بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسمِ اللَّهِ الذي شَقَّ القمَر، الرَّحمنِ الذي خلَقَ كلَّ شيءٍ بقَدَر، الرَّحيمِ الذي وعَدَ المُتَّقين بجَنَّاتٍ ونَهَر.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ غِبًّا، بعَثَه اللَّهُ يومَ القيامةِ ووجهُه مِثْلُ القمَرِ ليلةَ البَدْرِ، ومَن قرأَها في كل ليلةٍ فهو أفضلُ إنْ شاء اللَّهُ" (^٢).
وهي مَكِّيَّةٌ، وآياتُها: خمسٌ وخمسون.
وكلماتُها: ثلاثُ مئةِ كلمةٍ واثنان وأربعون.
وحروفُها: ألفٌ وأربعُ مئةٍ وتسعةٌ (^٣) وأربعون.
وانتظامُ آخرِ تلك السُّورة بأوَّلِ هذه السورة: بذِكْرِ القيامةِ وقُرْبِها، قال هناك: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، وقال هنا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في مُحاجَّةِ المشركين، وتنبيهِهم بقِصَصِ الأوَّلين.
_________________
(١) في (ر): "سورة اقتربت الساعة".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦٠)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢٢١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٠٦)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١٠١٩).
(٣) في (ر): "وسبعة".
[ ١٤ / ١٤٩ ]
(١) - ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
قولُه تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: أي: دنَتِ القيامةُ.
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: أي: وقد انشَقَّ القمرُ نِصْفَين، وفي قراءة حُذيفة بنِ اليَمان كذلك: (وقد انشَقَّ القمرُ) (^١).
قال أنسٌ: وذلك أنَّ المشركين سألوا رسولَ اللَّهِ -ﷺ- آيةً -وقيل: قد عَيَّنوا هذا- فأشارَ إليه، فانشَقَّ نِصْفَينِ (^٢).
وهو عند عامَّةِ الصَّحابة ومَن بَعْدَهم على أنه قد كان، والحسنُ البصريُّ يحمِلُه على أنه مما يكون إذا قامَتِ القيامةُ (^٣).
والصَّحيحُ هو الأوَّلُ، وقد رواه عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ، وأنسُ بنُ مالكٍ، وعبدُ اللَّه بنُ عمر، وحُذَيفةُ بنُ اليَمان، وعبدُ اللَّهِ بنُ عباس، وجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، ومُجاهدٌ، وإبراهيمُ (^٤).
قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: لقد رأيتُ حِراءَ بين فِلْقَتَيِ القمر، فتعجَّبَ أهلُ مكَّةَ مِن ذلك، وقالوا: سِحْرٌ مَصْنوعٌ سيَذْهَبُ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآياتِ (^٥).
_________________
(١) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٢٩٧)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ١٦٠). وروى القراءة عنه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٧٢).
(٢) رواه البخاري (٤٨٦٧)، ومسلم (٢٨٠٢) عن أنس ﵁ قال: سَأَل أهلُ مكةَ أن يُريَهم آيةً فأَراهُم انشقاقَ القمر.
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٠٩)، والكرماني في "غرائب التفسير" (٢/ ١١٦١).
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٠٤). وحديث أنس في الصحيحين كما تقدم، وكذا حديث ابن مسعود وابن عباس كما سيأتي، وحديث ابن عمر رواه مسلم (٢٨٠١).
(٥) رواه عنه الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ٨٢)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٦٩). وانظر التعليق الآتي.
[ ١٤ / ١٥٠ ]
وقال ابنُ مسعودٍ في روايةٍ: قال النبيُّ -ﷺ-: "اشهَدُوا شهدوا"، فقال المشركون: سحَرَ محمدٌ القمَرَ (^١).
وقال ابن عباس: إنَّ المشركين قالوا لَمَّا انشَقَّ القمرُ: سحَرَ محمدٌ القمرَ، فنَسْتَخْبِرُ السُّفَّارَ والقادمين، فكلَّما قدِموا سألوهم، فأخبَروهم أنَّهم قد رأوا ذلك، فتعجَّبوا منه (^٢).
* * *
(٢) - ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾: أي: مِثْلَ ما رأوا مِن انشقاق القمر.
﴿يُعْرِضُوا﴾: أي: عن الإيمان بها.
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: ويُلَبِّسوا على الضَّعَفة، ويقولون: هذا تخييلٌ قَوِيٌّ، فعَلَه حاذِقٌ بالسِّحر، فيَتَصَوَّرُ بصُورة الانشقاق وهو بحاله لم يَنْشَقَّ، وهو مأخوذٌ مِن إمرار الحَبْل، وهو إحكامُ فَتْلِه.
وقال الأخفش: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: شديدٌ (^٣)، والمِرَّةُ: القُوَّةُ والشِّدَّةُ.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٦٤) و(٤٨٦٥)، ومسلم (٢٨٠٠)، دون قوله: "فقال المشركون: سحَرَ محمدٌ القمَرَ"، ولفظ مسلم: بينما نحن مع رسول اللَّه -ﷺ- بمنى إذا انفق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول اللَّه -ﷺ-: "اشهدوا".
(٢) رواه الطيالسي في "مسنده" (٢٩٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٠٦)، والشاشي في "مسنده" (٤٠٤)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (١٤٦٠)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٠٠)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص: ٢٦٩) عن ابن مسعود ﵁. وقد روى البخاري (٣٦٣٨)، ومسلم (٢٨٠٣) عن ابن عباس ﵁: (أن القمر انشق في زمان النبي -ﷺ-).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤١٠) عن الأخفش والفراء. =
[ ١٤ / ١٥١ ]
وقال الكسائي والفراء: أي: يستمِرُّ ويذهبُ عن قليلٍ (^١)؛ لأنَّه لا حَقيقةَ له؛ مِن المُرور.
وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: يُشْبِهُ أفعالُ محمدٍ بعضُها بعضًا؛ كما يقول الفقهاء: (قياسٌ مُسْتَمِرٌّ)؛ أي: يجري على وجهٍ واحدٍ.
