بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خوَّفنا بالقارعة الآتية، الرحمنِ الذي وعد المؤمنين بالعِيشة الراضية، الرحيمِ الذي أَوعد أعداءهم بالنار الحامية.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة القارعة ثقَّل اللَّه بها ميزانه يوم القيامة" (^١).
وهذه سورة مكية، وهي إحدى عشر آيةً، وستٌّ وثلاثون كلمة، ومئة وستون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في ذكر يوم القيا مة وما فيه لأهل الهوان وأهل الكرامة.
* * *
(١ - ٤) - ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾.
قوله تعالى ﴿الْقَارِعَةُ﴾: أي: تأتيكم (^٢) القارعة وهي القيامة، وهي التي تقرع
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٣٠/ ١٩٤) (ط: دار التفسير)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٤٦)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١١٨)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (ر): "أتتكم".
[ ١٥ / ٤٥٥ ]
القلوبَ بشدةِ المخافة، والحادثةُ العظيمةُ تسمَّى قارعةً، وأصل القرع: الضربُ الشديد، ومنه قرعُ الباب، والمِقْرعة، والقوارع: الدَّواهي.
وقوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾: أي: أيُّ شيءٍ القارعةُ، ويذكر هذا للتعجيب والتفخيم، كقوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾:
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾: أي: وما أَعْلمَك بمقدارِ أهوالها حتى تشاهدُها.
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: جمع فراشة، وهي طائر ضعيف يقع في السُّرُج. قاله قتادة.
ثم (^١) المبثوثُ؛ أي: المفرَّق، من قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٤] وذكِّر لظاهر اللفظ كما في قوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وقال جرير:
إنَّ الفرزدق ما علمتُ وقومَه (^٢) مثلَ الفراش غَشِينَ نارَ المصطلي (^٣)
فأنث وجمع على المعنى.
_________________
(١) "ثم" ليس من (ف).
(٢) "إن الفرزدق ما علمت وقومه" زيادة من (ف)، وانظر التعليق الآتي.
(٣) انظر: "ديوان جرير" (٢/ ٩٤٣)، و"شرح نقائض جرير والفرزدق" (٢/ ٤٠٠)، وصدره فيهما: أزْرى بحِلْمكُمُ الفِياشُ فأنتُمُ وبالرواية المثبتة ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٧٨٩). قوله: (ما علمت)؛ أي: الذي علمته، وهي معترضة، يهجوه وقومه؛ أي: إنهم ضعفاء أذلاء جهلاء أمثال الفراش (غشين)؛ أي: حضرن في غشوة الليل نارَ الذي يصطلي بها الشاعر وهو جرير، وقيل: غشين: اقتحمن. وقيل: (ما) في (ما علمت) مصدرية، والمدة معه مقدرة؛ أي: أن الفرزدق وقومه دوام علمي بهم ضعفاء. انظر: "فتوح الغيب" للطيبي (١٦/ ٥٥٤).
[ ١٥ / ٤٥٦ ]
وقال الفراء: يريد كغوغاء الجراد يركب بعضُه بعضًا، كذلك الناس يجول يومئذٍ بعضُهم في بعضٍ (^١).
وقال غيره: إنما شبَّههم بالفراش لأن الفراش لا يتَّجه جهةً واحدةً، أراد أنهم إذا بُعثوا فزعوا فاختلفوا (^٢) في المقاصد على جهات مختلفة.
* * *
(٥) - ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾: أي: كالصوف في تفرُّقها وصِغَر (^٣) أجزائها.
وقال بعضهم: لا يكون عِهْنًا إلا أن يكون مصبوغًا.
وقال قطربٌ: العِهْن: الصوف الأبيض والأحمر.
وقال الأخفش: واحدها: عُهْنةٌ، مثلَ: صوفة (^٤).
﴿الْمَنْفُوشِ﴾؛ أي: المبسوط.
وقال الخليل: النَّفْش مَدُّك الصوفَ حتى ينتشر (^٥).
ووحِّد وذكِّر على اللفظ ومعناه جمعٌ كالفراش؛ لأنَّه مثال الجبال وهي جمع.
وقال الكلبي: تتلوَّن الجبال يومئذ فشبِّهت بالصوف الملوَّن (^٦).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٨٦).
(٢) في (ف): "واختلف".
(٣) في (ف): "وضعف".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٨٣).
(٥) انظر: "العين" (٦/ ٢٦٨).
(٦) انظر: "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٦٠٥).
[ ١٥ / ٤٥٧ ]
(٦ - ٩) - ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: أي: وزنُ حسناته.
وقيل: (موازين): جمع موزون؛ أي: رجَحَت حسناته على سيئاته.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾: أي مَرْضيَّة؛ كقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]؛ أي: مدفوق.
وقال البصريون: ﴿رَاضِيَةٍ﴾؛ أي: ذاتِ رضًا، والعِيشة هي العَيش؛ كالخِيفة هو الخوف.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: أي: قلَّت حسناته ورجَحت سيئاته على حسناته.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾: أي: فمصيرُه جهنم، فهي التي تضمُّه كالأم تضمُّ ولدها، ووُصفت جهنم بـ ﴿هَاوِيَةٌ﴾ لأنها تهوي بأهلها من أعلاها إلى أسفلها، وليست من أسمائها (^١)، ولو كانت اسمًا لكانت معرَّفةً مؤنَّثةً فلم تنصرف، وهذه منوَّنة فعُلم أنها صفة.
وقال عكرمة وقتادة: ﴿فأمه﴾؛ أي: أمُّ رأسه ﴿هَاوِيَةٌ﴾؛ أي: ساقطةٌ في النار (^٢).
وقيل: ﴿فَأُمُّهُ﴾؛ أي: والدته ﴿هَاوِيَةٌ﴾؛ أي: هالكة، وهو من قول العرب: هوت أمُّه. قال كعب بن سعد الغَنَوي:
_________________
(١) في (ر): "وليست اسمًا".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٩٦) بلفظ: يهوي في النار على رأسه، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٧٤) عن قتادة وأبي صالح، وذكره عنه عكرمة الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٢٩).
[ ١٥ / ٤٥٨ ]
هوت أمُّه ما يبعث الصبحُ غاديا وماذا يؤدِّي الليلُ حين يؤوب (^١)
ومن ماتت أمُّه لم يبق له كافلٌ ولا مربٍّ، فهو دعاءُ سوء (^٢)، ومعناه: مَن خفَّت موازينُه صار من أهل النار لا راحمَ له ولا شفيق (^٣) عليه.
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾: إن جعلت ﴿هَاوِيَةٌ﴾ صفةً لجهنم فاتِّصال هذا بذلك ظاهر؛ أي: وما يدريك يا محمد ما هي، والهاء الأخيرة هاءُ استراحة (^٤)، وهو تهويل لأمرها.
وإن حُمل على هُوِيِّ أمِّ رأسه وهلاكِ أمِّه فذاك بسقوطه في النار، فتصير مفهومةً فصحت الكناية عنها.
﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾: أي: هي نار أُطيل إحماؤها.
قال مرةُ الهمدانيُّ وعطاء بن أبي رباح: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ يعني: أبا سلمةَ بنَ عبدِ الأسد ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ يعني: أخاه الأَسْودُ بن عبد الأسد.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) انظر: "الأصمعيات" (ص: ٩٥)، و"الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٧٠)، و"الألفاظ" لابن السكيت (ص: ٤٢٧)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٧٠).
(٢) في (ر): "شر".
(٣) في (أ) و(ف): "مشفق".
(٤) في (ف): "الاستراحة".
[ ١٥ / ٤٥٩ ]