بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي منَّ على الذين استُضعفوا في الأرض فجعلهم أئمَّة، الرحمنِ الذي جعل للعرب حرمًا آمنًا يُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيء تفضُّلًا (^١) منه ونعمَة، الرحيمِ الذي ابتَعث محمدًا -ﷺ- بالرسالة وما كان يرجو أن يُلقى إليه الكتاب إلا رحمة.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ (طسم القصص) كان له من الأجر عشرُ حسنات بعدَدِ مَن صدق بموسى وكذَّب به، ولا يبقى ملَك في السماوات والأرض إلا شهد له يوم القيامة أنه كان صادقًا بأن كلَّ شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون" (^٢).
وسورة القصص مكية إلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] الآيات فإنها جُحْفيَّة ليست بمكيةٍ ولا مدنية (^٣).
_________________
(١) في (أ): "فضلًا".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٣٢)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٨٩٤)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) وردت فيه أخبار منقطعة، منها ما رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٦١٣) فقال: (بَلَغني أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وهو مُوَجِّهٌ من مكة إلى المدينة حين هاجَرَ نَزَل عليه جبريلُ وهو بالجحْفَةِ فقال: أتشتاقُ يا =
[ ١١ / ٣٩٧ ]
وهي ثمانٍ وثمانون آيةً، وألفٌ وأربعُ مئة وثلاثون كلمة (^١)، وخمسة آلاف وثماني مئة حرف.
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه بيَّن في آخر تلك السورة استحقاقَه الحمدَ بالقدرة والعلم، وأثنى على نفسه في أول هذه السورة بالطَّول والسَّناء (^٢) والملك.
وانتظامُ السورتين: أنهما جميعًا في الاحتجاج على المشركين، والوعظِ لهم، وبيانِ وحدانية اللَّه تعالى (^٣)، وحُسن العاقبة للمؤمنين، ووقوعِ الهلاك بالكافرين وإيضاحِ ذلك بقصص الماضين.
ثم هذه السورةُ فيها قصصُ موسى وفرعون وقارون.
ومعنى وصله قصةَ قارون بقصة موسى: أنه مع قُرب قرابته بموسى لمَّا بغَى
_________________
(١) = محمدُ إلى بلادك التي وُلدْتَ بها؟ فقال: نَعم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] إلى مولدِكَ الذي خرجْتَ منه ظاهِرًا على أهلِه). وهكذا رواه الداني في "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٠١) عن يحيى، وكذا ذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٣٥٩) دون سند أيضًا. وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٢٦) من طريق مقاتل عن الضحاك قال: لَمَّا خَرَج النَّبيُّ -ﷺ- مِن مكة فبلغ الجُحْفَةَ اشتاق إلى مكة، فأَنزَل اللَّهُ ﵎ عليه القرآنَ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: إلى مكةَ. وزاد الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٦٧) على السند السابق ابن عباس فقال: قال مقاتل: قال الضحاك: قال ابن عباس: (إنّما نزلت بالجحفة ليس بمكة ولا المدينة)، وهذا منقطع.
(٢) في "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٠١): (وكلمها ألف وأربع مئة وإحدى وأربعون) ووافقه في عدد الحروف.
(٣) في (ر) و(ف): "والثناء". والسناء: الرفعة.
(٤) في (ر) و(ف): "وحدانيته".
[ ١١ / ٣٩٨ ]
عليه انتقم اللَّه منه، فكذا العربُ مع قرب قرابتهم من رسول اللَّه -ﷺ- إذا (^١) كذَّبوه وآذَوه استحَقُّوا ذلك.
وقيل: مدارُ هذه السورة على الحثِّ والإصلاح في الأرض وتركِ العلوِّ والفساد فيها، فإنه قال في أولها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقال في آخرها: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
* * *
(١ - ٣) - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿طسم﴾ فسَّرناه ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ كذلك.
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾: أي: يقرأ عليك جبريل بأمرنا ووحينا ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾؛ أي: من خبرهما، و﴿مِن﴾ للتبعيض، فإن المذكور هاهنا بعضُ خبرهما.
﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بالصدق.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: من أجلهم؛ ليَعْلموه وينتفِعوا به.
وقيل: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لقوم همَّتُهم الإيمانُ والتصديق بما يتَّضح بيانه ليتدبَّروه فيعلموه.
وعلى الأول بشارةٌ وتعرفةٌ (^٢) للَّذين قد آمنوا إذا تأمَّلوا في هذه القصة، وعلى الثاني تنبيه للَّذين همتُهم ذلك في المستقبل لتتَّضح لهم الحجة.
_________________
(١) في (ر): "لما".
(٢) في (أ): "وتعزية"، وفي (ف): "ومعرفة".
[ ١١ / ٣٩٩ ]
(٤) - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا ابتداء القصة؛ أي: إن فرعون علا في زمانه في أرض مصر لأن ملكه لم يَعْدُ مصر؛ أي: ارتفع وغلب مَن تحتَ يده بكثرة أمواله وأتباعه.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾: أي: فرقًا.
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾: أي: يستذل، ومضمونه ويكرم طائفةً منهم (^١).
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾: أي: الصغارَ من الذكور.
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: أي: يستبقي الصغائرَ من إناثهم، وقيل: أي: يسترقُّ.
وقيل: أي: يأمر بتفتيش حياء النساء -أي: فروجِهن-: هل بهن ولد.
وقد أوضحنا الكلمتين (^٢) في سورة البقرة.
وقيل: (يُذبِّح وَيستحيي) تفسيرُ الاستضعاف، فليس بينهما حرفُ عطف.
وقيل: بل الاستضعاف: الاستعبادُ والاستسخارُ والاستعمالُ في الأعمال الشاقَّة القذرة (^٣)، وهو في حقِّ كلِّ بني إسرائيل منه، و(يُذبِّح ويَستحيي) فعلان آخران منه بالصِّغار والصَّغائر (^٤) منهم.
وقيل: ﴿طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هم كلُّ بني إسرائيل، والطائفةُ الأخرى هم القِبْط، وكان الإكرام لهم.
_________________
(١) "منهم" من (أ).
(٢) في (ر): "الكلام"، وفي (ف): "الكلامين".
(٣) في (ر): "في القدرة".
(٤) "والصغائر" من (أ).
[ ١١ / ٤٠٠ ]
وقيل: بل الطائفتان من بني إسرائيل.
قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: في الأرض: بإظهار الكفر والمعاصي، واستعبادِ الأحرار، وقتل الأبناء والتسخير (^١).
* * *
(٥) - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: كان فرعون يفعل بهم ذلك ونحن نريد أن نتفضَّل (^٢) على بني إسرائيل الذين استُضعفوا (^٣) في الأرض؛ أي: في بلاد مصر.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: أي: قادةً في الخير، ودعاةً إلى الدِّين يُقتدَى بهم.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: ونُوْرِثهم أرض مصر، وقد قال: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
* * *
(٦) - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ونجعلهم مقتدِرين على الأرض وعلى أهلها حتى يستولوا عليها، وهي أرض الشام.
_________________
(١) في (أ): "والتجبر".
(٢) بعدها في (ف): " ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ".
(٣) في (ر) و(ف): "المستضعفين" بدل: "الذين استضعفوا".
[ ١١ / ٤٠١ ]
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: أي: يخافونه من بني إسرائيل من سلْبهم مُلكَهم واستيلائهم على بلادهم على ما قال كهنتُهم ومنجِّموهم أنه يصير كذلك، حتى دعاهم ذلك إلى قتل أبنائهم واستحياء نسائهم (^١) على ما مر بيانه في سورة البقرة وسورة الأعراف.
* * *
(٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: قيل: كان اسمها نوخابد (^٢) بنت لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: أي: ألهمناها وقذفنا في قلبها، وهو قول الحسن وقتادة ﵏، وليس هذا وحي رسالةٍ (^٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون برسالةِ رسولٍ إليها أخبرها به ولا تكون هي رسولًا؛ كإرسال جبريل إلى مريم ولم تَصِرْ مريم بذلك رسولًا (^٤).
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾: أي: اسقيه اللبن.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾: أن يُعلَمَ به فيقتلَ ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: فاطرحيه في
_________________
(١) في (ف): "بناتهم".
(٢) في (ر): "يوحنا"، وفي (ف): "يوخاند". وفي اسمها اختلاف بين المصادر، ولا ضابط. انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٣٦)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٣٣)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٣٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في تفسيره" (٢١٩١)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٥٥ - ١٥٦)، عن قتادة.
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (/ ١٤٩).
[ ١١ / ٤٠٢ ]
النيل، وهو بحر مصر، وبيَّن كيفيةَ الإلقاء في سورة طه، وهو قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] (^١).
﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الضيعة والهلكة (^٢) ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾: ولا تهتمِّي لفراقه.
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: فإني أردُّه إليك سالمًا وأبلِّغه مبلغًا يصلح للرسالة، فأجعلُه رسولًا إلى فرعون وقومه فيكون رئيسًا عليهم، وإن لم ينقادوا له أهلكتُهم.
وبيَّن الزيادة عليه في تلك السورة: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩].
* * *
(٨) - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾: وهاهنا مضمَر: فأرضعَتْه وخافت عليه فألقَتْه في اليم ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: أخذوه وقد وجدوه من غيرِ طلبٍ، هو معنى الالتقاط، وكذلك أخذُ اللُّقَطة واللقيط.
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: قال الكوفيون: هي لام (كي)، وقال البصريون: هي لام الصيرورة، وقيل: لام العاقبة؛ أي: صاروا في العاقبة كذلك، وحقيقته كان في علم اللَّه ذلك، فالتقطوه فكان ﴿لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، ﴿عَدُوًّا﴾ لمخالفتهم في الدين ﴿وَحَزَنًا﴾ لِمَا يجري من المكاره بسببه عليهم أجمعين، وهو كما يقال:
_________________
(١) بعدها في (ف): "أي فاطرحيه في النيل".
(٢) في (أ) و(ف): "والهلاك".
[ ١١ / ٤٠٣ ]
لدُوا للموت وابنُوا للخراب (^١)
قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: أي: آثمين بالكفر والمعاصي، فعوقبوا على ذلك بما جرى (^٢) عليهم بسببه.
قال وهب: لمَّا حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميعَ الناس ولم يطَّلع على حملها أحد، وكان فرعون بعث القوابل يفتِّشن النساء، ولم تنتفخ بطن أم موسى ولم يتغيَّر لونها، وكنَّ لا يعترضن لها، فولدته ليلًا ولا رقيب عليها، فلم يطَّلع عليها أحد إلا ابنتُها مريم، وكاما أسنَّ من هارون، وهارونُ أكبر من موسى بثلاث سنين، وكاما مريم تحت كالب بن يوقنا، وأوحى اللَّه إليها: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية. فكتمَتْه أمُّه ثلاثة أشهر ترضعه في حِجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت على نفسها وعليه (^٣) عملت له تابوتًا على عمل سفن البحر خمسةَ أشبار في خمسةِ أشبار، فأقبل التابوت يطفو على الماء، فألقى البحرُ التابوت في الساحل في جوف الليل، فلما أصبح فرعون وجلس في مجلسه على شاطئ النيل فبصر بالتابوت، فقال لمن حوله من خدمه: ائتوني بهذا التابوت، فأتوه به.
وقال مقاتل: كانت أمُّه تَتْبع التابوت وترمقه ببصرها وتخاف عليه الغرقَ، وكان
_________________
(١) صدر بيت لأبي العتاهية كما في "الحماسة البصرية" (٢/ ٤٢٧)، وعجزه: فكلكم يصير إلى ذهاب وهو في الديوان المنسوب لعلي ﵁ كما في "الخزانة" للبغدادي (٩/ ٥٣١) عجز، وصدره: له ملك ينادي كل يوم
(٢) في (أ): "يجري".
(٣) في (أ): "خافت عليها وعليه".
[ ١١ / ٤٠٤ ]
الماء يرفعه مرةً وَيخفضه أخرى (^١)، وإن جواريَ فرعون خرجن يستقين من النهر فرأين تابوتًا يجري به (^٢) الماء فأخذنه.
وقال كعب: كان فرعون وامرأتُه قاعدَيْن على شطِّ بِرْكته (^٣) فإذا هما بالتابوت، فأمر بأخذه، ففتح رأسه فإذا هما بغلام كأحسن ما يكون وأتمِّه، فلما رأياه لم تتمالك آسية حبًّا له.
وقال وهب: لمَّا نظر إليه فرعون قال: عبرانيٌّ من الأعداء، وغاظه ذلك وقال: كيف أخطأ هذا الغلامُ الذبح، وكانت امرأته آسيةُ بنتُ مزاحم من بني إسرائيل، وهي من خيار النساء ومن بنات الأنبياء، وكانت أمًّا للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم، فقالت لفرعون: إن هذا الولد أكبر من ابن سنة، وإنما أمرت بذبح الولدان في هذه السنة، فدَعْه يكون قرةَ عينٍ لي ولك، فذلك قوله تعالى:
* * *
(٩) - ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾: أي: هو قرةُ عين لي ولك، رقَّ قلبها له، ولعلها رأت من فرعون ما وقع عندها أن قلبه صار كذلك فقالت ذلك؛ أي: نرجو أن يكون لنا كالولد تقرُّ به أعينُنا.
﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾: أي: لا تذبحوه كما تذبحون أبناء بني إسرائيل ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ كما ينفعُ الخادم ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾؛ أي: نتبنَّاه، ولم يكن لفرعون ابن.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٣٧).
(٢) في (ر) و(ف): "يجريه".
(٣) بعدها في (أ): "في الباغ" وفي (ر): "في الباع".
[ ١١ / ٤٠٥ ]
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ما ينالُهم من المكروه من جهة موسى.
وقيل: لا يشعرون بكرامته على اللَّه.
وقيل: وهم لا يشعرون أنه من بني إسرائيل، فقد قالت آسية: إنما جاء التابوت من غير مصر، فليس هو من بني إسرائيل.
وقيل: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: بنو إسرائيل لا يعلمون أن آل فرعون التقطوه.
وقيل: هو تمام (^١) كلام آسية؛ أي: نتخذه ولدًا والناسُ لا يشعرون أنه ملتقَط، بل يظنون أنه مولودنا.
قال وهب: فومِقَه (^٢) فرعون واستَحْياه، وألقى اللَّه عليه محبته ورأفته، وقال لآسية: عسى أن ينفعك، وأما أنا فلا أريد نَفْعه.
قال ابن عباس: لو أن فرعون قال في موسى كما قالت آسية لنفعه اللَّه به، ولكنه أبى ذلك للشقاء الذي كتبه اللَّه عليه (^٣).
* * *
(١٠) - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾: قيل: خاليًا عن الصبر؛ كما قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
_________________
(١) "تمام" ليست في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "ووقفه". ومعنى "ومقه": أحبه.
