بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه الذي أنزل القرآنَ في ليلةِ القَدْر، الرحمنِ الذي جعلها خيرًا من ألفِ شهر، الرحيمِ الذي يُنزِل الملائكة فيها للسلام على أهل الإسلام إلى مطلَعِ الفجر.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أُعطي من الأجر كمَن صام رمضان وأدرك ليلة القدر" (^٢).
وقال قتادة: هي مكية (^٣).
وقال الواقدي: هي أولُ سورة نزلت بالمدينة (^٤).
_________________
(١) في (ر): "سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٣٢)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١١٢)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) ذكره عن الواقديِّ الماورديُّ في "النكت والعيون" (٦/ ٣١١). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٧) عن علي بن الحسين بن واقد، والمعروف بلقب الواقدي هو محمد بن عمر صاحب "المغازي"، كما أن ما ذكره الثعلبي يخالف ما رواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٣) من طريق علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن علي بن الحسين: أن أول سورةٍ نزلتْ بالمدينة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
(٤) ذكره عن قتادة الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٧). وذكر الماورديُّ في "النكت والعيون" (٦/ ٣١١) أنه قول أكثر المفسرين، وحكى الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٧) عكسه.
[ ١٥ / ٤٢١ ]
وقال آخرون: هي مدنية. بلا تقييد.
وهي ستُّ آيات، وثلاثون كلمةً، ومئةٌ وثلاثةَ عشر حرفًا.
ونظم السورتين: أن تلك في ذكر القرآن، وهذه في ذكر الليلة التي فيها أنزل القرآن.
* * *
(١) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: القرآن وهو كناية عن معلوم غيرِ مذكور؛ كقوله (^١) تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].
وكان إنزال القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلةَ القدر، وهي في شهر رمضان.
وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، والتنزيل: التفصيل، ولا تنافيَ بين الآيات، فإن إنزالَ القرآن جملةً إلى السماء الدنيا كان في ليلة القدر، وتلك الليلة في شهر رمضان، وتفصيلَه في ثلاثٍ وعشرين سنةً من لدُنْ مبعثِ النبي -ﷺ- إلى أن مضى لسبيله -ﷺ-.
﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وليلةُ القدر (^٢): ليلةُ التقدير، وهو تقدير الأعمال والأرزاق والآجال، وهو إظهار مقاديرها وإثباتُها في نُسخٍ ودفعُها إلى جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﵈، وهو قوله تعالى (^٣): ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
_________________
(١) في (أ): "كما في قوله".
(٢) في (ف): "أي" بدل: "وليلة القدر".
(٣) في (ف): "كقوله" بدل: "وهو قوله تعالى".
[ ١٥ / ٤٢٢ ]
وقيل: ليلة (^١) القدر؛ أي: ليلة العظمة" قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]؛ أي: ما عظَّموه حقَّ عظمته، وهي ليلةٌ جليلةُ القَدْر عظيمةُ الأمر، فهي خير من ألف شهر.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾: أي: أيُّ ليلة هي في عِظَمها وقَدْرها وفضلها وعجائبِ ما فيها.
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾: قيل: العمل فيها بطاعة اللَّه أفضلُ من العمل في ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر.
وعن (^٢) ابن عباس: يعني: إحياءُ ليلة القدر في الطاعة خيرٌ لك ولأمَّتك من مُلك ألف شهر.
وفي بعض التفاسير: أن مُلك سليمان كان خمسَ مئة شهر، ومُلك ذي القرنين كذلك، وليلةُ القَدْر لهذه الأمة خيرٌ من مُلك ألف شهر (^٣).
وقال الحسن بن علي: إن رسول اللَّه -ﷺ- أُري في منامه أن بني أمية يطؤون منبره واحدًا بعد واحدٍ -وفي رواية: يَنْزُون على منبره نَزْوَ القردة- فشقَّ ذلك عليه، فأنزل اللَّه عليه هذه السورة (^٤).
_________________
(١) في (أ): "هي ليلة".
