَ بغير نَصَب" (^١)، يعني: الإعياء (^٢).
وسورة الفرقان مكية، وهي سبعٌ وسبعون آية (^٣)، وثماني مئة وثلاثٌ وتسعون (^٤) كلمة، وثلاثة آلاف وسبع مئة وستة (^٥) وسبعون حرفًا.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٢٢)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٨٨٥)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) "يعني الإعياء" ليس في (ف).
(٣) وقد نقل أبو عمرو الداني الإجماع عليه. انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ١٩٤).
(٤) في (ر) و(ف): "وسبعون". وفي "البيان في عد آي القرآن" (ص: ١٩٤)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ١٢٢): (واثنتان وتسعون).
(٥) "وستة" ليست في (أ). وفي المصدرين السابقين: (ثلاثة آلاف وسبع مئة وثلاثة وثمانون حرفًا).
[ ١١ / ١٨٧ ]
وانتظامُ أولِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال في ختم تلك السورة: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال في افتتاح هذه السورة: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وانتظام السورتين: أن تلك السورةَ في معرفة اللَّه وصفاته، وذكرِ الكفر وبطلانه، وبيان العبادة والمعاملة والوعدِ والوعيد، وهذه السورة كذلك، إلا أن تلك ذكرُ المعاملة فيها (^١) أكثرُ لأنها مدنية، وبيان التوحيد في هذه السورة أكثر لأنها مكية.
* * *
(١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾: قيل: عَظُم، وقيل: تعالى، وقيل: كَثُر خيرُه، وقيل: دام بِرُّه، وقيل: تبارك اسمُه.
الذي أوحَى القرآن ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾: أي (^٢): إلى عبده المصطفى محمدٍ.
﴿لِيَكُونَ﴾ اللَّه، وقيل: ليكون عبده، وقيل: ليكون الفرقان.
﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: لأهل الدنيا كلها، وقيل: للقرون كلها إلى يوم القيامة ﴿نَذِيرًا﴾ مخوِّفًا بالقيامة وما فيها لمن خالفه.
* * *
(٢) - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: على الخُلوص، هو الذي خلقهما فلا شريكَ له فيهما.
_________________
(١) في (ف): "في تلك السورة".
(٢) "على عبده أي" من (ف).
[ ١١ / ١٨٨ ]
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: كما تقول اليهود: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والنصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ومشركو العرب: الملائكة بنات اللَّه.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: كما يقوله المشركون: إن الأصنام آلهة.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: وحده، لا كما تقوله المجوس والثَّنويةُ: من النور والظلمة، ويَزْدانَ وأَهرَمَن (^١)، والمعتزلةُ: أن الأفعال مخلوقة العباد.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: أي: هيَّاه على ما أراد، لم يمتنِع عليه شيءٌ، ولم يتغير إلى زيادة ونقصان.
أي: فوحِّدوه وأطيعوه، فهو المنفرد بالألوهية والربوبية، والملك والخلق، والتقدير والتدبير، ولا تكونوا كالمشركين، وهم الذين ذكرهم من بعدُ، وهو قوله:
* * *
(٣) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾: أي: وجعل المشركون لأنفسهم سوى اللَّهِ آلهةً من الأصنام يعظِّمونها ويحبونها وهي جمادٌ لا قدرة لها، فجُمع ﴿يُخْلَقُونَ﴾ و﴿يُخْلَقُونَ﴾ و﴿يَمْلِكُونَ﴾ (^٢). . . . . .
_________________
(١) قالوا: إن اللَّه -تعالى- وإبليس أخوان، فاللَّه -تعالى- خلق الناس والدواب والأنعام وكل خير، ويعبرون عن اللَّه بيزدان، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب وكل شر، ويعبرون عن إبليس بأهرمن. انظر: "جامع البيان" للإيجي (١/ ٥٦٣).
(٢) "ويملكون" من (أ)، وفي (ف): "ولا يملكون".
[ ١١ / ١٨٩ ]
بالواو والنون وهو فعلُ الجماد؛ لأنَّهم اعتقدوها آلهةً (^١) عالمةً قادرة.
وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أنْ (^٢) يدفعوه عن أنفسهم ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ يجرُّونه إليها ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ إماتة أحدٍ، ولا إبقاءَه حيًّا، ولا إنشاءه بعد موته، واللَّه تعالى يقدر على ذلك كلِّه.
وقيل -وهو الصحيح-: دخل في ذلك الملائكةُ والأنبياء، ولذلك جمَع أفعالَهم بالواو والنون، ويدل عليه ما ذكر بعده: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧]، وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾؛ أي: لا يملكون ذلك بأنفسهم بل بتمليك اللَّه ﷻ.
* * *
(٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾: أي: ما هذا الذي جاء به محمد الذي يزعُم أنه من عند اللَّه إلا كذبٌ اختلَقه واخترعه من عند نفسه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾: قال مجاهد: أي: اليهود.
وقال الحسن: أي: عبدٌ حبشيٌّ كان لابن الحضرمي (^٣)، وكان كاهنًا في الجاهلية.
وقيل: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على اختلاقه ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قرؤوا الكتب المتقدِّمة وأقاصيصَ الأولين. وقال اللَّه تعالى في ردِّهم:
_________________
(١) "آلهة" ليست في (أ).
(٢) في (ر): "أي"، وفي (ف): "أي لن".
(٣) ذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٤٦٦).
[ ١١ / ١٩٠ ]
﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾: أي: أتَوا جَورًا (^١) وكذبًا، ووضعوا التكذيب غيرَ موضعه.
وقيل: هو من كلام المشركين في صفة النبيِّ -ﷺ- والقومِ الآخرين (^٢)؛ أي: جاؤوا بكلامٍ هو ظلمٌ وزورٌ، والزُّور: القول المائل عن القصد.
* * *
(٥) - ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: هو أقاصيصُ المتقدِّمين وما سطَروه؛ قاله النضر بن الحارث، وهو عن ابن عباس ﵄ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ﴾: أي: كتبها محمد عن اليهود وغيرهم.
ويقال: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ أي: كتبها من ذاته.
وقيل: معناه: طلب كتابتها من غيره.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: أي: طرفي النهار، فيحفظ ما يُملى عليه ثم يَتلُوه علينا.
* * *
(٦) - ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يعني: أن القرآن لمَّا كان مشتمِلًا على علمِ كثيرٍ من الغيوب التي يستحيل في مجرى العادات أن يعلَمها محمد من غيرِ تعليم، دلَّ ذلك على أنه مِن عندِ مَن يَعلم الغيوب وهو اللَّه تعالى، ولو كان
_________________
(١) في (أ): "زورًا".
(٢) في (أ): "الآخرون".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٠٠).
[ ١١ / ١٩١ ]
مأخوذًا من اليهود لم يزد على ما في كتبهم، ولو اختلقه من عند نفسه لأَمْكَنهم مثلُه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يستر على عباده ذنوبَهم، ويرحمُهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، ويُعْذِر إليهم بإقامة البراهين ومواتَرة المرسَلين (^١).
وقيل: عنوا بقولهم: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾: عداسًا مولى حُوَيطبِ بن عبد العُزَّى، ويسارًا مولى عامر بن الحضرمي، وجبرًا مولى عبد اللَّه بن الحضرمي، وأبا فكيهة (^٢).
وقيل في قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: أحاديث رستم وأسفنديار.
وقال ابن عباس ﵄: نزلت في النضر بن الحارث ثماني آيات فيها ذكر أساطير الأولين، قام يومًا وقصَّ قِصصَ رستمَ وأسفنديار وملوكَ فارس، وقال: ما محمدٌ بأحسنَ حديثًا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين (^٣).
* * *
(٧) - ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾: أي: وقال هؤلاء المشركون: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول، أطلقوا له الاسم إما استهزاء أو بناءً على زعمه ﴿يَأْكُلُ
_________________
(١) في (أ) و(ف): "ومؤاثرة المسلمين"، وفي (ر): "ومؤاثرا المسلمين".
(٢) قوله: "وأبا فكيهة" فيه نظر، فإن أبا فكيهة هو يسار نفسه، كما ذكر الذين أوردوا هذا الخبر، وهو مذكور أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. انظر: "تفسير مقاتل" (٢/ ٤٨٧)، و"تفسير السمعاني" (٣/ ٢٠٢)، و"تفسير البغوي" (٥/ ٤٤)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (٤/ ٨٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٠٠).
[ ١١ / ١٩٢ ]
الطَّعَامَ﴾ كما تأكل البشر، ويخرج منه كما يخرج من البشر، أنكروا أن يكون البشر رسولًا؛ كما قالوا: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤].
﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كما يمشي الناس، فأي فضل له علينا؟!
وقيل: عنَوا به طلبَ المعاش لفقره.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾: أي: هلَّا أنزل على محمد ملكٌ ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾؛ أي: نبيا معه ينذر كما ينذر هو، فيكونَ إنذار الملك معه تصديقًا له وشهادةً على نبوته.
* * *
(٨) - ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾: أي: ينزل عليه من السماء كنزٌ فيقسمه بيننا.
وقيل (^١): ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ من الأرض فيستغنيَ به، فإنه إنما يَفعل ما يفعل طلبًا للدنيا والرياسة.
قوله: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾: أي: بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ويَتمتَّع (^٢) بنعيمها؛ أي (^٣): لا ينبغي أن يكون الفقير نبيًّا.
_________________
(١) "وقيل" من (أ).
(٢) في (أ): "ويتسع"، وفي (ر): "ويشبع".
(٣) في (أ): "يعنون".
[ ١١ / ١٩٣ ]
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نأْكُلُ﴾ بالنون (^١)؛ أي: نشبع نحن في نعمته (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾: أي: هؤلاء المشركون ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾؛ أي ما تتَّبعون أيها المؤمنون ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ سحرته الشياطين فهو لا يعقل ما يقول، ولو كان عاقلًا لم يَدَّعِ أنه رسول وهو ممن يأكل ويتحدَّث ويتردَّد في الطرق، لا ملَكَ يصدِّقه ولا دنيا يَتَّسع فيها.
وقيل في قوله: ﴿مَسْحُورًا﴾: أي: يخيَّل إليه الشيطانُ ملكًا، وكلامُ الشيطان وحيًا.
* * *
(٩) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: وصفوا لك الأشباه من المفترِي والمملَى عليه والمسحورِ ﴿فَضَلُّوا﴾؛ أي: تحيَّروا ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؛ أي: فلا يجدون لقولهم نفاذًا إلى شيء يَستقرُّ عليه.
وقيل: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؛ أي: إلى إبانة ما يكون قدحًا فيك.
* * *
(١٠) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: تعالى وتقدَّس اللَّه الذي إن شاء جعلَ لك خيرًا من الجنة الواحدة التي قالوها، والكنزِ الذي ذكروه:
_________________
(١) انظر "السبعة" (ص: ٤٦٢)، و"التيسير" (ص: ١٦٣).
(٢) في (أ): "أي نحن نتوسع في نعيمه".
[ ١١ / ١٩٤ ]
﴿جَنَّاتٍ﴾: أي بساتين في الدنيا كثيرةً ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: تمر في أصول أشجارها المياه في أنهارها.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾: تسكنها، وهي المساكن الكبار العالية كما قد آتى سليمانَ وغيرَه، وهو قادر على ذلك لكنْ لا موضعَ للتعظيم بالدنيا والتكثيرِ (^١) بزهرتها، والتقلُّلُ منها أَلْيَقُ برتبة النبوة (^٢).
وقيل: يجعل لك جناتٍ وقصورًا في الجنة، وتعليق ذلك بالمشيئة لبيانِ أنه تفضُّل (^٣) من اللَّه تعالى لا واجب عليه.
وقيل: معناه: إذ شاء، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أي: إذ كُنتم.
* * *
(١١) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾: في أوله إضمار؛ أي: ما كذَّبوك لأنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق وليس لك كنز ولا جنةٌ ولم ينزل معك ملكٌ، لكنهم يكذِّبون بالقيامة وما فيها من الجزاء، فركَنوا إلى الدنيا واستثقلوا ما جئتَهم به من الشرائع لتكذيبهم بالثواب والعقاب.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾: أي: وقد أعدَدْنا لمن جحد بها نارًا تستعِر فيهم (^٤).