(٣) قطعة من حديث الفتون، وهو خبر طويل جدًّا رواه النسائي في "الكبرى" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨)، عن ابن عباس ﵄.
[ ١١ / ٤٠٦ ]
وقيل: فارغًا عن كلِّ شيء إلا همَّ موسى.
وقيل: فرغ قلبُها حين علمت أنه حيٌّ في يد آل فرعون لا يقتلونه.
قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: أي: ما كادت إلا تُبدي به؛ أي: قرُبتْ أن تُظهر ذلك، و(تُبدي به) بمعنى: تُبديه؛ كما قال: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]؛ أي: المودةَ، والباءُ صلةٌ زائدة.
وقيل: أي: لتُبدي (^١) القولَ به؛ أي: عجزت عن الاحتمال وقاربت من الإظهار.
وقيل: لفراغ قلبها وزوالِ خوفها أرادت أن تُظهر.
وقيل: ﴿فَارِغًا﴾ بوعدِ اللَّه، وهو قوله (^٢): ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وكادت تبدي هذه البشارة.
وقيل: كادت تُبدي أنه ابنها حين أَخذ بثَدْيها.
﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾: أي: شدَدْنا قلبَها وثبَّتْناه بالصبر، وحفظناها عن الإظهار، وفيه دليلُ خلقِ اللَّهِ أفعالَ العباد.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: المصدِّقين بوعدنا.
* * *
(١١) - ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَقَالَتْ﴾: أي: أمُّ موسى ﴿لِأُخْتِهِ﴾؛ أي: لأخت موسى وهي مريم، وقيل: كلثم.
_________________
(١) في (أ): "التبدي" بدل من "أي: لتبدي".
(٢) "وهو قوله" ليس في (أ) و(ف).
[ ١١ / ٤٠٧ ]
﴿قُصِّيهِ﴾: أي: اتَّبعي أثره وامشي خلف التابوت على الشط.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾: أي: رأته ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾؛ أي: بُعْدٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: آلُ فرعون لا يعلمون أن أختَه تَقصُّه.
وقيل: رأوها ولم يعلموا أنها أختُه وأنها تتعرَّف أمره.
وقال وهب: لمَّا سمعت بأن آل فرعون التقطوا التابوت قالت لأخته: ﴿قُصِّيهِ﴾: تنكري واذهبي مع الناس فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت تقصُّه ودخلت مع القوابل على آسية، فلما رأت وَجْدَهم بموسى وحبَّهم إياه ورقَّتَهم عليه، وقد دعَوا بالمراضع، وكان لا يقبل الرضاع ولا يسكت بكاهُ ولا ينام، حتى شقَّ ذلك على فرعون وأحزنه، وذلك بسبب ما أراد اللَّه تعالى بموسى وذلك قوله تعالى:
* * *
(١٢) - ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾: أي: منعناه من أن يَرضع، وليس هو تحريمَ نهي وتكليفٍ، و﴿الْمَرَاضِعَ﴾ يصلح جمعَ مرضعةٍ ومُرضعٍ بضم الميم: وهي المرأة، ويحتمِل أن يكون جمعَ مَرْضَعٍ بفتح الميم وهو الثديُ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلِ أن تأتيَه أمُّه.
وقيل: قبل حضور أخته.
وقيل: أي: قبل وجوده بالقضاء (^١) السابق.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "للقضاء".
[ ١١ / ٤٠٨ ]
﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾: أي: هل لكم حاجةٌ إلى أن أُرشِدَكم إلى أهل بيتٍ يكفُلون بموسى يضمنون (^١) إمساكَه ويضمُّونه إلى أنفسهم للتربية والإرضاع.
﴿لَكُمْ﴾: أي من أجلكم وبسببكم ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾؛ أي: للصبيِّ ناصحون لا يمنعونه ما ينفعُه في تربيته وغذائه لا يخونونكم فيه.
وقال وهب: قالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾؛ أي: ينصحون الملك في كفالته ويحرصون على مسرَّته؟ قالت لها آسية: نعم، قالت: إن حنَّةَ امرأةَ عمران قد ولدت غلامًا وأمر الملكُ بذبحه، وهي غزيرة اللبن طيبةُ النفس بأنْ تُرضع لكم هذا الغلامَ لحزنها على ابنها، فدلَّتهم على أم موسى، فبعث إليها فرعون، فلما دخلت عليه ناولها الابنَ فسكن بكاؤه، فلما وضعته في حِجرها ووجد ريحها الْتَقف ثديَها فرضع حتى رَوِي ونام، فمكث موسى عند أمه بعدما كفَلَتْه حتى فطمَتْه ثم ردَّته إليه.
* * *
(١٣) - ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾: فالمحبُّ لا تَقَرُّ عينه إلا بلقاء المحبوب ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ بفراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عِلْمَ عِيَانٍ، فقد كانت علمَتْ ذلك علمَ خبر، وهو ما قال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: الكفار يتوهَّمون خُلفَ الوعد.
_________________
(١) في (ر): "موسى يضمون".
[ ١١ / ٤٠٩ ]
وقال وهب: وكان من لُطف اللَّه أن عطَّف اللَّه فرعون على موسى، فنشأ (^١) موسى في حجر فرعون وآسية يربِّيانه بأيديهما (^٢) وقد اتَّخذاه ولدًا فأكرماه ونعَّماه، فبينا هو يلعب بين يدي فرعون يومًا وبيده قضيبٌ خفيف صغير يلعب به، إذ رفع القضيب فضرب رأس فرعون، فغضب فرعون وتطيَّر من ضربه، وقال لامرأته: ألَا تَرَيْن إلى هذا الغلام كيف تناولني بالقضيب، وقد كنتُ قلتُ لكم: إنه من الأعداء، فأراد قتله، فقالت امرأة فرعون: أيها الملك، لا تغضب ولا يشقَّنَّ عليك هذا، فإنه صبيٌّ صغير لا يَعقل شيئًا، وليس (^٣) ينبغي لملكٍ أن يغضب من مثل هذا، فجربه إن شئت فاجعل في هذا الطست جمرةً وذهبًا فانظر إلى أيهما يقبض، فأمر فرعون بجمرةٍ وذهبٍ فوضعهما في طستٍ بين يدي موسى، فلما مد موسى يده ليقبض على الذهب قبض الملك الموكَّل به على يده فردها إلى الجمرة، فقبض عليها موسى فألقاها في فيه ثم قذفها حين وجد حرارتها، فقالت آسية لفرعون لعنه اللَّه: ألم أقل لك إنه لا يعقل شيئًا؟ فكف عنه فرعون وصدَّقها وترك قتله، فيقال: إن العقدة التي كانت في لسانه أثر تلك الجمرة (^٤)، وهي التي قال موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧].
* * *
_________________
(١) في (ر): "فأقام".
(٢) "بأيديهما" ليست في (ف).
(٣) في (أ): "ولا".
(٤) قطعة من خبر طويل رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٠٩٧) من طريق عبد المنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه عن ابن عباس ﵄ موقوفًا. وعبد المنعم بن إدريس قال عنه أحمد بن حنبل كما في "الميزان": كان يكذب على وهب بن منبه، وقال البخاري: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وعلى غيره.
[ ١١ / ٤١٠ ]
(١٤) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: أي: شدةَ بدنه وقوَّته ﴿وَاسْتَوَى﴾؛ أي: تناهى شبابه وتم خلقه.
وقيل: الأشُدُّ: جمع شَدٍّ بالفتح، كالبَحْر والأَبْحُر.
وقيل: شُدٍّ بالضم؛ كالنُّعْم والأَنْعُم.
وقيل: جمعُ شدَّة بالخفض (^١) كالنِّعمة والأَنْعُم.
وقيل: لا واحدَ له من لفظه استعمالًا.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾؛ أي: بلغ مبلغ الرجال (^٢).
وقيل: هو اثنتا عشرةَ سنةً، وقيل: ثماني عشرةَ سنةً.
وقال قتادة: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: ثلاثًا وثلاثين سنة ﴿وَاسْتَوَى﴾؛ أي: بلغ أربعين سنة (^٣).
وقيل: بلوغُ الأشُدِّ من ثماني عشرةَ إلى الثلاثين، ثم منها إلى الأربعين الاستواءُ.
وقالوا: خرج موسى من مصر إلى مدين وهو ابن اثنتي عشرةَ سنة، وكان عند شعيبٍ ثماني وعشرين سنة، وخرج بأهله إلى مصر وهو ابنُ أربعين سنة حين أوحى اللَّه إليه وقد رأى النار من جانب الطور.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: قال محمد بن إسحاق: فقهًا في دينه وعلمًا بشرائع دينه،
_________________
(١) "بالخفض" من (ف)، وفي (ر): "بالضم"، وليست في (أ).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٢٠) عن ابن وهب في تفسير سورة يوسف، ولم أجده عن ابن عباس.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٩٨) و(٢٢٠٠)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٢).
[ ١١ / ٤١١ ]
فكانت له من بني إسرائيل شيعةٌ (^١) يستمعون منه ويقتدون به ويطيعونه، فلما عرف ذلك رأى أن مفارقة فرعون وقومِه حقٌّ عليه في دينه، فتكلَّم وعابهم على ذلك حتى ذكر ذلك (^٢) منه، فأخافوه وخاف حتى كان لا يدخل مدينة فرعون إلا خائفًا مستخفيًا (^٣).
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: وكذلك نجزي من الأنبياء كلَّ مَن أحسنَ عمله لنا وصبر على طاعتنا؛ كما فعل موسى من مفارقتهم وعَيبِ آلهتهم، لما (^٤) فعل ذلك فآتيناه ما آتيناه جزاء له على إحسانه.
* * *
(١٥) - ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾: أي: ودخل موسى مدينة فرعون ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال أكثر المفسرين: نصفُ النهار، ووقتُ القائلة وخلوِّ الطريق.
وقيل: بين المغرب والعشاء.
وقيل: كان يومَ عيد لهم وقد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم.
قوله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾: يعني: يتشاجران ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وكان له. . . سبعة".
(٢) في (ر): "حتى تكرر".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٢ و١٨٤).
(٤) "لما" من (ف).
[ ١١ / ٤١٢ ]
أحدهما من شيعة موسى؛ أي: مشايعيهِ، وهم بنو إسرائيل ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ أي: والآخر من أعدائه، وهم قوم فرعون.
قال مجاهد: هذا سِبْطيٌّ وهذا قِبْطيٌّ (^١).
وقال ابن إسحاق: هذا مسلم وهذا كافر (^٢).
قيل: كان القِبْطيُّ قد تسخَّر الإسرائيليَّ.
وقيل: كانا كافرين، ولكن أحدُهما إسرائيليٌّ وكان من شيعة موسى بذلك لا بالدِّين، قاله قتادة (^٣).
وقيل: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾: يختصمان في الدِّين، أحدهما إسرائيليٌّ وكان من شيعة موسى يَدِين بدين التوحيد (^٤) والنبوة، والثاني لا يدين بهما.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾: أي: سأله الإسرائيليُّ أن يُغيثه (^٥) بالخلاص من يد القبطيِّ.
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾: أي: وكزه موسى في صدره بجُمْعِ كفِّه وهو غيرُ عامدٍ لقتله ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: أي: فقتله وفرغ منه.
﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: أي: قال موسى: إنما أغواني (^٦) بهذا الفعل الشيطانُ وهيَّج غضبي حتى ضربتُ هذا.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٧ - ١٨٨) عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير ومجاهد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٠٢)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٧).
(٤) في (أ) و(ر): "وكان بدين التوحيد"، بدل: "وكان من شيعة موسى يَدِين بدين التوحيد".
(٥) في (ر): "يعينه".
(٦) في (أ): "أغراني".
[ ١١ / ٤١٣ ]
﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾: أي: إن هذا الشيطان عدوٌّ ﴿مُضِلٌّ﴾: قاصدٌ إلى الإضلال والإفساد ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهر، ثم استغفر منه فقال:
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بفعل صار قتلًا ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ زلَّتي، فاستجاب له ربه ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ زلته ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالمغفرة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾: معينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ المذنبين (^١)، وإذا لم يكن مُعينًا للمذنب لا يذنب بنفسه.
وقيل: أي: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من القوة، وكان له قوة أربعين رجلًا، قال: لا أصرف هذه القوة إلى عون المجرمين.
وقيل: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من كلِّ النعم، وقلتَ: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] فشكري لك أن لا أُعِين المجرمين.
وقيل: أراد به: أني لا أُعِين بعد هذا إسرائيليًّا أيضًا، وكانوا يومئذ كفارًا، ومعنى ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾؛ أي: نسبًا لا دينًا، وهو قول قتادة كما مر.
وقوله (^٢): ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ قيل: هو باء سببٍ، وقيل: هو باء قسم.
_________________
(١) في (ف): "للمذنبين".
(٢) في جميع النسخ: "وقيل" والصواب المثبت.
[ ١١ / ٤١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ قيل: هو وعدٌ من نفسه (^١)، وقيل: هو دعاءٌ وسؤال من ربه (^٢).
﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: للمشركين، وقيل: هو عام في كل الظالمين.
* * *
(١٨) - ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾: على نفسه من أن يُعلم بما جرى على يديه.
_________________
(١) في (أ): "هو عدو من نفسه"، وهو تحريف ظاهر، وسقطت الجملة من باقي النسخ. وانظر التعليق الآتي.
(٢) قوله: "هو وعدٌ من نفسه، وقيل: هو دعاءٌ وسؤال من ربه" من (أ). وهذان الوجهان ذكرهما الفراء وتبعه المفسرون، وملخصهما: أن هذا القول من موسى ﵇ إما أن يكون خبرًا أو دعاء، والأول عزاه الفراء لابن عباس ﵄، قال الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٠٤): (وقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: لَمْ يستثن فابتُلِي، فجَعل (لن) خبرًا لموسى، وفي قراءة عبد اللَّه: (فَلَا تَجْعَلْنِي ظَهِيرًا) فقد تكون (لَنْ أكُونَ) على هذا المعنى دُعاءً من موسى: اللَّهُمَّ لن أكون لهم ظهيرًا فيكون دعاءً). قلت: وذهب اكثر إلى اختيار كونه خبرًا على ما ذكر عن ابن عباس، قال النحاس في "إعراب القرآن" (٣/ ١٥٨): (وأن يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق الكلام). وقال الواحدي في "البسيط" (١٧/ ٣٥٠): (ومذهب المفسرين أن هذا خبر وليس بدعاء؛ أخبر عن نفسه أنه لا يكون ظهيرًا للمجرمين بعد ذلك). قلت: والقول بأن (لن) هنا على حقيقتها للإخبار وليست دعاء رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢٠٤) عن قتادة، ويؤيده أنه وقع في الأمر مرة أخرى كما أشار إلى ذلك ابن عباس ﵄. واللَّه أعلم.
[ ١١ / ٤١٥ ]
﴿يَتَرَقَّبُ﴾: أي: ينتظر (^١) ويتوقَّع مكروهًا يقع به.