(٢) في (ف): "قال" وفي (ر): "كما قال".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٥٧) عن أبي بكر الوراق.
(٤) رواه الترمذي (٣٣٥٠) وضعفه بقوله: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. . . ويوسف بن سعد رجل مجهول. وقال المزي كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه السورة: حديث منكر. =
[ ١٥ / ٤٢٣ ]
يقول (^١): ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يعني ملك بني أمية فإنه كان ألف شهر.
وقيل: وإنما خصَّ ألف شهرٍ بالذكر لأنه لم يكن في السلف يبلغ أحدهم اسمَ العابد ولا يصير مستجابَ الدعوة إلا بعد عبادة ألفِ شهر، وهي ثلاثٌ وثمانون سنة وأربعةُ أشهر، فجعل اللَّه تعالى هذه الليلة لهذه الأمة أفضلَ من ألف شهر للأولين.
وعن ابن عباس قال: ذُكر لرسول اللَّه -ﷺ- رجلٌ من بني اسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل اللَّه ألفَ شهر، فعجب رسول اللَّه -ﷺ- من ذلك عجبًا شديدًا، وتمنى أن يكون ذلك من أمته، فدعا ربه فقال: "يا رب جعلتَ أمتي أقصر الأمم أعمارًا وأقلَّهم أعمالًا"، فأعطاه اللَّه تعالى ليلةَ القدر فقال: ﴿لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (^٢).
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: شكت الصحابة إلى رسول اللَّه -ﷺ- قصر
_________________
(١) = ورواه بنحوه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٢٠٦)، ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل" (٤٧٣)، عن ابن عباس ﵄. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح. ورواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٤٤) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وعلي بن زيد ضعيف، وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١٢/ ٢٦٩): فيه ضعف وإرسال. أما الرواية المعترضة فرواها الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٦٤٦) من حديث سهل بن سعد ﵁، لكن في نزول قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. وفيه محمد بن الحسن بن زبالة، قال عنه ابن كثير عند تفسير الآية المذكورة: متروك، وشيخه ضعيف جدًّا. فهذه كلها طرق للحديث ضعيفة منكرة لا يصح منها شيء، بل هي مكذوبة كما قال ابن القيم في "المنار المنيف" (ص: ١١٧): كل حديث في ذم بني أمية فهو كذب.
(٢) في (ر) و(ف): "وقوله تعالى".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٤/ ١٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٩٠)، من طريق عطاء عن ابن عباس ﵄. وروى نحوه البيهقي في "سننه" (٤/ ٣٠٦) عن مجاهد وقال: هذا مرسل. وذكر نحوه أيضًا الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٣٢١) عمن يثق به من أهل العلم عن النبي -ﷺ-.
[ ١٥ / ٤٢٤ ]
أعمارهم وقلة أعمالهم، فأبدلهم اللَّه تعالى بقصر أعمارهم كلَّ سنة ليلةَ القدر بثمانين سنةً وثلاثِ سنين وأربعةِ أشهر، وبقلة طاعاتهم التضعيفَ من عشرة إلى سبع مئةِ ضعفٍ (^١) إلى ما لا يُحصى، ولم يكن الإضعافُ إلا لهذه الأمة.
وقيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وقيل: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: جبريل.
وقيل: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: السلامَ على أهل الإسلام.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
قوله تعالى:: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: إلى الدنيا، وقيل: إلى سماء الدنيا.
﴿وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ قيل: أي: جبريل، كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
وفي حديث ابن عباس: أن جبريل ينزل في ليلة القدر في كبكبة من الملائكة ومعه لواء أخضر يَرْكزه فوق الكعبة ثم تتفرق الملائكة في الناس حتى يسلِّموا على كلِّ قائم وقاعد، وذاكرٍ وراكع وساجد، إلى أن يطلع الفجر (^٢).
وقيل: الروح صنفٌ من الملائكة جُعلوا حفظةً على سائرهم، وإن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة.
وقيل: الروح خلقٌ تُشبِهُ وجوهُهم وجوهَ بني آدم، وسائرُهم يشبه الملائكة.