_________________
(١) في (ر): "والتكثر بها".
(٢) في (ف): "بزينة النبوة" وفي (ر): "بزينة النبوية".
(٣) في (ر): "بفضل".
(٤) في (ر) و(ف): "تسعرهم".
[ ١١ / ١٩٥ ]
وقال ابن عباس ﵄: إن أبا جهل لعنه اللَّه جمع الملأ من قريش في الحِجْر ثم أرسل إلى (^١) رسول اللَّه -ﷺ- فقال: أنت ابنُ أخينا وابنُ عمنا ومن أشرافنا، ولكنك فقير عائل، وقد علمنا أن اللَّه -تعالى- غني (^٢) جليل، وكان حقَّك أن تغيِّر من حالك، ثم مع ذلك إنك تمرضُ كما نمرض، ويصيبك البلاء (^٣) والمصائب كما تُصيبنا، وتأكل الطعام وتمشي في الأسواق كما نأكل ونمشي، فنزلت الآية (^٤).
وقيل: الذي قال: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ عبد اللَّه بن أبي أمية المخزومي.
* * *
(١٢) - ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: قيل: من مسيرةِ مئة سنة، وقيل: خمسِ مئة سنة.
قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: قيل: أي: إذا ظهرت لهم.
وقيل: أي: حاذَتْهم وقابلتْهم، والعرب تقول: إذا رآك الجبل فخذ عن يمينك؛ أي: إذا حاذاك، ويقال: دور بني فلان تتناظر، ويقال أيضًا: تتراءى؛ أي: تتحاذى.
وقيل: هي مبالغةٌ في بيان هيبة تلك؛ أي: كأنهم إذا دنوا منها هي تراهم رؤيةَ الغضبَى التي تزفر غيظًا عليهم ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾؛ أي: للنار ﴿تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (^٥) عليهم؛
_________________
(١) في (ف): "ثم أتى".
(٢) "غني" ليست (أ).
(٣) في (أ): "اللأواء".
(٤) لم أجده.
(٥) من قوله: "قيل: أي: إذا ظهرت لهم. . . " إلى هنا من (أ).
[ ١١ / ١٩٦ ]
أي: صوتَ غليانٍ وفورانٍ والتهابٍ كالتهاب الرجل المغتاظ، وهي كما قال: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]؛ أي: تتقطَّعُ غيظًا عليهم.
وقيل: معناه: سمعوا فيها تغيظًا وزفيرًا للمعذَّبين، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]، واللام و(في) يتقاربان: افعل هذا في اللَّه وللَّه، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؛ أي: في يوم القيامة، وعاد في كذا ولكذا.
* * *
(١٣) - ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾: قُرِنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: أي: قُرِن كلُّ رجلٍ بشيطانه.
وقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أي: نادوا: واويلاه واثُبوراه واهلاكاه.
قال ابن عباس ﵄: الثبور: الويل. وقال الضحاك: الهلاك (^١).
وقال المبرِّد: الثبور: هلاك على هلاك، من قولك: ثابر فلان على كذا؛ أي: داوَمَ عليه.
* * *
(١٤) - ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾: والثبور المصدر، وهو جنسٌ فصلح للواحد والجمع؛ أي: يقول لهم الملائكة ذلك، وليس هذا أمرًا لهم به لكنْ بيانٌ أنهم وإن أكثَروا من ذلك لم يتخلصوا.
_________________
(١) رواهما الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٦٩).
[ ١١ / ١٩٧ ]
وقال ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: إن جهنم تضيق على الكافر كضيق الزُّجِّ على الرمح (^١).
* * *
(١٥) - ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾: أي: قل يا محمد: أمَا (^٢) سلف من ذكر النار خيرٌ ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: وعَدها اللَّه الذين يتقون الشرك والمعاصي.
﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾: على أعمالهم بوعد اللَّه ﴿وَمَصِيرًا﴾؛ أي: مرجِعًا يرجعون إليه.
* * *
(١٦) - ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: أي: ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ به الأعين ﴿خَالِدِينَ﴾ فيها لا يخرجون عنها ولا يموتون فيها.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا﴾: أي: كان خلودهم فيها ومصيرُهم إليها وعدًا على ربك؛ أي: وعدًا حقًّا، كما قال: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة: ١١١].
﴿مَسْئُولًا﴾: اي: كانوا يَسألونه في الدنيا بقولهم: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
وقيل: هو سؤال الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨].
وقيل: هو أمر بالسؤال؛ أي: وعدتكم ذلك وأنا منجزُه لا محالة، فسلوني ذلك.
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢٩٩ - زوائد نعيم)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٦٨) عن عبد اللَّه بن عمرو، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٢٦) عن ابن عباس.
(٢) في (ر) و(ف): "ما".
[ ١١ / ١٩٨ ]
(١٧) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: أي: واذكر يا محمد يومَ نحشرهم ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأنبياء والملائكة، و﴿وَمَا﴾ بمعنى (من)، وهو كقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾: المشركين حتى عبدوكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾؛ أي: أأنتم زينتُم لهم ذلك بإدخال الشُّبَه، وهو استفهام بمعنى التقريع.
* * *
(١٨) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: أي: أنت منزه عن الشركاء ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾؛ أي: لا يجوز لنا ولا يصلح ﴿أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: إنَّا لم نأمر هؤلاء بعبادتنا فنكونَ بذلك قد اتخذناهم لنا (^١) أولياء؛ لأنَّهم إذا والَونا بأمرنا فقد واليناهم نحن وصار بعضُنا أولياءَ بعض.
وتلخيصه: ما كان لنا أن نتخذ من دونك مَن يُواليْنا فيَعبدَنا دونك، ومعناه: التبرؤ من الرضا بشرك هؤلاء والانتفاءُ منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾: أي: ما عبدونا بأمرنا، لكنْ لمَّا طال عمرهم وعمرُ آباءهم في الدنيا ممتَّعين بالجاه والمال والصحة نسُوا ذكرك فأشركوا بك وعبدوا غيرك.
_________________
(١) "لنا" ليست في (ر).
[ ١١ / ١٩٩ ]
﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: أي: صاروا قومًا هلكَى، وقيل: كانوا في سابق القضاء كذلك.
والبور: قيل: هو جمع بائرٍ، من البَوَار وهو الهلاك، وهو كقولهم: هائدٌ وهُود، وحائلٌ وحُول.
وقيل: هو لفظٌ يصلح للواحد والجمع، وهو في الأصل مصدر كالزُّور والنُّور (^١)، وقال ابن الزِّبَعْرَى في الواحد:
يا رسولَ الإلهِ إنَّ لساني راتقٌ ما فتَقْتُ إذ أنا بُورُ (^٢)
* * *
(١٩) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾: يحتمل أنه كلام اللَّه تعالى في خطاب المشركين يوم القيامة؛ أي: كذَّبكم الملائكةُ أيها المشركون فيما كنتُم تقولون: إنهم أربابٌ يريدون منكم أن تعبدوهم ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا﴾ (^٣)؛ أي: فما يستطيع الملائكةُ وعزيرٌ وعيسى صرفَ العذاب عنكم ولا منعًا لمن يعذِّبكم.
وقيل: تمَّ خطاب اللَّه تعالى للمشركين بقوله: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: الكفار ﴿صَرْفًا﴾ للعذاب عن أنفسهم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾: ولا منعًا لمن يعذِّبهم، وقد أَيِسوا من شفاعة معبودهم ونصرتهم، ثم خاطب الكفار في الدنيا فقال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.
_________________
(١) في (ف): "كالدور والنور"، وفي (ر): "كالدور والبور".
(٢) انظر: "ديوان عبد اللَّه بن الزبعرى" (ص: ٣٦).
(٣) ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالياء قراءة السبعة عدا حفصًا فقد قرأ بالتاء. انظر: "التيسير" (ص: ١٦٣).
[ ١١ / ٢٠٠ ]
ويحتمل أن قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خطابٌ من اللَّه تعالى لرسوله وللمؤمنين، يعني: فقد كذبكم الكفار بما تقولون من الحق في الإيمان باللَّه وتوحيده وخلعِ الأنداد ﴿فما يستطيعون صرفًا﴾ للعذاب الذي استحقُّوه بذلك عن أنفسهم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ لأنفسهم، لا من أنفسهم ولا من بعضهم لبعض في دفع ما ينزل بهم.
ووجهٌ آخر: فقد كذَّبكم أيها المؤمنون هؤلاء المشركون ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ لكم ﴿صَرْفًا﴾ عن الحق الذي هداكم اللَّه له ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ لأنفسهم من عذاب ينزل بهم ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون؛ أي: يشرك بعد إيمانه ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ لا يجد له ناصرًا فاستديموا (^١) على إيمانكم فإنهم لا يستطيعون صرفكم عن الحق الذي أوضحه اللَّه تعالى لكم.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾: وهذا ردٌّ لقولهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
يقول: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلى الأمم إلا وهم كانوا بشرًا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وذلك أَدْعى إلى الموافقة، وأسمعُ لِمَا يُلقى إليه للمناسبة.
و﴿إِنَّهُمْ﴾ بكسر الألف لأنه موضعُ ابتداءٍ، وتقديره: إلا وهم يأكلون، وليست
_________________
(١) في (أ): "فاثبتوا"، وفي (ف): "فاستووا".
[ ١١ / ٢٠١ ]
الكسرة للَّام؛ لأن دخولها وخروجها هاهنا سواءٌ (^١)، وهو كما تقول: (ما قدم علينا أمير إلا إنه مُكْرِمٌ لي) بالكسر.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾: فتُؤْجَروا، أو لا تصبرون فتعاقَبوا؛ أي: محنةً؛ أي: الدنيا دارُ ابتلاء وامتحان، فلا بد من المخالفة بين أحوال أهلها، وإحواجِ بعضهم إلى بعضٍ، وتفضيل بعضهم على بعضٍ؛ ليشكر الفاضل ويَصبر المفضول، فمِن غنيٍّ وفقير، ورئيس ومرؤوس، ثم كلٌّ بشرٌ، فكذلك رسولٌ ومرسَلٌ إليه وكلٌّ بشرٌ، والرسول ممتحَنٌ بالشكر على ما أُوتي من الرتبة، وبالصبر على تحمُّل أعباء الرسالة، والمرسَل إليه ممتحَنٌ بالانقياد له والطاعةِ لأمره.
وقيل: معناه: امتحنَّا بعضكم ببعضٍ، فجعلتُ محمدًا نبيًّا وبعثتُه إليكم، ولم أعطه الدنيا، وجعلتُه يطلب المعاش في الأسواق، واختبرتُكم في إجابتكم إياه إلى ما دعاكم إليه بغيرِ عرَضٍ من الدنيا ترجونه منه؛ لأني لو أعطيتُه الدنيا لتَسارَعَ كثيرٌ منكم إلى اتِّباعه طمعًا في دنياه أن ينال منها.
وقال مقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليدِ والعاصِ والنَّضْر بن الحارث، وذلك أنهم لمَّا رأوا أبا ذرٍّ وابنَ مسعود وعمارَ بن ياسر وبلالَ بن حمامةَ (^٢)، وصُهيبَ بن سنانٍ، وعامر بن فُهيرة، والنَّمِرَ بن قاسطٍ، ومَهجَعًا مولى عمر، وخيرًا (^٣) غلامَ
_________________
(١) يعني: لو لم تكنِ اللامُ لكسرت الهمزة أيضًا؛ لأنَّ الجملةَ حاليةٌ؛ إذ المعنى: إلا وهُم يأكلون. انظر: "معاني القرآن" للأخفش (١/ ١١٦)، و"معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٦٢)، و"إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ١٠٨)، و"الإملاء" للعكبري (٢/ ٩٨٣).
(٢) هو بلال بن رباح الصحابي الجليل، وحمامة اسم أمه.
