بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أقسم بيوم القيامة، الرحمنِ الذي يجزي فيه أهلَ الهوان وأهل الكرامة، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين برؤيته في دار (^٢) المُقامة.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورة ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ شهدْتُ له أنا وجبريل أنَّه مؤمن بيوم القيامة" (^٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي أربعون آية، ومئة وأربعٌ وستُّون كلمة، وستُّ مئة وستون حرفًا.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه حَثَّ في ختم تلك السُّورة على التَّقوى ليغفر بذلك لهم الذُّنوب والأوزار، وينجِّيهم بذلك يوم القيامة من عذاب النَّار، فأنكَروا القيامة، فأقسم اللَّه تعالى عليه في افتتاح هذه السُّورة.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في بيان التَّوحيد، وبطلان الشِّرك، ووعد المؤمنين، ووعيد الكافرين.
_________________
(١) في (ر): "سورة لا أقسم بيوم القيامة".
(٢) في (ر): "الكرامة المقامة".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٨١)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٩٠)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ١١١ ]
(١ - ٢) - ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: قال سعيد بن جبير: ﴿لَا﴾ صلة، و﴿أُقْسِمُ﴾ تأكيد (^١). وهو كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: أن تسجد.
وقيل: ﴿لَا﴾ ردٌّ كلام الكفار، و﴿أُقْسِمُ﴾ إثبات.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: فيه وجهان أيضًا؛ أي: أقسم بالقيامة تحقيقًا لكونها وتعظيمًا لِمَا يكون فيها، وأقسم بالنَّفس اللَّوامة تنبيهًا على الأعجوبة العظيمة في خلقِها، وما تُعبِّدَت به من الأمانات التي اصبتِ السَّماوات والأرضون والجبال أن يحملْنَها وأشفقْنَ منها.
وقيل: هو للتَّنبيه على أنَّها تلوم نفسها يوم القيامة مع إنكارها اليوم ذلك.
واختلف في أنَّها نفسُ المؤمن أو نفسُ الكافر:
قال الحسن: إنَّ المؤمن لا تراه إلا لائمًا لنفسه، وإن الكافر يمضي قُدمًا لا يعاتِبُ نفسَه (^٢).
وقال عكرمة: تلوم على الخير والشَّرِّ (^٣)؛ أيْ لقلَّة صبرها، واستيلاءِ الجزع عليها، وهو كقوله: ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩].
وقال الكلبيُّ: هو كلُّ نفسٍ بَرَّةٍ أو فاجرة، تلوم نفسها يوم القيامة؛ إنْ كانت محسِنة أَلَا ازدادت (^٤) إحسانًا للثَّواب، وإنْ كانت مسيئةً لامَتْ نفسها أَلَا أحسنَتْ لدفع العذاب (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٦٦) بلفظ: " ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال: أقسم بيوم القيامة".
(٢) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (١٦١٦)، وابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٦٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٨٦).
(٤) في (ر) و(ف): "زادت".
(٥) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٥٢٠) عن ابن عباس وعمر ﵃، وذكره الماوردي =
[ ١٥ / ١١٢ ]
وقال مقاتل: يريد به النَّفس الكافرة، تلوم نفسها في الآخرة، فتقول: يا ليتني قدَّمْتُ لحياتي، ويا حسرتَا على ما فرَّطْتُ في جنب اللَّه. نزلَتْ في عديِّ بن ربيعة بن أبي سلمة الثَّقفي، كفر بالبعث وكان خَتَنًا لأخنس بن شَرِيقٍ (^١).
* * *
(٣ - ٤) - ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾: هاهنا موضع القسَم؛ أي: إنَّكم مبعوثون مجموعةً عظامكم بعدَما صارَتْ رميمًا، ثم قال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] بعد ما صارت رميمًا.
ثم قال: ﴿بَلَى﴾ وهو ردٌّ عليهم ﴿قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾؛ أي: نجمعُها قادرين على ذلك.
وقال الضَّحَّاكُ: يعني بـ ﴿الْإِنْسَانُ﴾: أبا جهل بن هشام (^٢).
وقيل: هو كلُّ كافرٍ منكرٍ للبعث، مقرٍّ بقدرة اللَّه تعالى على الابتداء.
