بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أهلك أصحابَ الفيل، الرحمنِ الذي جعل كيدهم في تضليل، الرحيمِ الذي أرسل على قاصدي (^١) بيته طيرًا أبابيل.
روى أبي عن أبي كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من قرأ سورة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أعاذه (^٢) اللَّه تعالى أيامَ حياته من القذف والمسخ" (^٣).
وهذه السورة مكية، وهي خمسُ آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وثلاثةٌ وسبعون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في عقوبة الكفرة؛ هذه في الدنيا وتلك في الآخرة.
وفي هذه السورة تذكيرُ قريش المنةَ في تنحية الحبشة عن بلادهم، ومنعِهم عن هدم الكعبة التي بها فخرُهم وعزُّهم، وفيها حثٌّ على الإيمان بمحمد -ﷺ-؛ إذ بسببه جرى ذلك معجزةً له، ودلالةً على مجيء مَن يعظِّم البيت ويُقيم مناسكه.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃: أن أبرهة بن الصباح بنى
_________________
(١) في (ف): "قصدة".
(٢) في (أ): "الفيل عاذه" بدل من "ألم تر أعاذه".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٥٤)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٢٣)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٤٧٩ ]
كنيسةً بصنعاء يقال له: القُلَّيْس، وكتب إلى النجاشي: إني لست منتهيًا حتى أصرفَ إليها حجَّ العرب، فسمع بذلك رجل من بني كنانة، فخرج إلى القلَّيس، ودخلها ليلًا فأَحْدَث فيها، فبلغ ذلك أبرهةَ فحلف باللَّه ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، فجمع الأحابيش وجنَّد الأجناد فأكبرت (١) العرب ذلك، فخرج ملك يقال له: ذو نفرٍ، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر أسيرًا (^٢)، فلما دنا من بلاد خثعم خرج نُفيل بن حبيبٍ بقومه فقاتلوه، فهزمه أبرهة (^٣) وأخذ النفيل، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتبٍ (^٤) الثقفي فقال: أيها الملك، ليس ليننا ولينك خلاف، ونحن نبعثُ معك مَن يدلُّك، فبعثوا (^٥) رجلًا يقال له: أبو رِغالٍ، فمات أبو رغالٍ.
وبعث أبرهة من المغمّس (^٦) -وهو موضع بظهر مكة- رجلًا يقال له: الأسود ابن مقصود، على مقدِّمة خيله، فجمع إليه أموال الحرم وأصابَ لعبد المطلب جدِّ رسول اللَّه -ﷺ- مئتي بعيرٍ.
ثم إن أبرهة بعث حُنَاطةَ الحميريَّ إلى أهل مكة فقال: سل عن شريفها ثم أبلغه ما أُرسلك به، وقل له: إني لم آتِ لقتال، إنما جئت لأهدم الكعبة (^٧)، فانطلق حناطةُ حتى أتى مكة، فلقي عبد المطلب فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت
_________________
(١) (أ) في (أ): "فأكثرت"، وفي (ر): "فأكرب".
(٢) "أسيرًا" زيادة من (ف).
(٣) في (أ): "فهزمهم" بدل من "فهزمه أبرهة".
(٤) في (ر): "مغيث".
(٥) بعدها في (أ): "مكة".
(٦) كمعظَّم ومحدِّث: موضع بطريق الطائف فيه قبر أبي رغال. انظر: "القاموس" (مادة: غمس).
(٧) في (أ): "لأهدم هذه البيت"، وفي (ف): "لهدم الكعبة".
[ ١٥ / ٤٨٠ ]
لقتال إنما جاء ليهدم هذا البيت ثم ينصرفَ عنكم، فقال له: ما له عندنا قتالٌ وما لنا به يد، سنخلِّي بينه وبين ما جاء له، فإن خلَّى اللَّه بينه وبين ما أراد فهو بيتُه، قال: فانطلِقْ معي، فأردفه بغلته حتى قدم به المعسكر.