وقيل: ينظر هل عَلِم به أحد.
﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾: أي: ذلك الإسرائيلي ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾؛ أي: يستغيثه على قبطيٍّ آخر يشاجره (^٢).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي: ضالٌّ عن الرشد ظاهرُ الغيِّ، تُبِين عن نفسك، فقد قاتلت بالأمس رجلًا منهم فتفعل اليوم كذلك، وأوقَعْتَني أنت فيما أوقَعْتَني، وهذا لا يفعله رشيد في تدبيره؛ لأنك بذلك (^٣) تستدعي البلاء إلى نفسك وإلى مَن يريد نصرتك.
* * *
(١٩) - ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾: أي: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ﴾ موسى ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ بالقبطيِّ الذي هو عدوٌّ لموسى وللإسرائيلي، فوثب (^٤) عليه ليمنعه من أخذ الإسرائيلي وتسخيره.
﴿قَالَ يَامُوسَى﴾: أي: قال الإسرائيلي: ﴿يَامُوسَى﴾ (^٥)، وتوهَّم أنه إنما أراد أخذه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يتذكر".
(٢) في (ر): "يسخره".
(٣) في (ف): "لذلك" بدل: "لأنك بذلك".
(٤) في (أ): "فيثيب".
(٥) في (أ): "لموسى" بدل: " ﴿يَامُوسَى﴾ ".
[ ١١ / ٤١٦ ]
لا أخذَ القبطي؛ إذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، ورأى ندمه على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، ثم [لمَّا] (^١) رآه قصد نحوه ونحو صاحبه ظنَّ أنه إنما يقصده.
قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾: أي: القبطيَّ ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ما تريد إلا أن تكون قتَّالًا، وقيل: متجبِّرًا.
﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ في الأرض.
وقيل: أي (^٢): مَن أصلح بين متشاجرَين فإنما يدفع أحدهما عن الآخر، لا أن يقتل أحدهما.
وكان أمر قتل القبطي بالأمس قد شاع لكن خفيَ قاتلُه، فلما سمع القبطي في اليوم الثاني ذلك من السِّبطي لموسى ﵇ [علم] (^٣) أن موسى هو قاتل القبطي بالأمس، فذهب فأخبر فرعون وطلبوه ليقتلوه، وهذا عن ابن عباس ﵄ وجماعة (^٤).
وقال الحسن: قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ قولُ القبطي (^٥).
* * *
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) في (ف): "إن".
(٣) ما بين معكوفتين من "تفسير ابن كمال باشا" عند هذه الآية.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٩٣ - ١٩٦) عن ابن عباس وقتادة والسدي. وهو قطعة من حديث الفتون الطويل، رواه النسائي في "الكبرى" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨)، عن ابن عباس ﵄.
(٥) ذكره ابن فورك في "تفسيره" (١/ ٣٣٧).
[ ١١ / ٤١٧ ]
(٢٠) - ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين﴾.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾: قال محمد بن إسحاق: هو حزقيل بن سورا (^١) ابن عم فرعون، وهو مؤمن (^٢) آل فرعون.
﴿يَسْعَى﴾: أي: يسرع ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾: أي: أشرافَ القوم ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾؛ أي: يتشاورون ويرتؤون (^٣) فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ بالقبطي الذي قتلتَه ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
* * *
(٢١) - ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: أي خائفًا (^٤) على نفسه منهم، وقال ابن عباس ﵄: أي: خائفًا أن يضلَّ (^٥) الطريق (^٦).
_________________
(١) في (أ): "خريقيل بن صيورا" وفي (ف): "حزقيل بن صورا" وفي (ر) "خرقيل بن سورا". وهذا شيء يكثر الاختلاف فيه، ولا فائدة في استقصائه. على أنه قد روي عن ابن إسحاق خلافه، فقد روى الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٠٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٥٩)، عن ابن إسحاق أن اسم هذا الرجل: سمعان.
(٢) بعدها في (أ): "من".
(٣) "ويرتؤون" من (أ). وهو مذكور في معنى ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾. انظر: "تفسير الطبري" (١٨/ ٢٠١).
(٤) "أي خائفًا" زيادة من (ف).
(٥) "عن" ليس من (أ).
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٦٠)، ولفظه: (فخرج منها متوجِّهًا نحو مدينَ لَمْ يَلْقَ رجلًا قَبْل ذلك، وليس له بالطريق عِلْمٌ إلا حُسْنُ ظنِّه بِربِّه).
[ ١١ / ٤١٨ ]
﴿يَتَرَقَّبُ﴾: أي: ينتظرُ هل يلحقُه طلب فيؤخَذَ؟
ثم التجأ إلى اللَّه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: احفَظْني فلا يَلحقَني الطلب، فإنهم ظالمون بقتلي.
وقال الإمام أبو منصور: دل هذا على صحة قول أبي حنيفة ﵀: أن القتل بالمثقَّل لا يوجِب القِصاص، فإن موسى جعلهم ظالمين بطلب القصاص بقتله بالوكزة، والوكزة من موسى -وله قوة أربعين رجلًا- كانت مفضيةً إلى القتل ولم تكن موجبة للقصاص، حتى عدَّه موسى ﵇ ظلمًا (^١).
وفي "تفسير مالك بن سليمان الهروي" (^٢): أن الرجلين المقتتِلَين (^٣) كان أحدهما السامريَّ واسمُه ميحا (^٤)، والآخرُ طباخَ فرعون واسمه فليتون (^٥)، فسخَّر السامريَّ بحمل الحطب إلى المطبخ، وكذلك قال وهب في "المبتدأ"؛ قال: فخرج (^٦) موسى من مصر لا يدري إلى أي وجه يسلك ﴿خَائِفًا﴾ ليس معه زاد ولا حمولة ولا صاحبٌ (^٧) متوجِّهًا تلقاء مدين، وهو قوله تعالى:
* * *
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٥٦).
(٢) مالك بن سليمان الهَرَويّ، أبو عبد الرحمن السَّعديّ المفسر، توفي سنة (٢١٤ هـ). انظر: "تاريخ الإسلام" (٥/ ٤٥٧).
(٣) "المقتتلين" ليست في (أ).
(٤) في (ف): "منجا".
(٥) في (ر): "فليقون".
(٦) في (ف): "خرج" بدل: "قال: فخرج".
(٧) في (أ): "صاحبة".
[ ١١ / ٤١٩ ]
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أي: أرجو أن يرشدني إلى وسط الطريق، فسار موسى من مصر إلى مدينَ ثماني (^١) ليالٍ وقد تفطَّرت قدماه دمًا وقَرِحَ شِدْقاه من أكل ورق الشجر.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾: قيل: كان قصدُه مدين وهو لا يعرف جهتها، فتوجَّه وجهًا على رجاء أن يصل إليها.
وقيل: لم يقصد مدين، لكن أخذ طريقًا يرجو أن تؤديه إلى مأمنٍ.
ولما وصل إلى ماء مدين وهو بئرٌ لهم ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾: أي: جماعةً يسقون مواشيَهم.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾: أي: أسفلَ من الجماعة ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ قال السدي: أي: تَحْبِسان غنمَهما (^٢).
وقال قتادة: أي: تطردان الناس عن شائهما (^٣).
وقد ذاد يَذُود ذَوْدًا وذِيَادًا؛ أي: حبَس إبلَه أو غنمه أو نحوَ ذلك عن الشيء يمنعها منه (^٤). قال الشاعر:
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ثلاث".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٠٨).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٠٩) بلفظ: (تذودان الناس. .).
(٤) في (ر) و(ف): "عنه".
[ ١١ / ٤٢٠ ]
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن ذيادي الطيرَ عن أرزاقها
في سنةٍ قد كشفت عن ساقها حمراءَ تُبدي اللحمَ عن عُراقها (^١)
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾: أي: ما شأنكما واقفتين لا تسقيان كسائر الناس؟
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾: أي: نحن لا نسقي غنمنا ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ قال ابن عباس ﵄: لا قوةَ لنا على الاستقاء، وانما ننتظر فضولَ الماء في الحوض (^٢). وكذا قال ابن إسحاق وقتادة (^٣).
وقيل: كان تأخُّرهما لمنع الناس.
وقيل: لحيائهما من (^٤) مزاحمة الناس، ولتجنُّبهما عن مخالطة الناس.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ بفتح الياء وضم الدال؛ أي: يرجع، وهو لازم.
وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الدال من الإصدار (^٥)، وهو متعدٍّ.
_________________
(١) الرجز نسبه البلاذري في "أنساب الأشراف" (١٢/ ٣٨٤) لأبي البلاد خليفة بن بلاد، وذكره الراغب في "محاضرات الأدباء" (١/ ٢١٢) وقال: الأبيات لرؤبة قالها وقد تولى طراد الطير عن زرع له. وهو دون نسبة في "غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٢٦٣)، و"الزاهر" لابن الأنباري (٢/ ٣٧١)، و"البصائر والذخائر" للتوحيدي (٩/ ١١٤)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٩)، و"اللامع العزي شرح ديوان المتنبي" للمعري (ص: ١٢٩٩). وجاء في جميع المصادر: (وعن طرادي الطير. . .)، فلا شاهد فيه. وفيها أيضًا (تبري) مكان: (تبدي).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٦٤).
(٣) رواه عن ابن إسحاق الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٢)، وعن قتادة ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٦٣).
(٤) في (ف): "عن".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٢)، و"التيسير" (ص: ١٧١)، و"النشر" (٢/ ٣٤١).
[ ١١ / ٤٢١ ]
والرِّعاء: جمع راعٍ؛ كالقيام جمع قائم.
والرعاء: هم الذين يرعَون المواشي، والرعاة: هم الذين يرعَون الناس وهم الولاة.
ومعنى الأول: حتى ينصرف الراعون فيَصْدُروا عن وُرودٍ.
ومعنى الثاني: حتى يردُّوا ماشيتَهم إصدارًا عن إيرادٍ.
وقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾: لا يستطيع حضور الماء فيسقيَ غنمه بنفسه، وليس له عون غيرَنا.
* * *
(٢٤) - ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: أي: فسقى موسى غنمهما لأجلهما قبل صدور الرعاء ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾؛ أي: توجه إلى ظلِّ شجرة.
وقيل: كانت سَمُرةً (^١).
وقيل: كان ظلَّ حائط.
ودلَّ على أن البئر كانت في الشمس، ودلَّ أنه لا بأس بالجلوس تحت الظل.
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: أي: يا رب إني إلى ما (^٢) تُنزل إليَّ من رزقٍ محتاج.
_________________
(١) السمر من شجرة الطلح: شجر صغير الورق قصير الشوك، له برمة صفراء وخشبه جيد للسقوف. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: سمر).
(٢) في (ف): "إني لما".
[ ١١ / ٤٢٢ ]
قال ابن عباس ﵄: سأل ما يسدُّ به جَوعتَه (^١)، فقد كان جائعًا ثمانية أيام.
و(اللام) بمعنى (إلى) كما قال: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: إليها، ويقال: هداه اللَّه لكذا، أو إلى كذا.
وقيل: معناه: مع ما ﴿أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾؛ أي: أعطيتني من الخير؛ أي: من كل خير ﴿فَقِيرٌ﴾ إلى خيرٍ آخر وهو الطعام.
وقيل: سأل خبزَ الشعير، شكر أولًا لِمَا سَلَف وسأل في المؤتنَف.
والشيخ الكبير هو شعيبُ بن ثويبِ بنِ مدين بنِ إبراهيم ﵇ (^٢)، وسميت تلك البلدة (^٣) ﴿مَدْيَنَ﴾ باسم جده مدين بن إبراهيم، وكان لإبراهيم أربعة بنين: إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، وإليهما نسبت البلدتان مدين ومدائن.
هذا قول ابن عباس ومقاتل والضحاك ومجاهد والسدِّي: أنه شعيب (^٤).
_________________
(١) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٦١). وانظر: "النكت والعيون" (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٢) هذا أحد الأقوال في اسم نبي اللَّه شعيب ﵇، وقيل في نسبه غير ذلك، وقد تقدم تفصيل ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقيل في صاحب القصة أقوال غير هذا أيضًا، منها أنه ابن أخي شعيب كما سيأتي، ومنها أنه أجنبي عنه، وقد جمع ذلك ونقل ما فيه من أقوال الآلوسي في "روح المعاني" (٢٠/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٣) في (أ) و(ف): "الولاية".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٤٤) عن مجاهد والضحاك والسدي والحسن. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٢٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٦٥)، عن الحسن. وعقبه الطبري بقوله: وهذا مما لا يُدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله اللَّه جل ثناؤه. وقال الآلوسي في "روح المعاني" (٢٠/ ١٤٨): والأخبار التي وقفنا عليها في هذا المطلب مختلفة، =
[ ١١ / ٤٢٣ ]
وقال وهب بن منبه وسعيد بن جبير: هو يثرون (^١) ابن أخي شعيب، [وكان شعيب قد] مات قبل (^٢) ذلك بعد ما كُفَّ بصرُه فدفن بين المقام وزمزم (^٣).
وقال محمد بن إسحاق: المرأتان أكبرهما صَفُوراء والأخرى ليا (^٤).
وقيل: الكبرى صَفْراء والصغرى (^٥) صُفَيراء.
وقال وهب: الكبرى صَفُوراء والصغرى حنوفا (^٦).
_________________
(١) = ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيما بينها، وكأني بك تعول على المشهور الذي عليه أكثر المفسرين، وهو أن أباهما على الحقيقة شعيب ﵇ إلى أن يظهر لك ما يوجب العدول عنه.
(٢) في (أ): "نيرون"، وفي (ر): "تبرون"، وفي (ف): "شرون". والمثبت من "تفسير البغوي"، وانظر ما سيأتي بعد تعليق.
(٣) في (ر): "بعد"، والصواب المثبت. وانظر التعليق الآتي.
(٤) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٤٤)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٢٠٠)، وما بين معكوفتين منهما. ووقع اسمه عند الثعلبي: (بثرون)، وعند البغوي: (يثرون) كما ذكرنا، وكذا رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٢٣) عن أبي عبيد بن عبد اللَّه بن مسعود قال: الذي استأجر موسى يثرون ابنُ أخي شعيب ﵇. وهكذا ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٢٤٧)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٨٤) عن أبي عبيدة، وكذا رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٦٦) لكنه سماه: (أثرون)، ثم أعقبه بقول أبي زرعة: (الصحيح: يثرون)، وذكر ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٨٤) عن الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان. وروى الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٢٣) عن ابن عباس: الذي استأجر موسى: يثرى صاحب مدين. والبحث في هذا طويل لا ينتهي لكثرة الاختلاف بين المصادر والنسخ فيه، وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥].
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٦٩).
(٦) في (ر): "وقيل صفرى والأخرى".
(٧) في (أ): "حيوتا".