ثمَّ لتسوية البنان وجوه:
قيل: يُقِرُّون على أنَّ اللَّه تعالى قادر على أن يسوِّيَ بنان الإنسان في ابتداء خلقِه، فيجعلَ أصابعَ يديه مستويةً كالشَّيء الواحد، فتكون يدُه ورجلُه كخفِّ البعير وحافر الحمار، فيتناول الأشياء بفيه كالبهائم، إلَّا أنَّه مع قدرته على هذا لم يجعل كذلك،
_________________
(١) = في "النكت والعيون" (٦/ ١٥١) عن مجاهد. وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٤٧٥) عن ابن عباس ﵄. وذكره الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٢٠٨) بلا نسبة.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٠٩).
(٣) لم أقف عليه عن الضحاك، وهو في "تفسير مقاتل" (٤/ ٥١٤)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٤٧٧) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٥ / ١١٣ ]
بل هيَّأها هيئة يقع التَّناول والمناولة بها؛ تحسينًا لخلقِه، وإكمالًا لآلات منافعه، وإن كنتم معترفين بقدرته على هذا لم يُعجِزْه جمعُ العظام المتفرِّقة.
وقيل: أي: يقدر على إعادته بغير الخلقة، مصوَّرًا بصورة البهائم، فكيف في صورته الأولى؟! وهو كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦٠ - ٦١].
وقيل: يقدر على ردِّه على ما كان حيًّا، مستويَ البنان، مستقيمَ الأركان، كما كان.
وقيل: أي: قدرَ على أن يعيدَ السُّلاميَّات على صغرها، ويؤلِّفَ بينها، حتَّى يستويَ البنان، ومَن قدر على هذا قدر على جمع العظام الكبار من البدن.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: أي: ليس كفره بالبعث لقصور الدَّليل عليه، بل يريد أن يكذِّب بيوم القيامة، وذلك أنَّه إذا كذَّب بها فقد فجَر فيما هو أمامَه؛ أي: في البعث الذي هو قُدَّامَه.
وقيل: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ أي: ليركَب رأسَه في الفجور، فيمضيَ قُدُمًا في المعاصي، لا يمنعه تفكُّر في وعيد، والأمامُ: كنايةٌ عن هذا؛ لأنَّ مَن ركب رأسَه مضى أمامَه.
وقيل: يريد أن يفجر في مستقبل عمرِه، وفي أوقاتٍ لعلَّه لا يبلغها، ومع ذلك يَعزم على الفجور فيها.
وقيل: يتعجَّل المعصية، ويسوِّف التَّوبة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: يقول: سوف أتوب، سوف أتوب (^١).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٧٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٨٧٨) وصححه.
[ ١٥ / ١١٤ ]
وقيل: يطيل الأملَ فينسى الموت والبعث.
وقيل: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾؛ أي: قبل يوم القيامة.
وقال يمانُ بن رئابٍ: لا تَلْقَى ابنَ آدم إلَّا وهو يمضي في معصية اللَّه قُدمًا قُدمًا، إلَّا مَن عصَمه اللَّه تعالى (^١).
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: أي: متى هو؟ على وجه الاستهزاء والتَّكذيب.
* * *
(٧ - ٩) - ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.
﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾: قرأ عاصم في رواية أبانٍ ونافعٌ: ﴿بَرِقَ﴾ بفتح الرَّاء، والباقون بكسرها (^٢).
وبالفتح؛ أي: شَخَصَ ولمَع، وبالكسر؛ أي: دَهِشَ وفَزِعَ وحارَ.
ودليل الأوَّل قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾: أي: ذهب ضوؤه، كما يخسفُ في الدُّنيا ثم ينجلي، ويومئذ لا ينجلي.
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: قيل: جُمع بينهما في إذهاب ضوئهما.
قال الفرَّاء: هو كما يُقال: هذا يومٌ يستوي فيه الأعمى والبصير؛ أي: لا يُبصِران فيه جميعًا (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٧٥) عن قتادة.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٦). والمشهور عن عاصم كسر الراء كباقي السبعة.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٠٩).
[ ١٥ / ١١٥ ]
وقيل: يُجمعان، ويقرنان، ويقرَّبان من النَّاس، فيُلجمهم العرق لشدَّة الحرِّ فيها.
* * *
(١٠ - ١٢) - ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَر﴾.
﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾: أي: يقول هذا الإنسان المنكر يوم القيامة: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾؟ أي: لا فِرار.