(٣) في (أ): "وجبرًا". وكلاهما منقول في اسمه: (جبر) بالجيم والباء و(خير) بالخاء والياء. انظر: "الإصابة" (٢/ ٢٩٥).
[ ١١ / ٢٠٢ ]
الحضرميِّ، وذويهم، قالوا: أنُسلِم فنكونَ مثل هؤلاء؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ يخاطب هؤلاء المذكورين: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ يعني: على هذه (^١) الشدة والفقر (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: بصبرِ مَن صبَرَ وجَزَع مَن جَزِع، وهذا عن ابن جريج (^٣).
وعلى الأول: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بمن يَصلُح للرسالة (^٤)، وبما ينبغي أن يُدبَّر (^٥) كلٌّ منهم من غني وفقير.
وقيل: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بمن يصلح أن يكون فاضلًا أو مفضولًا.
* * *
(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: أي: الذين لا يؤمنون بالبعث ولقاءِ اللَّه في الآخرة، فلم يَعملوا خيرًا يرجوننا به إذا لَقُونا يوم القيامة.
وقيل: لا يخافون عذابنا، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون للَّه عظَمةً.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: هلَّا أَنزل اللَّه علينا الملائكة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ليصبروا على" بدل: "أتصبرون يعني على هذه".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٢٨)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٧٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٢٦).
(٤) في (ف): "للرئاسة".
(٥) في (ر): "تدبر" بدل: "أن يدبر".
[ ١١ / ٢٠٣ ]
ويحتمل أن يكون معناه: هلا جُعلَ الرسولُ من الملائكة دون البشر.
ويحتمل: هلا أنزلهم علينا فيَشهدوا أن محمدًا محقٌّ في دعوى الرسالة ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ عِيانًا فيخبرَنا هو برسالته.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: لقد تعظَّموا في نفوسهم حتى تحكَّموا على اللَّه تعالى هذا التحكُّمَ ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾؛ أي: وتمرَّدوا غايةَ التمرُّد في ردِّ حُجج اللَّه تعالى.
والعتوُّ: بلوغ النهاية في تركِ قبول الوعظ والحجة حتى يقعَ اليأس عن صلاحه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] أي: حدًّا لا يطمع في مثله (^١) الولد.
* * *
(٢٢) - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾: أي: إنهم لا يرون الملائكة في الدنيا، وإنما يرونهم في الآخرة حين يبشِّرونهم بالعذاب (^٢).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قيل: هو يوم القيامة.
وقيل: هو عند الموت ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: لا خبر يبشِّرهم ويظهر استبشارهم في بشرة وجوههم ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: تقول الملائكة لهم: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ أي: حرامًا محرَّمًا عليكم أن تكون لكم البشرى، إنما البشرى للمؤمنين.
وكان كلامًا مستعملًا في أوائل العرب ثم تُرك، يقوله المسؤول للسائل إذا أراد تخييبه: حجرًا محجورًا؛ أي: سألتَ شيئًا ممنوعًا.
_________________
(١) في (ر): "في نيل".
(٢) في (ف) و(أ): "بالعقاب".
[ ١١ / ٢٠٤ ]
وقيل: المجرمون يقولون ذلك للملائكة، وهي كلمة استعاذةٍ، وكان الرجل إذا لقي مَن يخافه على نفسه قال: حجرًا محجورًا؛ أي: حرامًا محرَّمًا عليك التعرُّض لي، قال ذلك مجاهد وقتادة والحسن والخليل (^١).
وعن مجاهد قال: ﴿حِجْرًا﴾ كلامُ المجرمين و﴿مَحْجُورًا﴾ كلام اللَّه تعالى؛ أي: مُنِع هذا الكلام أن ينفعهم.
* * *
(٢٣) - ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: أي: أبطَلْنا جميعَ أعمالهم لكفرهم، وهذا الكلام -وهو لفظ القدوم- مجازٌ أُريد به المبالغةُ في إحباطه، فإن الغائب منَّا إذا قدِم، والمشغولَ منا إذا تفرَّغ، والمُعْرِضَ منا إذا أقبل، كان جِدًّا (^٢) منه فيما قدم عليه وتفرَّغ له وأقبل عليه، واللَّه تعالى لا يغيب عنه شيءٌ، ولا يشغله شيءٌ عن شيءٍ، لكنْ لمَّا أراد إثبات ما ذكر على وجه المبالغة ذكَر هذه الكلمات التي يَفهم الناس منها المبالغة في التوجُّه إلى الشيء، فقال تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾؛ أي: غبارًا، والهَبْوةُ كذلك ﴿مَنْثُورًا﴾: مفرَّقًا لا يمكن جمعُه، وهو استعارةٌ عن جعله (^٣) بحيث لا يَتهيأ له الاجتماع، ولا يقع بها الانتفاع، وهو كقوله: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨].
_________________
(١) انظر: "العين" للخليل (٣/ ٧٤)، ورواه عن الحسن وقتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٨٢)، وعن مجاهد وقتادة الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٢٨ - ٤٣٠).
(٢) في (ر): "حدًا"، وفي (ف): "جديرًا".
(٣) بعدها في (ف): "هباء منثورًا".
[ ١١ / ٢٠٥ ]
وقيل: الهباء (^١) هو ما يُرى إذا دخلت الشمس الكوةَ، وهو كقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]؛ أي: منتشِرًا.
* * *
(٢٤) - ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾: أي: يستقرُّون في الجنة بعد الفراغ من العرض والحساب ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ظاهره: موضع القيلولة، ولا نومَ في الجنة، ويراد به الاستراحةُ في ذلك الوقت، وليس في الجنة بكرةٌ وعشيٌّ وظَهيرةٌ لكن يؤتَون بالأرزاق على مقادير الأوقات المعهودة في الدنيا، ويستريحون في مثل أوقات الدنيا.
وقيل: إن أهل الجنة لا يمكثون في عَرَصات القيامة إلى وقت الدخول في الجنة إلا مقدارَ أول النهار إلى وقمت القائلة في الدنيا، فهذا إشارةٌ إلى ذلك.
وقيل: المقيل هو موضعُ التمكُّن، قال القائل:
بضربٍ (^٢) بالسيوف رؤوسَ قومٍ أزلنا هامهنَّ عن المَقِيل (^٣)
ثم قولُه تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ليس للتفضيل بعد الاشتراك (^٤) في صفةِ الخيرية والحُسن، وهو كقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢]،
_________________
(١) في (ف): "الهبو".
(٢) في (أ): "وتصرف" وفي (ر) و(ف): "ويضرب"، والمثبت من المصادر.
(٣) البيت للمرار بن منقذ التميمي كما في "المقاصد النحوية" (٣/ ١٣٩٦)، ودون نسبة في "الكتاب" لسيبويه (١/ ١١٦ و١٩٠)، و"اللمع" لابن جني (ص: ١٩٦)، و"شرح التسهيل" لابن مالك (٣/ ١٢٩).
(٤) في (ر): "الإشراك".
[ ١١ / ٢٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥]، لكنه على التوبيخ؛ كالرجل يُفسِد فيُعاقَب عليه، وآخَرُ يُصلِح فيثاب عليه، فيقال للمفسد: أهذا الذي فعل فلان خيرٌ أم ما أنت فيه؟
* * *
(٢٥) - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾: هو يومُ القيامة، و﴿تَشَقَّقُ﴾ أصله: تتشقَّق، حُذفت إحدى التاءَين تخفيفًا، و﴿السَّمَاءُ﴾؛ أي: السماوات ﴿بِالْغَمَامِ﴾ هو فوق السماوات السبع، وهو سحابٌ أبيضُ غِلَظُه كغِلَظ السماوات السبع، ويمسكه اللَّه تعالى اليوم، وثقلُه أثقلُ من ثقل السماوات.
فإذا أراد اللَّه ﷿ أن تَشَقَّقَ السماوات ألقى ثقلَه عليها فانشقَّت، فذلك قوله: ﴿بِالْغَمَامِ﴾؛ أي: بثقل الغمام فظهر الغمام.
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ في الغمام بنزوله، وذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]؛ أي: بظللٍ من الغمام فيه الملائكةُ، ونزولُهم لمحاسبة الخلق.
وقيل: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي (^١): ملائكةُ السماوات ﴿تَنْزِيلًا﴾ لزوال السماوات، فتزولُ أماكن الملائكة فيصيرون في مكانٍ آخر.
* * *
(٢٦) - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: أي: المُلْكُ الحقُّ يوم القيامة
_________________
(١) في (أ): "ونزول" بدل: "ونزل الملائكة أي".
[ ١١ / ٢٠٧ ]
للرحمن على الخلوص، لا يبقى مدَّعي ملكٍ يومئذ، قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
ووصفُه بالحق لأن مُلك الخلقِ مجاز ومستعار، وهو للَّهِ تعالى على الحقيقة، لا يزول ملكُه ولا يردُّ حكمُه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: لِمَا ينالهم من الأهوال والتشديدِ في السؤال، ثم الخزيِ والنكال، ثم النارِ والأغلال.
* * *
(٢٧) - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾: قيل: هو في حقِّ كلِّ (^١) مشرك، يَعَضُّ على يديه تحسُّرًا، وهو واحد بمعنى الجمع؛ كما قال: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وقال ﷿: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥].
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾: أي: مع محمدٍ -ﷺ-، وُصْلةً (^٢) بالإيمان به وسلوك طريقه.
* * *
(٢٨) - ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾: أي: أحدًا خالَف الرسول ﴿خَلِيلًا﴾؛ أي: صديقًا.
ينادي على نفسه بالويل لعِلمه بضا وقع فيه بمعاداة الرسول وموالاةِ مَن عاداه.
_________________
(١) في (أ): "قيل هو في"، وفي (ر) و(ف): "قيل في حق كل".
(٢) في (ف): "صلة".
[ ١١ / ٢٠٨ ]
و(فلان) عندهم كنايةٌ عن واحدٍ مجهول، وهو مستعمل في كلامهم، يقول الرجل لآخر: ما تصنعُ بصحبة فلانٍ وفلانٍ، وقال قائلهم:
استَغْنِ باللَّه عن فلانٍ وعن فلانٍ وعن فلان (^١)
* * *
(٢٩) - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾: أي: الإيمانِ بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ من اللَّه بإنزاله على رسوله وتبليغه إلينا.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾: أي: يَخذلُ أولياءه يوم القيامة ويتبرَّأ منهم، قال تعالى: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢].
وقال مجاهد: ﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾؛ أي: الشيطان (^٢).
وقيل: نزلت في مُعيَّنٍ (^٣)، وأكثرُ القرآن نزل في أسبابٍ خاصةٍ ثم يكون عامَّ المعنى فيمَن تتناوله اللفظة.
قال الضحاك: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾؛ أي: على أطراف أصابعه فيأكلها حتى يتنهيَ إلى مرفقيه وما يَشعر (^٤).
_________________
(١) البيت لأبي العتاهية. انظر: "الشعر والشعراء" (٢/ ٧٨٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٤٢).
(٣) سيأتي قريبًا.
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٣٣٩)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٨١)، عن عطاء. ورواه بنحوه مختصرًا ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٨٤) عن سفيان.
[ ١١ / ٢٠٩ ]
وقال ابن السمَّاك: يفعل ذلك أربعة آلاف (^١) مرةٍ يأكلها ثم يعيدها اللَّه تعالى، إلى أن يجيء وقت الحساب.
وقال ابن عباس ﵄: وهو عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان رجلًا يجالس النبي -ﷺ- يستمع إلى كلامه من غير أن يؤمن به، وكان أبيُّ بن خلف صديقَه، فقال: وجهي لوجهك حرام إن كلمتك أو صادَقْتُك ما لم تَصِرْ إليه فتبصقَ في وجهه، ففعل، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٢).