[ ١١ / ٤٢٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: قال شريحٌ: رفع لهما حجرًا لا يَقدر على رفعه إلا عشرة رجال (^١).
وقيل: أربعون رجلًا.
وقال مجاهد: مئة رجل، وكان الدلو لا ينزعها إلا أربعون رجلًا، فرفع الحجر بنفسه، ونزع الدلو بنفسه، وكان له قوة أربعين رجلًا (^٢).
وقال محمد ابن إسحاق: زاحم (^٣) القوم حتى نحَّاهم عن رأس البئر ثم سقى لهما (^٤).
وقال القشيري: لمَّا أحس موسى من نفسه قوةَ مئة رجل خاف العُجب على نفسه، فقال: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فرأى فقرَه وفاقته؛ أي: وإن تعاطيتُ ما تعاطيتُ بما بي من القوة فإني فقير إليك وإلى رحمتك؛ أي: لم أعمل إلا بقوَّتك (^٥).
ولمَّا سقى موسى غنمهما قبل سقي الناس أسرعتا الرجوع إلى أبيهما، فقال: ما لكما أسرعتُما الرجوع؟! فحكيا له ذلك، فأمر إحداهما أن تدعوه ليجزيه أجر ما سقى لهما.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٣) عن شريح وابن جريج.
(٢) لم أجده، وروى الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٣) عن مجاهد قال: فتح لهما عن بئر حجرًا على فيها، فسقى لهما منها.
(٣) في (أ) و(ف): "زحم".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٤).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٦٣).
[ ١١ / ٤٢٥ ]
(٢٥) - ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: مستترة بكمِّ درعها (^١).
وقيل: جاءت الكبرى ساترةً وجهها.
وقال سعيد بن المسيب: كانت حَيِيَّةً لم تكن خرَّاجة ولَّاجة (^٢).
وقيل: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي﴾ هاهنا وقف، ثم قال: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ﴾ فكان الحياء في (^٣) الكلام.
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾: أي: ليعطيَك ثوابَ ما عملتَ لنا، وفيه دليل على أن المكافأة على الصنيعة لازمةٌ، ويُستحب للمصطَنِع أن لا يطلبَ مكافأة وأن لا يقبل؛ ليبقى (^٤) له الفضل، ولو قبِل عند الحاجة فلا بأس به؛ لأن موسى قبل ذلك لحاجته.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: ليس لفرعون سلطان بأرضنا (^٥)، وهو إجابةٌ لدعوته: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
_________________
(١) لم أجده عن ابن عباس، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٨) عن عمر ﵁.
(٢) لم أجده عن سعيد بن المسيب، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٤٢)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢١٩)، من قول عمر ﵁.
(٣) في (ر): "على استحياء فكان ابتداء".
(٤) في (ف): "أن لا يطلب مكافأة ولا يطلب لسقي بل له".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٢٠ - ٢٢١). وهو قطعة من حديث الفتون الطويل، رواه النسائي في "الكبرى" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨)، عن ابن عباس ﵄.
[ ١١ / ٤٢٦ ]
قال وهبٌ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ أهلَ (^١) شاءٍ ونَعَمٍ ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ غنمَهما عن الماء، فرقَّ لهما موسى حين نظر إليهما ورآهما ضعيفتين لا تصلان إلى الماء لكثرةِ مَن عليه من الناس، فـ ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على أن يليَ سقيَ ماشيته بنفسه لضعفه وكِبَر سنِّه -ويقال: إنه كان ضريرَ البصر- فنحن ننتظر الرعاء، فإذا فرغوا من سقي مواشيهم تقدَّمنا فسقينا مواشيَنا ثم انصرفنا إلى أبينا، فلمَّا سمع موسى مقالتهما رقَّ لهما فأخذ دلوهما ثم تقدَّم فزاحم القوم (^٢) حتى أفرجوا له فرجة ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ ماشيتَهما، وكان رجلًا قويًّا كأقوى الرجال، فلما فرغ من سقيهما ﴿تَوَلَّى إِلَى﴾ ظل شجرة ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وأمنيتُه يومَه (^٣) شبعةٌ من طعام، وكان على رأس البئر صخرةٌ لا يزيلها أقلُّ من ثلاثين رجلًا، فرفعها وحده.
فانصرفتا إلى أبيهما في ساعةٍ لم تكونا تنصرفان إليه فيها، فسألهما فأخبرتاه الخبر، وكيف سقى لهما موسى، وكيف زاحم الرجال على الماء، فقال شعيب لصفوراء ابنته وهي إحداهما: انطلقي فأتي بهذا الرجل، فجاءته ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ فوجدته قاعدًا في الظل، فقالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ فقام موسى معها وقال لها: امشي أمامي وأنا خلفك إلى أهلك، فجاءت الريحُ فوصفته (^٤) ثيابها وموسى منكِّس لا ينظر إليها،. . . . . .
_________________
(١) في (ف): "أي".
(٢) في (أ): "فزحم القوم"، وفي (ف): "فزاحم الناس".
(٣) في (ف): "قوته".
(٤) في (ر) و(ف): "فرفعت"، والمثبت من (أ)، والمعنى عليه: فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته. انظر: "الكشاف" (٣/ ٤٠٢).
[ ١١ / ٤٢٧ ]
فخشي (^١) أن تحين (^٢) منه نظرة، فقال لها: امشي خلفي فإنَّا لا ننظر في ظهور النساء وهذا يومُ ريح، فنعتت له الطريق ومشت خلفه، فلما دخل على شعيب سأله عن حاله فأخبره موسى بخبره، فقال له: ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وأخبرت أباها بذلك (^٣).
* * *
(٢٦) - ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾: أي: لرعي أغنامنا وسقيها والقيام بمصالحها.
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: أي: خيرَ مَن استأجرته، وهذا قويٌّ أمين.
روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يا بنية، ما أمانتُه وما قوته؟ قالت: أما قوتُه فرفَع الحجر ولا يطيقه إلا جماعة، وأما أمانته فإنه قال لي: امشي خلفي وصِفي لي الطريق فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصفَ (^٤) لي جسدك، قال (^٥): فزاده فيه رغبة (^٦).
* * *
_________________
(١) في (ر): "يخشى".
(٢) في (أ): "تحير".
(٣) "وأخبرت أباها بذلك" من (أ).
(٤) في (ر) و(ف): "فيظهر".
(٥) "قال" ليس من (أ).
(٦) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٤٢) من قول عمر ﵁. وورد ضمن حديث الفتون الطويل، رواه النسائي في "الكبرى" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨)، عن ابن عباس ﵄، وروى هذه القطعة عنه أيضًا الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٢٥).
[ ١١ / ٤٢٨ ]
(٢٧) - ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾: يعني: على أن تأجُرني نفسَك فتكونَ أجيري ثماني سنين (^١) ترعى غنمي، والحجة: السنة؛ لأن في كل سنةٍ حَجةً، فسمَّوها بها لتضمُّنها إياها تعظيمًا لها.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾: أي: فإن زدت على الثمانية فأتممت السنين عشرًا فذلك تطوُّع من عندك لا يَلزمك ذلك لي بعقد الإجارة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾: أي: أحملَ عليك ما يشتد عليك.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: ممن يَفي بالشرط فلا يتعدَّى ولا يطالب بما وراء الشرط، ومَن فعَل ذلك فهو صالح.
* * *
(٢٨) - ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾: أي: هذا شرطٌ بيننا على كلِّ واحد منا الوفاءُ به لصاحبه.
﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾: أي: أيَّ المدتين وَفَيْتُك العملَ فيها ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيّ﴾؛ أي: فليس لك أن تُلزمني أكثر منه متعدِّيًا عليَّ.
_________________
(١) في (أ): "حجج".
[ ١١ / ٤٢٩ ]
وقيل: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾: أي: ما ذكرتَ من الأجلين فهو أمرٌ بيني وبينك أفعلُ منه ما أحببتَ لا شرطَ عليَّ فيه.
﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: أي: على ما نعقد عليه حفيظ.
وقال وهب: رعى موسى لشعيب ثمانيَ حجج، فأدخل عليه ابنته وفوَّض إليه أمره، ثم رعى موسى أيضًا (^١) بعد ذلك سنتين وأتمَّها عشرًا فقضى أوفى الأجلين وأتمهما.
وعن وهب: أنه لما قضى الأجل أنكحه أكبرَهما (^٢).
وعن النبيِّ -ﷺ- أنه سئل: أيَّ الأجلين قضى موسى، وأيَّ الابنتين تزوج؟ قال: "تزوج صغراهما (^٣) وقضى أوفاهما" (^٤).
وقيل: خيَّره شعيبٌ فيهما، فقال: أختار التي مدحَتْني، فكيف بمن مدَح اللَّه تعالى بكلِّ حال؟
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: أفرسُ الناس ثلاثة: ابنةُ شعيب في قولها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ الآية، والذي تفرَّس في
_________________
(١) "أيضًا" ليست في (ر).
(٢) في (أ): "كبراهما".
(٣) في (ر) و(ف): "صغراهما".
(٤) قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٢٦): (أخرجه الطبراني [في "الأوسط" (٥٤٣٠)] والبزار [في "مسنده" (٣٩٦٤)] من طريق عوبد بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبي ذر: أن النبي -ﷺ- سئل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأبرهما"، قال: وسئل: أيَّ المرأتين تزوج؟ قال: "الصغرى منهما"، وعويد ضعيف). ثم ذكر عن ابن مردويه نحوه من حديث أبي هريرة رفعه وقال: (وفي إسناده سليمان الشاذكوني وهو ضعيف).
[ ١١ / ٤٣٠ ]
يوسف ﵇: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ وأبو بكر حين تفرَّس في عمر ﵁ فاستخلفه (^١).
وروي: أن شعيبًا قال لموسى صلوات اللَّه عليهما حين جنَّ الليل: ادخل ذلك البيتَ فأَخْرِج عصًا من تلك العصيِّ، فدخل فأخرَج عصًا كان آدمُ أخرجها من الجنة، فلما نظر شعيب إليها ضرَبها في العصي فقال (^٢): أَخْرِج غيرها، فأخرجها بعدما ألقاها في العصي، حتى فعل ذلك سبعَ مرات، فعلم شعيب أن لموسى شأنًا، فلما أصبح قال له: سُقْ هذه الأغنامَ إلى مفرق الطريق، ثم خذ عن يمينك وليس بها عشب كثير، ولا تأخذ عن يسارك وفيها عشب كثير لكن فيها تنين يقتل المواشي، فساق موسى المواشي إلى مفرق الطريق، فأخذن نحو اليسار ولم يقدر على ضبطهن وانسرحنَ في الكلأ، فنام موسى فخرج التنِّين، فقامت العصا فصارت شعبتاها حديدًا وحاربت التنين حتى قتلته وعادت إلى موسى، فلما انتبه موسى رأى العصا مخضوبةً بالدم والتنينَ مقتولًا، فارتاح لذلك وعاد إلى شعيب، فمسَّ الأغنام فإذا هي أمثلُ حالًا، فسأله عن العصا (^٣) فأخبره بها، ففرح بذلك شعيب وأراد أن يجزي موسى عليها، فقال له: كلُّ ما ولدت الأغنام في هذه السنة من أولاد سود فهو لك، فكانت الأولاد في تلك السنة كلُّها سودًا، فحازها كلَّها، وفي السنة الثانية شرَط ذلك في البِيض
_________________
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٢٧٣)، وسعيد بن منصور في "سننه" (١١١٣) (التفسير)، وابن الجعد في "مسنده" (٢٥٥٥) وابن أبي شيبة (٣٧٠٥٨)، والطبراني في "الكبير" (٨٨٢٩)، والحاكم (٣٣٢٠) عن ابن مسعود موقوفًا. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
(٢) في (أ) و(ر): "حلي بها فقال"، بدل: "ضربها في العصي وقال".
(٣) في (أ): "القصة".
[ ١١ / ٤٣١ ]
فولدت كلُّها بيضًا فحازها، وفي السنة الثالثة قال: كلُّ ولدٍ وُلد (^١) له لونان سوادٌ وبياض فهو لك، فكان الكلُّ كذلك فحازها كلَّها، وعلم شعيب أن له عند اللَّه منزلة.
* * *
(٢٩) - ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾: قيل: عشر سنين ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾: وخرج بإذن شعيب مع امرأته وأولاده وعبيده يريد مصر وأخاه وأختَه وقرابتَه وهم بها.
﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾: أي: أَبصر نارًا ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾؛ أي: الْبَتوا مكانكم ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ في الدلالة على الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾؛ أي: قطعةٍ غليظة من الحطب فيها النار، وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وضمها وكسرها، والفتح قراءة عاصم، والضم قراءة حمزة، والكسر قراءة الباقين (^٢).
وقال قتادة: الجذوة: الشعلة من النار (^٣).
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: أي: تستدفئون، وكانت ليلةً شاتيةً ذاتَ بردٍ ومطر.
_________________
(١) "ولد" ليست في (أ).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٣)، و"التيسير" (ص: ١٧١).
(٣) هذا القول رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢١٢) عن معمر عن الكلبي، أما قتادة فقد روى عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢١٣)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٤٠)، عن معمر عنه أنه قال في معنى الجذوة: (أصل الشجرة في طرفها النار)، وروى الطبري نحوه من طريق سعيد عن قتادة، ثم روى عن معمر قال: (قال غير قتادة. . .) فذكر مثل رواية معمر عن الكلبي بالحرف، فغير قتادة هو الكلبىِ على الأظهر كما يظهر من رواية عبد الرزاق عن معمر، فلعل من نسبه لقتادة سقطت عنده كلمة (غير) التي في رواية الطبري، أو تحرفت إلى (عن).
[ ١١ / ٤٣٢ ]
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾: أي: جانبه الأيمنِ، نعتٌ للشاطئ، وهو عن يمين المتوجِّه إليه.
﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾: أي: في القطعة المفرَدة من ذلك الوادي، و﴿الْمُبَارَكَةِ﴾ صفتُها على ما مر في قوله تعالى: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّار﴾ [النمل: ٨]، والوادي هو الوادي المقدسُ طُوى.
﴿مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: أي: ونودي: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾.
﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾: أي: فألقاها -وهذا مضمر- فلما رآها ﴿تَهْتَزُّ﴾؛ أي: تتحرك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حية خفيفة في سعيها، وهي تعبانٌ عظيمةٌ في جثَّتها ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾؛ أي: لم يرجع.
﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾: أي: قيل له: يا موسى لا تخَفْ مِن الذي تهرب منه ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ مما تخاف.
* * *
(٣٢) - ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾: أي: أدخلها ﴿فِي جَيْبِكَ﴾؛ أي: في جيب قميصك ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: متلألئةً لها شعاعٌ ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أي: آفةٍ من البرص ونحوه.
[ ١١ / ٤٣٣ ]
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾: أي: يدك، واليدان للآدمي كالجناحين للطير.