وقيل: أي: إلى أين الفِرار؟
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾: أي: ليس كما توهَّموا أنَّ لهم مفرٌّ يهربون إليه، بل ليس لهم ملجأ يأوون إليه. وأصل الوزَر: الجبل، وكانوا إذا نابهم أمرٌ مخُوف تحصَّنوا بالجبال، فأخبر أنَّه لا ملجأ لهم في الآخرة.
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾: أي: إلى حكم اللَّه ينتهي يومئذ الخلق، لا ينازعُه منازعٌ، ولا يغالبُه مغالِبٌ.
قال قتادة ﵀: ﴿الْمُسْتَقَرّ﴾: المنتهى (^١).
وقال ابن مسعود ﵁: ﴿الْمُسْتَقَرُّ﴾؛ أي: المصير، كما قال: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾ [الشورى: ٥٣] (^٢).
وقال يمان بن رئابٍ: أي: المرجع؛ كما قال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] (^٣).
وقال ابن زيد: أي: مستقرُّ كلِّ أحدٍ في الآخرة، حيث يجعله اللَّه مأوًى له، فمستقرُّ المؤمن يومَئذ الجنَّة؛ قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٨٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٨٥).
(٣) المرجع السابق.
[ ١٥ / ١١٦ ]
[الفرقان: ٢٤]، ومستقرُّ الكافر يومَئذ النَّار؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] (^١).
وعلى هذا معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: بحُكمه (^٢) ذلك؛ كما يقال: هذا الأمر إليَّ؛ أي: بحكمي.
* * *
(١٣) - ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾: أي: يُخبَّر يومئذ بما قدَّم من أعماله وأخَّر من آثاره، فاستنُّوا به مِن بعدِه.
قال النَّبيُّ -ﷺ-: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ، ومَنْ سَنَّ سُنّة سيِّئةً فعليهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يومِ القيامَةِ" (^٣).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ الآية [يس: ١٢].
وقيل: ما قدَّم: من خيرٍ وشرٍّ، وأخَّر: ترَك من طاعة اللَّه.
وقيل: ما قدَّمه: من معصية، وأخَّره: من طاعة.
وقيل: ما قدَّم من طاعة اللَّه، وأخَّر من حقوقه التي ضيَّعها.
وقيل: ما قدَّم من طاعة فقدَّمه في الفضيلة، وأخَّر؛ أي: جناه (^٤) على نفسه فأخَّره عن الفوز والسَّعادة.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٨٨) بلفظ: (استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقرأ قول اللَّه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾ [العنكبوت: ٦٤]).
(٢) في (ر): "أي إلى حكمه".
(٣) رواه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁.
(٤) في (أ): "أجناه".
[ ١٥ / ١١٧ ]
وقيل: ما قدَّم وأخَّر من أيِّ عملٍ في أوَّل ما لزمه التَّكليف، وما عمله في آخر عمره؛ أي: بكل أعماله.
وقال زيد بن أسلم: ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من أمواله لنفسه، ﴿وَأَخَّرَ﴾ خلَّف من أمواله لورثته، ونظيره قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾؛ أي: شخَصَ فلا يكاد يَطرُفُ (^٢).
وذلك إذا أُتي بجهنَّم تُقادُ بسبعين ألفَ زِمام، كلُّ زِمام بيد سبعين ألف مَلَك (^٣)، لها زفيرٌ وشهيقٌ، فلا يبقى مَلَك مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسَل إلَّا قال عند ذلك: نفسي، نفسي، لا تهمُّه إلَّا نفسُه، وتبرق أبصارُ الكفَّار بما يعاينون منها، فلا تكاد تطرُفُ.
وقال مجاهد ﵀: ﴿لَا وَزَرَ﴾؛ أي: لا جبل يمنعهم، ولا شجر يواريهم (^٤).
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: والهاء في ﴿بَصِيرَةٌ﴾ للمبالغة، كما في علَّامة (^٥)، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ من عمله، بل لا يحتاج إلى أن ينبِّئه غيره؛ لأنَّه
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٨٥)، والواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٤٩١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٨٠) عن قتادة. وروى عن ابن عباس ﵄: قوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾؛ يعني ببرق البصر: الموت، وبروق البصر: هي الساعة.
(٣) رواه مسلم (٢٨٤٢)، من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا، ولفظه: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٨٦) بلفظ: (لا ملجأ ولا جبل).
(٥) "والهاء في بصيرة للمبالغة كما في علامة" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٥ / ١١٨ ]
على نفسه حجَّة؛ أي: هو في نفسه حجَّة على نفسه؛ لأنَّ جوارحه تشهد عليه، فصار هو حجَّةً على نفسه.