_________________
(١) "ضعف" زيادة من (ف).
(٢) قطعة من خبر طويل رواه الفاكهي في "أخبار مكة" (١٥٧٥) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وجويبر متروك. ورواه من طريق آخر عن الضحاك أبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين" (٤٥٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣٤٢١)، و"فضائل الأوقات" (١٠٩)، وابن الجوزي في "العلل" (٨٨٠)، وقال: لا يصح.
[ ١٥ / ٤٢٥ ]
وذكر علي بن اسحاق في "تفسيره" (^١) عن ابن عباس: تنزل الملائكة ليلةَ القدر إلى (^٢) الأرض يَقْدمهم جبريلُ وله أربعةُ أجنحة: جناحان أبيضان وجناحان أخضران، فأما الأخضران فلا ينشرهما إلا في كلِّ سنة مرةً في ليلة القدر، إذا نزل نشرهما على أهل الأرض فيهما الرحمةُ والبرُّ والسلامة والبركة للمؤمنين والمؤمنات إلى طلوع الفجر، وينزل الروح في تلك الليلة وهو ملكٌ من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض (^٣) السابعة، ورأسُه من (^٤) تحت عرش الجبار، وله ألفُ رأس كلُّ رأس أعظمُ من الدنيا، وفي كلِّ رأسٍ ألفُ وجه، وفي كلِّ وجه ألفُ فم، وفي كلِّ فم ألفُ لسان، يسبح اللَّهَ تعالى بكلِّ لسانٍ ألفَ نوع من التسبيح والتحميد والتمجيد، لكل لسان ألفُ لغةٍ، كلُّ (^٥) لغة لا تشبه الأخرى، فإذا فتح أفواهه بالتسبيح والتحميد والتمجيد خرَّت ملائكة أهل سبع سماوات سُجَّدًا مخافةَ أن يحرقهم نورُ أفواهه، وإنما يسبح اللَّه غدوة وعشية، فينزل تلك الليلة فيستغفر للصائمين والصائمات من أمة محمد بتلك الأفواه كلِّها إلى طلوع الفجر.
قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي: بأمر ربهم (^٦).
_________________
(١) واسمه: "المشافهات" لعلي بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي السمرقندي، وسماه بذلك لأنه زَعَم أنَّ ما ذُكِرَ من التفسير كلُّه مسندٌ إلى رسولِ اللَّه -ﷺ- فكأنَّه شافهه به، وقد تقدم ذكره وترجمة مؤلفه عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
(٢) بعدها في (ر): "سماء الدنيا إلى".
(٣) في (أ): "تخوم الثرى" وفي (ر): "نجوم الثرى".
(٤) "من": من (أ).
(٥) "ألف لغة كل" من (ف).
(٦) في (ر): "بأمر وعلم".
[ ١٥ / ٤٢٦ ]
﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾: أي: بكلِّ أمر؛ كما قال: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]؛ أي: بأمر اللَّه؛ أي: تنزل الملائكة بكلِّ ما يقضي اللَّه تعالى من أمور العالم في تلك السنة؛ من عملٍ ورزقٍ وحياةٍ وموتٍ، وهو كقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
ثم قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾: أي: ليلةُ القدر سلامةٌ من الشرور والبلايا والآفات، وهو كقوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ١].
وقيل: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾؛ أي: في كلِّ الليلةٍ سلامٌ على المؤمنين، وهو كما يقال: إنما فلانٌ حجٌّ وغزوٌ؛ أي؛ هو أبدًا مشغول بهما، فكذا: الليلة سلامٌ؛ أي: هي مستغرَقةٌ بسلام (^١) الملائكة على المسلمين (^٢).
وقيل: هي متصلة بما قبلها: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ﴾؛ أي: من كلِّ أمر مَخُوفٍ سلامةٌ هي.
﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: أي: إلى مطلع الفجر نزولُ الملائكة والسلامُ على أهل الإسلام والسلامةُ من الآفات.