وكان ذو نفرٍ صديقًا لعبد المطلب، فأتاه فقال (^١): يا ذا نفر، هل عندكم من غَناءٍ فيما نزل بنا (^٢)؟ فقال ذو نفر: ما غناءُ مَن لا يأمَنُ أن يُقتل كلَّ؟! ولكني سأبعثُ لك إلى أنيسٍ سائق (^٣) الفيل وأسأله أن يُعِينك عند الملك ويُعْظِم خطرك عنده، فأرسل إلى أنيس وقال: أتاك سيد قريش وصاحبُ عِير مكة الذي يُطعم الناس، فاستأذن له على الملك ونبِّهْه على شأنه وشرفه.
وكان عبد المطلب جسيمًا وسيمًا قسيمًا تأخذه العين، فلما رآه أبرهةُ عظَّمه وكرَّمه، فقال له عبد المطلب: أيها الملك، إنك قد أصبتَ مالًا لي فاردُدْه عليَّ، فقال له الملك: لقد كنتَ أعجَبْتَني حين رأيتُك، ولقد زهدْتُ فيك الآن، قال: ولم؟ قال: جئتُ لأهدم بيتًا هو دِينك ودِين آبائك فلم تكلِّمني فيه وكلَّمتني في مئتي بعير؟! فقال عبد المطلب: أما الأبل فأنا ربُّها، وللبيت ربٌّ سيمنعُه، قال أبرهة: ما كان ليمنعَه مني، فقال عبد المطلب: لقد طلبه تبعٌ وسيفُ ذي يزنَ وكسرى فلم يقدروا عليه، فأنت وذاك، فرد إبله عليه.
ثم خرج عبد المطلب وأخبر قريشًا وأهلَ مكة الخبر، وأمرهم (^٤) أن يتحرَّزوا،
_________________
(١) في (أ): "فأتاه". وفي (ر): "فناداه"، بدل: "فأتاه فقال".
(٢) في (أ): "بكم".
(٣) في أكثر المصادر: (سائس).
(٤) في (ر): "أنجزوا أمرهم"، بدل: "الخبر وأمرهم".
[ ١٥ / ٤٨١ ]
فتحرَّزوا (^١) في رؤوس الجبال، وأتى عبد المطلب الكعبةَ فأخذ بحَلْقة الباب وجعل يقول (^٢):
يا رب إن المرء يمـ نعُ رحله فامنَعْ حِلَالَك
لا يغلبَنَّ صليبُهم ومحالُهم أبدًا مِحَالك
إن كنتَ تاركَهم وكعْـ بتنا فأمرٌ ما بدا لك
وكان أبرهة نصرانيًا، فتهيأ لدخول مكة وعبَّأ جيشَه، وقرب فيله وكان يقال له: محمود.
وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانيةً (^٣).
وقال مقاتل: كان معهم فيلٌ واحد (^٤).
فأقبل نفيلٌ (^٥) حتى أخذ بأذن الفيل ثم قال له: ابرك يا محمودُ وارجِعْ راشدًا من حيث جئتَ فإنك في بلد اللَّه وفي حرمه، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت أقدامه ومرافقه فأبى، فوجَّهوه نحو اليمن فقام يُهرول، فوجهوه نحو الشام فقام يُهرول، فصرفوه نحو الحرم فبرك وأبى أن يقوم، فلحق نفيلٌ بجبل من تلك الجبال.
_________________
(١) "فتحرزوا" ليس من (ف).
(٢) في (أ) و(ف): "وقال"، بدل: "وجعل يقول".
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٤٠)، والواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٣٢٢).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨٤٨).