والبصيرةُ: الحجَّة؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤].
قال الأخفشُ: جعله بصيرة، كما يُقال للرَّجل: أنت حجَّة على نفسك (^١).
وعلى هذا التَّاويل له معنى آخر: أنَّ الإنسان يعيبُ غيرَه بكفران النِّعمة وفعل المعصية وكذا وكذا، وهو يفعله، فهو حجَّة على نفسه بما يقوله.
وقيل أيضًا: بما فيه من العقل هو (^٢) حجَّة على نفسه، لا ينقضي عنها.
﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: أي: ولو أتى بالأعذار وجادل عن نفسه؛ أي: وإن كان يقول ذلك في الدُّنيا فهو يشهد على نفسه، بخلافِ ذلك في العُقبى.
قال سعيد بن جبير: الإنسان على نفسه شاهدٌ ولو اعتذر (^٣).
والمعاذيرُ على هذا: جمع مَعذِرة.
وقال الزَّجَّاج: هو جمع مِعذار، وهو السِّتر (^٤)؛ أي: يشهد على نفسه يوم القيامة بسيِّئاته، وإن كان أرخى ستوره وأغلق أبوابه في الدُّنيا حين عملَها احتجابًا عن الخلق.
وقال الضَّحَّاك: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾؛ أي: ستوره، وأهل اليمنِ يسمُّون السِّتر: المعذار (^٥).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٥٧).
(٢) في (ف): "فهو".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٩٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٥٣).
(٥) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٨/ ٣٤٧)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٨٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ١٥٥).
[ ١٥ / ١١٩ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ألقى عن نفسه في الدُّنيا ما يغطيه للمعصية وقد خلا بها؛ ثقةً بعينيه (^١) عن أبصار الخلق، ولا يخفى ذلك منه على الخالق (^٢).
وقيل: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ هو إحالة بعضِهم على بعض يومئذ، كما قال خبرًا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقولِه: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ الآية [سبأ: ٣١].
وقيل: ﴿بَصِيرَةٌ﴾: تأنيث بصير، والهاء للتَّأنيث هاهنا لمكان الجمع؛ أي: جوارحُه بصيرةٌ بما عمل.
وقيل: هو بمعنى بصير، والهاء للمبالغة، كالعلَّامة والنَّسَّابة.
* * *
(١٦ - ١٨) - ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾: روي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان إذا نزل عليه الوحي حرَّك لسانَه مع أداء جبريل عجلًا به لئلا يفوتَه شيء فينساه، حُبًّا منه للقرآن، وحرصًا على ضبطه، فأُمِرَ بترك ذلك، ووُعِدَ أن يُجمَع القرآنُ في صدره فلا ينساه (^٣).
وهو كقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤].
_________________
(١) في (أ): "ثقة لعينيه"، وفي (ف): "ثقة بعينه"، وفي (ر): "معه بعينه".
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وروى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٩٥) عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ قال: (لو تجرد).
(٣) روى معناه البخاري (٥)، ومسلم (٤٤٨)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١٥ / ١٢٠ ]
وقولُهُ تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾؛ أي: لا تحرِّك بالقرآن لسانك مستعجلًا به قبل استتمامه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾؛ أي: في قلبك؛ لتحفظه ولا يفوتَك منه شيء.
﴿وَقُرْآنَهُ﴾: أي: أن يقرأه عليك جبريل بأمرنا إلى أن تحفظه على مهلٍ، لا يلحقك فيه مشقَّة.
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾: أي: قرأه عليك جبريل.
﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: أي: قراءته؛ أي: فاستمعه وتَلَقَّه.
وقيل: إنَّ علينا جمعَه في صدرك، وإثباته بعد الجمع، حتى يدوم حفظك له فتقرأه متى شئت.
وعلى هذا قوله: ﴿قُرْآنَه﴾؛ أي: قراءتَه منك بعد الجمع في صدرك.
وقيل: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي: نأمر جبريل أن يقرأه عليك في كلِّ سنة حتى لا تنسى منه شيئًا.
وقيل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾؛ أي: جمعَ فرائضه وحدوده وأحكامه حتى تعرفها كلَّها، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾؛ أي: [وأنْ] (^١) يقرأه جبريل عليك بأمرنا فتحفظَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ أي: فاتَّبع ما يحصل منه مقروءًا عليك فاقرأه حينئذ.