وقيل: كان بسَطَها اتقاءً عن الحية، فقيل له: ضُمَّها ولا تفتحها (^١).
وقال الضحاك والفرَّاء: ﴿جَنَاحَكَ﴾؛ أي: عصاك (^٢).
وقيل: أي: اضمُمْ يدك إلى صدرك تسكينًا للقلب.
وقيل: أي: تعظيمًا للرب، فإنه من الخشوع والتواضع.
قوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: ﴿من الرَّهَب﴾ بفتح الراء والهاء، وقرأ ابنُ عامرٍ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ وحمزةُ والكسائيُّ بضم الراء وجزمِ الهاء، وروى حفصٌ عن عاصم بفتح الراء وجزمِ الهاء (^٣)، وهي لغاتٌ في الرَّهب (^٤).
وقيل: هو متَّصل بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.
وقيل: الرهب: الكُمُّ بلغة بني حنيفة، حكاه مقاتلُ بن سليمان (^٥).
﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالتشديد، وذلك للتأكيد، والباقون بالتخفيف (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "تخفها".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٠٦).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٣)، و"التيسير" (ص: ١٧١). قال ابن مجاهد: (وروى هُبَيْرَة عن حفص عن عاصم: (من الرَّهَب) بفتح الرَّاء والهاء وهو غلط).
(٤) في (أ): "قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وأبو جعفر وسهل ويعقوب والخزاز عن هبيرة عن حفص من الرهب بفتح الراء والهاء وروى حفص عن الخزاز عن عاصم بفتح الراء وجزم الهاء وقرأ الباقون بضم الراء وجزم الهاء وهي لغات في الرهب".
(٥) ذكره عن مقاتل الأزهري في "تهذيب اللغة" (٦/ ١٥٦)، ولفظه: (الرَّهَب كمُّ مِدْرعته).
(٦) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٣)، و"التيسير" (ص: ١٧١). وقراءة يعقوب من رواية رويس عنه. انظر: "النشر" (٢/ ٢٤٨).
[ ١١ / ٤٣٤ ]
قوله: ﴿بُرْهَانَانِ﴾؛ أي: حجَّتان ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (^١) على صدق نبوتك.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: أي: على إرسالك إلى فرعون وأشرافِ قومه.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ متقادمِين في (^٢) الفسق، وهو الخروج عن طاعة اللَّه.
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾: أي: القبطيَّ الذي مرَّ ذكره ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به، وهو خوف الطبع.
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾: أي: أَبْيَنُ كلامًا ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾؛ أي: اجعله رسولًا إليهم معي ﴿رِدْءًا﴾؛ أي: عونًا على تبليغ الرسالة.
﴿يُصَدِّقُنِي﴾: قرأ عاصم وحمزة برفع القاف على الصفة، وقرأ الباقون بالجزم على الجزاء (^٣).
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: فإذا كان معي أخي قمنا بمحاجَّتهم.
* * *
(٣٥) - ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: أي: سنقوِّيك به، وهو مجاز.
_________________
(١) في (ر): "من ذلك"، وفي (ف): "من ذانك".
(٢) في (أ): "متقادمي" بدل: "متقادمين في".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٤)، و"التيسير" (ص: ١٧١).
[ ١١ / ٤٣٥ ]
﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: أي: حجةً، وقيل: قوة وقدرة ومنعة.
﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾: أي: فلا يصيبونكما بمكروهٍ.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: قيل: هو متصل بقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا. . . بِآيَاتِنَا﴾.
وقيل: هو متأخر، وتقديره: (أنتما ومَن اتَّبعكُما الغالبون بآياتنا) وهي المعجزات.
ويجوز أن تكون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مقرَّرةً في موضعها: فلا يَصلُون إليكما بسبب آياتنا، وكان له ثلاثة أوجهٍ، وقد مرت القصة مرات.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: أي: بمعجزاتنا ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحاتٍ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلَقٌ لا حقيقةَ له ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾: ما دعَونا إلى التوحيد.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أجملَ الكلامَ تلطُّفًا في الخطاب، ومعناه: ما جئتكم به حقٌّ وهدًى وليس بسحرٍ، وربي عالمٌ بذلك، وأنتم ظالمون، وحُسنُ العاقبة لي في الدنيا والآخرة ولمَن اتَّبعني لا لكم.
* * *
(٣٨) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
[ ١١ / ٤٣٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾: فلا تسمعوا قول موسى ولا تجيبوه إلى التوحيد.
قال ابن عباس ﵄: كان بين قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وبين قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ أربعون سنة (^١).
وقال الحسن: لقد أملى اللَّه لفرعون بعد هاتين (^٢) الكلمتين أربعين سنة.
وقيل في قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: أي: الكلمةِ الآخرةِ والكلمةِ الأولى وهما هاتان.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾: هو وزيرُه ﴿عَلَى الطِّينِ﴾؛ أي: فاطبخه فاجعله آجُرًّا.
قال قتادة: هو أولُ مَن طبَخَ الآجرَّ وبنى به (^٣).
﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾: أي: اتخِذْ لي منه قصرًا عاليًا ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾؛ أي: واجعل لي مراقيَ أَرْقاها فأَرى إلهَ موسى، أو قال: فأصِلَ إلى إله موسى، ظنَّ اللعين أن موسى يقول: إن اللَّه في السماء؛ لإظهاره نزول الوحي عليه من السماء، فقال: أصعدُ فأنظرُ إليه.
وقد ناقض اللعين في كلامه من وجوه؛ قال أولًا: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ثم أقر فقال: ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، ثم ذكر من نفسه الظنَّ فقال:
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: أظنُّ موسى يكذِبُ في دعواه أن له إلهًا، وأنه أرسله إلينا رسولًا يدعونا إلى توحيده وعبادته.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٨٤ - ٨٥) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد والشعبي.
(٢) في (ر) و(ف): "بهاتين" بدل: "بعد هاتين".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢١٧)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٥٥).
[ ١١ / ٤٣٧ ]
(٣٩ - ٤٠) - ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾: أي: تعظَّم عن الاستسلام والإسلام ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرضِ مصر ﴿بِغَيْرِ الْحَق﴾؛ أي: بالباطل ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا﴾؛ أي: إلى حسابنا وجزائنا ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، وليس هذا بعذرٍ لهم، بل ذمٌّ (^١) بالجهل وتركِ التأمُّل في الآيات حتى يعلموا.
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾: أي: عاقبناهم ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمّ﴾؛ أي: فألقيناهم في البحر فأغرقناهم، على ما مرت قصتُه.
﴿فَانْظُرْ﴾: يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ فليَحْذرْ قومك أن يجري عليهم مثلَ ذلك.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: أي: قادةً في الشر والضلال ليقتديَ بهم فيها أمثالهم ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ وفيه دلالةُ خلقِ اللَّه تعالى أفعالَ العباد ودلالةُ الإرادة (^٢).
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يَمنع العذابَ عنهم مانعٌ.
_________________
(١) بعدها في (أ): "لهم".
(٢) في (أ): "العذر".
[ ١١ / ٤٣٨ ]
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾: أي: ألزمناهم طردًا وتبعيدًا عن كلِّ خير، وقيل: هو ما يَلحقهم من لعنِ الناس إياهم بعدهم.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: قال ابن كيسان: أي: من المهلَكين.
وقال الخليل: قبَّحه اللَّه؛ أي: نحَّاه من كلِّ خير (^١).
وقيل: من المشوَّهين، والتشويه: تقبيحُ الخِلقة.
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾؛ أي: بعد أممٍ قد مضت أهلكناها بكفرها ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: حججًا للناس وهم بنو إسرائيل، والتوراةُ جعلت بصائرَ لهم يبصرون بها الرشد.
﴿وَهُدًى﴾ إلى الحق ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن اتبعها وعمل بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ليتَّعظوا بها.
﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾؛ أي: بجانب الجبل الغربي، وقيل: أي: الوادي الغربي.
وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه، فإن الغربي هو الجانب، وهو كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].
_________________
(١) انظر: "العين" (٣/ ٥٣).
[ ١١ / ٤٣٩ ]
قوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾: أي: كلَّمناه وقرَّبناه نجيًّا، وأتممنا تعريفه وأمره به.
﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أي: من الحاضرين ذلك.
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾.
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: أي: لم تكن هناك ولا حضرْتَ ما جرى من الأمر فيكونَ إخبارك قومَك به عن مشاهدةٍ، ولكنَّا أنشأنا قرونًا ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ وفتَرتِ النبوة، وكادت الأخبار تخفى والشرائعُ تَدْرُس، ولحقَ كثيرًا منها التحريف.
ثم هاهنا مضمر: فأرسلناك مجدِّدًا (^١) لها، مبيِّنًا ما وقع التحريف فيه (^٢)، رحمةً وهدًى وتبصيرًا لعلهم يتذكَّرون، كما فعلنا ذلك بموسى.
ومنهم مَن قال: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِين﴾ عليه؛ لأن الحضور مستفادٌ بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾.
ومنهم مَن حقَّق الأول وقال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (^٣) عبارةٌ عن الوجود ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِين﴾ عبارةٌ عن الشهود، فلم يتكرر.
ثم إخبارُه عن ذلك ولم يَشهده دليلٌ على صحة دعواه الرسالةَ كما عُرف.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾: أي: ولم تكن أيضًا مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ
_________________
(١) في (ر): "محررًا".
(٢) في (ر): "ما وقع فيها من التحريف".
(٣) "ومنهم مَن حقق الأول وقال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ " ليس في (أ).
[ ١١ / ٤٤٠ ]
مَدْيَنَ﴾؛ أي: لم تكن أنت الرسول إلى أهلها ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ في كل زمانٍ رسولًا، فأرسلنا فيهم شعيبًا، وأرسلناك في آخر الزمان لتكون خاتم الأنبياء.
وقال الفراء: معناه: وما كنت ثاويًا في أهل مدين [و] مع موسى مقيمًا تراه وتسمعه، وها أنت تتلو عليهم آياتنا (^١)، فهو منقطع عن الأول إثباتًا للحال لا نفيًا في الماضي.
* * *
(٤٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾: أي: وما كنتَ أيضًا بجانب الطور إذ نادينا (^٢) موسى إذ جاء لميقاتنا مع السبعين، فكلَّمناه وأعطيناه الألواح.
﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: ولكن عرَّفناك ذلك (^٣) رحمة منا إظهارًا لنبوتك.
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: وهم العرب ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: يتَّعظون (^٤).
وقد روي في قوله: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ أنه قوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآيات.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٣)، وما بين معكوفتين مستفاد منه، ولفظه: (أي: إنك تتلو على أهل مكة قصص مدين وموسى ولم تكن هنالك ثاويًا مقيمًا فتراه وتسمعه).
(٢) "أي: وما كنت أيضًا بجانب الطور إذ نادينا" ليس في (ف).
(٣) في (ر) و(ف): "ربك".
(٤) في (ر) و(ف): "يتيقظون".
[ ١١ / ٤٤١ ]
وقال أبو زرعة: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال: نودوا أن يا أمة محمد أعطيتُكم قبل أن تسألوني، واستجبتُ لكم قبل أن تدعوني (^١).
وقال مقاتل بن حيان: أي: نادينا أمتك وهم في أصلاب آبائهم (^٢).
وقال وهب: قال موسى: يا رب، أرني محمدًا، قال: إنك لن تصل إليه، وإن شئتَ ناديتُ أمتَه فأسمعتُك صوتَهم (^٣).
وقيل في قوله: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: معناه: إن قومك يا محمد حدَثوا في الدنيا بعد موسى وسائر الأنبياء بدهر طويل، فلم يَعرفوا إرسال الرسل إليهم فأنكروا.
وقيل: كانت الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ خمسَ مئةٍ وخمسين سنةً.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) رواه من قول أبي زرعةَ يحيى بنُ سلام في "تفسيره" (٢/ ٥٩٦)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٦٢). ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٢١٩)، وفيه: (عن أبي زرعة رفع الحديث). وقد روي من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، رواه النسائي في "الكبرى" (١١٣١٨)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٨٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٣٥) وقال: صحيح على شرط مسلم. لكن قال الدارقطني في "العلل" (٨/ ٢٩١) عن الموقوف: وهو أصح.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٨٣)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١٧/ ٤٠٨).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٥٢)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ٤٠٨)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٢١١).
[ ١١ / ٤٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: لولا أنَّا لو (^١) عاجلناهم بالعقوبة بما ارتكبوه من المعاصي لقالوا: هلَّا أرسلت إلينا رسولًا فكنا نؤمنُ به ونتَّبع القرآن الذي أنزلته ونصدِّقُ به، لما أرسلنا إليهم رسولًا، هذا الجواب محذوفٌ لدلالة ظاهر الكلام عليه.
* * *
(٤٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: النبيُّ المرسل، وهو محمد -ﷺ-، والكتاب المنزل وهو القرآن، تحكَّموا على اللَّه ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ﴾؛ أي: محمد ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من الآيات كفَلْق البحر ونحوه.
وقيل: هلَّا أنزل عليه القرآن جملةً واحدةً كالتوراة.
﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أوليس هؤلاء المشركون كافرين بما أوتي موسى من قبلِ محمد.
وقيل: من قبلِ هذا القول.
﴿قالوا ساحران تظاهَرَا﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿سِحْرَانِ﴾ بغير ألفٍ؛ أي: التوراةُ والقرآن سحران تعاوَنا على خديعة الناس وصَرْفهم عن دين آبائهم (^٢).
_________________
(١) "أنا لو" من (أ).
(٢) في هامش (أ): "وقيل: وصفا بالسحر مبالغة كما يقال: فلان أسد".
[ ١١ / ٤٤٣ ]
وقرأ الباقون: ﴿ساحران تظاهرا﴾ (^١)؛ أي: موسى ومحمدٌ خادعان (^٢) الناس تعاوَنا على ذلك؛ أي: فما معنى قولهم: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ وهم بموسى كافرون ككفرهم بمحمد.
﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: أي: بكلٍّ من السِّحرين؛ أو: الساحرين.
وقيل: هذا إشارةٌ إلى مَن كفر بموسى من القوم الذين بُعث إليهم، والمعنى: أن نزول التوراة على موسى جملةً واحدةً لم يمنع كثيرًا من أولئك من الكفر به، حتى قالوا: موسى وهارون ساحران تظاهرا -أو: كلامهما سحران تظاهرا- فكفرُ مشركي العرب كذلك.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: فإذ كذَّبتم يا معشر العرب بهذين الكتابين ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ فيكونَ ذلك عذرًا لكم في الكفر بهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنهما سحران لا هدايةَ فيهما، ويَلزمني بذلك أيضًا اتِّباعُ ذلك الأهدى وتركُ ما أنزله اللَّه عليَّ وعلى موسى، وهذا دليلٌ على أن أولى القراءتين: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٩٥)، و"التيسير" (ص: ١٧٢).