وقال مقاتل والسدي: كان عقبة رجلًا يسافر كثيرًا، وكان إذا رجع من سفره أضاف أشراف قومه، فدعا رسول اللَّه -ﷺ-، فلما قرِّب الطعام قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما أنا بآكلٍ حتى تشهد شهادةَ الحق" فشهد بلسانه وهو مضمِرٌ الكفرَ، وكان أبيُّ بن خلف غائبًا، فلما رجع أخبره بذلك، فأتاه عقبة زائرًا، فقال له أبيٌّ: صبوتَ؟ قال: لا واللَّه، قال: قد انقطعت العصمة بيني وبينك إن لم تَتْفل في وجهه، ففعل، فقتَل رسول اللَّه -ﷺ- أبيَّ بن خلف يوم أحد، وذلك أنه طعنه طعنةً فرجع إلى مكة فمات منها، ولم يقتل بيده غيرَه، وأما عقبة فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريُّ يوم بدر صبرًا (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أربع مئة".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٨٥ و٢٠٨٦)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٤٠ - ٤٤١)، عن مقسم مولى ابن عباس، وفيه بدل قوله: "ففعل": (فلم يسلطه اللَّه عليه). أما رواية ابن عباس فخرجها الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٤٠) من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: كان أُبيّ بن خلف يحضر النبيِّ -ﷺ-، فزجره عقبة بن أبي معيط، فنزل: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿خَذُولًا﴾ قال: ﴿الظَّالِمُ﴾: عقبة، و﴿فُلَانًا خَلِيلًا﴾: أُبيّ بن خلف. ثم رواها من طريق عطية عن ابن عباس بنحو هذا.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٣٢ و٣٠١)، ورواه عن السدي ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٨٥). =
[ ١١ / ٢١٠ ]
وقال أبو روقٍ: جمع عقبة البزاق فأتى رسول اللَّه -ﷺ- فيما بين أصحابه فرمى بالبزاق، فانصرف البزاق وصار قطعتين على خده فسفعتا (^١) خديه فكان فيهما أثرُه إلى أن قتل (^٢).
* * *
(٣٠) - ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: أي: متروكًا (^٣) لا يسمعونه ولا يتدبَّرونه ولا يعملون بما فيه، ويقولون مرةً: هو سحر، ومرةً: هو مفترًى، ومرةً: هو أساطيرُ الأولين.
يعني: يقول الرسول يوم القيامة ذلك فيَشهد عليهم بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
و(قال) بمعنى: يقول؛ كسائر ما ذكر من أحوال يوم القيامة، وإخراجُه على صفة الماضي لتحقُّق كونه يومئذ فأُلحق بالكائن المتحقِّق.
* * *
(٣١) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
_________________
(١) = وفيهما: (أمية بن خلف) بدل: (أبي بن خلف). ولم يرد فيهما قصة قتله، والخبر بنحو سياق المؤلف رواه ابن مردويه وأبو نعيم في "دلائل النبوة" بسند صحيح كما قال السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٢٥٠).
(٢) في (ر) و(ف): "فشققتا".
(٣) ذكره بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٣٠)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٣٤)، عن الضحاك.
(٤) في (ر) و(ف): "مستورًا".
[ ١١ / ٢١١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي: كما يُعاديك هؤلاء المشركون ويقولون فيك ما يقولون، فكذلك جعلنا لكلِّ نبيٍّ قبلك عدوًّا من المجرمين مثلَ أعدائك من الكافرين، فصبروا ففازوا، فاصبر أنت تَفُزْ أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾: أي: حسبُك اللَّه موفِّقًا لك (^١) للحق، كافيك به وناصرًا لك على أعدائك.
* * *
(٣٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾: وهذا طعنٌ آخرُ منهم، قالوا: هلا نزِّل على محمد هذا القرآن دفعةً واحدةً مجتمعًا كلُّه.
﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: أي: كذلك أنزلناه متفرقًا، وكذلك نُنزله لنُحْكِمه حفظًا (^٢) في قلبك، فيكون فؤادُك ثابتًا به غيرَ مضطربٍ، ولو أنزلناه (^٣) عليه جملةً واحدة (^٤) وهو أميٌّ لا يكتب لتعذَّر عليه حفظه.
وقيل: لأن فيه ناسخًا ومنسوخًا، فلم يَستقِم إنزاله جملةً واحدة (^٥).
وقيل: كان النبي -ﷺ- في دار الحَجْبة، وسكونُ قلبِ المحِبِّ المحجوب بأن
_________________
(١) في (أ): "موقعًا لك"، وكلمة "لك" ليست في (ر) و(ف).
(٢) في (ر): "لحكمة ليحفظ".
(٣) في (أ): "أنزل".
(٤) "واحدة" ليست في (ف).
(٥) "واحدة" ليست في (أ) و(ف).
[ ١١ / ٢١٢ ]
يتواصل إليه كتُبُ (^١) المحبوب، فجعله متفرقًا تثبيتًا لقلبه، وترويحًا لروحه، وتسكينًا لشوقه.
وقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: أي: جئنا ببعضه على إثر بعضٍ، وأَضمر بعد قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: فرقنا ذلك ورتَّلناه؛ أي: فرَّقناه تفريقًا غيرَ متباعدٍ، بل تابعناه ولم نقطعه قطعًا يُضعف بذلك قلبك (^٢).
قالوا (^٣): ولما نزلت التوراة جملةً (^٤) تركوها جملةً، ولما نزل القرآن مرتَّلًا مفصَّلًا ثبت في القلوب مقرَّرًا ومحصَّلًا.
* * *
(٣٣) - ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾: أي: لا يأتيك هؤلاء المشركون بمثَلٍ؛ أي: شيءٍ يماثل ما كان من الأمم السالفة من محاجَّةِ أنبيائهم وتعنُّتِ رسلهم ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: أتيناك بما يحقُّ أن يُؤتى به (^٥)، دون الباطل الذي لا حقيقة له.
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: أي: أحسن بيانًا مما عند هؤلاء السائلين؛ لأنهم لم يكونوا فيما يسألونه يعرفون من تلك الأمور مثلَ الذي كان اللَّه يُعرِّفه نبيَّه -ﷺ-، وكان التحريف قد غلب على أهل الكتاب، فكان المشركون يرجعون إليهم
_________________
(١) في (ر): "بأن يتوصل إلى كنف".
(٢) في (ر): "وقوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: أي: فرَّقناه تفريقًا غيرَ متباعدٍ، وقيل: تابعناه جئنا ببعضه على إثر بعض، وأضمر بعد قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: فرَّقنا ذلك ورتلناه، ولم نقطعه قطعًا يُضعف بذلك قلبك".
(٣) "قالوا" من (أ).
(٤) بعدها في (ر): "واحدة".
(٥) في (ف) و(أ): "أن يجابه فيه".
[ ١١ / ٢١٣ ]
ويأخذون منهم ثم يسألون النبيَّ -ﷺ-، وهو يخبرهم على الوجه الذي (^١) أخبره اللَّه تعالى به، فكان أحسنَ تفسيرًا مما هم يذكرونه.
* * *
(٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: أي: هؤلاء المشركون الذين يعادُونك ويتعنَّتونكَ يمشَّون يومَ القيامة على وجوههم خزيًا ونكالًا لهم، وسئل النبي -ﷺ-: كيف يمشَّون على وجوههم؟ فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشِيَهم على وجوههم" (^٢).
وقيل: يُسحبون على وجوههم إلى النار؛ كما ورد ذلك في آية أخرى.
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ في الآخرة فإنهم في النار ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ عن الجنة.
وقيل: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: منزلةً في الدنيا، وأضلُّ عن طريق الحق، كما قال يوسف ﵇: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧].
ومعنى كل الآية: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ﴾ في جوابه ﴿بِالْحَقِّ﴾ فأنت منصورٌ عليهم في الدنيا بالحجة الواضحة، ثم هم محشورون على وجوههم إلى جهنم، وذلك نصرةٌ لك في الآخرة وخذلانٌ لهم وإخزاءٌ لهم في الدارين جزاءً على ضلالتهم، وهم أسوءُ مكانًا وأضلُّ سبيلًا.
وليس هذا للتفضيل بعد ثبوت التسوية في الطرفين، بل طريقه ما قلنا في قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "كما" بدل: "الذي".
(٢) روى نحوه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١١ / ٢١٤ ]
(٣٥ - ٣٦) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: يقول: لستَ أولَ نبيٍّ كذِّب، بل قد أعطينا موسى التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ وقد فسرناه في (طه).
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا﴾: أي: لهما (^١): ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: فرعونَ وقومِه.
وقوله تعالى: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾: أي: قد ذهبا إليهم فدعَواهم فعصَوهما فأهلكناهم إهلاكًا بالغرق في اليم.
* * *
(٣٧) - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا﴾: أي: ودمَّرنا قوم نوح لما كذَّبوا ﴿الرُّسُلَ﴾؛ أي: نوحًا ومَن قبله من آدم وشيث وإدريس؛ أو (^٢) أخبرهم نوحٌ أن اللَّه يبعث بعدي رسلًا فكذَّبوهم أيضًا كما كذبوه، أو أراد به تكذيبَ نوحٍ وحده، ويطلق اسم الجمع على الواحد، يقال: خرج فلان على البغال، وإن خرج على بغلة واحدة.
وقوله تعالى: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾: أي: بالطوفان ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾؛ أي:
_________________
(١) "أي لهما" من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "أي و" بدل: "أو".
[ ١١ / ٢١٥ ]
لمن بعدهم علامةً على قدرتنا وربوبيَّتنا وانتقامنا ممن كذَّب الرسل (^١)؛ لأن الطوفان عمَّ الدنيا كلَّها، فصار عبرةً للكل.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: وكذلك هيَّأنا لكلِّ ظالمٍ نفسَه بالكفر بي وبرسلي.
* * *
(٣٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾: أي: ودمَّرنا عادًا قومَ هود وثمودَ قومَ صالح.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾: قيل: هم الذين بُعث إليهم صاحبُ (يس) حبيبٌ النجارُ، المذكورُ في قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، فقذفوه في بئرٍ بأنطاكيةَ ورسُّوه بالحجارة؛ أي: أثبتوه (^٢) فيها بها، كذلك قال كعبُ الأحبارِ، رواه عنه ابن عباس ﵄ (^٣).
وقيل: هم قرية (^٤) من ثمود (^٥).
وقيل: هم باليمامة.
وقيل: كانوا بين المدينة ووادي القرى.
وقيل: الرسُّ: البئر غيرُ المطويَّة.
_________________
(١) في (أ): "رسلنا".
(٢) في (ف): "ابتنوه".
(٣) رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٦/ ٢٥٧).
(٤) في (ر): "فرقة".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٥٢) من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وإسناده منقطع.
[ ١١ / ٢١٦ ]
وقيل: الرسُّ: ماء ونخلٌ لبني أسد.
وقال عكرمة: الرسُّ: بئر أَلقوا فيها نبيَّهم (^١).
وقال قتادة: هي قرية باليمامة يقال لها: فلج (^٢).
وقال أبو عبيدة: هو المعدِن (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾: قال إبراهيم: القرن أربعون سنة (^٤).
وقال بعضهم: سبعون سنة.
وقيل: هم أهلُ عصرٍ مقترِنون.
ومعناه: وأممًا بين ذلك كثيرًا، وقال النبيُّ -ﷺ-: "كذب النسَّابون، يقول اللَّه: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ " (^٥).
* * *
(٣٩) - ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٥٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٩٥). وفيهما: (رسُّوا) بدل: "ألقوا".
(٢) رواه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٥٢)، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٩٥) بلفظ: كانوا أهل فلح وآبارٍ كانوا عليها.
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٧٥ و٢٢٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٥٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٩٦).
(٥) رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٥٦)، وخليفة بن خياط في "الطبقات" عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك ثم يقول: "كذب النسابون قال اللَّه: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ " وإسناده ضعيف جدًا.
[ ١١ / ٢١٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾: أي: وصفنا (^١) له الأشباهَ من الأمم التي كانت قبلهم فأُهلكت بتكذيب الأنبياء، فحذَّرنا كلَّ أمةٍ أن ينزل بها ما نزل بمن كان (^٢) قبلها.
