بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه ربِّ الفلق، الرحمنِ الدافعِ شرَّ ما خلق، الرحيمِ المعيذِ من شرِّ ذي الحسد والحَنَق.
وهذه السورة (^١) مدنية، وهي خمسُ آيات، وثلاثٌ وعشرون كلمةً، وثلاثة (^٢) وسبعون حرفًا.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الفلق وسورةَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ جميعَ الكتب التي أنزلها اللَّه تعالى على أنبيائه ورسله" (^٣).
وانتظام هذه السورة بالسورة التي قبلها (^٤): أنه قال في تلك: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وهو الذي يُقصد إليه في قضاء الحاجات ودفعِ الآفات، وقال في هذه السورة: استَعِذْ باللَّه يدفعْ عنك المكاره والبليَّات.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وسورة الفلق".
(٢) "وثلاثة" ليست في (أ). وفي "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٩٧): وحروفها تسعة وسبعون كحروف النَّاس.
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٧٢)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٤٢)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٤) في (أ): "وانتظام السورتين".
[ ١٥ / ٥٤٣ ]
وروي عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: بينا أنا أسير مع رسول اللَّه -ﷺ- بين الجُحْفة والأبواء إذ غشِيَنا ريحٌ وظُلمة، فجعل رسول اللَّه -ﷺ- يتعوَّذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ويقول: "يا عقبة، تعوَّذْ بهما، فما تَعوَّذ [متعوِّذٌ] بمثلهما"، ثم سمعتُه يَؤُمُّنا بهما في الصلوات (^١).
وروي أن جبريل ﵇ أتى النبي -ﷺ- فقال: إن عفريتًا من الجن يَكيدُك فتعوَّذْ إذا أويتَ إلى فراشك (^٢) بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (^٣).
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: أُخذ (^٤) النبيُّ -ﷺ- عن نسائه، فكبر ذلك على رسول اللَّه -ﷺ- وهمَّه، قالت: فواللَّه إنه لمضطجعٌ في بيتي متوسِّد يمينَه في مصلَّاه مهمومًا بما أصابه، إذ جلس وهو يضحك، فقلت له: مما تضحك يا رسول اللَّه أضحك اللَّه سنَّك؟ قال: "هل علمتِ يا عائشةُ أن اللَّه تعالى قد دلَّني على ما بي، جاءني جبريل الآن بملَك لم أره قبل اليوم، فأجلسه عند رجلي وجلس جبريل عند رأسي، فقال له جبريل ﵇: ما وجعُ الرجل؟ قال: مَطْبوب، قال: ومَن طبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال: وفيم؟ قال: في مُشْطٍ ومُشاطةٍ، وكرَبِ نخلةٍ في جُفِّ طلعةٍ في ذي أروان" -بئرٌ في بني زريق- قالت: فقام
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٦٣)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) في (ر): "بفراشك".
(٣) ذكره بهذا اللفظ الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٦٥٣). ورواه ابْن أبي الدُّنيا فِي "مَكَائِد الشَّيطان" (٦٧) والدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (٢٨٧٠)، عن الحسن أن النَّبي -ﷺ- قال: "إن جبريل أتاني فقال: إِن عفريتًا من الجِن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكُرْسِيّ"، وهو مرسل.
(٤) في (أ): "اتخذ". وفي (ف): "أخر".
[ ١٥ / ٥٤٤ ]
رسول اللَّه -ﷺ- فأخذ رداءه ثم خرج وخرج معه الناسُ، حتى أتى البئر فاطَّلع فيها فأذهب اللَّه عنه كلَّ ما يجد، قالت: فرجع إليَّ فقلتُ: يا رسول اللَّه! ما رأيتَ فيها؟ قال: "لقد دخلتُها ولكأنَّ رؤوسَ نخلها الشياطين ثم اطَّلعتُ في البئر"، فقلت: ما منعك يا رسول اللَّه أن تستخرجه؟ قال: "خشيت أن يصيب الناسَ منه شيء" (^١).
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: فلما جاء البئرَ استخرج منها تمثالَ صورةٍ من عجينٍ قد غُرز فيها الإبرة، وشعرةً قد عُقد فيها إحدى عشرةَ عقدةً، فأمره اللَّه تعالى أن يتعوَّذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهما إحدى عشَر آيةً، على كلِّ عقدةٍ آية، يقرأ (^٢) آيةً ويحلُّ عقدةً، فأذهب اللَّه تعالى عنه كلَّ ما يجد (^٣).