وقيل: أرادوا أنه سحرٌ مستمِرٌّ في الدُّهور قبل محمد؛ أي: هذا شيءٌ كان يفعلُه أمثالُ محمدٍ في الأُمَمِ الماضية.
وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾: أي: مُمْتَدٌّ مِن الأرض إلى السماء، وكان قبلَ هذا سَحَرَةٌ في الأرض، فصار الآنَ سِحْرٌ في السماء.
* * *
(٣) - ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾.
﴿وَكَذَّبُوا﴾: أي: محمدًا فيما جاء به مِن هذه الآيةِ وغيرِها.
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾: أي: فعلوا ذلك بالشَّهَوات والأهواء، لا بالحُجَّة.
وقولُه تعالى: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾: أي: وكلُّ أمرٍ مِن الخير والشَّرِّ، والحَقِّ والباطل، والهوى والحُجَّة، يستقِرُّ يومًا قرارُه، ويتناهى نهايتَه، فتخرُجُ حقيقته، وتزولُ شُبْهَتُه، وعند العواقب تظهَرُ الحقائقُ.
وهذا وعيدٌ للمشركين، ووعدٌ وبِشارةٌ للرسول والمؤمنين، وهو كقوله:
_________________
(١) = وذكره الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١١٣) عن بعض البصريين.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٠٤). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦٢)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٩٧) عن مجاهد، وقادة، والفراء، والكسائي.
[ ١٤ / ١٥٢ ]
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أي: إنَّ مُدَّتَه وإنْ طالَتْ فلا بُدَّ مِن أنْ يستقِرَّ قرارُه، وتنكشِفُ حقيقتُه مِن حقٍّ وباطل.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾: أي: مِن أخبار الأُمَم الماضية التي هي غُيوبٌ، ولا يعلَمُها محمدٌ إلا بوحيٍ.
﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾: أي: زَجْرٌ ومَنْعٌ، وقد زجَرَه وازْدَجَرَه، وهو للمصدر ها هنا كالازدجار؛ كالمُصْطَبَر يُستعمَلُ في معنى الاصطبار.
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: قيل: هو ترجمةٌ عن الأوَّلِ ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حِكْمةٌ.
وقيل: إنها ترجمةٌ وبدلٌ عن قوله: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾.
وقيل: أُضْمِرَ ابتداؤُه، وهذا خبَرٌ عنه؛ أي: هذه ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾: أي: بالِغَةٌ نهايةَ الإحكامِ.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾: يجوز أنْ يكون نَفْيًا، ويجوز أنْ يكون استفهامًا بمعنى التَّوْبِيخ؛ أي: فما يُغْنِي النَّذِيرُ بعد النَّذير لِمَن أعرَضَ عنه ولم يتأمَّلْه وعانَدَ؟!
وقيل: فما يُغْنِي الأنبياءُ عن هؤلاء الكفار شيئًا مِن العذاب وما يَصْرِفُونه عنهم وهم لم يَقْبَلوا إنذارَهم؟!
* * *
(٦) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾.
[ ١٤ / ١٥٣ ]
وقولُه تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: أَعْرِضْ عن مُكَافأَتِهم الآنَ، إنَّ لهم يومًا يُجازَون فيه.
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: قيل: تقديرُه: فتولَّ عنهم لِيومِ يَدْعُ الدَّاعِ.
وقيل: تمَّ الكلامُ عند قولِه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، وقولُه: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ يتعلَّقُ بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
وقيل: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: ظرفٌ لقوله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾؛ كما قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، وهو إسرافيلُ في النَّفْخَة الثانية.
﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾: أي: هائلٍ مُنْكَرٍ لا يُطاقُ، ويُسَمَّى (نُكرًا)؛ لِغِلَظِه على النَّفْس.
وقيل: لأنهم لم يروا مِثْلَه قَطُّ، فيُنْكِرونه استعظامًا له.
وقيل: أي: إلى شيءٍ كانوا يَجْحَدونه في الدنيا، ويُنْكِرونه في الدنيا، ولا يؤمنون به.
* * *
(٧) - ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (^١): قرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿خاشِعًا أَبصارُهم﴾، وتقدُّمُ الصِّفة كتقدُّمِ الفعل، فيجوزُ تذكيرُه وتوحيدُه، قال الشاعر:
وشبابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهم مِن إيادِ بنِ نزارِ بنِ مَعَدّْ (^٢)
_________________
(١) في (ف): "خاشعًا أبصارهم"، وهما قراءتان متواترتان كما سيأتي.
(٢) نسبه أبو العلاء المعري في "رسالة الملائكة" (ص: ١٥٣)، وابن رشيق في "العمدة" (٢/ ٨٣) إلى أبي دؤاد الإيادي، وهو في ديوانه (ص: ٩٢)، إلا أن مطلعه: (وفُتُوٍّ). =
[ ١٤ / ١٥٤ ]
وقرأ الباقون: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ على الجَمْع (^١)؛ لأنَّها نَعْتٌ لـ (أبصار) حقيقةً، وهي جَمْعٌ.
ونصبُه على الحال مِن: ﴿يَخْرُجُونَ﴾.
وقيل: نُصِبَ لأنه مفعولٌ به مِن قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾: أي: قومًا هُم كذا.
ومعناه: خاضِعين أَذِلَّةً لأمرِ اللَّه.
وأضافَ الخُشوعَ إلى الأبصار؛ لأنَّ ذِلَّة الذَّليلِ وعِزَّةَ العزيزِ يَظْهَران في النَّظَر.
وقيل: هو دليلُ الخوفِ والحياء، فيُنَكِّسُ رأسَه، ويَخْفِضُ بصرَه.
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: أي: القُبورِ.
﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾: وحَّدَ اللَّفْظَةَ، ومعناه: خاضعين كأنَّهم جرادٌ مُنْتَشِرٌ في كَثْرَتِهم وتفرُّقِهم في كلِّ جِهَةٍ.
