بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أهان الكافرين، الرحمنِ الذي أمر بمخالفتهم المؤمنين، الرحيمِ الذي أكرمهم بخيرِ دين.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ ربعَ القرآن، وتباعَدَ منه (^٢) الشيطان، وبرئ من الشرك، ويُعافَى من الفزع في النوم" (^٣).
وهذه السورة مكية، وهي ستُّ آيات، وستٌّ وعشرون كلمةً، وأربعةٌ وتسعون حرفًا.
وانتظام السورتين: أن تلك في ذكر النعمة والشكرِ بالصلاة والنحر، وهذه في التوحيد ومخالفةِ أهل الكفر.
_________________
(١) في (ر): "سورة قل يا أيها الكافرون".
(٢) في (ف): "عنه".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٦٤)، وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٨٠٩)، وفيها جميعًا: "ويعافى من الفزع الأكبر". ورواه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٤/ ٣٠٩) بلفظ: "ويعافى من فزع اليوم". وعلى كل فهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٢٩ - ١١٣٠)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦). والجملة الأولى رواها الترمذي (٢٨٩٥) من حديث أنس ﵁ وقال: حديث حسن.
[ ١٥ / ٥١١ ]
(١ - ٣) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.
وروي أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، علِّمني كلامًا أقوله عند منامي، قال: "اقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عند منامك فإنها براءة من الشرك" (^١).
وقال ابن عباس: ليس في القرآن سورةٌ أشدُّ لغيظِ إبليسَ من هذه السورة؛ لأنَّها توحيد وبراءة من الشرك (^٢).
وقال عطاء بن أبي رباح: قال كفار قريش لرسول اللَّه -ﷺ-: اتَّبعْ ديننا حتى نتَّبعَ دينك فنشتركَ جميعًا، تعبدُ آلهتَنا ونعبد إلهك، فإن كان أمرنا رشيدًا (^٣) كنتَ قد أخذتَ بحظِّك منه، وإن كان أمرك رشدًا كنا قد أخذنا بحظِّنا منه، فتعبد آلهتَنا سنةً، ونعبدُ إلهك سنة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾: أي: ما تعبدونه من الأصنام، آيَسهم من نفسه، وأعلمهم استبصارَه في دينه وضعفَ بصائرهم في دينهم (^٤).
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾: أي: ما أعبده؛ يعني: مَن أعبده وهو اللَّه تعالى؛
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٣٠٧)، وأبو داود (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠٣)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٨٠٢)، عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال: (يا رسول اللَّه علمني. . .).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٥٨).
(٣) في (ر) و(ف): "فإن كان أمرًا رشدًا".
(٤) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠٣) عن ابن عباس وسعيد بن مينا مولى البختري، وذكره دون عزو الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١٥)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٦٧). وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٥٧) عن ابن إسحاق.
[ ١٥ / ٥١٢ ]
لأنكم إنما تعبدون ما أعبدُ على هذا الشرط، وأنا لا أُجيبكم إلى هذا الشرط، فعبادتُكم لمن أعبدُه لا تكون إذًا (^١).
وقيل: كان هذا خطابًا لأقوام بأعيانهم كان اللَّه علِم منهم أنهم لا يؤمنون، فقال له: قل لهم ذلك.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾: قال الفرَّاء: هذا التكرير للتأكيد والتقريرِ لقطع أطماعهم (^٢)؛ كقول الرجل: واللَّه لا أفعل ثم لا أفعل هذا.
وقيل: هذا الجواب خرج على مطابقة قول الكفار: تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم نعبد آلهتنا وتعبد إلهك (^٣)، نجري على هذا هكذا أبدًا، فأُجيبوا (^٤) عن كلِّ ما قالوه على ضد ذلك.
وقيل: معناه: لا أعبد الساعةَ ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الساعةَ مَن أعبدُه، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم في المستقبل عابدون مَن أعبده، قاله أبو عبيدة وجماعة (^٥).
_________________
(١) في (ف): "أبدًا".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٨٨).
(٣) "ثم نعبد آلهتنا وتعبد إلهك" من (ف).
(٤) في (ر): "فاجتنبوا عن ذلك كله"، بدل: "فأجيبوا".
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٣١٤). ونسب هذا القول أيضًا للأخفش والمبرد. انظر: "النكت والعيون" (٥/ ٣٥٨)، و"تفسير القرطبي" (٢٢/ ٥٣٦).
[ ١٥ / ٥١٣ ]
وقيل: يحتمل أنهم قالوا: تعبد آلهتنا سنةً ونعبدُ إلهك سنة، فنزلت: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فقالوا له: فاعبد آلهتنا شهرًا ونعبد إلهك سنة، فنزلت: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾: أي: لكم دينُكم الباطلُ وما تستحقُّون عليه من عذاب اللَّه، ولي دين الحق وما أستحقُّه عليه بوعد اللَّه تعالى من ثواب؛ كما قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وكان المعنى: إن كنتم رضيتُم بدينكم فنحن أيضًا راضون بديننا، وهي كلمةُ منابذةٍ ومُكافَّة.
وقيل: كان هذا قبل نزول الأمر بالقتال.
وقيل: معناه: ليس عليَّ من دينكم ضررٌ ينالني، بل ضررُه راجع عليكم، وليس لكم من ديني نفعٌ بل نفعُه راجع إلي.
وقيل: معناه: لكم دينكم فلستُم بتاركيه أبدًا؛ لأن اللَّه تعالى قد علم أنكم تموتون عليه، ولي ديني لأن اللَّه تعالى قد علم أني لا أنتقلُ عنه أبدًا (^١).
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) "أبدًا" من (ر).
[ ١٥ / ٥١٤ ]