(٥) هو نفيل بن حبيب الخثعمي كما قال ابن إسحاق، وقيل: هو نفَيْل بن عبد اللَّه بن جُزْء بن عامر بن مالك بن واهب بن جليحة بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن جلف بن أفتل، وهو خثعم. انظر: "الرَّوْض الأُنُف" (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ١٥ / ٤٨٢ ]
وأرسل اللَّه تعالى طيرًا (^١) من البحر كالبَلَسان (^٢) مع كلِّ طائر ثلاثةُ أحجار: حجران في رجليه وحجرٌ في منقاره، أمثالَ العدس والحمِّص، فلما غشِيتِ القوم أرسلتْها فلم تصب الحجارةُ أحدًا إلا أهلكته، وكان عبد المطلب قد قال فيهم قبل ذلك:
يا ربِّ فاحفَظْ منهم حِماكَ إن عدوَّ البيت مَن عاداكا
يا ربِّ لا أرجو لهم سواكا امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبوا قُراكا (^٣)
وفي رواية: كانت سودًا صغارَ المناقير خضرًا طوالَ الأعناق، مع كل طائر حجر مكتوب عليه اسم صاحبه الذي يُرمَى به.
وقال الربيع: كانت لها أنياب كأنياب السباع (^٤).
وقالت عائشة ﵂: كنَّ أشبهَ شيءٍ بالخطاطيف (^٥).
وقال سعيد بن جبير: لم يُرَ قبلَها ولا بعدَها مثلُها (^٦).
_________________
(١) في (ف): "الطير".
(٢) البلسان: ضرب من الطيور. انظر: "الإملاء المختصر في شرح غريب السير" لأبي ذر الخشني (ص: ١٨).
(٣) هذه القصة بهذا السياق مروية عن ابن إسحاق، كما في "السير والمغازي" لابن إسحاق (ص: ٦١ - ٦٤)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٤٣ - ٥٣)، و"تفسير الطبري" (٢٤/ ٦٣٥ - ٦٤٢). ورواها الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٨ - ٢٩٣) فقال: (قال محمد بن إسحاق: كان من قصة أصحاب الفيل فيما ذكر بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس، وعمّن لقي من علماء أهل اليمن وغيرهم. . .) وذكر القصة بتمامها.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٧)، البغوي في "تفسيره" (٨/ ٥٤١).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٤٢). الخطاطيف: ضرب من الطيور. انظر: "الإملاء المختصر في شرح غريب السير" لأبي ذر الخشني (ص: ١٨).
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٤٢). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٧) عن عكرمة.
[ ١٥ / ٤٨٣ ]
وقال ابن مسعود: لما ألقت بعث اللَّه تعالى ريحًا فضربت الحجارة فزادتها شدةً (^١).
وقال مقاتل بن سليمان: خرج فتيةٌ من قريش تجارًا إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنَوا من ساحل البحر، وفي حِقْفٍ من أحقافها بِيعةٌ للنصارى يسمُّونها: الهيكل، فنزلوا وأوقدوا نارًا وشوَوا، ولما ارتحلوا تركوا النار وهو في يوم عاصف، فهاجت الريح واضطرم الهيكلُ نارًا، فانطلق الصَّريخ إلى النجاشي، فأسِف على ذلك، وأتاه أبرهة بن الصَّبَّاح وحُجر بن شراحيل وأبو يكسوم الكِنْديون، فقالوا: أيها الملك، لا تكتئبْ فنحن ننسف أسَّ الكعبة ونُبيح دماءها وننهبُ أموالها، فاعزم إذا أحببت.
فخرج مع كتائبه ومعهم الفيل في جحافل تضيق عنهم الطريق، فلما أشرف على مكة مر بإبل سائمةٍ لعبد المطلب فاستاقها، فركب الراعي حتى أتى مكة فرقى الصفا ثم نادى: يا صباحاه أتتكم السودان معها فيلُها ليهدموا كعبتكم ويبيحوا حماكم، ثم أخبر عبد المطلب بأمر إبله، فركب حتى انتهى إلى (^٢) العسكر، فقال أبرهة وحجرٌ وكانا له خلَّين: ارجع إلى قومك فأنذرهم أن هذا جاءكم حميًّا أبيًّا (^٣)، فقال: واللات والعزى ما أرجع إلا بإبلي، فقالا له: أيها الملك، اردُدْ إليه إبله فإنما هو وقومه لك غدًا (^٤)، فأحرز عبد المطلب إبله وقال: إن للكعبة ربًّا يمنعها.
وكان أبو مسعودٍ الثقفيُّ ضريرَ البصر نبيهًا يُستشفَى برأيه، فقال عبد المطلب:
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٨). ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٥٠١٤) من قول عبيد بن عمير.