وقيل: أي: يخرُجون فَزِعين لا يَهْتَدون، مُتَحَيِّرين لا جِهَةَ لأحدٍ منهم يَقْصِدُها.
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾.
﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: قيل: مُسْرِعين.
وقيل: رافِعين أبصارَهم إليه.
_________________
(١) = وذكره دون نسبة الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ١٠٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١١٨)، والزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ٨٦)، وابن خالويه في "الحجة" (ص: ٣٣٨)، والأزهري في "معاني القراءات" (٣/ ٤٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٥).
[ ١٤ / ١٥٥ ]
وقيل: مُدِيمين النَّظَرَ إليه.
﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾: أي: شديدٌ عَسيرٌ.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾: أي: رسولَهم نوحًا.
﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾: أي: هو مجنونٌ.
﴿وَازْدُجِرَ﴾: أي: زجَروه عن تبليغِ الرِّسالة بالتَّهديد والشَّتْم، و(ازدَجَرَ) مُتَعَدٍّ كـ (زجَرَ)، وهو كما قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦].
﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾: أي: لَمَّا أَيِسَ مِن إيمانهم:
﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾: أي: غلَبَني قومي بتمَرُّدِهم، ومنَعُوني عن الدُّعاء إليكَ.
﴿فَانْتَصِرْ﴾: أي: فانتَقِمْ لي منهم.
وعن عاصمٍ: (إني مَغْلوبٌ) بكسر الألف (^١)؛ أي: دعا فقال: إني، والفتحُ لِوُقوعِ الفعلِ -وهو الدُّعاءِ- عليه.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾.
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾: أي: فأجَبْناه وأمَرْناه باتِّخاذ السَّفينة، ثم لَمَّا بلَغَ الكتابُ أجَلَه فتَحْنا أبوابَ السَّماءِ فوقهم.
﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾: أي: كثيرٍ مُنْصَبٍّ خارجًا عن المُعْتاد.
_________________
(١) ذكر القراءة ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢١٤) عن عاصم، وابن أبي إسحاق، وعيسى. وعزاها الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ٨٧)، والنحاس في "إعراب القرآن" (٤/ ١٩٤)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٩٩) إلى عيسى بن عمر النحوي.
[ ١٤ / ١٥٦ ]
وقيل: هو الكثيرُ السَّريعُ الانصِبابِ.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾: أي: سَيَّلْنا عُيونَ الأرضِ مِن تحتهم.
﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾: أي: اجتمَعَ ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرضِ، ولم يُثَنَّ لأنه اسمُ جِنْسٍ، وبالاجتماعِ يجوزُ أنْ يُقالَ: هذا ماءٌ واحدٌ.
﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾: أي: قدَّرَه اللَّهُ، وعَلِمَ مِقْدارَه ومَبْلَغَه، وقَدَّرَ في أُمِّ الكتاب هلاكَ القومِ به، فلم يَزِدْهم على ما سبَقَ عِلْمُه به، ولم يَنْقُصْ (^١) عنه.
وقيل: أي: التقى الماءانِ على مِقْدارٍ واحدٍ، فكان ماءُ السَّماءِ بقَدْرِ ماءِ الأرض، لا يزيدُ أحدُهما على الآخَرِ.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾.
﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾: أي: حَمَلْنا نوحًا.
﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾: أي: على سفينةٍ ذاتِ صَفائِحَ مِن الخَشَبِ التي تُؤَلَّفُ منها السَّفينةُ.
﴿وَدُسُرٍ﴾: جَمْعُ دِسارٍ.
وقال قُطْرُبٌ: هي المِسْمارُ.
وقال الخليل: الدِّسارُ: خَيْطٌ مِن لِيفٍ تُشَدُّ به ألواحُ السُّفُنِ (^٢).
وقال الفرَّاء: الدُّسُرُ: مساميرُ السفينة وشُرُطُها التي تُشَدُّ بها (^٣)، واحدتُها: دَسِيرة.
_________________
(١) في (ر): "ينتقص".
(٢) انظر: "العين" (٧/ ٢٢٥).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٠٦).
[ ١٤ / ١٥٧ ]
وقال مُجاهد: الدُّسُرُ: أَضْلاعُ السَّفينةِ (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: طرَفاها وأَصْلُها (^٢).
وقال نِفْطَوَيْهِ: الدُّسُرُ: السُّفُنُ نفْسُها تُدَسِّرُ الماءَ بصَدْرِها؛ أي: تَدْفَعُه.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: أي: بمرأى مِنَّا، نحن نراها ونحفَظُها.
﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: أي: فعَلْنا ذلك جزاءً لنوحٍ بصَبْره على أذى قومِه وكُفْرِهم به، وتَرْكِهم الشُّكْرَ له على دعائه إياهم إلى ما فيه نَجاتُهم.
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾: أي: ولقد ترَكْنا السَّفينةَ علامةً على قُدْرَةِ اللَّهِ تعالى، ولُطْفِه بأهل ولايته، وتمييزِه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، والكنايةُ راجعةٌ إلى ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾.
وقيل: أي: ترَكْنا هذه الفِعْلَةَ آيةً للعالمين، يَعْتَبِرُ بها كلُّ مَن بلَغَه هذا الخبَرُ.
وقال قتادة: أبقى اللَّهُ سفينةَ نوحٍ على الجُوديِّ حتى أدرَكَها أوائلُ هذه الأُمَّةِ (^٣).
وعن ابن عباسٍ مِثْلُه (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٢٦). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦٤)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١٨٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٢٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٢٥). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤١٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٢٣).
(٣) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٦٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٢٨).
(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس ﵄.
