بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أعطى رسوله الكوثر، الرحمنِ الذي أمرُه أن يصلَّى له ويُنحر، الرحيمِ الذي جعلَ شانئَه هو الأبتر.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ سقاه اللَّه تعالى من كلِّ نهر في الجنة، وكتب له عشرَ حسنات بعددِ كلِّ قُربانٍ تقرَّب به العباد في يوم النحر" (^٢).
وهذه السورة مكية، وهي ثلاث آيات وعشرُ كلمات واثنان وأربعون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في ذمِّ مَن عادَى رسولَ اللَّه -ﷺ-.
* * *
(١) - ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾: روى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس: أن العاص بن وائل بن هشام السهميَّ رأى رسول اللَّه -ﷺ- يخرج من المسجد وهو يدخل، فالتقيا عند الباب وتحدَّثا وصناديد قريش في المسجد، فلما دخل
_________________
(١) في (ر): "سورة إنا أعطيناك الكوثر".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٦٠)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٢٨)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٥٠٣ ]
العاص قالوا له: مَن الذي كنت تحدِّثه؟ قال: ذاك الأبتر، يعني: النبيَّ -ﷺ-، وإنما سموه أبترَ عند موت بنيه، وكان الرجل إذا مات ولم يخلِّف ولدًا ذكرًا قالوا: أبتر (^١)، فأنزل اللَّه تعالى هذه السورة (^٢).
وقال الضحاك: إن العاص لقي رسول اللَّه -ﷺ- في بعض أزقةِ مكة، فقال له: إني لأشنَؤُك لأنك أبترُ، فحزن لذلك رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّه هذه السورة.
وقيل: توفي عبد اللَّه بن رسول اللَّه -ﷺ- من خديجة، فحضر العاصُ تعزيَته، فلما رجع قال له بعض قريشٍ في الطريق: أين كنت؟ قال: كنت عند هذا الأبتر، فنزلت هذه السورة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾: هو في اللغة: الخير الكثير.
وقال مجاهد: إنَّا أعطيناك الخير الكثير (^٣)، والقرآنُ أفضلُه.
وقال عكرمة: الكوثر: النبوة والكتاب (^٤).
وقال يمانُ بن رئابٍ: الكوثر: الأصحاب والأشياع (^٥).
وقال الحسين بن الفضل: هو تيسير القرآن وتخفيفُ الشرائع.
_________________
(١) في (أ): "بتر".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٦٦)، وكون الآية نزلت في العاص رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٧٢٠) عن الكلبي، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٩٩ - ٦٩٧) عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٨٢ - ٦٨٤) عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة. ورواه عن ابن عباس أيضًا البخاري (٦٥٧٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٨٤).
(٥) في (ر): "والأتباع".
[ ١٥ / ٥٠٤ ]
وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرةُ أمته (^١)؛ قال ﵇: "إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة" (^٢).
وعن النبي -ﷺ- أنه سأل جبريل ﵇ عن الكوثر، فقال: هو نهر أعطاكه اللَّه تعالى في الجنة (^٣).
وبه قالت عائشة وابن عمر وابن عباس وأنس وسعيد بن جبير وآخرون (^٤).
وقالت عائشة: الكوثر نهر في بُطنان الجنة وهو وسطُها، شاطئه درٌّ مجوَّف فيه من الأكواب والآنية ما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى (^٥).
وقال ابن عمر ﵁: حافَتاه ذهبٌ، ومجرى الماءِ على اللؤلؤ والياقوت، وماؤه أشدُّ بياضًا من اللَّبَن وأبردُ من الثلج وأشدُّ حلاوةً من العسل (^٦).
وقالت عائشة: مَن أحبَّ أن يسمع خريرَه فليجعلْ أصبعيه في أذنيه (^٧).
_________________
(١) تنظر هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١٠)، و"النكت والعيون" (٦/ ٣٥٥).
(٢) روى نحوه البخاري (٦٦٤٢)، ومسلم (٢٢١)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁. بذكر النصف، وليس فيه ذكر الثلثين. وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤].
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وسيأتي نحوه من حديث أنس قريبًا.