وقوله: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾: أي: أهلكنا إهلاكًا.
وهذا كلُّه تعريفٌ للنبي -ﷺ- أن الأنبياء قبله قد لقُوا من أممهم نحوَ ما تَلْقاه، وأن اللَّه تعالى جاعلٌ العاقبةَ المحمودة له على مَن كذبه؛ تطييبًا لنفسه وتثبيتًا لقلبه.
* * *
(٤٠) - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾: أي: هؤلاء المشركون قد أتوا في أسفارهم على قريةِ قوم لوط وهي سَدُومُ، أُمطر أهلُها الحجارة عقوبةً لهم على معصيتهم نبيَّهم لوطًا ﵇، وارتكابهم الفاحشةَ بإتيان الذُّكران، وغيرِ ذلك.
قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾: يَعتبِروا بها؛ أي: فكان ينبغي لهم أن يؤمنوا عند مشاهدةِ تلك الآيات.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: أي: قد رأوا هذه القرية وسمعوا بخبرها، ولكنهم كانوا لا يخافون الآخرة، ولا يرون ثوابًا ولا عقابًا، فلِكفرهم بالبعث أصرُّوا على تكذيب محمد -ﷺ- ولم يعتبروا بأولئك.
* * *
_________________
(١) في (ف): "وضعنا".
(٢) "كان" من (ر).
[ ١١ / ٢١٨ ]
(٤١) - ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾: أي: ما يتَّخذونك إلا سخريةً لا يَرَونك أهلًا للتعظيم، ويقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾؛ أي: بعثه اللَّه رسولًا إلى خلقه.
نزلت في أبي جهل لعنه اللَّه تعالى، كان إذا مرَّ بالنبي -ﷺ- يقول: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (^١).
* * *
(٤٢) - ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾: أي: قد كاد يضلُّنا، وقيل: ما كاد إلا ليُضِلُّنا.
﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾: أي: قارَبَ أن يصرفنا عنها وعن عبادتها بالسحر الذي أتى به، والخدع الذي يزعم أنها آيات من عند اللَّه تعالى ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ أي: لولا حبسُنا أنفسَنا على عبادتها وتركُنا الإصغاءَ إلى ما يدعونا إليه محمدٌ لقارَبَ محمد أن يصرفنا عنها إلى إلهه.
عدُّوا عبادتَهم الأصنام رشادًا، واعتقدوا صرفهم عنها ضلالًا، فأَوعدهم اللَّه تعالى فقال:
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: أي: عن قريبٍ يعلمون إذا رأوا العذاب في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، مَن أضلُّ سبيلًا أهم أم مَن كان يدعوهم إلى تركها؟
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٣٥).
[ ١١ / ٢١٩ ]
(٤٣) - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: أي: ما يهواه، نزلت في الحارث بن قيس السَّهْميِّ كان تَبُوعًا لهواه يتَّخذ صنمًا يعبدُه ثم يرمي به (^١) فيتخذُ سواه، فهذا كان دأبَه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾: أي: أرأيتَ مَن عبَد ما يهواه من غيرِ حجةٍ ولا دليل، أفأنت تكون عليه موكَّلًا فتصرفَه عن الهوى إلى الهدى؟ عرَّفه أنه ليس بمقدورٍ للنبيِّ -ﷺ-، بل هو المنفرد (^٣) به، إذا شاء فعله بمن شاء، وأنه ليس عليه إكراههم على الإسلام بل عليه التبليغ لا غير.
* * *
(٤٤) - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾: أي: أم تتوهَّم أن أكثر هؤلاء المشركين يعملون عمل مَن يسمع، أو يعقلون عقلَ (^٤) مَن يَعقل، و(أم) لا تكون إلا بعدَ ألف الاستفهام، وهو ثابت هاهنا تقديرًا: أتعلم أنهم يسمعون أو يعقلون أم تحسبُ ذلك منهم.
_________________
(١) في (ف): "ثم يبرم عنه".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٣٥)، و"النكت والعيون" (٤/ ١٤٦) وفيه: حكاه النقاش، و"البسيط" (١٦/ ٥١٢) وعزاه لمقاتل.
(٣) في (أ): "بل اللَّه المتفرد".
(٤) في (ر): "أو يعملون عمل"، وفي (ف): "أو يعقلون عمل"، وسقطت الجملة من (أ)، ولعل المثبت هو الصواب.
[ ١١ / ٢٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾: أي: لا تحسبْ ذلك منهم (^١) فما هم إلا كالبهائم ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ منها؛ لأن البهائم إن لم تعتقِد صحةَ التوحيد والنبوَّة لم تعتقِد بطلانهما، وهؤلاء يعتقدون بطلانهما.
* * *
(٤٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾: أي: ألم تعلم، وهو استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد علمتَ أن ربك مد الظل؛ أي: قد شاهدتَ الظلَّ كيف مدَّه اللَّه تعالى؛ أي: بسطه فعمَّ الأرض، وذلك من حين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإن الظلَّ مُطْبِقٌ (^٢) للأرض من غير شمسٍ ولا ليل، وهذا قولُ عامة المفسرين، وهو كقوله في صفة الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]؛ أي: لا شمس معه ولا ظلمة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: أي: مستقِرًّا دائمًا لا تَعقبه الشمس فتَنسخَه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾: أي: نسخناه بالشمس، ثم جعلنا زوال الظل بالشمس دليلًا على أنه مِن خَلْقنا نوجدُه إذا شئنا ونُعدمه إذا شئنا.
* * *
(٤٦) - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾: أي: قبضنا ذلك الظلَّ الممدود؛ أي: أخذناه إلينا؛ أي: إلى حيث أردنا قبضه من الأرض.
_________________
(١) "منهم" ليس من (أ).
(٢) في (ف): "مطلق".
[ ١١ / ٢٢١ ]
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: أي: قليلًا قليلًا شيئًا بعد شيء، بطلوع الشمس شيئًا فشيئًا.
وقيل: قبضه (^١) بغروب الشمس؛ لأنَّها ما لم تَغرب فالظلُّ فيه بقية، وإنما يَتمُّ زواله بمجيء الليل، وعلى هذا قولُه: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ أي: سهلًا علينا لا مؤنةَ فيه علينا؛ كقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤].
وقيل: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾؛ أي: سريعًا.
وقيل: كالأول قليلًا قليلًا؛ لأنَّه يذهب شيئًا فشيئًا إلى أن يجتمعَ كلُّ الظلام.
وهذا بيان القدرة، ومن آيات الوحدانية وإلزامِ الحجة على أهل الشرك والضلالة، وكذا ما بعده، وهو قوله:
* * *
(٤٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾: أي: سترًا وغطاءً للأشياء كلها بظلامه، فتسكن الأشياء فيه ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾؛ أي: راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال، والسَّبْت: القطع.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: أي: حياةً من موت المنام لتنتشر الناس فيه لمعاشهم؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]، وكان النبيُّ -ﷺ- إذا أصبح قال: "الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" (^٢).
وقال القشيري ﵀: رُوي أن النبي -ﷺ- نزل في بعض أسفاره وقتَ
_________________
(١) في (أ): "قبضها".
(٢) رواه البخاري (٦٣١٢) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁. ورواه البخاري أيضًا (٦٣٢٥) من حديث أبي ذر ﵁، ومسلم (٢٧١١)، من حديث البراء بن عازب ﵁.
[ ١١ / ٢٢٢ ]
القيلولة في ظلِّ شجرة، وكان معه خلق كثير، فمدَّ اللَّه تعالى ظلَّ تلك الشجرة حتى وسِع جميعهم، ونزلت الآية، وكان ذلك من معجزاته.
وقال: مدَّ الظلَّ على أوليائه: فقومٌ في ظل الحماية، وآخرون في ظلِّ الرعاية، وآخرون في ظل العناية، وآخرون في ظلِّ الكفاية.
وقال في قوله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ قال: هو وقتُ سكونٍ لقوم ووقتُ انزعاجٍ لآخرين، فأربابُ الغفلة يسكنون، وأصحابُ المحبة يسهرون، إن كانوا في رَوح الوصال لم يناموا لكمال أُنسهم، وإن كانوا في ألم الفراق لم يناموا لكمال وَجْدهم (^١).
* * *
(٤٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نشرًا (^٢) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾:
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين وهي جمعُ نَشُورٍ؛ أي: ناشراتٍ للغيم تَنْشرُه وتَبْسطُه في السماء بحركتها كما يُنشر الشيء المطويُّ.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو في روايةٍ بضم النون وسكون الشين.
وقرأ حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين.
وقال الكلبي: هو الريح الطيبة، مأخوذٌ من نشر المسك. وقيل: أي: حياةً.
وقرأ عاصم بالباء مضمومةً من البشارة (^٣).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩).
(٢) في (أ): "بشرًا " بدل: "نشرًا".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٦٥)، و"التيسير" (ص: ١١٠). والمشهور عن أبي عمرو القراءة الأولى، والثانية -التي بضم النون وسكون الشين- ذكرها ابن مجاهد، ولم يذكرها الداني.
[ ١١ / ٢٢٣ ]
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أي: مطرِه، وهو من بيان قدرته ونعمته أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾: نقل الكلام من المغايبة إلى الإخبار عن نفسه بخطاب الملوك جمعًا، وهو من وجوه تصريف الكلام.
والطهور مبالغةٌ في الطهارة.
وقيل: هو ما يُتطهَّر به؛ كالوَضوء ما يُتوضأ به، والسَّحور والفَطور والوَقود كذلك.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾: بإنبات النبات وإخراج الثمار (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾: جمع إنسيٍّ؛ أي: نمكِّنهم من أن يشربوه ويَسقوا به دوابَّهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: قيل: أي: صرَّفنا الماء الطهور وهو المطر؛ أي: قسَّمناه بين العباد فجعلناه (^٢) سنَةً لهؤلاء وسنَةً لهؤلاء، ينقصر حولًا لقوم ويزاد لقوم.
وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ليَذْكُروا﴾ بالتخفيف، والباقون بالتشديد (^٣)؛ أي: ليتذكَّروا نعمتي فيشكروا لي، ومعنى القراءتين: الذِّكر والتذكُّر بالقلب.
_________________
(١) في (أ): "الأثمار".
(٢) في (أ): "فجعلته".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٦٥)، و"التيسير" (ص: ١٤٠).
[ ١١ / ٢٢٤ ]
وقيل: الذكر: الشكر باللسان، والتذكُّر: تكلُّف إحضار القلب بالذكر.
وقوله تعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: أي: كفرانًا لنعمي؛ لأنَّهم يَصرفون النعمة والمطر إلى الأنواء، فيقولون: مُطِرنا بنَوءِ كذا، قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
وقال الحسن: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتذكَّروا بالمطر الذي أنزله فأحيى به الأرض أنه قادر على أن يُحيي الموتى.
وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: كفرًا (^١) بالبعث، وعلى هذا تصريفُه أمطارَه في كلِّ البلاد مرةً هاهنا ومرةً هاهنا ليَشترك الكلُّ في التذكُّر به.
وعن ابن عباس ﵄ قال: ما مِن عامٍ بأقلَّ مطرًا من عام، ولكن اللَّه تعالى يصرِّفه حيث يشاء، وقرأ هذه الآية (^٢).
وقيل: ولقد صرَّفنا الذكرَ في القرآن في السور كلِّها بين الناس ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتَّعظوا وينتهوا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ بالنعم وكفرًا بالمنعم.
* * *
(٥١ - ٥٢) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾: أي: ولو شئنا لأرسلنا في كلِّ مصرٍ نبيًّا، ولكن لم نفعل فجعلناك نذيرًا للجميع، فاشكر نِعَم اللَّه عليك.
_________________
(١) في (ف): "كفورًا"، وليست في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٦٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٠٦).
[ ١١ / ٢٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾: أي: بالقرآن؛ أي: حاجَّهم وجادِلْهم به وقرِّعهم بالعجز عنه.
وقيل: جاهدهم بالسيف.
والصحيح الأول؛ لأن السورة مكية، وكان الأمرُ بالقتال بعد ذلك.