وقرأ الكسائي: ﴿مَطْلِعِ الفجر﴾ بكسر اللام والباقون بفتحها (^٣)، وهما لغتان.
واختلفوا في ليلة القدر:
قال بعضهم: رُفعت بعد وفاة النبي -ﷺ-، وهذا قولٌ مردود.
وعن محمد بن الحنفية: أنها في كلِّ سبع سنين مرةً. وفي ثبوت هذه الرواية عنه نظر.
_________________
(١) في (أ): "هو مستغرق بسلام"، وفي (ر) و(ف): "هي مستغرقة سلام".
(٢) في (ف): "المؤمنين".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٦٩٣)، و"التيسير" (ص: ٢٢٤).
[ ١٥ / ٤٢٧ ]
وقال أبو رزين العقيلي: هي أول ليلةٍ من شهر رمضان (^١).
وعن الحسن وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: هي ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وهي ليلةٌ صبيحتُها يومُ بدر (^٢).
وقال ابن مسعود في رواية: هي ليلة تسع عشرة منه.
وقال أبو سعيد الخدري: هي ليلة إحدى وعشرين منه (^٣).
وقال عبد اللَّه بن أنيس وعوف بن مالك الأشجعي وأنس في رواية: هي ليلة ثلاث وعشرين (^٤)، وكذا قالت عائشة وبلال وابن عباس في رواية (^٥).
وقال الحسن بن علي: قبض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ليلةَ القدر ليلةَ ثلاثٍ وعشرين من رمضان.
وقال أنس وابن عباس في رواية: إنها ليلة أربع وعشرين (^٦).
_________________
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٨٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٥٠٥)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ١٨٨).
(٢) ذكره عن الحسن الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٤٩)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٨٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٥٠٥). ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٦٧٩) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (٩٩٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٦٨٠)، الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠٢٧)، عن ابن مسعود.
(٣) رواه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٧)، وفيه قصة سجود النبي من صبحها في ماء وطين.
(٤) رواه مسلم (١١٦٨) من حديث عبد اللَّه بن أنيس ﵁.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٦٦٦) و(٨٦٨٨) عن ابن عباس، و(٨٦٦٩) عن بلال، و(٨٦٨٧) عن عائشة. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢١٧٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٢٥٤٨)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
(٦) رواه البخاري عقب الحديث (٢٠٢٢)، من قول ابن عباس ﵄.
[ ١٥ / ٤٢٨ ]
وقال عمر والعباس وابن عباس ﵃ في أشهر رواياته وأبيُّ بن كعب: هي ليلة سبع وعشرين (^١)، وأكثرهم على هذا.
وروى عبادة بن الصامت عن النبي -ﷺ- أنه قال: "التَمِسوها في العشر الأواخر فإنها وترٌ، في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخِر ليلةٍ، مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" (^٢).
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عمر ﵁ جمع المهاجرين والأنصار فسألهم عن ليلة القدر، قال ابن عباس: فدخلت فيهم، فقال الزبير بن العوام: يا أمير المؤمنين، دعوتَ أبناء المهاجرين فندعوَ بأبنائنا؟ قال: لا، وإنما قلتُ لمكان هذا الغلام، ولعله أعلم بالذي أريدُ أن أسأل عنه منكم، قال: فسألهم عن ليلة القدر، قال (^٣): هل عندكم أيُّ ليلة هي؟ فاجتمع رأيهم على أنها في العشر الأواخر في الوتر منها، فقال: يا ابن عباس، هل عندك علمٌ بليلة القدر شيءٌ سمعتَه أو رأيٌ تراه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللَّه تعالى وترٌ يحبُّ الوتر، وأَحَبُّ الوترِ إلى اللَّه تعالى السبعُ، قال: كيف ذاك للَّه أبوك؟ قال: خلق اللَّه السماوات سبعًا، وخلق الأرضين
_________________
(١) رواه مسلم (٧٦٢)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٦٦٨)، عن أبيٍّ ﵁. ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ١١٩) عن ابن عباس ﵄. وذكره البغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٨٩) عن علي وأبيٍّ وعائشة ﵃. وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (٨٦٦٧) عن زر بن حبيش قال: كان عمرُ وحذيفةُ وناسٌ من أصحاب رسولِ اللَّه -ﷺ- يَشُكُّون أنها ليلةُ سبعٍ وعشرين.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٧١٣).