* * *
(١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: أي: بيانَ معانيهِ وأحكامه وشرائعه.
وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الإخبار، لا لترتيب الوجود؛ أي: ثم نخبرك أنَّا نبيِّن معناه لك كما أنزلناه عليك.
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١٥ / ١٢١ ]
وهذا كله معنى ما قال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير ومجاهد والكلبيُّ وقتادة والحسن ﵃.
قال قتادة: كان النَّبيُّ -ﷺ- يحرِّك لسانه خوف النِّسيان، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ أي: اتَّبع ما فيه، واتَّبع حلاله، واجتنب حرامه، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: بيانَ حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته (^١).
وقال ابن عبَّاس: نزلت الصَّلوات الخمس قبل خروج النَّبيِّ -ﷺ- من مكَّة إلى المدينة: الظُّهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا، والفجر ركعتين، ونزلت عليه الزَّكاة، ثم نزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] (^٢).
قال ابن عبَّاس: فلم ينسَ بعد نزول هذه الآية شيئًا حتى مات (^٣).
وقيل ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: هو ما استنبطه العلماء من الأحكام، وأعظمُهم في ذلك آثارًا أبو حنيفة ﵁.
* * *
(٢٠ - ٢٣) - ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
﴿كَلَّا﴾: أي: ليس الأمر كما تظنُّون أنَّه لا بعث ولا نشور ولا جزاء ولا حساب.
﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾: أي: الدُّنيا؛ ميلًا إلى دواعي الطِّباع.
﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾: أي: تَدَعون العمل لها والتَّدبر فيها.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤١٢)، (٣٤١٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٠٠)، (٢٣/ ٥٠٣).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ذكر هذه القطعة القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٢٢٧) من طريق أبي صالح عن ابن عباس. وذكرها الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٨٤) عن مجاهد والكلبي، وعن الكلبي ذكره أيضًا الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٤٤٠)، فلعله مما روي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ١٥ / ١٢٢ ]
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾: وهي وجوه المؤمنين يوم القيامة.
﴿نَاضِرَةٌ﴾ قال الفراء: أي: مشرقةٌ بالنَّعيم (^١).
وقال الأخفش: أي: حسَنة (^٢).
وقال أبو سعيد الضَّرير: ناعمة متهلِّلة (^٣).
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: وهو حجَّة قاطعة على رؤية المؤمنين اللَّه تعالى، وكذا فسَّره أكثر الصَّحابة ومَن بعدهم من أهل العلم.
وقال زيد بن أسلم: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: يتجلَّى لهم ربهم فينظرون إليه.
وقال عطيَّة العوفي: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ينظرون إلى ربهم يومئذ، فيكرمهم بذلك، والويل لمن حُجِبَ عن اللَّه يومئذ (^٤).
وعن عمَّار بن ياسر كذلك (^٥).
وعن الحسن أنَّه سُئل: كيف يرون اللَّه تعالى؟ قال: يرونه بلا كيف.
* * *
(٢٤ - ٢٧) - ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢١٢).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٥٧).
(٣) روى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٠٦) عن ابن زيد قال: الناضرة: الناعمة. ونحوه رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٨٧) عن ابن عباس ﵄.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٠٧) بلفظ: "هم ينظرون إلى اللَّه لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ".
(٥) مما ورد عن عمار بن ياسر ﵁ في هذا، ما رواه النسائي (١٣٠٥) عنه من جملة دعاء يرفعه: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك".
[ ١٥ / ١٢٣ ]
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾: أي: عابسةٌ متكرِّهة، وهي وجوه الكفار.
﴿تَظُنُّ﴾: أي: يتيقَّن أربابها ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾؛ أي: داهيةٌ كاسرةٌ للفَقار.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾: ﴿كَلَّا﴾ له ثلاثة أوجه على ما مرَّ ﴿إِذَا بَلَغَتِ﴾؛ أي: النَّفس، وهي الرُّوح ﴿التَّرَاقِيَ﴾: جمع تَرْقُوَة، وهي العظمُ بين الصَّدر والعنق. يعني: بلغت الحلقومَ.
وإضمار النَّفس هاهنا كإضمارها في قوله: ﴿إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] وهو حالَ حضور الموت.
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾: قال أبو قلابة والضَّحَّاك وابن قلد وقتادة: مَن الذي يرقيه فيشفيه (^١)؟ من الرُّقية، والفعلُ من حدِّ (ضرب).