(٢) في (ف): "حتى أتى".
(٣) في (أ): "آيبًا"، وفي "تفسير مقاتل": (آتيًا).
(٤) في (ف): "عبدًا"، وفي "تفسير مقاتل": (بالغداة).
[ ١٥ / ٤٨٤ ]
ما عندك في هذا؟ فقال: اجعل مئةً من إبلك للَّه تعالى وقلِّدها ثم سيِّبْها في الحرم، لعل السودان تَعقرها فيغضبَ ربُّ البيت، ففعل فعقروها، فقال أبو مسعود: ما فُعل بإبلك؟ قال: عُقرت، قال: فما تقول في رجل اتَّخذ قلادةً لامرأته فسلبها قومٌ أليس يغار (^١) على ذلك؟ قال: نعم، قال: انظر، ماذا ترى من البحر؟ قال: أرى طيرًا بيضًا قد نشأت، قال: ارمقها، قال: واللَّه ما أعرفها، وإنها أشباهُ اليَعاسيب، في مناقيرها الحصى، فجاءت حتى حاذت العسكر وألقت ما في مناقيرها ورجعت، ثم قال عبد المطلب: لا أسمع لهم ركزًا، فانحطَّا من الجبل فدخلا العسكر فإذا هم موتى، فجمَعا من الذهب والفضة (^٢) والجواهر، وحفر كلُّ واحد منهم حفرةً لنفسه وملأها من المال، فكان ذلك سببَ غناهما، وأنزل اللَّه تعالى يخبر نبيه ﵇ بذلك فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (^٣).
وقال محمد بن إسحاق: بعث اللَّه على أبرهةَ داءً في جسده، وخرج القومُ وصاح (^٤) بعضهم في بعض (^٥): أين نفيل؟ يريدون الطريق، ونفيل ينظر إليهم من فوق الجبل قد هرب منهم، فخرجوا سراعًا يتساقطون ويموتون، وجعل أبرهة تتساقط أناملُه، كلما سقطت أنملةٌ أتبعتْها مِدَّةٌ وقيحٌ ودم، فانتهى إلى اليمن وهو مثلُ فرخ الطير المنتوف فيمَن بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وهلك (^٦).
_________________
(١) في (أ): "بغيار".
(٢) "والفضة" ليس من (أ) و(ف).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨٤٧ - ٨٥٣)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٣).
(٤) في (أ): "وصرخ القوم وماج القوم" بدل: "وخرج القوم وصاح".
(٥) في (ف): "لبعض" بدل من "في بعض".
(٦) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٥٣ - ٥٤)، و"تفسير الطبري" (٢٤/ ٦٤٢)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢٩٣).
[ ١٥ / ٤٨٥ ]
وقال الكلبي ومقاتل وجماعة: إن الملك هو النجاشي، وصاحب الجيش أبرهة، وكان أبو يكسوم من ندمائه -وقيل: كان وزيرَه- فلما أهلكهم اللَّه تعالى بالحجارة لم يُفلت منهم إلا أبا يكسوم، فسار وطائرٌ يطير فوقه، ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما نالهم (^١)، فلما استتم كلامه رماه الطائر فسقط فمات، فأرى اللَّه تعالى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه (^٢).
قال الواقدي: كان أبرهةُ جدَّ النجاشي الذي كان في زمن النبي -ﷺ- (^٣).
قال مقاتل: كان ذلك قبل مبعثِ النبي -ﷺ- بأربعين سنة، وفي تلك السنة كانت ولادتُه -ﷺ- (^٤).
* * *
(١ - ٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أي: ألم تعلم يا محمد بالأخبار الشائعة (^٥) علمًا يوازي العِيان في الإيقان؟ وهو استفهام بمعنى التقرير؛ أي: قد علمتَ، والمراد به هو وقريش.
﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾: وهم الحبَشة الذين قصدوا البيت ليخرِّبوه.
_________________
(١) في (ر): "بمآلهم".
(٢) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٦)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٤١).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٦).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨٥٣)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٦).