(٢) في (ر) و(ف): "موسى وهارون خادعا".
(٣) في (ر) و(ف): "ساحران تظاهرا".
[ ١١ / ٤٤٤ ]
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾: أي: فإن لم يُجيبوك إلى الإيمان بالكتابين مع عجزهم عن الإتيان بأهدى منهما.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: وليس بهم طلبُ الحق وتعرُّفُه واتِّباعُه.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا أضلُّ منه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: وهم هؤلاء.
* * *
(٥١) - ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: ولقد تابَعْنا، والتوصيل: تكثيرُ الوَصْل وتكريره؛ أي: أَتْبعنا لهم الوعد والوعيد والإخبارَ عن الأمم الماضين (^١) بعضَه بعضًا ليتذكَّروا؛ أي: فعلنا ذلك لينفعَهم لا ليزداد شيءٌ في ملكنا.
وقوله: ﴿لَهُمُ﴾؛ أي: لمشركي العرب.
وقال نِفْطويه: ﴿وَصَّلْنَا﴾؛ أي: أنزلناه شيئًا بعد شيء ليكون لهم أَدْعَى، وهذا (^٢) جواب قولهم: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة جملةً.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَصَّلْنَا﴾: بيَّنَّا (^٣).
وقال قطرب: أتممنا.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "السالفة".
(٢) في (أ): "ليكونوا له أدعى وهو".
(٣) ذكره عن ابن عباس البغوي في "تفسيره" (٦/ ٢١٣)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٧٤) عن سفيان بن عيينة، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٨٧) عن السدي.
[ ١١ / ٤٤٥ ]
وقال الفرَّاء: أنزلناه يَتْبعُ بعضُه بعضًا (^١).
وقال ابن زيد: ﴿الْقَوْلَ﴾؛ أي (^٢): الخبر عن أمر الدنيا والآخرة (^٣).
* * *
(٥٢) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: التوراة من بني إسرائيل ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل القرآن، وقيل: قبل محمد.
﴿هُمْ بِهِ﴾: أي: بالقرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدِّقون، وهم عبد اللَّه بن سلام وأصحابه ومَن آمَن من أهل الكتاب.
وقيل: هم أربعون نفرًا؛ اثنان وثلاثون منهم جاؤوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة فآمنوا، وثمانيةُ نفرٍ من الشام: بَحيرا وأبرهةُ والأشرفُ وتمَّامٌ وإدريسُ وأيمنُ ونافعٌ وتميمٌ (^٤).
وهؤلاء حجةٌ على مَن خالفهم ممن كانوا يرجعون إليهم ويعتمدون على قولهم، وفي تكذيبهم إياهم بيانُ أنهم معاندون.
* * *
(٥٣ - ٥٤) - ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٠٧).
(٢) في (ر): "يعني".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٧٤ - ٣٧٥).
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٢٥٧).
[ ١١ / ٤٤٦ ]
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: صدَّقناه.
﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾: أي: مِن قبلِ مجيء محمدٍ -ﷺ- ونزولِ القرآن عليه ﴿مُسْلِمِينَ﴾: دائنينَ بدينِ الإسلام منقادِينَ له عالمين بصحته؛ لِمَا كان مِن ذكره في كتابنا (^١).
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾: أي: هؤلاء الذين كانوا (^٢) آمَنوا بالكتاب الأول والرسولِ الأول ثم آمنوا بك وبكتابك يُعطون ثوابهم مرتين ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الحق فلم يبدِّلوه.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: أي: يدفعون ما ينالُهم ممن يخالفُهم في الدِّين -من مكروهٍ وشتمٍ وسخرية- بالحسنة؛ أي: الاحتمالِ والصبرِ والقولِ الجميل.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: في وجوه الطاعات ولا يبخلون؛ ثقةً بوعدِ الخُلفِ والثواب، لا كالمشركين.
* * *
(٥٥) - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾: أي: الباطل من المشركين.
﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾: فلم يُصغوا إليه ولم يجيبوا عنه.
﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا﴾: رضينا بما نحن عليه من الدِّين.
﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: التي رضيتُم بها.
_________________
(١) في (أ): "كتابهم".
(٢) "كانوا" ليست في (أ).
[ ١١ / ٤٤٧ ]
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: أمانٌ منَّا لكم أن نقابل لغوَكم بمثله.
﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا نرضى بمجاورة الجاهلين ومُعاشَرتهم والتخلُّقِ بأخلاقهم.
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: أي: لا يجري (^١) اهتداءُ الناس على محبتك.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: يخلُق فعل الاهتداء فيمَن يشاء.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: أي: سبق علمُه بمن يختار الهداية فيهديه، والآيةُ عامةُ الصيغة.
وقيل: إنها نزلت في حقِّ أبي طالب على الخصوص، قال ابن عباس ﵁: كان النبي -ﷺ- حريصًا على إسلامه لتكفُّله إياه في صباه وذبِّه عنه في كبره، حتى قال أبو طالب لقريش حين همُّوا بقتله (^٢):
كذبتُم وبيتِ اللَّه لا تقتلونه ولمَّا نطاعنْ حوله ونقاتلِ
ونسلمُه حتى نصرَّعَ حوله ونَذْهَل عن أبنائنا والحلائلِ (^٣)
_________________
(١) في (ر): "تملك".
(٢) في (ف): "به".
(٣) لم أجده عن ابن عباس هكذا، ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ١٤١) عن أنس، وورد الشعر أيضًا عن أبي طالب في "مغازي الواقدي" (١/ ٧٠)، و"السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢٤)، و"غريب الحديث" للخطابي (٢/ ٣٥٧) وفيه: (ولما نُجالد دونه ونُضارِبِ). وصدر الأول في أكثر المصادر: =
[ ١١ / ٤٤٨ ]
وكان يقول لقريش: صدِّقوا ابنَ أخي وآمِنوا به تَرْشُدوا وتُفلِحوا، وكان النبي -ﷺ- يقول له: "أتأمرهم بالنصيحة وتتركها لنفسك؟! "، وحضره عند موته فقال أبو طالب: ما تريد يا ابن أخي؟ قال: "أريد أن تشهد بشهادة الحق أشفع لك بها عند اللَّه"، وكان عنده أبو جهل وجماعةٌ من كفار قريش فقالوا له: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أترغب عن ملة آبائك؟ فما زالوا به حتى كان آخرَ ما قال أبو طالب: يا ابن أخي، إني أعلم أنك صادق، ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا ذلك لأقرَرْتُ عينَك به، ولكن أموت على ملة أشياخي عبد المطلب وهاشم وعبد مناف، وقضى، وقام ﵇ من عنده باكيًا ونزلت هذه الآية (^١).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾؛ أي: لا تقدر على أن (^٢) تنوِّر قلبَ مَن أحببتَ، ولكن اللَّه يفعل ذلك.
وقيل له: إنك شفيعُ الجناية لا شريكُ الهداية.
* * *
_________________
(١) = كذَبْتُم وبيتِ اللَّه يُبْزَى محمدٌ ورواه الطبري في "تاريخه" (٢/ ٥٧٧) عن ابن عباس ﵄، لكن على أن القائل هو عمر لا أبو طالب.
(٢) ذكره دون سند مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٣٥٠)، وابن إسحاق في "سيرته" (٣٢٥)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٨١)، والزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٤٢٢). قال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٢٦): (لم أجده، وقصة وفاة أبى طالب في الصحيحين عن سعيد بن المسيب عن أبيه بغير هذا السياق أو أخصر منه). قلت: رواه بنحو ما ذكر من قصة الوفاة البخاري (٣٨٨٤)، ومسلم (٢٤)، من حديث المسيب بن حزن ﵁. ومسلم (٢٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) "على أن" من (أ)، وفي (ف): "أن".
[ ١١ / ٤٤٩ ]
(٥٧) - ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾: أي (^١): وقال المشركون: يا محمد، إنْ نتَّبع الهدى فنكونَ معك؛ أي: نتَّبع الهدى الذي معك -وهو القرآن- يجتمع العرب على محاربتنا ليُخرجونا من أرضنا.
والتخطُّف: الاستلاب بسرعة.
وهو تعلُّلٌ فاسد منهم تعلَّقوا به عند عجزهم عن معارضة حقِّه وردِّه.
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾: أولم نجعل مكانهم في حرمٍ آمنٍ؛ أي: مأمونٍ فيه، و(آمِنٌ) في معنى: ذي أمنٍ لا يُسْبَون فيه ولا يُغار عليهم، ولا يُتعرَّض لهم بمكروهٍ، ثم هذا الحرمُ في موضعٍ لا ضرعَ فيه ولا زرع.
﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: يُجمع (^٢) ويُجلبُ إليه ثمراتُ كلِّ بلدة.
وقيل: أي يُحمل إليه من كلِّ شيء أرفعُه وأنفعُه؛ كما يقال: ثمرةُ الكلام.
﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾: أي: عطيةً مِن عندنا؛ أي: تفضُّلًا منا؛ أي: فمَن فعَل ذلك بكم في حالِ كفركم فهو قادرٌ على أن يحفظكم (^٣) حالَ إسلامكم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾: لا يتأمَّلون فيعلمون هذا.
وقيل: نزلت في شأن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد منافٍ، قال لرسول اللَّه
_________________
(١) في (ر): "أي حولنا".
(٢) "أي يجمع" من (أ).
(٣) في (ر) و(ف): "يمنعكم"، والمثبت من (أ)، والمعنى واحد.
[ ١١ / ٤٥٠ ]
-ﷺ-: إنَّا لنعلمُ إنك لصادق، ولكن العرب فيهم كثرةٌ ونحن في جنبهم أَكَلةُ رأسٍ، فإن آمنَّا بك آذَوْنا وأخرجونا، فنزلت الآية (^١).
* * *
(٥٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: من أهل بلدةٍ ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أي: طغَتْ في معيشتها وأَغفلت شكرَها.
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: فتلك منازلهم في البلاد باقيةُ الآثار، يشهدونها في الأسفار؛ كبلاد ثمودَ وقومِ شعيبٍ وغيرهم، قد خَرِبت من (^٢) بعدهم ولم يسكنها أحدٌ لخرابها ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منها لم يخرب.
وقال ابن عباس ﵄: لم يسكنها إلا المسافر ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة (^٣).
_________________
(١) رواه بنحوه مختصرا النسائي في "الكبرى" (١١٣٢١)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٨٧)، عن ابن عباس ﵄. وذكره بهذا اللفظ مقاتل في "تفسيره" (١/ ٥٥٨)، لكن في نزول قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآية [الأنعام: ٣٣] وقال مقاتل: نظيرها في القصص: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. وقوله: "أكلة رأس": جمع آكل، وهو مثَل في القلة، وأصله: ناسٌ قليلون يكفيهم إذا أكلوا رأسٌ واحدة من رؤس الحيوان المطبوخة، ويصح أن يراد بالرأس حيوان واحد.
(٢) "من" ليست في (أ) و(ف).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٥٦)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ٤٢٩)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٢١٦).
[ ١١ / ٤٥١ ]
وقيل: لم يسكنها إلا الخُطَّاف والهَوَامُّ (^١).
﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾: أي: صار أمر تلك البلاد وأهلها إلينا وزال عنها سلطانهم؛ أي: إني قادر على أن أفعل بكم كذلك ولا ينفعكم تحرُّزكم من أن يتخطَّفوكم.
* * *
(٥٩) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾: أي: لم يكن اللَّه ليُهلِكَ البلادَ التي حول مكة ﴿يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ وهي مكةُ؛ لأنَّها أم القرى؛ لأنَّها أصل البلاد فإنها أولُ ما خلق منها.
وقيل: لأن الأرض دُحيت من تحتها.
﴿رَسُولًا﴾: وهو محمد ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾؛ أي: القرآنَ؛ أي: وما كنتُ لأُهلك العرب مع كفرهم حتى أُلزم الحجة عليهم بالرسول والكتاب.
وقيل: هي عامة؛ أي: لم يكن اللَّه ليهلك القرى فيما مضى حتى يبعث في سرَّة تلك البلاد -أي: معظمها- نبيًّا فيَعلمَ به مَن سواهم.
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾: أي: وما أهلكناهم بالانتقام إلا وأهلها مستحِقُّون العذابَ بظلمهم، وهو إصرارُهم على كفرهم بعد الإعذار إليهم.
* * *
_________________
(١) في (أ): "الخطاب والهام"، وفي (ف): "الخطاف والهام".
[ ١١ / ٤٥٢ ]
(٦٠) - ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: وما أُعطيتُم في الدنيا من شيءٍ من الأموال ونحوها فتراءَيتم به على الضَّعَفة وتركتُم به الإيمان ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾: أي: فهو شيء يُنتفع به في الحياة القريبة التي تنقضي قريبًا وينقضي المتاع بانقضاء الحياة الدنيا، وهو زينةٌ من زِيَن (^١) الدنيا.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: ما أعدَّه للمؤمنين ﴿خَيْرٌ﴾ من متاع الدنيا ﴿وَأَبْقَى﴾.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفليست لكم عقول تعلمون بها الأَوْلى بالاختيار.
* * *
(٦١) - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾: أي: هل مَن وعدناه على الإيمان والطاعة وعدًا حسنًا وهو الجنةُ وما فيها من الثواب ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾؛ أي رائيهِ، فوَثِق بوعدنا (^٢) واجتهد في طاعتنا فصيَّرناه إليها ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فاغترَّ به واشتغل به عن طاعتنا، واستعان بما أعطيناه على مخالفتنا ثم انقطع ذلك.
﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: للعرض والحساب والعقاب؛ أي: ليسا (^٣) سواءً، وما ينبغي لمن عقلَ أن يشتغل بمتاع الدنيا ويفارقَ الهدى (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "زينة في زمن".
(٢) في (أ): "بعهدنا".
(٣) في (ر) و(ف): "ليسوا".
(٤) في (ر): "ويقارب العداء"، وسقطت من (ف).
[ ١١ / ٤٥٣ ]
قال ابن عباس ﵄: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾؛ أي: مدركُه ومصيبُه، هو النبي ﵇ (^١).
وقال السدي: بلغني عن ابن عباس أنه قال: هو عمار بن ياسر (^٢).
وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في عليٍّ وحمزة ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يعني: أبا جهل (^٣). ويقال: الوليد بن المغيرة (^٤).
* * *
(٦٢ - ٦٣) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: أي: يخاطبُهم، وهو عطفٌ على قوله: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُون﴾: أي: أين الذين كنتم تدَّعون أنهم شركائي فينصروكم ويشفعوا لكم ويجازوكم على عبادتكم إياهم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْل﴾: أي: وجب عليهم العذاب الذي أَوعَد (^٥) اللَّه
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٩٤) عن ابن جريج. وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٢٦١) عن الضحاك.
(٢) ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" (٧/ ٢٥٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٣٩) عن السدي أنه قال: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة. وليس فيه ذكر البلاغ عن ابن عباس.