وقال ابن عبَّاس ﵄ وأبو الجوزاء: أي: قالت الملائكة: مَن الذي يصعد بروحه (^٢)؟ -من الرُّقي من باب (علم)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣] - أي: ملائكة الرَّحمة أم ملائكة العذاب؟
* * *
(٢٨ - ٢٩) - ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾.
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاق﴾: أي: أيقن هذا المحتضَر أنَّه فراق الرُّوح والجسد، وفراق الأهل والولد.
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: قال الشَّعبيُّ وأبو مالك: الْتَوَت (^٣) ساقاه عند موته.
وقال الحسن: والتفَّت ساقاه في كفنه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥١٢ - ٥١٤) عن ابن زيد وعكرمة وأبي قلابة والضحاك وقتادة وابن يزيد.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥١٤).
(٣) في (ر): "التفت".
[ ١٥ / ١٢٤ ]
وقيل: التفَّت؛ أي: اجتمعت الشدة بالشدة.
وقال ابن عبَّاس ومجاهد: شدَّة أمر الدنيا بأمر الآخرة.
وقال الضَّحَّاك: أهل الدُّنيا يجهِّزون البدن، وأهل الآخرة يجهِّزون الرُّوح.
قال الحسن: حالُ الموت بحالِ الحياة (^١).
والسَّاق عبارة عن الشِّدَّة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، وتقول العرب: قامت الحرب على ساق.
وقيل: لم يُرِدْ به شدَّتين، إنما أراد (^٢) به اجتماعَ ضروب الشَّدائد، وهو كقولهم: اتَّصل الخير بالخير، والشَّرُّ بالشَّرِّ، والمطر بالمطر؛ يراد به التَّتابع.
* * *
(٣٠ - ٣٣) - ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾.
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾: أي: إلى حيث أَمر اللَّه تعالى سوقَ هذا الميت.
وقيل: أي: إلى حكمه وجزائه.
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾: هي في حقِّ أبي جهل، وقد ذُكِر في أوَّل السُّورة أنَّه المراد بها.
وقيل: السُّورة في منكري البعث، وأعتاهم أبو جهل؛ أي: ما صدَّق اللَّهَ ورسولَه هذا الملعون، ولا صلَّى للَّه معظِّمًا له.
﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾ اللَّه ورسولَه ﴿وَتَوَلَّى﴾: أي: أعرض عن الحقِّ.
﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: قال مجاهد وقتادة: أي: يتبختر (^٣).
_________________
(١) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥١٦ - ٥٢١).
(٢) في (أ) و(ف): "عنى".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٢٣).
[ ١٥ / ١٢٥ ]
وهو من المَطَا، وهو الظَّهر.
وقيل: هو من المطِّ، وهو المدُّ، ويتمطَّى أصله: يتمطَّط؛ أي: يتمدَّد، قُلِبَتْ إحدى الطَّائين ياء، كما في التَّقصِّي والتَّقضِّي.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾.
قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾: هي كلمةُ تهديد وتذكير مفردًا ومكرَّرًا (^١)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١].
قال زهير:
أولى لكم ثمَّ أولى أنْ تصيبَكُمُ منِّي نواقِرُ لا تبقي ولا تَذَرُ (^٢)
وقيل: معناه: وَليَكَ الشَّرُّ؛ أي: قرُب منك.
وقيل: هي أفعلُ من الويل، وأصله: أَوْيَلُ، ثم قلبت فصار: أولى، وتقديره: ويل لك، ثم ويل لك، ثم ويل لك (^٣).
وقيل: قال ذلك رسول اللَّه -ﷺ- له حين رآه، فذكر اللَّهُ ما كان منه.
وقيل: بل هذا من اللَّه تعالى وعيدًا له.
وقيل: أمَرَ اللَّه تعالى محمَّدًا -ﷺ- أن يقول له ذلك: ﴿أَوْلَى لَكَ﴾؛ أي: ويل لك يوم تموت، وويل لك في القبر، وويل لك حين تبعث، وويل لك في النَّار.
وقال الحسن: أوحى اللَّه إلى نبيِّه وأمره أن يلقَى أبا جهل فيبلِّغه عن اللَّه تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، فلقيه رسول اللَّه -ﷺ-، وقال له: "إنَّ اللَّه أمرني أنْ أبلِّغَك: ﴿أَوْلَى لَكَ
_________________
(١) في (أ): "تهدد وتذكر مفردًا ومذكرًا".