وعن زيد بن أرقم قال: سَحَر النبيَّ -ﷺ- رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك وعقَد لك عقدًا وجعلها في بئرِ كذا، فأرسِلْ إليها مَن يستخرجُها (^٤)، فأرسل عليًّا ﵁ فاستخرجها من البئر فجاء بها، قال (^٥): فكلَّما حلَّ عقدةً وجد النبيُّ ﵇ خفَّةً، حتى قام رسولُ اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) في (أ): "شره". والحديث لم أقف على لفظه الذي عند المؤلف، لكن رواه بمعناه البخاري (٦٣٩١)، ومسلم (٢١٨٩). وجاء في بعض نسخ مسلم: "جب" بالباء، وهما بمعنى كما قال النووي في "شرح مسلم" (١٤/ ١٧٧). وينظر شرح ألفاظه في شروح الصحيحين.
(٢) "آية يقرأ" ليس من (أ).
(٣) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٩٢ - ٩٤) من طريق عمرة عن عائشة ﵂، وإسناده ضعيف كما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ٢٣٥).
(٤) في (أ): "يستخرج".
(٥) "قال" من (ف).
[ ١٥ / ٥٤٥ ]
كأنما نَشَط (^١) من عقالٍ، فما ذكر رسولُ اللَّه -ﷺ- في وجه اليهودي ما صنع به قط ولا أخبره به (^٢).
وعن عليٍّ ﵁ أنه قال: قالت اليهود: إنا قد طلبنا ضرَّ محمدٍ بكلِّ شيء فلم نقدر (^٣)، فانطلِقوا بنا نتجرع (^٤) حتى نتعين له ونستعينَ له بالسحرة والشياطين، فأعلمَ اللَّه تعالى بذلك نبيَّه -ﷺ-، وأنزل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (^٥).
ودل هذا على بطلان قول المعتزلة في إنكار تحقُّق السحر وتصوُّره وظهورِ أثره.
* * *
(١) - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾: أي: قل يا محمد: أَمْتنِعُ وأعتصمُ وأحترِزُ بربِّ الصُّبح، وسمِّي به لأنه ينفلقُ عن الظُّلمة؛ أي: ينشقُّ، وعلى هذا أكثرُ المفسرين.
وقال ابن عباس في رواية: الفلق: الخلق انفلقوا عن آبائهم وأمهاتهم (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أنشط".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٩٢٦٧)، والنسائي (٤٠٨٠).
(٣) في (أ) و(ف): "يضره".
(٤) في (ف): "نتوجع".
(٥) لم أجده.
(٦) ذكره بتمامه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٦١٠) لكنه لم يعزه، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٤٥) لكن دون قوله: "انفلقوا عن آبائهم وأمهاتهم".
[ ١٥ / ٥٤٦ ]
وقال كعب: هو بيتٌ في جهنم إذا فُتح صاح جميع أهل النار من شدة حره (^١).
وقال وهب: هي صخرة تحت الأرض هي غطاءُ جهنم، فإذا كان عند قيام الساعة رُفعت فسالت البحار في جهنم، وارتفعت النار فملأت البحار، وارتفعت إلى السماء فوقعت فيها تحرقها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧].
وقال عبد اللَّه بن عمرو ﵁: الفلق شجرة في النار (^٢).
وعن وهب في رواية: هو جبٌّ في النار (^٣).
وقال السدي: وادٍ في جهنم (^٤).
وقيل: ﴿الْفَلَقِ﴾: الجبال والصخور تنفلِق بالمياه والنبات.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَق﴾: يحتمِل: من شرِّ ما خلق من الناس والجن والشياطين والسباع والحيات ونحوها من الأشياء الضارة، فإنَّ مضارَّ هذه الأشياء شرورٌ؛ لأنَّها تؤذي.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٤٢ - ٧٤٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٤٢) عن السدي، ورواه أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا، لكن قال ابن كثير في تفسير الآية: إسناده غريب ولا يصح رفعه. ورواه الطبري أيضًا من قول ابن عباس بلفظ: (سجن في جهنم).
(٤) لم أجده عن السدي، وقد مر في التعليق السابق ما روي عنه، وهذا القول ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩) عن الكلبي. والتستري في "تفسيره" (ص: ٢١٠) عن الضحاك.