وقيل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ تكثيرًا للآيات، ولكنَّا أقمنا بك وحدك الدلالات، فلا تُطِعْ مَن كذَّبك، بل جاهدهم بالقرآن فقد لزمتْهم الحجةُ؛ كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
وقيل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لتَخِفَّ عنك بذلك المؤونة، ولكنَّا حمَّلناك ثقل تبليغ الرسالة (^١) إلى كلِّ القرى؛ لتنال بصبرك عليه (^٢) ما أَعدَّ اللَّه لك من الكرامة والمثوبة، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم، وجاهدهم بالقرآن.
﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾: بليغًا؛ كما قال تعالى: ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩].
وقيل: ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾؛ أي: عظيمًا موقعُه عند اللَّه، وعلى حسَبه الثوابُ عليه.
* * *
(٥٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: وهو بيانُ نعمته وقدرته أيضًا؛ أي: أجراهما (^٣) وأرسلهما في الأرض ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾؛ أي: أحد البحرين
_________________
(١) في (أ): "الوحي".
(٢) "عليه" من (أ).
(٣) في (ف) و(أ): "خلاهما".
[ ١١ / ٢٢٦ ]
عذبٌ؛ أي: طيبٌ فرات؛ أي: شديد العذوبة، والآخر ﴿مِلْحٌ﴾: فيه ملوحةٌ ﴿أُجَاجٌ﴾: مرٌّ.
قيل: أراد به الأنهار العظام، يعني: أرسل في الأرض المياه على ضربين: أحدهما عذبٌ والآخر ملح، وكلُّ واحد منهما بحر، فالفرات العذبُ كالنيل والفرات ودجلةَ وسيحان ونحوِها، والملح الأجاج كالبحار المعروفة.
قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: أي: حاجزًا ﴿وَحِجْرًا﴾؛ أي: سترًا مانعًا ﴿مَحْجُورًا﴾؛ أي: مستورًا ممنوعًا.
وقيل: ﴿مَحْجُورًا﴾؛ أي: مجعولًا حجرًا (^١)؛ كما يقال: حدٌّ محدودٌ، وحرامٌ محرَّمٌ، وذلك هو الجزائر والبلاد، فلا يختلط أحدهما بالآخر كذلك فيُفسدَ على الناس مياههم، فإذا قامت الساعة زال الحاجز فاختلطت؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] وهو قول الحسن.
وقيل: بحر الأرض وبحر السماء.
وقيل: بحرٌ (^٢) تحت الأرض، والبرزخُ الأرض.
وقيل: هو بحرٌ واحد من البحار المعروفة يجتمع فيه الماء العذب والماء الملح في مكان واحد، فلا يختلطان فيَفسُدَ العذبُ بالملح ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: حاجزًا من القدرة، قاله قتادة (^٣).
وقيل: ﴿بَرْزَخًا﴾ هو مدة الدنيا، فإذا قامت الساعةُ اختلط أحدهما بالآخر، وذلك قولُه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]، وسيأتي بيانُ ذلك في سورة الرحمن إن شاء اللَّه تعالى في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩].
_________________
(١) في (ر): "محدودًا"، وفي (ف): "محمولًا"، بدل: "مجعولًا حجرًا".
(٢) في (أ): "بحر السماء".
(٣) رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، كما في "الدر المنثور" (٦/ ٢٦٦).
[ ١١ / ٢٢٧ ]
وقيل: هما بحر الهند وبحر الروم.
وقيل: هو بحر العراق وبحر الشام.
* * *
(٥٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾: وهذا أيضًا بيانُ قدرته ونعمته.
﴿مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ قيل: خلق آدم من الطين وأصله الماء ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ آدمَ ﴿وَصِهْرًا﴾ حواء.
وقيل: ﴿خَلَقَ مِنَ﴾ النطفة ولدَ آدم ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾؛ أي: قرابةً ﴿وَصِهْرًا﴾؛ أي: مصاهرةً، وهي الوصلة بالنكاح، مَنَّ بالأنساب لأن التقارب والتواصُل يقع (^١) بها، ومنَّ بالمصاهرة لأن التوادَّ والتوالُدَ يكون بها.
وقيل: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ لمن وُلد منه ولمن يُولد منه ﴿وَصِهْرًا﴾ لمن يتزوَّج به.
وقال قطرب: الصِّهر أبو زوجِ البنت، وما كان من قِبَل زوجِ البنت فهم أصهارٌ، وما كان من قِبَل المرأة فهم أحماءٌ.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: على كلِّ شيء.
* * *
(٥٥) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾: أي: اللَّه تعالى مالكُ النفع والضر، وهؤلاء المشركون بجهلهم يعبدون مِن دونه جمادًا لا ينفعهم إنْ عبدوه ولا يضرُّهم إن تركوا عبادته.
_________________
(١) "يقع" من (أ).
[ ١١ / ٢٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾: قال عطية العوفي والشعبي ومجاهد: نزلت في أبي جهل بن هشام لعنه اللَّه (^١).
وقيل: هو اسمُ جنس يقع على كلِّ كافرٍ.
﴿ظَهِيرًا﴾ قال قتادة ومجاهد والحسن: أي: مُعينًا للشيطان (^٢)، والمظاهرة: المعاونة.
ومعنى ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾: على معصية ربه ومخالفةِ أمره، يعني: إن الكافر إذا أتى بالكفر والمعاصي كان مُعينًا للشيطان على الإصرار على الكفر والاستكبار.
وقيل: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾؛ أي: على أوليائه؛ قال النبيُّ -ﷺ-: "يقول اللَّه تعالى: مَن أهان لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة" (^٣)؛ أي: يُعين الكافرُ الشيطانَ على معاداة أولياء اللَّه.
وقيل: أي: يستظهر الكافر بالأوثان وعبادتها وعبَدتها على مغالبة رسول اللَّه -ﷺ- والمؤمنين.
وقيل: الظهير: الهيِّنُ الملقَى خلف الظهر؛ أي: وكان الكافر على ربِّه هيِّنًا حقيرًا.
وقيل: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ معناه: على ما يعتقده ربًّا وهو الصنم، ومعناه: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾؛ أي: قويًّا قادرًا، ويتصل بأول الآية: أن الصنم لا ينفع ولا يَضر ولا
_________________
(١) رواه عنهم ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦١١). ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٧٨) عن ابن عباس ﵄.
(٢) رواه عن الحسن عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٩٣)، وعن مجاهد والحسن الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٧٨ - ٤٧٧).
(٣) قطعة من حديث قدسي رواه البخاري (٦٥٠٢) عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنْتُه بالحرب"، وله ألفاظ مقاربة في غير الصحيح تنظر في "الفتح" (١١/ ٣٤٢).
[ ١١ / ٢٢٩ ]
يقدر على شيء، وعابد الصنم قادرٌ على الصنم يعمل به ما شاء وينقله حيث شاء، وهو بيانُ جهلهم أنهم يعبدون ما هو عاجز وهم قادرون عليه.
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾: أي: للموافق ﴿وَنَذِيرًا﴾ للمخالفين.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: على التبليغ، وقيل: على التبشير.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أي: إلا مَن شاء أن يتخذ إلى ربِّه قربةً بإجابته فلْيَفعلْ والاستثناء منقطِع بمعنى (لكن).
وقيل: هو استثناءٌ حقيقةً: إلا متَّخذَ السبيل إلى ربه بالتوحيد فإنه أجري (^١)؛ أي: يَأْجُرني اللَّه تعالى بدعوتي إياه وأجابته إياي، قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
وقيل: اتخاذُ السبيل إلى اللَّه تعالى هو الإيمانُ به.
وقيل: أي: بمودَّة رسول اللَّه -ﷺ- لقرابته، كما قال: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].
وقيل: أي: لا أطالبكم بالأجر إلا أنْ يشاء أحدكم أن يتقرب إلى اللَّه تعالى ببذلِ مالٍ أنفقه على الفقير، أو في الجهاد وسبُل الخير، فإن هذا مما أرغِّبكم فيه، أما لا أطالبكم به لأَجْلي (^٢).
_________________
(١) في (أ): "أحرى".
(٢) في (ر): "لأجر".
[ ١١ / ٢٣٠ ]
(٥٨) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾: بالتبليغ، فإنه يعصمك ويحرسك.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾: أي: نزِّه اللَّه تعالى عما يصفُه به هؤلاء واحمده؛ أي: صِفْه بصفاته الحميدة.
وقيل: أي: صلِّ للَّه تعالى حامدًا له فيها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾: أي: عالمًا بمعاصي هؤلاء المشركين، فهو يجزيهم عليها.
* * *
(٥٩) - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: قد فسرنا هذه الكلمات مرات، وهذا كلُّه صفة قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾: أي: هو الرحمن، أو: ثم استوى الرحمن على العرش، أو: كان ربُّك الرحمن قديرًا، أو (^١) هو خبر المبتدأ، والمبتدأُ قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: قيل: فاسأل يا محمدُ الرحمنَ عن ذلك، فإنك تسألُ خبيرًا بما خلَق، و﴿خَبِيرًا﴾ مفعولُ (سل)، و﴿بِهِ﴾ بمعنى: عنه؛ كما
_________________
(١) في النسخ الثلاث: "و"، والصواب المثبت. انظر: "روح المعاني" (١٩/ ٨٦).
[ ١١ / ٢٣١ ]
قال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾؛ أي: عن عذابٍ، والخبير صفةُ اللَّه تعالى، وهو معنى قول الحسن: إنْ سألتَه فهو خبير بالعباد.
وقيل: معناه: فاسأل اللَّه؛ أي: عن اللَّه ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا، وهو اللَّه تعالى العالمُ بحوائجك ومصالحك، و﴿بِهِ﴾ على هذا له معنيان:
أحدهما: أنه صلةُ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: خبيرًا به.
والثاني: أن يكون بمعنى: سلِ اللَّهَ باللَّه، كما تقول: أعوذ بك منك، و: أهرب منك إليك.
* * *
(٦٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾: أي: صلُّوا للَّه تعالى واخضَعوا لأمره.
﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾: أي: لا نعرف الرحمنَ فنسجدَ له ﴿أنسجدُ لِمَا يَأمُرنا﴾ بياء المغايبة في قراءة حمزة والكسائي؛ أي: يأمرنا به محمد من غير أن نعرفه (^١).
وقرأ الباقون بالتاء (^٢)؛ أي: لما تَأمرنا به يا محمد؟ استفهام بمعنى الاستنكار.
وقوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: أي: زادهم هذا الأمرُ شرودًا عن الإسلام.
* * *
(٦١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: قيل: قصورًا.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي بأمر يأتي به محمد من غير أن يعرف".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٦٦)، و"التيسير" (ص: ١٦٤).
[ ١١ / ٢٣٢ ]
وقيل: هي التي تُبنى حول السور والحصون.
وقيل: هي البروج الاثنا عشرَ المعروفةُ: الحَمَل، والثَّوْر، والجَوْزاءُ، والسَّرَطان، والأسدُ، والسُّنبلةُ، والميزانُ، والعَقْربُ، والقَوْس، والجَدْيُ، والدَّلْو، والحُوت.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾: أي: في جملتها شمسًا، فهي من البروج؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ بالليل.
ومَن قرأ: ﴿سُرُجًا﴾ (^١) فهي النجوم التي يُهتدَى بها، فهي كالمصابيح.
* * *
(٦٢) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾: قيل: أي: مختلفَين؛ يجيء هذا ويذهب ذلك، ويجيءُ ذاك ويذهب هذا، ولم يجعل منهما واحدًا سرمدًا نهارًا لا ليلَ له، وليلًا لا نهار له، ليَعلم الناسُ عددَ السنينَ والحسابَ، وليكون للانتشار في المعاش وقت معلوم، وللقرار والاستراحة وقتٌ معلوم، وفيه تنبيه على قدرته ونعمته، وذلك قوله:
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: أي: يتذكر بذلك ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾؛ أي: أراد شكر اللَّه تعالى بما أنعم عليه.