[ ١٤ / ١٥٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾: أي: بَقَّيْناها؛ كما قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: أي: مُتَّعِظٍ منكم مَعاشِرَ المشركين؟
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: أي: إنذاري؛ أي: ألم يكن عذابي شديدًا مُهْلِكًا، أوَلم يكن إنذاري صِدْقًا واقِعًا؟
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
قولُه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: قال ابن عباس: هوَّنَّا قراءةَ القرآنِ لِيَتَّعِظَ المُتَّعِظُ به، ولولا أنَّ اللَّهَ تعالى يسَّرَه ما استطاعَ أحدٌ أنْ يتكَلَّمَ بكلام اللَّه تعالى (^١).
وقال سعيد بن جُبيرٍ: يسَّرْناه للحفظ ظاهِرًا، وليس مِن كُتُبِ اللَّهِ تعالى يُقْرَأُ ظاهِرًا إلا القرآنُ (^٢).
وقال الحسن: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: أي: خائفٍ مِثْلَ عُقوبَتِهم (^٣).
وقيل: يسَّرَ قراءتَه على ألسنةِ قومٍ، وعلَّمَه على قلوبِ قومٍ، وفهَّمَه على قلوب قومٍ، وحَفِظَه على قلوبِ قومٍ، وكلُّهم أهلُ القرآنِ، وكلُّهم أهلُ اللَّهِ وخاصَّتُه.
_________________
(١) رواه مختصرًا عنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٥٧٢)، وذكره البغوي في "شرح السنة" (١/ ١٨٢). وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٤/ ١٨٠)، وذكره عنه الواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٠٣).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦٥)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٠٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٣٢)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢١٥).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٦٧).
[ ١٤ / ١٥٩ ]
وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾: أي: رسولَهم هودًا.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي﴾: أي: بالرِّيحِ العَقيم.
﴿وَنُذُرِ﴾: أي: إنذاري على لسان رسولي، أليس كان العذابُ أليمًا شديدًا، والإنذارُ حقًّا وصِدْقًا؟
* * *
(١٩ - ٢٠) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾: يعني: شديدةً باردةً، ذاتَ بَرْقٍ وصوتٍ هائلٍ.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾: أي: في يومٍ كان مَشْؤومًا عليهم.
﴿مُسْتَمِرٍّ﴾: استمَرَّ بهم العذابُ حتى أهلَكَهم.
وقال قتادة: استمَرَّ عليهم شَرُّه؛ أي: دام إلى أن صاروا في نار جهنَّمَ (^١).
وقال الفَرَّاءُ: أي: استمَرَّ عليهم بنُحُوسَته (^٢)؛ أي: قَوِيَ واشتَدَّ.
وقال الكسائيُّ: هو مِن المرارة، وقد استمَرَّ الشيءُ وأَمَرَّ (^٣).
وقال نِفْطَوَيْهِ: في يوم شُؤْمٍ مُسْتَحْكِمٍ، بكسر الكاف (^٤).
قولُه تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾: أي: تَقْلَعُهم مِن مواضِعهم.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٣٥). وذكره مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١٩١)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٠٤)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢١٦).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٠٨)، وذكره عنه الواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٠٤).
(٣) ذكره عنه القرطبي في "تفسيره" (١٧/ ١٣٥).
(٤) "بكسر الكاف" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٤ / ١٦٠ ]
قيل: كانت تأتيهم مِن تحت أقدامِهم فتَقْلَعُهُم كما تَنْقَعِرُ النَّخْلَةُ مِن أَصْلِها.
وقيل: كانت تَقْتَلِعُ الناسَ فتَرْمِي بهم على رؤوسهم، فتَدُقُّ رقابَهم، وتَبِينُ مِن أجسادِهم، فشُبِّهوا بأُصول النَّخْلِ لهذا.
وقيل: بل أحْرَقَتْهم فقَطَّعَتْهم الرِّيحُ قِطَعًا، فكان كلُّ عُضْوٍ منهم كعَجُزِ النَّخْلِ المُنْقَعِرِ، فذلك قولُه:
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾: والأعجازُ: جَمْعُ عَجُزٍ، وهو أَصْلُ النَّخْلَةِ.
والمُنْقَعِرُ: المُنْقَلِعُ مِن أصلِه.
والنَّخْلُ يؤنَّثُ إذا أُريدَ بها جَمْعُ نَخْلَةٍ، وعلى ذلك قولُه: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، ويُذَكَّرُ إذا أُرِيدَ به الواحدُ، ويجوز أنْ يكون جَمْعًا ها هنا وذَكَّرَ نَعْتَه للفظه، والأَولى أنْ تكون جَمْعًا؛ لأنَّه شبَّه بها الجماعةَ.
وقيل: كأنهم حفَروا حُفَرًا دَخَلوا فيها، فكانت الرِّيحُ تَنْزِعُهم؛ أي: تُخْرِجُهم منها، فتَكْسِرُهم، فتبقى تلك الحُفَرُ كأنها أصولُ نخلٍ قد هلَكَ ما كان قائمًا فيها، فبَقِيَ موضعُها مُنْقَعِرًا، وهو الشيءُ الذي له قَعْرٌ.
وقال الأخفش: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾: أي: أَسافِلُ نَخْلٍ مُنْقَلِعٍ (^١).
* * *
(٢١ - ٢٤) - ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: فسَّرْناه.
_________________
(١) وهو قول الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ١٠٨)، وأبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤١).
[ ١٤ / ١٦١ ]
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: فسَّرْناه مَرَّةً، وكرَّرَه لأنَّ معناه: سَهَّلْنا سبيلَ التَّذَكُّرِ والاتِّعاظ به لمَّا وصَّلْنا به القولَ مِن قِصَصِ الأوَّلين تَنْبِيهًا للآخِرين.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾: قيل: بالإنذار، وهو واحدٌ.
وقيل: بالآيات التي هي نُذُرٌ، جَمْعُ نذيرٍ.
وقيل: بصالحٍ ومَن تقدَّمَه مِن الرُّسُل، جَمْعُ نذيرٍ، وهو الرسولُ المُنْذِرُ.
قولُه تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾: أي: استَنْكَروا أنْ يَلْزَمَهم الانقيادُ لِبَشَرٍ هو واحدٌ منهم؛ أي: مِن جِنْسِهم وجُمْلَتِهم يأكُلُ الطَّعامَ، ويمشي في الأسواق.