(٢) انظر: "ديوان زهير" بشرح الشنتمري (ص: ٥٠).
(٣) "ثم ويل لك" الأخيرة من (أ) و(ف).
[ ١٥ / ١٢٦ ]
فَأَوْلَى﴾ "، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: أتخوِّفني، وما بين لابَتَيْها أعزُّ ولا أكرمُ منِّي؟! فنزل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] (^١).
وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فرعون، وفرعون هذه الأمَّة أبو جهل بن هشام"، فأخذه النَّبيُّ -ﷺ- وقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، فقال أبو جهل: ما تستطيع أنت يا محمَّد ولا ربُّك بي شيئًا؛ لأنِّي أعزُّ مَن بينَ جبليها (^٢)، فلمَّا كان يوم بدر أشرفَ على الكفَّار فقال: لا يُعبَد اللَّه -تعالى- بعد هذا اليوم. فضُرِبَ عنقُه، وقتلَه اللَّهُ شرَّ قتلة (^٣).
* * *
(٣٦ - ٤٠) - ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾: ﴿الْإِنْسَانُ﴾ هو أبو جهل ها هنا، ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾؛ أي: مهملًا لا يُؤمَر ولا يُنهَى، ولا يُثاب ولا يُعاقب، وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بياء التَّذكير صفةً للمنِّي، والباقون بتاء التَّأنيث صفةً للنُّطفة (^٤).
_________________
(١) ذكره بنحوه عن الحسن ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٥/ ٦٦ - ٦٧). وروى معناه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٣٦) عن ابن عباس ﵄، وفيه: (فأوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- أن يأتي أبا جهل، فيأخذه بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فلما فعل ذلك به رسول اللَّه -ﷺ- قال أبو جهل: واللَّه لا تفعل أنت وربك شيئًا. فأخزاه اللَّه يوم بدر). وسيأتي نحوه عن قتادة أيضًا.
(٢) في (أ): "لابتيها".
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤١٦)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦١) و(٢٣/ ٥٢٥).
(٤) كذا عزا ابن مجاهد في "السبعة في القراءات" (ص: ٦٦٢) القراءة بالياء ﴿يُمْنَى﴾ إلى حفص وابن عامر، وعزاها الداني في "التيسير" (ص: ٢١٧) إلى حفص وحده. وذكر ابن الجزري في "النشر" (٢/ ٣٩٤) أنها قراءة حفص ويعقوب، واختلف فيها عن هشام. وهشام هو أحد راويي ابن عامر.
[ ١٥ / ١٢٧ ]
والنُّطفة: هي ماءٌ قليلٌ منها يكون الولد.
﴿مِنْ مَنِيٍّ﴾ وهو الماء الدَّافق، ﴿تُمْنَى﴾؛ أي: تُلقَى في الرَّحم.
﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾: أي: دمًا منعقدًا شديدَ الحمرة.
﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾: أي: فخلق اللَّه منه بشرًا سويًّا مهيّئًا صالحًا للتَّكليف.
﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾: أي: من المنيِّ.
﴿الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾: والذي فعَل هذا لم يفعله ليُهمَل ويعطَّل، بل ليَتعبَّدَ ويُكلَّف ويُجزى على الإحسان والإساءة، وذلك يكون في الدَّار الآخرة.
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾: ومَن قدر على إنشائه ابتداءً من غير شيء قدرَ على جمع العظام بعدما صار رميمًا، فرجع آخرُ السُّورة إلى أوَّلها.
وروى أبو هريرة وجابر ﵄: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "إذا قرأ أحدُكُم ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقلْ: بلى" (^١).
وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- كان يقول إذا قرأها: "سبحانه وبلى" (^٢).
وعن ابن عبَّاس ﵄: سبحانك اللَّهم وبلى (^٣).
_________________
(١) رواه أبو داود (٨٨٧)، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي هريرة. ورواه ابن المنذر وابن مردويه من حديث جابر ﵁، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٣٦٤). وفي الباب عن موسى بن أبي عائشة، قال: كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، قال: سبحانك فبلى. فسألوه عن ذلك، قال: سمعته من رسول اللَّه عنه. أخرجه أبو داود (٨٨٤)، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٦٢٤)، وموسى هذا ثقة إلا أنه لم يرو عن أحد من الصحابة، وروايته إنما هي عن التابعين.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٢٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٦٥٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣١٠).
[ ١٥ / ١٢٨ ]