(٣) ذكره عن محمد بن كعب القرظيِّ الثعلبيُّ في "تفسيره" (٧/ ٢٥٧)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١٧/ ٤٣٣) عن القرظي ومجاهد، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٩٥) عن مجاهد.
(٤) انظر ما تقدم عن السدي قريبًا.
(٥) في (ف): "وعدهم".
[ ١١ / ٤٥٤ ]
به: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾؛ أي: هؤلاء الذين أغويناهم؛ أي: دعوناهم إلى الشرك واتَّبعونا.
﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾: إنما دعوناهم إلى ما كنا عليه نحن من الكفر.
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾: من أن يكونوا لنا أولياءَ أو نحن نكون لهم أولياء أو من أن ننصرهم.
﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾: ما كانوا يعبدوننا.
* * *
(٦٤) - ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾: أي: قيل للأتباع: ادعوا شركاءكم؛ أي: استنصِروهم ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: أي لم يجيبوهم بالنصرة. ثم لهذه الجملة وجهان:
أحدهما: أن الذين حقَّ عليهم القول هم الشركاء المعبودون وهم الشياطين، فإذا قيل للمشركين: أين شركائي بزعمكم، قال الشياطين: ربنا أَغْوَينا هؤلاء المشركين كما غَوَينا، لم نأمرهم بعبادتنا لكنْ زينَّا لهم الشرك فأشركوا ولم نأمرهم بعبادتنا، فلا نصرة لهم عندنا ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ قصدوا اتِّباع أهوائهم لا عبادتَنا.
وقيل: ما كانوا يعبدوننا بإكراهنا إياهم عليها لكن بالوسوسة؛ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
والثاني: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ أي: الدعاةُ إلى الشرك، و﴿شُرَكَائِيَ﴾ غيرُهم وهي الأصنام، فيقال لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾؛ أي: الأصنام، فتقول الشياطين عند هذا خوفًا على أنفسهم أنْ يُزاد في عذابهم بإغوائهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ إنا ما أمرناهم بعبادتنا وما عبدونا، ومثل هذا ما
[ ١١ / ٤٥٥ ]
يقول مَن يكون منه سببٌ في جنايةِ غيره، فيقول: أما أنا فلمْ أَجْنِ هذه الجنايةَ ولا أمرتُ بها، إنما كان (^١) مني كذا، إشفاقًا أن ينزل به جزاءُ تلك الجناية.
وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾: قيل: هاهنا مضمر: فوَدُّوا لو كانوا مهتدين إلى الإسلام في الدنيا.
وقيل: الإضمار في آخره: لو أنهم كانوا يهتدون لخرجوا من (^٢) العذاب الذي رَأَوا.
وقيل: بل المضمر في آخره: لو كانوا يهتدون لَمَا رأوا ذلك العذاب.
* * *
(٦٥ - ٦٦) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: عطف أيضًا على الأول ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين أُرسلوا إليكم.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾: أي: خفي عليهم الجواب فلم يدروا بماذا يجيبون؛ إذ لم يكن عندهم جواب يعتذرون (^٣) به.
﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: أي: فلا يسأل بعضهم بعضًا عن [الحجة التي يحتجُّ بها؛ إذ يعلم أنه لا يجد ذلك عند أحد.
وقيل: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: لا يسأل بعضُهم بعضًا عن حاله لأنه مشغول بأمر نفسه.
_________________
(١) في (ف): "إنما كانت" وفي (ر): "وما كانت".
(٢) في (أ): "لما أروا ذلك"، بدل: "لخرجوا من".
(٣) في (أ) و(ف): "يعذرون".
[ ١١ / ٤٥٦ ]
وقال مجاهد: أي: لا يتساءلون بالأنساب (^١)؛ أي: لا يمكنُه أن يقول لآخر: انصرني لقرابتك مني (^٢).
* * *
(٦٧ - ٦٨) - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: مِن شِركه ﴿وَآمَنَ﴾ بربِّه وبما جاء مِن عنده ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ في دينه ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ و(عسى) من اللَّه إيجابٌ لأنه إطماع، وإطماعُ الكريم إيجابٌ، وهذا ترغيب للكفار في الإسلام، وبشارةٌ للمسلمين على الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: أما قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ فهو على العموم، ودل على خلق الأعيان والأفعال كلِّها، وكان حجةً لنا على المعتزلة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ منهم مَن وقف هاهنا، ووجهه: ويختار ما يشاء، ثم قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ﴾؛ أي: ليس الاختيار إليهم، وهو ردٌّ على الذين قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وعلى الذين اتخذوا الأصنام شركاء وشفعاء، فيقول: ليس لهم أن يختاروا شيئًا من ذلك للعبادة والشفاعة (^٣).
وقيل: هو بمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٩٨).
(٢) "مني" ليس من (أ).
(٣) في (أ): "وللشفاعة".
[ ١١ / ٤٥٧ ]
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ أي: الأمر ملزِمٌ ولا اختيارَ للمأمور أن يفعله أو لا يفعله.
ومنهم مَن وقف عند قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ثم يقول: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ويكون ﴿مَا﴾؛ اسمًا؛ أي: ويختار للعباد (^١) ما هو مختارٌ في نفسه حسنٌ مَرْضي.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تَنزَّه اللَّه تعالى وتقدَّس عن إشراك المشركين.
* * *
(٦٩ - ٧٠) - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: أي: تُسِرُّ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بالقول والفعل، وهو وعد ووعيد.
﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾: أي: هو المحمود وحده في الدارين، إليه (^٢) مرجعُ شكرِ كلِّ شاكرٍ، ومدحِ كلِّ مادحٍ؛ لأن إحسان المحسنين بتوفيقه، فهو المنعِمُ على الحقيقة دون خلقه.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾: وحده لا شريك له، ولا يشرك في حكمه أحدًا.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: في الآخرة فيجازي كلًّا على وَفْق عمله.
* * *
_________________
(١) في (أ): "للعبادة".
(٢) في (ر) و(ف): "في الدارين وإليه مرجعكم أي".
[ ١١ / ٤٥٨ ]
(٧١ - ٧٢) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ (^١): دائمًا لا نهار بعده ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: هل إلهٌ غير اللَّه ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾: بنهار مضيء، فإذ كنتم مقرِّين أنه لا يقدر على ذلك غيرُه فلمَ تشركون به ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾: أصمٌّ أنتم، فإن فعلَكم هذا فعلُ مَن لا يسمع.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: دائمًا.
﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا﴾: من تحب أشغالكم بالنهار.
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: أعُمْيٌ أنتم لا تبصرون الليلَ والنهار وما فيهما فتعتبِروا بذلك.
* * *
(٧٣ - ٧٤) - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: في النهار.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ولتشكروا له على هذه النعمة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾: عاد الكلام إلى التخويف بيوم القيامة.
_________________
(١) "سرمدًا" من (ف).
[ ١١ / ٤٥٩ ]
﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: فسرناه، ومعنى التكرار -واللَّه أعلم-: أنه يأمرهم بدعائهم أوَّلًا، فيدعون فلا يستجيبون، فيظهر حُبوط عملهم وخيبة أملهم، ثم يخاطبهم به فيسكتون، وهو توبيخ لهم وزيادة في خزيهم.
* * *
(٧٥) - ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: أي: وأخرجنا من كل أمة شاهدًا عليهم بما أجابوا به رسلهم؛ كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩].
﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: أي: هلمُّوا أيها المشركون (^١) حجَّتَكم على كفركم.
﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾: أي: أن الحق هو ما كان اللَّه أرسل به أنبياءه إليهم، وأن الصدق هو ما كان أخبرهم به.
وقيل: ﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾؛ أي: الإلهية للَّه وحده.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ باطلًا (^٢) ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ بشركهم (^٣) الذي كانوا يفترون به على اللَّه.
* * *
(٧٦ - ٧٧) - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ
_________________
(١) بعدها في (ف): "هاتوا".
(٢) "باطلًا" من (ر) و(ف).
(٣) في (ر): "من شركهم".
[ ١١ / ٤٦٠ ]
مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: هو قارون بن ضافر (^١) بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وكان ابنَ عم موسى، فإنه موسى بنُ عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وانتظام هذه القصة بما قبلها ما مر في أول هذه السورة.
ووجه آخر: أن هذا يتصل بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾.
ووجهٌ آخرُ: أن أغلب مَن كان يخالف أنبياءَهم (^٢) الأغنياءُ الذين بَطِروا بغناهم، وكذلك في عصرِ كلِّ نبيٍّ ومنهم قارون في زمن موسى.
﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: طلب الفضل عليهم وأن يكون فوقهم.
وقيل: بغى عليهم بكُفره، وقيل: بكِبْره.
وقيل: كان عاملًا لفرعون فبغى على الناس بأخذ أموالهم حتى صار أغناهم.
وقيل: استخف بالفقراء وازدرى بالناس ومنع الحقوق المالية.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، والذي في التفاسير: (يصهر). انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ٤٣٥) و(١٨/ ٣٠٩)، و"البسيط" للواحدي (١٧/ ٤٤٦)، و"تفسير البغوي" (٦/ ٢٢٠)، و"الكشاف" (٣/ ٤٢٩)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٣١٢)، و"روح المعاني" (٢٠/ ٢٤٩). وقيده الشهاب الخفاجي في "عناية القاضي وكفاية الراضي" (٧/ ٨٤) وعنه الآلوسي بياء تحتية مفتوحة وصاد مهملة ساكنة وهاء مضمومة.
(٢) في (أ): "نبيناهم".
[ ١١ / ٤٦١ ]
وقيل: زاد في ثيابه (^١) قَدْرًا من الطول.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾: أي: أعطيناه من كنوز الأموال.
﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾: قيل: هو جمع مَفتح بفتح الميم، وهو بيت المال أو الصندوقُ الذي فيه المال، وهو موضع الفتح.
وقيل: هو جمع المِفتح بكسر الميم؛ أي: المفتاح الذي يُفتح به بيت المال أو الصندوق.
﴿لَتَنُوءُ﴾: يقال: ناء ينوء نَوْءًا؛ أي: حمل على ثقلٍ ونهض به على مشقَّةٍ، وهو لازمٌ، وصار هنا متعدِّيًا بالباء الذي في قوله: ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾، والعصبة: جماعة، وهي من عشرة إلى أربعين.
وقال الفراء: العصبةُ هاهنا: أربعون رجلًا (^٢).
فمَن جعل المفاتح جمعَ مَفتح -بالفتح- فمعناه: وأعطيناه من الأموال ما كانت خزائنُه وصناديقه التي فيها أموالُه ما بلغ مقداره أن العصبة وهي الجماعة الأقوياء إذا حملوها عجزوا عن حملها فأمالتهم لثقلها؛ كالرجل الذي يحمل الشيء فيعجز عن حمله فيميل تحته، وكان قارون وقومُ موسى غيرَ متمكِّنين في بلد، بمنزلةِ السيارة ينتقلون من بلد إلى بلد، فكانت أموالهم في صناديق ونحوها تُحمل من مكان إلى مكان.
ومَن جعلها من المِفتح الذي هو المفتاح. قال: كانت أقفال خزائنه ومفاتيحُها التي يُفتح بها بيوتُ أمواله وصناديقِه في الكثرة بحيث يعجز عن حملها الجماعةُ الكثيرة.
_________________
(١) في (ر): "شأنه".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٠).
[ ١١ / ٤٦٢ ]
وقال مجاهد: كانت مفاتيحُه من جلود الإبل، كلُّ مفتاحٍ على قَدْرِ إصبعٍ، وكلُّ مفتاح يفتح به خزانة (^١).
وعن خيثمة قال: كان يحمِلُ مفاتيحَ خزائنِ قارون ستُّون بغلًا محجَّلًا (^٢).
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾: قال مجاهد: أي: لا تَبْطَر (^٣)، وهو سوءُ احتمالِ الغنى والطغيانُ بالدنيا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: أي: اكتسِبْ بها ثوابَ الآخرة دون التجمُّل والتكثُّر بالدنيا والتكبُّر على أهلها.
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: أي: خذ مع هذا من دنياك ما لا بدَّ لك منه في معاشك، فإنك غيرُ مَلُوم على ذلك.
وقيل: خذ بنصيبك (^٤) في الدنيا من العمل الصالح الذي يوصلك إلى ثواب الآخرة، فهو نصيب المؤمن من الدنيا.
﴿وَأَحْسِنْ﴾ بمالك (^٥) إلى عباد اللَّه ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فيما وسَّع عليك وبسَطه لك.
﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: هذا ظاهر.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣١٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٠٧)، بلفظ: (كانت المفاتح من جلود الإبل). وروياه بتمامه لكن عن خيثمة، وخيثمة: هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وهو تابعي ثقة.
(٢) قطعة من خبر خيثمة السابق.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٢٠).
(٤) في (أ): "أي خذ نصيبك" بدل من "خذ بنصيبك".
(٥) في (ر) و(ف): "من مالك".
[ ١١ / ٤٦٣ ]
(٧٨) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾: قال: إنما أُعطيتُ هذا المالَ لفضلي على غيري بعلمي، وكان علمُه حفظَ التوراة، وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للميقات، وكان أحدَ العلماء المذكورين يومئذ.
وقيل: أي: آتاني اللَّه على علمٍ منه بفضلي ورضًا منه عني ورؤيتِه استحقاقي ذلك، وقوله: ﴿عِنْدِي﴾؛ أي: عندي هو كذلك و﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ هو علمُ اللَّه هذا القول.
وقيل: أي: أوتيتُه على علم عندي، وهو علم الكيمياء، وبه اكتسبتُه ليس هو من إنعام اللَّه عليَّ بل هو كسبي، وكفر بهذا.
وعن (^١) سعيد بن المسيب: كان موسى يعلم الكيمياء، فعلَّم يوشعَ بنَ نون ثُلث ذلك العلم، وعلَّم كالب بن يوقنَّا ثلثه، وعلَّم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه (^٢).
وكان يأخذ الرصاص فيجعله فضةً، ويأخذ (^٣) النحاس فيجعله ذهبًا (^٤).
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ الماضيةِ ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾؛ أي: بالأنصار والأعوان والآلات المحصنة ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال مثلَ نمرود،
_________________
(١) في (أ): "قال".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٦٢)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٢٢٢)، وعزاه الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٢٦٨) للنقاش. ورده ابن كثير عند تفسير هذه الآية بقوله: وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر عليها أحد إلا اللَّه ﷿.
(٣) "يأخذ" ليست في (ر).
(٤) وهذا أيضًا باطل. انظر التعليق السابق.
[ ١١ / ٤٦٤ ]
ولو كان إعطاء ذلك للفضل والعلم والاستحقاق لم يُعطهم ذلك، ولأن ذلك لم يدفع عنهم بأس اللَّه فكذا قارون.
﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي: واللَّه عالم بهم لا يَحتاج إلى السؤال عنهم، فيهلكُهم في الدنيا ويعاقبُهم بالنار في الآخرة.