﴿إِنَّا إِذًا﴾: لو اتَّبَعناه.
﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾: أي: ذهابٍ عن الحقِّ.
﴿وَسُعُرٍ﴾: أي: جنونٍ، وهو قولُ القُتَبِيُّ، قال: هو مِن تَسَعُّرِ النارِ، ويُقالُ: ناقةٌ مَسْعورةٌ؛ كأنها مجنونةٌ مِن النَّشاط (^١).
وقال قتادة: أي: عذابٍ وعَناءٍ (^٢).
وقال الأخفش: هو مِن الاستعار (^٣)؛ أي: الالتهاب؛ أي: في تعَبٍ شديدٍ يَلْتَهِبُ مِن التَّمادي فيه، ومَن حمَلَه على الجُنون، فإنَّ الجُنونَ يُحَرِّكُ صاحبَه ويُلْهِبُه.
وقيل: أي: في أمرٍ يُسْعِرُ مِثْلُه؛ أي: يُلْهِبُ صاحبَه ويُحَرِّكُه حتى يُحميَه فيأنَفَ منه.
* * *
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" (ص: ٤٣٣).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٧١) بلفظ: ضلال وعمى، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٤٠).
(٣) في (ر): "السعارة"، وفي (ف): "الاستعارة". وذكره عن الأخفش السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٣١٨).
[ ١٤ / ١٦٢ ]
(٢٥ - ٢٦) - ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.
﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾: أي: الوحيُ، وذكْرُ ما بالناس إليه حاجةٌ مِن أمور الدِّين والدنيا وفينا مَن هو أكثرُ مالًا وأعلى حَسَبًا منه؟!
﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾: أي: ليس كما يقول أنَّ الوحيَ أُنْزِلَ عليه مِن بيننا، بل هو كذَّابٌ في ذلك.
﴿أَشِرٌ﴾: لَجُوجٌ (^١) يلتمِسُ التَّجَبُّرَ والتَّكَبُّرَ علينا مِن غير استحقاقٍ.
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾: أي: يومَ القيامةِ ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.
وقيل: ﴿غَدًا﴾: أي: يومَ يَنْزِلُ بهم العذابُ المُسْتَأْصِلُ في الدنيا.
وقال الحسَنُ: قرَّبَ اللَّهُ تعالى الآخرةَ مِن الدنيا كقُرْبِ الغَدِ مِن اليوم (^٢).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾.
﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾: أي: لَمَّا كذَّبوه سألوه آيةً، وهو أنْ يُخْرِجَ لهم ناقةً مِن الجبل، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾: أي: مُخْرِجُوها وباعِثُوها.
﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾: أي: اختبارًا وامتحانًا حتى يَظْهَرَ للعباد ما نحن عالِمون بما يكون منهم.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "لحوح".
(٢) لم أقف عليه عن الحسن.
[ ١٤ / ١٦٣ ]
وقيل: أي: تشديدًا للتَّعَبُّد عليهم بما يَلْزَمُهم مِن الصَّبر على ضِيقِ الماء والكلَأِ بخُروج الناقة لحاجَتِها إلى الكثير منها مع فَصيلِها.
﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾: أي: فانتظِرْهم، وتَبَصَّرْ ما يكون منهم، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على ارتقابِهم، ولا تَعْجَلْ إلى أنْ يؤمنوا، أو يَهْلِكوا.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾: أي: خَبِّرْهم ﴿أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾: أي: مَقْسومٌ بين القوم وبين الناقة، والقِسْمَةُ ما ذُكِرَ في سورةٍ أخرى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾: أي: كلُّ نصيبٍ مِن الماء يُحْضِرُه صاحبُه في يومه.
* * *
(٢٩) - ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾: رُوِيَ أنَّ الأمرَ لما طالَ بهم في الناقة، غلَبَ عليهم الشَّقاءُ، فائتَمَرَ تسعةُ نفَرٍ منهم، وهُم المذكورون في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] منهم قُدَارُ بنُ سالِف، ائتمَروا بها، فلما أَجْمَعوا على قَتْلِها قال بعضُهم لبعضٍ: أيُّكم يَكْمُنُ للناقة حين تمُرُّ إذا صدَرَتْ عن الماء، فتحاماها القومُ، وكمَنَ لها قُدارُ بنُ سالِفٍ لِيَقْتُلَها، وصاح بها بَقِيَّةُ الرَّهْطِ وهي على الماء، فقتلَها قُدَارُ بنُ سالِفٍ، فكان معنى قولِه: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾: أي: فنَبَّهوه على مَجيئِها وقُرْبِها مِن مَكْمَنِه، ودَعَوْه إلى قَتْلِها.
وقيل: لَمَّا ائتمَروا بها قال أحدُهم: أنا أَكْفِيكُمُوها، فلما هَمَّ بها هابَها، فناداه أصحابُه فشَجَّعوه.
﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: أي: فتناوَلَ ما دَعَوْه إليها فقتَلَها.
[ ١٤ / ١٦٤ ]
وقيل: رماها رجلٌ منهم فأصابَ عَضَلَةَ ساقِها، ثم صاحَ: دونَكَ يا قُدَارُ، فهي هذه تمُرُّ عليك، فمَرَّتْ بقُدار، فضرَبَ ساقَها الأخرى فصُرِعَتْ لِجَنْبِها، ثم وجَأَ بالسيف في لَبَّتِها حتى فرَغَ منها.
وقيل: عقَرَها قُدارٌ؛ أي: جَرَحَها، فلما صرَعَها مالوا (^١) جميعًا عليها فقتَلوها.
وقيل: بل عقَرَها هو وقتَلَها، والعَقْرُ: هو القَتْلُ، قال -ﷺ-: "مَن عُقِرَ جوادُه" الحديث (^٢).
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: فسَّرْناه.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: أي: صاعِقَةً، فأهلَكَتْهم جميعًا.
﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾: أي: فصاروا بعد غَضارَتِهم وحُسْنِهم كيَبْسِ الشَّجَر والنبات الذي يَجْمَعُه صاحبُه ويَحْتَظِرُه لمواشيه؛ أي: يَتَّخِذُ لها حَظِيرةً يَجْمَعُها، وذلك مُتَكَسِّرٌ مُتَفَتِّتٌ، وذلك يحتمِلُ معانيَ ثلاثةً:
أحدُها: أنْ يكون صاحِبُ الحَظِيرةِ قد احتَظَرَ لِغَنَمِه، ثم لم يَجْمَعْ فيها الهَشِيمَ مِن النَّبات للغنم لِتَأْكُلَه.
والثاني: أنْ يكون المُحْتَظِرُ اتَّخَذَ الحَظِيرةَ للنبات اليابس.
_________________
(١) في (ر): "قاموا".
(٢) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٦٧٩٢) من حديث عبد اللَّه بن عمرو، وجابر، وعمرو بن عبسة ﵃، ولفظ جابر: "قالوا: يا رسول اللَّه، أي الجهاد أفضل؟ قال: مَن عُقر جواده، وأُهريق دمه".
[ ١٤ / ١٦٥ ]
والثالثُ: أنْ يَحْتَظِرَ النَّباتَ الرَّطْبَ، فيَيْبَسَ ويَسْقُطَ ويصيرَ هَشيمًا بوَطْءِ الناس والبهائم.
وقرأ الحسَنُ: (المُحْتَظَر) بفتح الظاء (^١)، وله وجهان:
أحدُهما: أن يكون المُحْتَظَرُ هو الهَشِيمُ، وأُضِيفَ إلى نفْسِه.
والثاني: أن يكون المُحْتَظَرُ هو الحَظِيرةُ، والهَشِيمُ مُضافٌ إليها.
* * *
(٣٢ - ٣٥) - ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: وقد مَرَّ سِياقُ القصة في سورة الأعراف.
قولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾: فسَّرْنا النُّذُرَ بثلاثة أوجهٍ في هذه السورة في قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾: أي: سَحابًا حَصَبَهم؛ أي: رماهم بالحِجارة والحَصى.
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾: أي: لوطًا ومَن آمَنَ به.
﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾: أي: أمَرْناه حتى خرَجَ بهم بِقِطْعٍ مِن الليل، وجاء العذابُ قومَه الصُّبْحَ.
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾: أي: إنعامًا مِنَّا على لوطٍ وأهلِه.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾: بإنعامنا، فآمَنَ ولم يُكَذِّبْ.
_________________
(١) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٣٩٢)، و"الكامل" للهذلي (ص: ٦٤٢).
[ ١٤ / ١٦٦ ]
قال الفرَّاءُ والكسائيُّ: إذا قُلْتَ: (خرَجْتُ بسَحَرٍ) أجْرَيْتَه بجَعْلِه نكرةً، وإذا حذَفْتَ الباءَ لم تُجْرِه (^١).
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾: أي: كان خوَّفَهم بأَخْذِنا إيَّاهم إذا أقاموا على كفرهم وتكذيبهم.
وخرَجَ الكلامُ مَخْرَجَ المَرَّةِ الواحدةِ؛ لأنَّهم لم يَبْقَوا بعد تلك البَطْشَةِ الواحدةِ.
﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾: أي: فشَكُّوا فيما أَنْذَرَهم به، وجادَلوه فيه وجَحَدوه، وقالوا: كيف يَتَهَيَّأُ له إِهْلاكُنا وهو واحدٌ مِنَّا؟!
﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾: أي: طالَبوه بتسليم أضيافِه إليهم، وهُم الملائكةُ الذين رأوهم على صورة الغِلْمان، وظَنُّوهم مِن البَشَر، وقَصَدوا منهم ما اعتادوه مِن خَبائِثِهم (^٢).
﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾: قيل: فأَعْمَيْناهم؛ رُوِيَ: أنَّ جبريلَ مسَحَ وجوهَهم بجناحِه فأَعْماهم، فجعَلوا يجولون لا يَدْرون كيف يَتوَجَّهون.
وقيل: صُيِّرَتْ أعينُهم كسائر الوجه لا شِقَّ لها؛ كما تَطْمِسُ الرِّيحُ الأعلامَ بالرَّمْلِ والتراب.
وقيل: بل أعماهم مع بقاءِ صُوَرِ أعيُنِهم.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٠٩).
(٢) في (ر): "خيانتهم".
[ ١٤ / ١٦٧ ]
﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾: أي: وقيل لهم ذلك.
وقيل: معناه: أَذَقْناهم ذلك؛ كما قال: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]؛ أي: سَيَّرْناهم كذلك.
* * *
(٣٨ - ٤٠) - ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ﴾: أي: جاءهم صباحًا؛ كما قال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١].
﴿بُكْرَةً﴾: أوَّلَ النَّهارِ حين يَطْلُعُ الفجرُ.
﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾: أي: ثابتٌ مُسْتَقِرٌّ فيهم إلى أنْ هلَكوا جميعًا، لم يكن كالشيء الذي يمُرُّ بالشيء فيأخُذُ بَعْضًا ويترُكُ بَعْضًا.
وقيل: أي: يَسْتَقِرُّ بهم إلى أنْ يُوافُوا جهنَّمَ.
﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُر﴾: فسَّرْناه.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: فسَّرْناه أيضًا، وهو سِياقُ القصَّةِ في سورة الأعراف وغيرِها.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾: أي: الآياتُ التي أُنْذِروا بها؛ كالضَّفادعِ، والدَّمِ، والطُّوفان، والجرادِ، والقُمَّلِ، والسِّنين، واليدِ، والعصا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكون النُّذُرُ هُمُ الرُّسُلُ، فقد جاءهم يوسُفُ وبنوه إلى أنْ جاء موسى وهارونُ.
[ ١٤ / ١٦٨ ]
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾: أي: الأعلامِ الدَّالَّةِ على صِدْقِ الرُّسل.