وقيل: أي: جعل الليل والنهار خلفة؛ أي: مختلفين في اللون ليتميَّز أحدهما عن الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا﴾ الآية [الإسراء: ١٢]، قاله مجاهد (^٢).
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "السبعة" (ص: ٤٦٦)، و"التيسير" (ص: ١٦٤).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٨٦).
[ ١١ / ٢٣٣ ]
وقيل: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾؛ أي: يَخلُف كلُّ واحد منهما صاحبه، فيكون خَلَفًا عنه، ووحِّد لأنه كالمصدر، قال زهير:
بها العِينُ والآرامُ يَمشِينَ خِلْفةً وأطلاؤُها يَنهَضْنَ من كلِّ مَجْثَمِ (^١)
كأنه قال: جَعَل كلَّ واحدٍ منهما خلَفًا عن الآخر فيما أَمر به فيهما، حتى إذا فاته ما أُمر به في أحدهما أتى به في الآخر، فيكون إخبارًا عن توسعةِ الأمر على عباده في نوافل الطاعات؛ يأتي بما فاته في الليل القصير في النهار الطويل الذي بعده، وكذا الآخر، قاله الحسن (^٢).
وقيل: إنهما خلفةٌ في النقصان والزيادة يتعاقبان حثيثين إلى أجلٍ مسمى، وهو كقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١].
* * *
(٦٣) - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: ثم وصف أولياءه بعدما ذكر في كلِّ السورة أعداءه، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: وعباد اللَّه الذين رضي اللَّه بهم عبادًا، وخصَّهم بإضافتهم إليه بالعبودية تشريفًا لهم ورفعًا (^٣) لأقدارهم؛ كما يقال: بيت اللَّه، وناقة اللَّه، وشهر اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: إذا خرجوا يمشون بين (^٤) الناس
_________________
(١) "ديوان زهير" بشرح ثعلب (ص: ٥). قال ثعلب: العين: البقر، والطلا: ولد البقرة، وولد الظبية الصغير.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٩٦)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٨٦).
(٣) "لهم ورفعًا" ليس في (أ).
(٤) بعدها في (ر) و(ف): "يدي".
[ ١١ / ٢٣٤ ]
بما لا بد لهم من معاشٍ وقضاءِ حقٍّ وحضورِ جماعة يمشون في لِينٍ ووقارٍ وسكونٍ وتواضعٍ، لا بمرحٍ (^١)، ولا تحريكِ أعطافٍ ودقِّ أقدام على الأرض، فهذا مشيٌ ممدوح، وقد ذكر المشي المذموم في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩] وقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: الجاهلون: الكفار والعصاة، و﴿سَلَامًا﴾؛ أي: سَدادًا من القول؛ أي: إذا خُوطبوا بما يكرهونه لم يجيبوهم بمسافهةٍ ومشاتمةٍ، بل صانوا أنفسَهم عن ذلك وأجابوهم (^٢) بالذي يسلَمون به من أذاهم ومن معصية اللَّه تعالى.
* * *
(٦٤ - ٦٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾: أي: يُمضون لياليهم متهجِّدين للَّه تعالى قيامًا على أرجلهم في موضعِ القيام، وسجَّدًا في موضع السجود، ومع ذلك يخافون اللَّه تعالى، وذلك قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: قيل: هلاكًا، وقيل: دائمًا لازمًا، وقال ابن عباس ﵄: أي: شديدًا (^٣).
_________________
(١) في (ر): "تبرج"، وفي (ف): "تمريح".
(٢) في (ر): "بل خاطبوهم" بدل: "وأجابوهم"، وليست في (ف).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ١٥٥) عن ابن شجرة.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
(٦٦ - ٦٧) - ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: أي: إنَّ جهنم بئسَ موضعُ قرارٍ وموضعَ إقامةٍ، والاستقرار أقل من الإقامة، وجهنم مستقرٌّ للعصاة ومقامٌ للكفار.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾: والإسراف: مجاوزة الحدِّ في الإنفاق لغةً (^١)، والإقتار: التقصير عن العدل فيه، وقد قَتَر من حدِّ دَخَل وضَرَب، وأَقْتر من باب أدخَلَ، وهذا من صفات عباد الرحمن أيضًا.
قال إبراهيم: السَّرَف: مجاوزةُ الحد في النفقة، والإقتار: التقصيرُ عما لا بد منه (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: الإسراف: الإنفاق في معصية اللَّه تعالى قلَّ أو كثُر، والإقتار: منعُ حقِّ اللَّه تعالى من المال (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: أي: بين ذَينك (^٤) ﴿قَوَامًا﴾؛ أي: عدلًا، والقَوَام بالفتح: العدل، والقِوَام بالكسر: العماد يقال: هذا قِوَامُ الأمر ونظامُه ومِلاكُه، وهذا في المطعم والمشرب والملبس وكلِّ شيء.
وقيل: أي: لم يتكلَّفوا فوق الطاقة، ولم يقصِّروا عن الحاجة.
وقيل: إذا تكلَّموا لم يأتوا بالفضول ولم يسكتوا عن الحق، وإذا عملوا لم يأتوا بالمعصية ولم يتركوا الطاعة.
_________________
(١) "لغة" من (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٩٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨).
(٤) "أي: بين ذينك" ليس في (ف).
[ ١١ / ٢٣٦ ]
(٦٨) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: لا يُشركون ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾: وهي النفس المسلمة والذِّمِّية ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بقِصاصٍ أو رجمٍ أو قتلٍ على رِدَّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾: قال ابن مسعود ﵁: قال رجل: يا رسول اللَّه! أيُّ الذنب أكبر؟ قال: "أنْ تَجعل للَّه نِدًّا وهو خلَقك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك خشيةَ أنْ يأكل معك"، قال: ثم أيّ؟ قال: "أن تُزانيَ حليلةَ جارك"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية (^١).
وقال القشيري ﵀: من النفوس المحرَّمة نفسك المسكينة، وقتلُها بغير حقٍّ تمكينُك إياها من اتِّباع ما فيه هلاكُها، و:
إنَّ السفيه إذا لم يُنْهَ مأمور (^٢)
ثم قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ دليلٌ على جواز قتلها بحقٍّ، وذلك بذبحِها بسكين المخالفات، وما فلاحُك إلا بقتل عدوِّك، وأعدى عدوِّك نفسُك التي بين جنبيك (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٦١)، ومسلم (٨٦).
(٢) عجز بيت عزاه الثعالبي في "المنتحل" (ص: ١٠٤) للأحوص، وابن حمدون في "التذكرة الحمدونية" (٥/ ١٩٢) لجرير وليس في ديوانه، وعزاه المستعصمي في "الدر الفريد" (٥/ ٢٣٠) لعمارة بن عقيل، ودون نسبة في "البيان والتبيين" للجاحظ (١/ ٢٢٦) و(٣/ ٢٠٨)، و"جمهرة الأمثال" للعسكري (١/ ٥٢١)، وصدره: بني هلالٍ ألا فانهوا سفيهكم وعند بعضهم: (بني عدي ألا يا انهوا. . .)، وفي رواية: (بني تَمِيم أَلا فانهوا. . .). ووقع في "اللطائف": (إن العبد إذا. . .)، وهو مخالف لما في المصادر كلها.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٥٠ - ٦٥١).
[ ١١ / ٢٣٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: هذه الأشياء الثلاثة ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾؛ أي: بجزاء إثمه، وقيل: الأثام: العقاب (^١)، قال الشاعر:
جزى اللَّه بنَ عروة حيث أمسى عَقوقًا والعُقوقُ له أثامُ (^٢)
أي: عقابًا (^٣).
وقال قتادة: الأثام: النَّكال (^٤).
وقال مجاهد: وادٍ في جهنم (^٥) من قيحٍ ودمٍ فيه حياتٌ وعقاربُ كالبغال.
* * *
(٦٩) - ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾: قرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر برفع الفاء من ﴿يضاعفُ﴾ ورفع الدال من ﴿يَخلدُ﴾ على الاستئناف، وقرأ ابن عامر: ﴿يُضعَّفُ﴾ بالتشديد مرفوعًا، وقرأ الباقون بجزمهما على جزاء الشرط، إلا أنَّ ابنَ كثير يقرأ: ﴿يُضَعَّفْ﴾ بالتشديد (^٦).
ومعنى (^٧) ﴿يُضَاعَفْ﴾ هو؛ أي: يُعذَّب على مرور الأيام في الآخرة عذابًا على عذابٍ.
وقال ابن جرير: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ لاجتماع هذه المعاصي الثلاثة،
_________________
(١) في (أ): "وقيل أي عقاب الأثام العقوبة" بدل: "الأثام العقاب".
(٢) البيت لبلعاء بن قيس الكناني، كما في "مجاز القرآن" (٢/ ٨١)، و"تفسير الطبري" (١٧/ ٥٠٥)، وعزاه الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" (٥/ ٣٥١) لمسافع العبسي نقلًا عن أبي عبيدة!
(٣) "أي: عقابًا" ليس في (أ).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٩٨)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥١٤).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥١٣).
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٤٦٧)، و"التيسير" (ص: ١٦٤). وقراءة ابن عامر مثل أبي بكر برفع الدال من (يخلد).
(٧) في (أ): "ومتى".
[ ١١ / ٢٣٨ ]
فيكون لكل معصيةٍ قسطٌ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾؛ أي: يبقى في العذاب ﴿مُهَانًا﴾؛ أي: مذَلًّا مستخَفًّا (^١) به؛ كما قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
* * *
(٧٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: رجع عن ذلك ﴿وَآمَنَ﴾ باللَّه ورسوله ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؛ أي: أتى بالطاعات.
وقيل: لما نزل هذا قال أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: ما منا إلا وقد فعل هذا في الجاهلية، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^٢).
وقيل: نزلت في قوم من المشركين عملوا هذه الأشياء ثم جبُنوا عن الدخول في الإسلام خوفًا ألا يُقبل منهم (^٣).
وقيل -وهو مروي عن ابن عباس ﵄-: نزلت في وحشيِّ بن حرب غلامِ مُطْعِم بن عدي بن عبد مناف -وقيل: غلامِ جُبير بن مُطْعِمٍ- وذلك أنه كتب إلى النبي -ﷺ-: إنك تدعونا إلى دينك وتقول: ومَن يَدْعُ مع اللَّه إلهًا آخرَ، ويقتل النفس التي حرَّم اللَّه، ويزنِ، فهو من أهل النار، وإني قد فعَلْتُ هذا كلَّه، فهل من توبةٍ؟ فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
_________________
(١) في (ر) و(ف): "مذللًا مستحقًا".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣٢) عن أبي مالك مرسلًا.
(٣) رواه مسلم (١٢٢) عن ابن عباس ﵄: أنَّ ناسًا من أهلِ الشِّرك قَتَلوا فأكثَروا، وزنَوا فأكثَروا، ثُم أتَوا محمدًا -ﷺ-، فقالوا: إنَّ الذي تقولُ وتَدْعو لحسَنٌ، ولو تُخبرُنا أنَّ لِمَا عَمِلْنا كفَّارةً، فنَزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، ونزَل ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
[ ١١ / ٢٣٩ ]
[النساء: ٤٨]، فقال: إن اللَّه تعالى شرَطَ المشيئة، ولا أدري أيشاء اللَّه تعالى بمغفرتي أم لا يشاء، فنزلت هذه الآية: ﴿مَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فقال: لعلي لا أصل إلى العمل الصالح، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فقال: لا أرى (^١) في هذا شرطًا، فجاء (^٢) فأسلم (^٣).
وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾: قال الحسن: أي: في الدنيا يبدِّل اللَّه العمل السيِّئ بالعمل الصالح: الشركَ إخلاصًا، والكفر إيمانًا، والزنا عفافًا وإحصانًا (^٤).
وقال قتادة: هو طاعةُ اللَّه تعالى بعد عصيانه، وذكرُ اللَّه بعد نسيانه، والخيرُ يعمله بعد الشر (^٥).