وقيل: لا يُسألون عن ذنوبهم يوم القيامة بل يدخلون النار بغير حساب.
وقيل: الملائكة لا تسألهم عن ذنوبهم بل تعرفهم بسيماهم؛ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ [الرحمن: ٣٩]، ثم قال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾.
وقيل: معناه: ولا يُسأل عن ذنوب الماضين المجرمون من هذه الأمة.
* * *
(٧٩) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾: التي يتعظَّم بها؛ من اللباس والمركب والخدم ونحوهم.
قال ابن عباس ﵄: خرج على بغلةٍ شهباء عليها سرجٌ من ذهبٍ وقطيفةُ أرجوانٍ (^١).
وقال وهب: خرج في أربعة آلاف غلام على بغال شهب ثيابُهم الأرجوان.
وقال كعب: خرج في ثلاث مئة غلام عن يمينه وثلاث مئة جارية عن يساره عليهم ألوان الثياب.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٢٩) عن ابن جريج.
[ ١١ / ٤٦٥ ]
وقال الحسن: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ يعني: الحمرة والصفرة (^١).
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي: يريدون زينةَ الحياة الدنيا الفانيةِ، ولا يرغبون في الحياة الباقية في الجنان العالية.
وقال قتادة: يعني ناسًا من أهل التوحيد قالوا غبطة وتمنِّيًا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ (^٢) من الأموال لنُنفقها في طاعة اللَّه.
﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: أي: جليلٍ يقدر معه على ما يريد من الدنيا.
* * *
(٨٠) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: باللَّه وصفاته وأسمائه (^٣) وأحكامه: ﴿وَيْلَكُمْ﴾؛ أي: قالوا للأوَّلينَ الذين تمنَّوا ذلك ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ وأبقى؛ لأنَّه أفضل من أعراض الدنيا ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾؛ أي: لا يُلقَّى هذه الكلمة ولا يوفَّقُ للعمل بها إلا الصابرون عن الدنيا، الحابسون أنفسهم على طاعة اللَّه تعالى؛ أي: لا يلقِّيها اللَّه إلا هؤلاء.
وقال مجاهد: لا يُلقَّى الجنةَ وثوابها؛ أي: لا يؤتاها إلا الصابرون على طاعة اللَّه.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٢٩) بلفظ: (في ثياب حمر وصفر).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠١٥).
(٣) في (أ): "باللَّه وبدينه وأقسامه" وفي (ف): "باللَّه وبربوبيته وأقسامه" بدل من "وصفاته وأسمائه".
[ ١١ / ٤٦٦ ]
(٨١) - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: أي: غيَّبناه في الأرض يغوص فيها ويَسُوخ وفعلنا بداره كذلك.
﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾: أي: جماعةٍ ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: يمنعون عنه عذابَ اللَّه.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ هو بنفسه وقوته.
وقيل: بداره وبأهل داره.
وقيل: بعين داره؛ لأنَّه كان زيَّنها بصفائح الذهب.
وقيل: بما فيها من الكنوز والأموال، ولمَّا خسف بقارون قال منافقون من بني إسرائيل: دعا موسى على قارون فخُسف به (^١) ليرث موسى خزائنه، فدعا موسى على خزائنه (^٢) فخسف اللَّه بداره وبصامت ماله بعد ثالثة (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: لما أتى موسى قومَه بالزكاة جمعهم قارون وقال: هذا جاءكم بالصلاة (^٤) وبأشياء تحتملونها (^٥)، أفتحتملون أن تعطوه (^٦)
_________________
(١) "فخسف به" ليست في (ف).
(٢) في (أ): "على ماله".
(٣) في هامش (أ): "الصامت: المال الذي سوى الحيوان".
(٤) في (ر): "بالصاعرة"، وفي (ف): "بالصاغرة"، والمثبت من (أ) والمصادر.
(٥) في (ف): "لا تحتملونها". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر، فقد جاء في بعضها: (فاحتملتموها)، وفي أخرى: (تطيقونها).
(٦) بعدها في (أ): "من"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر.
[ ١١ / ٤٦٧ ]
أموالكم؟! فقالوا: ما نحتمل أن نعطيه أموالنا، فما ترى؟ قال: أرى أن أرسل إلى بغيِّ بني إسرائيل فنرسلَها إليه ونأمرَها أن ترميه بأنه أرادها على نفسها، ففعلوا فرمت موسى على رؤوس الناس أنه أرادها على نفسها، فدعا اللَّه عليهم فأمر اللَّه الأرض أن تطيعه (^١).
وقال السدي: كانت امرأة من بني إسرائيل تسمى سيرا (^٢) أرسل إليها قارون فقال لها: إنك تَزْنينَ بالدرهم والدينار والثوب، فهل لك أن أعطيك (^٣) ألف دينار على أني إذا أرسلتُ إليك تخبرين أن موسى زنى بك؟ قالت: نعم، فوزن لها قارون ألفَ دينار، فلما أصبحوا واجتمع بنو إسرائيل قال قارون: يا موسى كيف أنزل اللَّه في الزنا؟ قال: الرجم، قال: انظر ما قِبَلك، ودعا سيرا، فلما جاءت قال: يا سيرا أخبري بني إسرائيل ما صنع بك موسى، قالت: دعاني قارون فأعطاني ألف دينار فهذا خاتمه عليها على أن أفتري على نبيِّ اللَّه موسى، فأعوذ باللَّه من ذلك، فغضب موسى فدعا اللَّه عليه (^٤).
وفي حديث وهب قال: نافق قارون حسدًا لموسى كما نافق السامريُّ، فدعا
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٤٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠١٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٣٦) وصححه، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٤٣٦) عزوه لابن المنذر وابن مردويه.
(٢) في (أ): "سنبرا"، وفي (ف): "سبيرا". والمثبت من (ر)، ومثل هذا الخلاف على اسمها في النسخ وقع في الموضعين الآتيين، وكذا وقع ذلك في المصادر كما سنبين.
(٣) في (ف): "فهل لك في".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠١٧)، واسم البغي في مطبوعه: (شيرتا)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ١٦٥) وفي مطبوعه: (شجرتا)، وفي "تفسير القرطبي" (١٦/ ٣١٤): (سبرتا).
[ ١١ / ٤٦٨ ]
مومسةً وبين يديه طستٌ من ذهب مملوءٌ دنانير وقال لها: هل لك في هذا كله؟ قالت: كيف؟ قال: تقومين غدًا وأنا مع موسى على السرير فتقولين للناس: إن موسى دعاني البارحة ليفسق بي، حتى تذهبي بمائه وجاهه، ولك هذا كله، فكانت الليلة مجمِعةً على ذلك، فلما أصبحت أدركتها رحمة اللَّه، فقامت وبنو إسرائيل حضور فقالت: يا موسى! احذر هذا فإنه دعاني أمسِ. .، وذكرت القصةَ، فقام قارون متشورًا، وأتى جبريلُ موسى وقال: إن اللَّه جعل الأرض مطيعة لك، فقال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى يا موسى، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم فقالوا: يا موسى يا موسى، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى حُجَزهم، ثم كذلك إلى أعناقهم، ثم غيَّبتهم فيها، فأوحى اللَّه إلى موسى: سألك عبادي وتضرَّعوا إليك فلم تُجبهم، أمَا وعزتي وجلالي لو أنهم دعوني لأجبتهم (^١).
* * *
(٨٢) - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾: أي: وصار الذين يتمنون أن يكون لهم من الأموال مالَهُ ﴿يَقُولُونَ﴾ متندمين على ما كان منهم:
﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾: قيل: (ويكأن) كلمة واحدة معناها: أما ترى أما تعلم (^٢).
وقيل: هما كلمتان: (ويك) بمعنى: ويلك بحذف اللام، قال عنترة:
_________________
(١) لم أجده عن وهب، ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٤٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٣٦) وصححه، عن ابن عباس ﵄، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٤٣٦) عزوه لابن المنذر وابن مردويه. وقد تقدمت قطعة منه قريبًا.
(٢) قاله الفراء. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣١٢).
[ ١١ / ٤٦٩ ]
ولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأ سُقْمها قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنتر أَقْدِمِ (^١)
وهذا الحذف للتخفيف لكثرة الاستعمال.
وقيل: (وي) كلمة يُتعجب بها وبعدها (كأن) التي هي للتشبيه.
وهي هاهنا بمعنى الظن والحسبان.
قال تعالى (^٢): ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: صاروا يقول بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لا لكرامةِ مَن يَبسط عليه، ولا لهوان من يقدر عليه؛ أي: يضيق.
﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: فصرَف عنا ما كنَّا نتمناه بالأمس ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ كما خسف به.
﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: ألم تروا أنه لا يفلح مَن كفر باللَّه.
وقوله: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ معناه: الوقت المتقدِّم، لا الوقتُ (^٣) بعينه.
وقال مقاتل: قال بعض بني إسرائيل: إنما أهلك موسى قارونَ طمعًا في ماله وداره، فخسف اللَّه بماله وبداره بعد ثلاثة أيام، فهو يتلجلج (^٤) في الأرض كلَّ يوم قامةَ رجل، حتى إذا بلغ قعر الأرض السفلى نفخ إسرافيل في الصور (^٥).
* * *
_________________
(١) البيت في "شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ١٥٢)، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص: ٢٤٩).
(٢) في (ر) و(ف): "والحساب ويك أن اللَّه"، بدل: "والحسبان قال تعالى".
(٣) في (ر): "لا الأمس".
(٤) في (أ): "يتجلجل"، وفي (ف): "يتخلخل".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٥٧). وليس فيه: "حتى إذا بلغ قعر. . . ".
[ ١١ / ٤٧٠ ]
(٨٣ - ٨٤) - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: تعظُّمًا على الناس ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ في الأرض كما على فرعون وأفسد في الأرض وكذا قارون.
﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة الجميلة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: قال ابن عباس ﵄: بالتوحيد (^١).
﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أي: فله منها خيرٌ؛ أي: ثواب (^٢).
وقيل: مَن جاء بالإيمان والطاعة فله عند اللَّه من الثواب ما هو أكبرُ وأفضل من عمله؛ لأن ثواب اللَّه يَفضُل عملَ العامل.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: أي: بالشرك والمعاصي.
﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: لا يُجزى المسيء إلا جزاءَ عمله السيِّئ لا يزاد عليه، وإنما أعيد ذكر الفاعل في قوله: ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ تنبيهًا على المعنى الموجب للتمييز بين الفريقين.
* * *
(٨٥) - ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٤٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] قال: مَن جاء بلا إلهَ إلَّا اللَّهُ.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٣٤ - ٢٩٣٥) عند تفسير الآية السابقة في سورة النمل.
[ ١١ / ٤٧١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: ثم ختم السورة ببشارة نبيِّه ﵇ بردِّه إلى مكة ظاهرًا قاهرًا لأعدائه المشركين هؤلاء، الذين حاجَّهم في هذه السورة، ووصلها بمواعظ تتصل بمعناها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾.
قال محمد بن كعب: أي: فرض عليك تبليغه.
وقال ابن عباس ﵄: أي: أنزله عليك (^١) شيئًا بعد شيء، وأَوجب عليك العملَ بما فيه من شرائع الهدى ومحاسنِ الأخلاق.
وقال عطاء: أعطاك (^٢).
﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: أي: لراجعُك إلى وطنك بمكةَ مفتوحًا عليك عاليَ اليد على أهله، وكان كما ذَكر فدلَّ على صدق دعواه النبوَّة.
وقال مقاتل: خرج النبيُّ -ﷺ- من مكة ومعه أبو بكر ﵁ متوجهًا إلى المدينة، فعدل عن الطريق مخافةَ الطلب، فلما أمِن عاد إلى الطريق فنزل الجحفة، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه فأتاه جبريل ﵇ فقال له: أتشتاق إلى مولدك ومولد آبائك ومسقط رأسك؟ قال: "نعم"، قال: فإن اللَّه تعالى أنزل عليك ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني: إلى مكة ظاهرًا من غير خوفٍ (^٣).
وقال الحسن: يعني: القيامة (^٤)؛ لأنَّها مرجع الخلق.
_________________
(١) هذا القدر من الخبر ذكره عن ابن عباس ﵄ الواحدي في "تفسيره" (١٧/ ٤٧٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٤٥ - ٣٤٦) عن مجاهد. وانظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٢٦٦)، وفيه: (وقال عطاء بن أبي رباح: فرض عليك العمل بالقرآن).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٥٩)، وقد تقدم في أول السورة ما روي في سبب نزول هذه الآية.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٤٧ و٣٤٨).
[ ١١ / ٤٧٢ ]
وقال الزهري: يعني: الجنة (^١)، قالوا: لأنه كان ﵇ فيها في صُلب آدم، وأيضًا ليلةَ المعراج، ويجوز أن يسمى معادًا من غير أن كان فيها مرةً؛ كما قال في الكفار: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: يعني: الموت (^٢)، وإليه يعود الخلق، قال تعالى: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾: يصلح في ﴿مَنْ﴾ النصبُ بكونه مفعولًا، والرفعُ بكونه مبتدأ على الاستفهام.
وقوله تعالى ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: فيفتح على المهتدي ويقهر الضالَّ، فيُدخل المهتديَ الجنة والضالَّ النارَ، فيثيب المهتدي ويعاقب الضالَّ، فيَسعد المهتدي ويشقى الضالُّ، على اختلافهم في تفسير المعاد.
* * *
(٨٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾: أي: يوحَى إليك القرآن (^٣).
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: لكن اللَّه رحمك وأنعم عليك به.
﴿تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: عونًا للكافرين.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٤٦ - ٣٤٧) عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي مالك وأبي صالح.
(٢) رواه عبد بن حميد وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٦/ ٤٤٦).
(٣) في (أ): "الكتاب".
[ ١١ / ٤٧٣ ]
(٨٧ - ٨٨) - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: هو على الجمع؛ أي: لا يمنعَنَّك هؤلاء عن اتِّباع القرآن (^١).
﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾: أي: الآيات.
﴿وَادْعُ﴾ هؤلاء وغيرهم ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا يحملنَّك شوقك إلى وطنك على مداهنة هؤلاء وموافَقتهم في شيءٍ ليمكنك (^٢) المقام فيها، فإني مُعيدُك إليها عاليًا (^٣) عليهم.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: أي: إلا هو، يقال: أكرم اللَّه وجهك؛ أي: أكرمك اللَّه.
وقيل: معناه: كلُّ عمل باطلٌ إلا ما أريد به وجهُه؛ أي: رضاه.
﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: هذا ظاهر.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) في (ف): "الحق".
(٢) في (ر) و(ف): "لتمليك".
(٣) في (أ): "أعيدك إليها غالبًا".
[ ١١ / ٤٧٤ ]
سورة العنكبوت
[ ١١ / ٤٧٥ ]