ويَحْتَمِلُ أن يكون أرادَ به آلَ فرعونَ، ويَحْتَمِلُ أن يكون أرادَ به كلَّ الأُمَمِ الذين ذكرَهم في هذه السورة.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾: أي: عاقَبْناهم مُعاقَبَةَ مَن لا يتهيَّأُ الاعتراضُ عليه، ولا مَنَعَةَ لِعِزِّه وسُلْطانِه ومعاقبِه، قادرٌ على كل شيءٍ، لا يفوتُه هارِبٌ، ولا يُعْجِزُه غالِبٌ.
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ﴾: يُخاطِبُ مُشْركي قريشٍ.
﴿مِنْ أُولَئِكُمْ﴾: أي: الأُمَمِ الماضية؛ أي: ليسوا كذلك، بل كلُّكم (^١) سواءٌ؛ لأنَّ الكلَّ كفارٌ مُكَذِّبون، فإذا شارَكْتُموهم في الجِناية، تُشارِكونهم في العُقوبة.
﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾: أي: أم تدَّعون أنَّ لكم براءةً مِن اللَّه في الكُتُب المُنَزَّلة على أنبيائه بالسَّلامة مِن العُقوبة، وخروجِكم بذلك من الجُمْلَة؟!
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾: أي: مُنْتصِرون مُجْتَمِعون مُمْتَنِعون، فلا يَنالُنا أحدٌ بمكروهٍ، ولا يَقْدِرُ علينا.
ووحَّدَ المُنْتَصِرَ لأنه نعَتَ به قولَه: ﴿جَمِيعٌ﴾، ولفظُه لفظُ الواحدِ؛ كـ (السَّميع) و(البديع).
* * *
(٤٥) - ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾: فلا ينفَعُهم الاجتماعُ.
﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: أي: الأَدْبارَ، وهو اسمُ جِنْسٍ يصلُحُ للجَمْع.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "كلهم".
[ ١٤ / ١٦٩ ]
وحُقِّقَ ذلك يومَ بدرٍ، ودلَّتِ الآيةُ على صدقِ نُبُوَّةِ رسولِ اللَّه -ﷺ- حيث أَخْبَرَ فكان كما أخبَرَ، فدلَّ أنه قال ذلك بوَحْيِ اللَّهِ تعالى، وهذا كلُّه توبيخٌ، يقولُ لهم: لم تُقاوِموا عبادَ اللَّهِ، فكيف تُقاوِمون عذابَ اللَّهِ؟!
﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ قيل: معناه: أفأنتم.
وقيل: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أيَّتُها الأُمَّةُ.
وقيل: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ خطابٌ لقومٍ أسْلَمَ بعضُهم، وهذا خِطابٌ، ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: على المُغايَبَة، وهو مِن تلوينِ الكلام وأقسامِ البلاغة.
* * *
(٤٦) - ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.
﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾: أي: القيامةُ، فلا نَقْتَصِرُ بعذاب الدنيا، بل نُدِيمُ عليهم العقابَ في العُقْبى.
﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾: أي: أعظَمُ وأنكَرُ.
﴿وَأَمَرُّ﴾: قيل: أشَدُّ.
وقيل: أمَرُّ مَذاقًا.
وقيل: نزل قولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ في أبي جهلٍ، وذلك أنه كان عنده فرَسٌ كُمَيْتٌ (^١) يَعْلِفُها كلَّ يومٍ فَرَقًا من ذرةٍ، ويَحْلِفُ باللَّاتِ والعُزَّى لَيَقْتُلَنَّ عليه محمدًا، فلما كان يومُ بدرٍ رَكِبَه وجعلَ يُطارِدُ ويقول: نحن اليومَ جميعٌ مُنْتَصِرٌ ممَّن عادانا، فقتَلَه عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ يومَ بدرٍ، وأخبَرَ رسولَ اللَّه -ﷺ- بذلك، وقال: رأيتُ النَّارَ تَلْتَهِبُ مِن جسَدِه، فقال النبيُّ -ﷺ-: "ذلك ضَرْبُ الملائكةِ يا عبدَ اللَّه، فإذا كان
_________________
(١) الكميت: مشتق من الكمتة، وهو لون بين السواد والحمرة يكون في الخيل والإبل ونحوها. انظر: "المحكم" (٦/ ٧٨١).
[ ١٤ / ١٧٠ ]
يومُ القيامةِ وأُدْخِلَ النَّارَ قيل له: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] " (^١).
وعن عمر أنه قال: لَمَّا نزَلَ قولُه: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾: كنت لا أدري أيَّ جَمْعٍ يُهْزَمُ، فلما كان يومُ بدرٍ رأيتُ النَّبيَّ -ﷺ- يَثِبُ في دِرْعِه، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (^٢).
* * *
(٤٧ - ٤٨) - ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: أي: إنَّ المشركين في ضَلالٍ عن الحقِّ في الدنيا، وفي نيرانٍ تَسْتَعِرُ فيهم في العُقْبى، وهي جَمْعُ سَعيرٍ.
وقيل: هو على مُقابَلَةِ قولِهم: ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أي: يُجَرُّون في نارِ جهنَّمَ بعد دخولِهم فيها، تَجُرُّهم الزَّبانِيَةُ.
وقرأ ابن مسعود: (يوم يُسْحَبون إلى النار) (^٣)، وذلك يكون قَبْلَ الإِدْخال.
_________________
(١) ذكره مختصرًا مقاتل في "تفسيره" (٤/ ١٨٤). وأما قول النبي -ﷺ-: "ذلك ضرب الملائكة"، فقد رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٢٣٠) مرسلا عن الحسن، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ٣٦٧)، والواحدي في "البسيط" (١٠/ ١٩٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٢/ ٥٤٠).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٦٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٥٧)، والطبراني في "الأوسط" (٣٨٢٩) و(٩١٢١). وقصة قراءة النبي -ﷺ- لها رواها البخاري (٤٨٧٧) عن ابن عباس ﵄.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١١٠)، و"إعراب القرآن" للنحاس (٤/ ٢٠١) و"تفسير الطبري" (٢٢/ ١٥٩).