[ ١٥ / ٥٤٧ ]
ويجوز أن يراد بذلك الأسقامُ والهموم (^١)، والأمورُ المؤلمةُ الشاقة، فإن ذلك يسمَّى شرًّا لكونها مكروهةً في الطباع، وهي من اللَّه تعالى حكمةٌ وصواب، وكذلك جميعُ ما خلق اللَّه تعالى من الشرور حكمة وصواب (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [الإسراء: ٨٣] ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: قيل: أي: ليلٍ مظلمٍ إذا دخل.
وقال في "ديوان الأدب": غسَق الليل: إذا أظلم (^٣)، من حدِّ ضرب.
ووقب الظلام: إذا أقبل، ويقال: دخل في كلِّ شيء (^٤).
هذا هو اللغة، وكذا هو عند أكثر أهل التفسير؛ قال عليٌّ ومجاهد وابن جُريجٍ ومحمد بن كعب والضحَّاك والسديُّ والحسن: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾؛ أي: من شرِّ ليل مظلم إذا دخل (^٥).
وعن عكرمة قال: يرسل في تلك الساعة عفاريت الجن (^٦).
وقال عطاء: النهار إذا دخل في الليل (^٧).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾؛ أي: أقبلَ (^٨)، وفي رواية عنه: إذا أدبر.
_________________
(١) في (أ): "والغموم" وفي (ر): "والشرور والهموم".
(٢) "حكمة وصواب" ليس من (أ) و(ف).
(٣) انظر: "ديوان الأدب" للفارابي (٢/ ١٧٧).
(٤) انظر: "ديوان الأدب" للفارابي (٣/ ٢٤٩).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٤٦ - ٧٤٧) عن ابن عباس ومجاهد والحسن.
(٦) ذكره مكي في "الهداية" (١٢/ ٨٥١٠).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٤٧ - ٧٤٦) عن محمد بن كعب.
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" (٤٢/ ٧٤٧).
[ ١٥ / ٥٤٨ ]
وقال عطية: إذا ذهب، وكذا قال عطاء وقتادة (^١).
وعن عائشة: أن النبي -ﷺ- قال لها: "يا عائشة، أتدرين ما هذا -يعني القمر- هذا الغاسق إذا وقب، فتعوَّذي باللَّه من شرِّه" (^٢).
وقال محمد بن جرير: هو الذي يُظلم فيدخل في ظلامه، فالليل إذا دخل في ظلامه غاسقٌ، والنهار إذا دخل في الليل غاسق، والقمر إذا غاب غاسق (^٣).
* * *
(٤ - ٥) - ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾: أي: السَّواحر اللاتي تنفُثْنَ في عُقَد الخيط حين يَرْقِينَ عليه، والنفثُ هو النفخ بالشَّفة ولا ريقٍ معه، وهو من حدِّ ضرب.
وقيل: فعَل (^٤) برسول اللَّه ذلك بناتُ لَبيدِ بن أَعْصَم.
وقيل: النفاثاتُ في العقد جملةُ النساء، على معنى كيدِهن ومكرِهن. وقال أبو تمام:
السالباتِ امرَأً عزيمتَه بالسِّحْر والنافثاتِ في عُقَدِهْ (^٥)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٤٩) عن قتادة ثم تعقبه بقوله: ولست أعرف ما قال قتادة في ذلك في كلام العرب، بل المعروف من كلامها من معنى وقب: دخل.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٥٨٠٢)، والترمذي (٣٣٦٦) وقال: حسن صحيح.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (٢٤/ ٧٤٩).
(٤) في (أ) و(ف): "فعلت".
(٥) "ديوان أبي تمام" (ص: ٤٦).
[ ١٥ / ٥٤٩ ]
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾: لأن الحاسد يعمل الحيَل في الإضرار بالمحسود.
وقيل: هو أمرٌ له بالاستعاذة من حسد اليهود، وقد كانوا موصوفين بشدة الحسد له (^١).
وقيل: هو في حسد المشركين له.
والأصح: أنه يعم كل حاسد.
وقال الحسين بن الفضل البجَلي: جمع اللَّه تعالى الشرورَ في هذه السورة وختَمها بالحسد ليُعلم أنه أخسُّ الطبائع.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) "له" ليست في (ر).
[ ١٥ / ٥٥٠ ]