(٥) في (أ): "السايقة".
[ ١٥ / ٤٨٦ ]
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾: استفهام بمعنى التقرير أيضًا؛ أي: قد ضلَّل كيدهم؛ أي: أبطل مكرهم.
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا﴾: جمع طائر ﴿أَبَابِيلَ﴾؛ أي: جماعاتٍ في تفرقةٍ يَتبعُ بعضُها بعضًا.
قال أبو عبيدة: ولم نر أحدًا جعل لها واحدًا، ومعناها: جاءت من هاهنا ومن هاهنا (^١).
وقال قطرب: ﴿أَبَابِيلَ﴾: متقطِّعةً، يقال: ذهبت الإبل أبابيل. قال زهير:
وبالفوارس من ورقاءَ قد علموا إخوان صدق على جردٍ أبابيل (^٢)
وقال الخليل: ﴿أَبَابِيلَ﴾؛ أي: إبِّيلًا إبِّيلًا؛ أي: قطيعًا قطيعًا (^٣).
وقال الفراء: لا واحد لها من لفظها كالعبابيد.
وقيل: واحدها: إبَّالة (^٤).
وقال الفراء: ولو قيل: إيبالة، كان صوابًا، كالدينار والدنانير (^٥).
وقال نفطويه: قيل: واحدها: إبِّيل وإبَّوْل، قياسًا لا سماعًا.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٢).
(٢) انظر: "ديوان زهير" بشرح الأعلم (ص: ٥١).
(٣) انظر: "العين" (٨/ ٣٤٣).
(٤) ذكره الفراء عن الرؤاسي، وهو أبو جعفر الكوفي النحوي أستاذ الكسائي.
(٥) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ٢٩٢).
[ ١٥ / ٤٨٧ ]
﴿تَرْمِيهِمْ﴾: أي: ترمي الطيرُ، وقرأ أبو حنيفة ﵀: (يرميهم) بالياء، لظاهر لفظ الطير.
وقيل: أي: يرميهم اللَّه، وهذه قراءة أشهب العقيليِّ وطلحة بن مصرف (^١).
﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾: قال أبو عبيدة: السجيل هو كلُّ شديد (^٢).
وقال الخليل: هو من حجر وطين (^٣).
وقيل: هو معرب سَنْكَ وَكَلْ (^٤).
وقيل: هو ما كتبه اللَّه عليهم في اللوح المحفوظ من السِّجِلِّ وهو الكتاب.
وقيل: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ أي: مما صبه اللَّه تعالى عليهم، والسَّجْل: الدلو المليء ماء.
وقال الضحاك: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ أي: من السماء الدنيا (^٥).
وقال عكرمة: هو بحر في الهواء (^٦).
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾: قيل: هو ورق الحنطة. وقيل: هو التِّبن.
وقال الحسن: هو الشعير إذا قُضب (^٧).
_________________
(١) ذكرها عنهم الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٧)، وهي في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٨٠) عن عيسى وابن يعمر.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٢).
(٣) انظر: "العين" (٦/ ٥٤).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٢٩٩٧٨)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٢٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٢٠٦٨)، عن ابن عباس ﵄، وزاد بعضهم فيه: (حجر وطين).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٣٥) عن ابن زيد وسعيد بن أبي هلال.
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٤٣).
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٩٨).
[ ١٥ / ٤٨٨ ]
وقال أبو عبيدة: هو ورق الزرع (^١).
وقال الكسائي: هو السُّنبل.
وقال الفراء: هو أطراف الزرع قبل أن يدرِك السُّنبلُ (^٢).
وقال نِفطويه: هو وعاء الزرع.
﴿مَأْكُولٍ﴾: أي: أُكل لبُّه وبقي قشرُه.
وقيل: أي: أكلتهُ البهائم ثم راثَتْه، فيبس وتفرَّقت أجزاؤه؛ أي: تقطعت أوصالهم فصاروا كذلك.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٢).
(٢) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ٢٩٢)، وفيه: (. . . قبل أن يدرك ويسنبل).
[ ١٥ / ٤٨٩ ]