[ ١٤ / ١٧١ ]
و﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: دِلالةُ نهايةِ الإذلال، وبيانُ أنَّهم لا يُجَرُّون على أَقْفِيَتِهم بل على وُجوهِهم.
وقُرِئَتِ الآيةُ بين يدَيِ الفُضَيْلِ، فبكى حتى خَنَقَتْهُ العَبْرةُ، فقال: واللَّهِ لو سُحِبوا على الخَزِّ والحريرِ لكان شديدًا، فكيف إذا سُحِبوا على النار؟!
﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾: أي: يُقالُ لهم هذا، وسَقَرُ مِن أسماء جهنَّمَ، ولا تُصْرَفُ لأنَّها مؤنثةٌ مَعْرِفَةٌ، وهي مِن سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ؛ أي: أَحْمَتْه.
* * *
(٤٩) - ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾: قال أبو هريرةَ: جاء مُشْرِكو قُرَيْشٍ إلى النبي -ﷺ- يُخاصِمونه في القدَرِ، فنزلَتْ هذه الآيةُ (^١).
وقال أنس: سمعتُ عمرَ يَحْلِفُ أنها نزلَتْ في القَدَرِيَّة (^٢).
وقال ابن عباس: إنَّ أصحابَ هذه الآيةِ ما كانوا، وليكونُنَّ بعدُ (^٣).
وقال كعبُ الأحبارِ: ويلٌ لأهلِ القَدَرِ! إنها لَمْكُتوبةٍ في التوراة: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٧٤)، والإمام أحمد في "مسنده" (٩٧٣٦)، ومسلم (٢٦٥٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٦١).
(٢) رواه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢١٤)، وابن الجوزي في "المسلسلات" مرفوعا من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ مسلسلا بقوله: (أشهد اللَّه). ورواه الطبراني في "الكبير" (١١١٦٣) عن ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٧): رواه الطبراني، وفيه عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف.
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٧٧)، والخلدي في "الفوائد والزهد" (٤٨)، والسلفي في "الطيوريات" (٢/ ٥٢٨)، وابن المحب في "صفات رب العالمين" (٧٥٠)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٨٣) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
[ ١٤ / ١٧٢ ]
ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى قولِه: ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^١)؛ أي: بتقديرٍ سبَقَ في عِلْمِنا وإرادتِنا.
ونُصِبَ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: بتقدير: إنا خلَقْنا كلَّ شيءٍ بقَدَرٍ.
وقيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾: لكن عند الوقتِ المقدَّر، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ والتَّأْخيرُ إليها بما سبَقَ مِن القَدَر.
* * *
(٥٠ - ٥٢) - ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾.
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾: أي: قولةٌ واحدةٌ، وأمْرةٌ (^٢) واحدةً؛ أي: وما أَمْرُنا لشيءٍ إذا أرَدْنا تكوينَه إلا أنْ نقولَ له: كُنْ فيكون.
﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾: منكم، لا يُبْطِئُ ولا يتأخَّرُ ولا يَتَعَذَّرُ، فلو أرَدْنا قِيامَ الساعةِ أو أرَدْنا استئصالَكم لكانَ، وإنما التَّأْخيرُ لِتقديرٍ قد سبَقَ.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾: أي: مَن تابَعَكم على الكفر والتكذيب مِن هذه الأُمَمِ التي ذكَرْنا ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: أي: مُتَّعِظٍ؛ أي: فيتذَكَّر.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾: أي: فعَلَه أشياعُكم هو في الزُّبُرِ؛ أي: في الكُتُب التي عنده، وهي أمُّ الكتاب.
وقيل: في كُتُبِ الحَفَظَةِ.
* * *
(٥٣ - ٥٥) - ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾.
_________________
(١) رواه عنه مختصرا الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٢)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ١٢٥).
(٢) في (ر) و(ف): "أو مرة".
[ ١٤ / ١٧٣ ]
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾: مِن عَمَلٍ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أي: مكتوبٌ، وكلُّ كبيرٍ كذلكَ؛ ولذلك وحَّدَ النَّعْتَ؛ أي: محفوظٌ لا يُنْسَى، فيُجازَى عليه يومَ القيامة.
وقال أبو العالية: ﴿مُسْتَطَرٌ﴾: أي: مَحْصِيٌّ ذلك في كتابِ أجَلِه ورِزْقِه واسمِه وشَقِيٍّ وسعيدٍ.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: وهُم على خِلاف المُجرمين.
﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: أي: بساتين.
﴿وَنَهَرٍ﴾: أي: أنهارٍ، نابَ الواحدُ عن الجَمْعِ لأنه جِنْسٌ؛ كما قال: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥].
وقيل: أي: في ضِياءٍ وسَعَةٍ؛ لأنَّ الجنّةَ لا ليلَ فيها. وهو قولُ الأخفشِ والكسائيِّ والفرَّاء (^١)، ومنه اشتقاقُ النَّهارِ.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: أي: مَجْلِسِ حَقٍّ لا لغوٌ فيه ولا تأثيمٌ.
وقيل: أي: موضِعٍ حسَنٍ؛ كما يُقالُ: ثوبُ صِدْقٍ.
وقال الأشعريُّ: هو منابِرُ مِن الدُّرِّ والياقوتِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ (^٢).
وقال الإمام القُشَيريُّ: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾: مكانِ أهلِ صِدْقٍ، والصادِقُ: مَن يعبُدُ اللَّهَ لا على مُلاحظَةِ الأعواضِ (^٣).
﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾: وهو قُرْبُ الكرامة، لا قُرْبُ المكانِ والمُقامَة.
والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١١١).
(٢) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" مرفوعا (٢/ ٩٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٧٤)، من قول عبد اللَّه بن بريدة.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٥٠١).
[ ١٤ / ١٧٤ ]