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٧٩ - ٦٨٢). وسيأتي ألفاظ بعضها لاحقًا.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٨٠).
(٦) رواه الحسين المروزي في زوائده على "الزهد" لابن المبارك (١٦١٤)، وهناد في "الزهد" (١٣١)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٧٩). ورواه الترمذي (٣٣٦١) من حديث ابن عمر مرفوعًا وقال: حسن صحيح.
(٧) رواه هناد في "الزهد" (١٤١)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٨٠ و٦٨١)، والبيهقي في "البعث" (١٤٣).
[ ١٥ / ٥٠٥ ]
وروى أنس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "دخلتُ الجنة فإذا نهرٌ حافَتاه خيام اللؤلؤ، فضربتُ يدي إلى مجرى الماء فإذا مسكٌ أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هو الكوثر الذي أعطاك اللَّه تعالى" (^١).
وعن أنس قال: كنا مع النبي -ﷺ- ذات يوم، فأغفى إغفاءةً ثم رفع رأسه فضحك، فقلنا: ما أضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: "نزلت عليَّ سورة أنفًا"، فقرأها ثم قال: "هذا نهرٌ وعدني ربي في الجنة عليه حوضي، تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة آنيتُه عددُ الكواكب، فإذا بأقوام من أمتي اختلجوا دوني، فأقول: ربِّ أمتي ربِّ أمتي، فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن زلَّ عن سنَّتي" (^٢).
وعن النبي -ﷺ- أنه قال: "ينصب فيه مِزْرابان من الجنة: مزرابٌ من الذهب ومزرابٌ من فضة، مَن شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا" (^٣).
ورأى رسول اللَّه -ﷺ- على حافَتيه قبابَ الدرِّ والخيامَ ليلة المعراج فقال: "ما هذه؟ " قال: مساكن أزواجك في الجنة، تنفجر من الكوثر أربعة أنهار لأهل الجنان: الماء واللبن والخمر والعسل (^٤).
وقال أنس ﵁: خرج رسول اللَّه -ﷺ- في اثني عشر رجلًا من الصحابة
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٨١).
(٢) رواه مسلم (٤٠٠) دون قوله: "فأقول: سحقًا سحقًا لمن زلَّ عن سنَّتي". وهذا ورد في حديث آخر رواه البخاري (٧٠٥٠)، ومسلم (٢٢٩٠) من حديث أبي سعيد ﵁ بلفظ: "فأقولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّل بَعْدي".
(٣) رواه بنحوه ابن حبان في "صحيحه" (٦٤٥٨)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٢١١٣) من حديث أبي برزة ﵁.
(٤) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٨٧٩).
[ ١٥ / ٥٠٦ ]
إلى بقيع الغرقد؛ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ وسلمان وأبو ذر وصهيب ﵃، فجلسوا معه كأنَّ على رؤوسهم الطير هيبةً لرسول اللَّه -ﷺ-، قال: فحثى أبو بكر حثوةً من رملةٍ سهلة شِبْهَ الوسادة، فنام رسول اللَّه -ﷺ- حتى نفخ ثم استوى قاعدًا فقال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم! قال: "فإن الكوثر نهر أعطانيه اللَّه تعالى في الجنة يقرقرُ في حوضي، وحوضي ما بين صنعاء والأردن مسيرةَ شهر للراكب المسرع، يجري في فيح مسك، أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبردُ من الثلج، وألين من الزُّبد، وآنيتُه من فضة عددَ نجوم السماء، مَن شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا، أولُ وارديه فقراء المهاجرين الدُّنْسُ الثياب الشُّعْثُ الرؤوس، الذين لا يزوَّجون المنعَّمات، ولا تفتح لهم أبوابُ السُّدَد، يموت أحدهم وحاجتُه تتلجلج (^١) في صدره، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه" (^٢).
وقال الحسن: الكوثر يخرج من أصل السِّدرة، والسِّدرةُ شجرةٌ نابتة على كثبان المسك والزعفران والكافور، لها سبعةُ أغصان، مكتوبٌ على أوراقها التسبيح، ومقام جبريل في وسطها.