(٣) "قال": زيادة من (أ).
[ ١٥ / ٤٢٩ ]
سبعًا، وخلق الأيام سبعةً، وخلق الإنسان من سبعٍ، وخلق (^١) رزقه من سبعٍ، قال: قد علمتُ أن اللَّه تعالى خلق السماوات سبعًا والأرضينَ سبعًا، فكيف خلق الإنسان من سبع؟ فقرأ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، قال: فكيف خلق رزقه من سبع؟ فقرأ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] إلى قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فهذا سبعٌ، وأبًّا لأنعامكم فهي (^٢) الكلأ فهي سابعةُ السبع، فقال عمر: حسبك (^٣).
وقد زاد أهل العلم من نظائرها فقالوا: الأقاليم سبعة، والأبحر سبعة، والطواف سبعة، والسعي سبعة، والرمي سبع جمار، والأعضاء سبعة، والسجود على سبعة أعظُمٍ، وسبعٌ من النسب يحرُمنَ، وسبع من السبب، وأبواب الجحيم سبعة، وأصحاب الكهف سبعة.
وفي قصة يوسف: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ و﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ و﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، ولبث في السجن سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات.
وكذلك أيوب ﵇ بقي في بلائه كذلك.
وخطرُ أبي بكر الصديق ﵁ كان سبع سنين (^٤).
وأمان أهل السماوات سبعة أنجم.
و(لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه) سبع كلمات.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وجعل".
(٢) في (أ): "يعني".
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٣٩ - متمم الصحابة)، وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٧٧).
(٤) تقدمت القصة في أول الروم.
[ ١٥ / ٤٣٠ ]
وأُنزل القرآن على سبعة أحرف، وهو سبعة أسباعٍ، والفاتحة سبع آيات، وليس فيها سبعة أحرف: التاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء.
وأولوا العزم سبع: إبراهيم وإسماعيل وأيوب ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى.
والملائكة سبعة أصناف: حملة العرش والمقربون والكَرُوبيون والروحانيون والسَّفَرة والكتبة والبرَرة.
والحيوانات سبعة: الملائكة والجن والإنس والشياطين والبهائم والسباع والطيور والهوام.
ومن أهل العلم مَن قال: إن اللَّه تعالى ذكر ليلة القدر في هذه السورة ثلاثَ مرات، ومبلغُ عدد حروفها سبع وعشرين.
وقال أبو بكر الورَّاق: السورة ثلاثون كلمةً، وشهر رمضان ثلاثون يومًا، والكلمة السابعة والعشرون منها ﴿هِيَ﴾ وتلك إشارة إليها.
وقال بعض أهل العلم: قال تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، من أول تلك السورة إلى قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ سبعة وعشرون حرفًا، فدل أنها هي.
وقال السَّلاميُّ: إن عدد اسمها وتر وهي (قدر)، وهي في الشهر التاسع من السنة وهو وتر، وهي في السورة السابعة والتسعين من القرآن وهي وتر، وبعدها سبع عشرة سورة وهي وتر، ولأن النبي -ﷺ- قال: "التمِسوها في العشر الأواخر في الوتر" (^١)، والأوتار في العشر خمسةٌ، والسابعة يتقدَّمها وتر وهي ثلاثة، ويتأخر عنها
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠١٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٥ / ٤٣١ ]
وتر وهو واحد؛ كالصلوات الخمس هي في الأصل وتر، والوترُ من الصلوات صلاة المغرب، ويتقدمها وتر، وهي ثلاث، ويتأخر عنها وتر (^١) واحد، فهذا (^٢) كذلك.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف): "وهو".
(٢) في (أ): "وهو"، وفي (ف): "وهذا".
[ ١٥ / ٤٣٢ ]