وقال علي بن الحسين وإبراهيم وأبو يعلى (^٦): هو في الآخرة يجعل سيئاته حسنات (^٧).
قال سلمان: يُعطَى رجل يوم القيامة صحيفةً فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته أكثرُ، فإذا كاد يسوءُ ظنُّه ينظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم نظر في أعلاها فإذا هي بدِّلت حسنات (^٨).
_________________
(١) في (أ): "أدري".
(٢) في (ر): "يخاف".
(٣) رواه الطبراني في "الكبير" (١١٤٨٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢١٥): فيه أبين بن سليمان وهو ضعيف.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣٤).
(٥) المصدر السابق، الموضع نفسه.
(٦) في (أ): "وابن لعلي"، ولم أقف على قوله أو تعيينه.
(٧) رواه عن علي بن الحسين ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣٥).
(٨) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣٤).
[ ١١ / ٢٤٠ ]
وروي مثلُه عن ابن مسعود.
وعن أبي عثمان النهديِّ ﵁: أن المؤمن يعطَى كتابه في سترٍ من اللَّه تعالى فيقرأ سيئاته، فإذا قرأها تغيَّر لونه، حتى يمرَّ بحسناته فيقرؤها يرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاتُه قد بدِّلت حسناتٍ، فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: لمن تاب وإليه أناب.
* * *
(٧١) - ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾: الأول -وهو قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ - في حق المشرك، وهذا في حق المؤمن المذنب، يقول: ومَن تاب من ذنوبه وأتبعه عملًا صالحًا فإنه أيضًا قد تاب إلى اللَّه، فله ما للأول من المغفرة والرحمة وتبديل السيئات حسنات.
وقيل بخلاف ذلك؛ قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، قال: هذه صفة أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فقال المشركون: واللَّه ما كان هؤلاء الذين مع محمد إلا معنا بالأمس في هذا، فأنزل اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ ثم قال لهؤلاء المشركين: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾؛ أي: منكم ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن له مثل ما لهؤلاء ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ لم تحظر التوبة عنكم (^٢).
وقيل: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: يرجع إلى اللَّه يوم القيامة وإلى ثوابه.
* * *
(٧٢) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٤١٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٢١).
[ ١١ / ٢٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: قال قتادة: أي: الكذبَ (^١).
وقال الضحاك: الشرك (^٢).
وقال أيضًا: أعيادَ المشركين (^٣).
وقال محمد بن الحنفية: الغناءَ واللهو (^٤)، و(يشهد) بمعنى: يَحضر، ولذلك لم يقل: لا يشهدون بالزور؛ لأنه أداءُ (^٥) الشهادة، ومَن حضر الزور شهد به أيضًا وثبت مقتضاه.
والزور: تمويهُ الباطل بما يوهِم أنه حقٌّ، والتزوير فعلُ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾: اللغو: الفعل الذي لا فائدة فيه؛ أي: إذا مروا بقوم يفعلون أو يقولون ما لا يفيد مرُّوا مرَّ الكرام الذين لا يرضَون به، ويكرمون أنفسهم أن يدخلوا فيه أو يختلطوا بأهله.
وقال قتادة: أي: [لا] يساعدون أهلَ الباطل على باطلهم (^٦).
وقال مجاهد: إذا مرُّوا بمن يؤذيهم صفحوا عنه (^٧).
وقال ابن جرير (^٨): أي: إذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه مروا كرامًا (^٩).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٢٢).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣٧).
(٤) المصدر السابق، الموضع نفسه.
(٥) في (ر) و(ف): "لأنه ليس لأداء".
(٦) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٤٩٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣٦).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٢٤).
(٨) تحرف في (ر) و(ف) إلى: "جريج".
(٩) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ٥٢٦).
[ ١١ / ٢٤٢ ]
والكرم في بعض ذلك ألا يسمعوه كالغناء.
وفي بعضه ألا يجيبوا وهو إذا سمعوا قبيحًا.
وفي بعضه أن ينهوا عنه بأن يروا منكرًا.
وفي بعضه أن يضاربوا بالسيوف كقطع الطريق ونحوه.
ويقال: مات فلان كريمًا؛ أي: مدافعًا عن نفسه وأهله وقومه، فلم يكن الكرم على وجه واحد.
* * *
(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾: قال الفراء: أي: والذين إذا قرئ عليهم القرآن لم يقعدوا على حالتهم الأولى كأنهم لم يستمعوا ولم يروا قارئه، فذلك الخرور (^١).
وقيل: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾؛ أي: لم يلبثوا ولم يبقوا.
وقيل: لم يقعوا.
وقال القُتبي: أي: لم يتغافلوا عنها كأنهم صمٌّ وعميٌ (^٢).
وقال الزجَّاج: خرُّوا سجَّدًا وبكيًّا، ولم يخروا عليها (^٣) صمًّا وعميانًا (^٤).
وقيل: لم يكونوا كالذي ولَّى مستكبرًا كأنْ لم يسمعها، بل كانوا من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، والذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٧٤).
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣١٥).
(٣) "عليها" من (أ).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٧٧).
[ ١١ / ٢٤٣ ]
(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾: أي: نسائنا ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ (^١): قرأ حمزة والكسائي على الواحد: ﴿وذرِّيَتنا﴾؛ أي: ولدنا، وقرأ الباقون: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ على الجمع (^٢)؛ أي: أولادنا.
وقوله تعالى: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: وحَّد القرة لأنها مصدر، وهي بردُ دمعتها، وذاك من السرور.
وهذا الدعاء معناه: أن تريناهم مؤمنين مطيعين فبه يتم السرور والراحة، وهذا إن كان من الذين لم يُسلم أزواجُهم ولا أولادهم سؤالُ الإيمان، وممن أسلم أهاليهم وأولادهم سؤالُ الإبقاء على الإيمان.
قال جُبير بن نُفيرٍ: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرَّ به رجل فقال: طُوبى لهاتين العينين اللَّتين رأتا رسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه لودِدْنا أنَّا رأينا ما رأيتَ وشهِدْنا ما شهدتَ، قال: فاستُغْضِب، فجعلتُ أعجبُ وما قال إلا خيرًا، ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجلَ على أن يتمنَّى محضرًا غيَّبه اللَّه عنه لا يدري لو شهِدَه كيف كان يكون فيه؟ واللَّه لقد حضر رسولَ اللَّه -ﷺ- أقوامٌ كبَّهم اللَّه على مناخرهم في النار لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون اللَّه إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربَّكم، مصدِّقين بما جاء به نبيُّكم، قد كُفيتم البلاء بغيركم، واللَّه لقد بعث النبيُّ -ﷺ- على أشد حالٍ بعث عليها
_________________
(١) في (ف) و(أ): "وذريتنا".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٦٧)، و"التيسير" (ص: ١٦٤). وقراءة أبي عمرو وأبي بكر بالإفراد كحمزة والكسائي.
[ ١١ / ٢٤٤ ]
نبيٌّ من الأنبياء في فترةٍ وجاهلية، ما يرون دينًا أفضلَ من عبادة الأوثان، فجاء بفرقانٍ فرَق بين الحق والباطل، ففرَّق بين الوالد وولده حتى إنْ كان الرجل ليَرى والدَه أو ولدَه أو أخاه كافرًا وقد فتح اللَّه قلبَه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل (^١) النار، فلا تقَرُّ عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها التي قال اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: هو سؤالُ الرياسة في الدِّين على وَفق السؤال الأول، والإمام واحدٌ لكنه جنسٌ يصلح للجمع، وهذه درجةٌ عَلِيَّة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] وقال تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقال مجاهد: اجعلنا ممن يأتَمُّ بمن قبلنا حتى يأتمَّ بنا مَن بَعْدنا (^٣).
وقال أبو رَوق: واجعلنا للمتقين إمامًا في الجنة.
وقيل: اجعلنا أئمةً للمتقين يومَ الدِّين نتقدَّمُهم (^٤) في المضي إلى الجنة.
* * *
_________________
(١) في (أ): "يعلم أن هلك ودخل"، وفي (ف) و(ر): "يعلم أن أهله قد هلك ودخل". والمثبت من المصادر.
(٢) خبر صحيح، رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٨١٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٨٧)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٩٢)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٣١)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٥٥٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٥٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٧٥ - ١٧٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٣٢ - ٥٣٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٤٢).
(٤) في (ر) و(ف): "لتقدمهم".
[ ١١ / ٢٤٥ ]
(٧٥) - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي: هؤلاء يُجزون بأقوالهم وأفعالهم الغرفَ في الجنة بما صبروا على هذه الأخلاق، والغرفةُ جنسٌ يصلح للجمع، وقد قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وقال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠].
وقال القشيري ﵀: استكثَرَ القليل من عباده فعدَّد أفعالهم في آيات، واستقلَّ الكثير من نفسه فعدَّ الجنة بما فيها على كثرتها غرفةً (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾: قرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وتخفيف القاف، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر؛ أي: يَرَوْن فيها ويَجِدُون فيها، وقرأ الباقون: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ بضم الياء وتشديد القاف (^٢)؛ أي: تلقِّيهم الملائكة ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
وقيل: يلقِّي بعضُهم بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦].
* * *
(٧٦ - ٧٧) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٥٢) ولفظه: يعطي سبحانه الكثير من عطائه ويَعُدُّه قليلًا، ويقبل اليسير من طاعة العبد ويَعُدُّه كثيرًا عظيمًا، يعطيهم الجنة قصورًا وحورًا ثم يقول: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾، ويقبل اليسير من العبد فيقول: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦].
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٦٨)، و"التيسير" (ص: ١٦٥).
[ ١١ / ٢٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: في الغرفة ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾؛ أي ما أحسنَها موضعَ قرارٍ وإقامة! كما قال في صفة أهل النار: ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: قال مجاهد وابن زيد: ما يصنع بكم (^١)، ختَم السورة بأن عرَّف المشركين حكمةَ خَلْقهم.
وقيل ما يريد بكم.
وقيل ما يبالي بكم.
وقيل: أيُّ حظٍّ (^٢) لكم.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: أي: دعاؤه إياكم (^٣)؛ أي: إلى التوحيد والطاعة، وقد دعاكم إليه على لسانِ محمد -ﷺ-.
وقيل: لولا عبادتُكم إياه؛ أي: لو لم يكن هذا مما يلزمُكم.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾: رسولي الذي دعاكم فسوف يكون تكذيبكم عذابًا لازمًا لكم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾: قيل: كان ذلك يومَ بدر (^٤).
وقيل: هو عذاب الآخرة.
_________________
(١) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٣٦)، وعن مجاهد ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٤٥).
(٢) في (ر) و(ف): "وقيل خطر".
(٣) في (ر) و(ف): "إليكم".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٣٨ - ٥٣٩) عن ابن مسعود وأبي بن كعب وإبراهيم النخعي ومجاهد والضحاك.
[ ١١ / ٢٤٧ ]
وقال الضحاك: ﴿مَا يَعْبَأُ﴾ بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه إلهًا آخر ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (^١).
والحمد للَّه رب العالمين
والصلاة على خير البرية وآله وصحبه (^٢) أجمعين، نسألك اللهم الإيمان تمامًا، وإعطاءَك الجنة إنعامًا وإكرامًا، وتفضلًا وجودًا وإحسانًا وائتناما (^٣)، نأملُ (^٤) من الخير بلا نقصان، فلك الجود والفضل والامتنان، نجِّني وولدي من الخزي والهوان، وعن السلاسل والأغلال والنيران، وأنزلنا في جوارك في غُرفات الجنان، مع الأولاد والأخلَّاء والإخوان (^٥).
* * *
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٥٤) وزاد: بيانه قوله ﷾: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
(٢) "وآله وصحبه" زيادة من (ف).
(٣) في (ف): "واتنامًا".
(٤) في (ر): "نؤمك".
(٥) من قوله: "والصلاة على خير البرية" إلى هنا ليس في (أ).
[ ١١ / ٢٤٨ ]
سورة الشعراء
[ ١١ / ٢٤٩ ]