وروى أنس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن لحوضي أربعةَ أركان: فأولُ ركن منه في يد أبى بكر، والثاني في يد عمر، والثالث في يد عثمان، والرابع في يد عليٍّ، ﵃ أجمعين، فمَن أحبَّ أبا بكر وأبغض عمر لم يَسْقِه أبو بكر، ومَن
_________________
(١) في (ف): "تختلج".
(٢) لم أجده بتمامه، ورواه من قوله: "وحوضي ما بين صنعاء. . . "، إلى قوله: ". . . ولا تفتح لهم أبوابُ السدد": الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٣٦٧)، والترمذي (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣)، من حديث ثوبان ﵁. قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه.
[ ١٥ / ٥٠٧ ]
أحبَّ عمر وأبغض أبا بكر لم يَسْقِه عمر، ومَن أحب عثمان وأبغض عليًّا لم يَسْقِه عثمان، ومَن أحب عليًّا وأبغض عثمان لم يَسْقِه عليٌّ، ومَن أحسنَ القولَ في أبي بكر فقد أقام الدِّين، ومَن أحسنَ القول في عمر فقد أوضحَ السبيل، ومَن أحسنَ القول في عثمان فقد استنار بنور اللَّه، ومَن أحسنَ القول في عليٍّ فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومَن أحسنَ القول في أصحابي فهو مؤمن، ومَن أساء القولَ في أصحابي فهو منافق" (^١).
* * *
(٢) - ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: أي: فأدِّ شكرَ اللَّه تعالى على هذه النعمة بأنْ تتقرب إليه بما تتقربُ إليه العباد (^٢) من صلاةٍ ونسك، وهما كانا في كلِّ أمة، والجمع بينهما كما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] فالصلاة تقع على كلِّ صلاة.
وقيل: صلِّ صلاةَ الأضحى وانحرِ البُدْن.
وقيل: هو الصلاة في مواقف الحج والنحرُ بها أيضًا.
وعن علي ﵁: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ أي: ضع يدك على نحرِك في الصلاة (^٣).
_________________
(١) رواه أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (٦٣)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٩)، وابن الجوزي في "العلل" (٤٠٨) وقال: هذا حديث لا يصح.
(٢) في (ف): "بما تتقرب العباد إلى اللَّه".
(٣) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٤٣٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٩١)، والدارقطني في "سننه" (١٠٩٩).
[ ١٥ / ٥٠٨ ]
وعن (^١) بعض الصحابة: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ أي: وجه نحرك نحو (^٢) القبلة. ذكره الكلبي (^٣).
وقال (^٤) عطاء: أمر أن يستوي بين السجدتين جالسًا حتى يبدو نحره (^٥).
* * *
(٣) - ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾: أي: إن مُبْغضك هو الأبتر لا أنت؛ أي: هو الذي يُبتر ذِكْرُه فلا يُذكرُ في الدنيا ولا في الآخرة بخير، فأما أنت فقد رفعنا لك ذكرك، على ما شرحنا في ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١].
وقال قتادة: ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾؛ أي: الأقلُّ الأذلُّ (^٦).
وهو جواب قول ذلك الملعون لمحمدٍ -ﷺ-: إنه أبتر لا عقب له فينقطع ذِكره بموته، وأصله: الحمار الأبتر المقطوع الذَّنَب، فأخبر أن له الكوثرَ؛ أي: كثرةَ الأصحاب والشيعة، وكثرةَ الأمة، ودوام الذكر والرفعة، ولأعداء اللَّه (^٧) الخمول والضَّعَة (^٨).
_________________
(١) في (ف): "وقال".
(٢) في (أ) و(ف): "إلى".
(٣) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٣٨٠) عن الكلبي والفراء من قولهما، ولم يرفعه لأحد من الصحابة.
(٤) في (أ) و(ف): "وعن".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١٣)، والواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٣٨٠).
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٧٢١)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٩٨).
(٧) في (أ) و(ف): "ولأعدائه".
(٨) في (ف): "والضيعة".
[ ١٥ / ٥٠٩ ]