بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلق الذَّكر والأنثى، الرحمنِ الذي يسَّر لليسرى، الرحيمِ الذي له الآخرة والأولى.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ واللَّيل أعطاهُ اللَّهُ تعالى حتَّى يرضَى وعافاه من العسر" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثُ مئة وثلاثة أحرف.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر اللَّيل والنَّهار، والمؤمنين والكفَّار.
* * *
(١ - ٤) - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ﴾: أقسم اللَّه باللَّيل.
﴿إِذَا يَغْشَى﴾: أي: يغطي الأشياء بظُلمته.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾: أي: أضاء فانكشفَ بضوئه ما كان الليلُ غطاه.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢١٦)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٠١)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٣٧٥ ]
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾: أي: ومَن خلق الذَّكر والأنثى، أقسم بنفسه ﷻ.
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾: القسم على هذا؛ أي: مختلِفٌ متباعِد بعضُه من بعضٍ، لا يستوي سعيُ المؤمن وسعي الكافر، وسعيُ المطيع وسعي العاصي.
وحكى ابن الأنباريِّ عن بعض النَّحويين: أنَّ (شتى) جمع شتيت، كالمرضى جمع مريض (^١).
وقال الإمام القشيريُّ: فواحدٌ سعيُه في طلب دنياه، وآخرُ سعيه في شهوة نفسه واتِّباعِ هواه، وآخر في طلب جاهه ومُناه، وآخرُ سعيُه في قيامه بحسن رضاه، وآخرُ في طلب عُقباه، وآخرُ في تصحيح تقواه، وآخرُ في تصفية ذكراه، وآخرُ في قيامه بحسن رضاه، وآخرُ في طلب مولاه، ومنهم من يجمع بين سعي النَّفس بالطَّاعة، وسعي القلب بالإخلاص، وسعي البدن بالقُرَب، وسعي اللِّسان بالذِّكر، ومنهم مَن سعيه في هلاك نفسه، وما فيه خرابُ دينه (^٢).
* * *
(٥ - ٦) - ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾: وهذا بيان اختلاف سعي الفريقين.
والسُّورة نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ وفي أميَّة بن خلف، وعطاءِ ذلك وبخلِ هذا، ووعدِ ذاك ووعيدِ هذا.
ثم معانيها شاملة لكلِّ النَّاس، وكذا في كلِّ آيةٍ نزلَتْ في قومٍ فعمومُها يشمل الكلَّ.
_________________
(١) انظر: "شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري (ص: ٦٠).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٧٣٥ - ٧٣٦).
[ ١٥ / ٣٧٦ ]
قال عروةُ بن الزُّبير ﵁: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: نزلَتْ في أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، وذلك أنَّه أعتق سبعةً (^١) كلُّهم يُعذَّب في اللَّه: بلالًا، وعامرَ بن فُهَيرة، وأمَّ كباش النَّهديَّة، وابنتها، وزِنِّيرة، وأمَّ عُبيسٍ، وأَمَةَ بني المؤمِّل.
فأمَّا بلال فاشتراه وهو مدفون في الحجارة، فقالوا له: لو أبيْتَ إلَّا أوقيَّة لبعناك، فقال أبو بكر: لو أبيْتُم إلَّا مئة أوقيَّة لابتعْتُه.
فأمَّا زِنِّيرة كانت روميَّة لبني عبد الدَّار، فلمَّا أسلمَتْ عميَتْ، فقال المشركون: أعمَتْها اللَّات والعُزَّى، فقالت: كفرْتُ باللَّات والعُزَّى، فردَّ اللَّهُ تعالى بصرَها (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أَعْطَى﴾: يتناول كلَّ وجوه الإنفاق في الخير فرضِها ونفلها.
وقيل: يتناول أيضًا أعطاءه من نفسه ما أمره اللَّه تعالى به، كما يُقال: أعطى البيعة، فيقع على الأفعال أيضًا.
﴿وَاتَّقَى﴾: أي: خافَ اللَّهَ، ولم يخالف أمرَه ولا نهيَه.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: قيل: هي الجنَّة، تأنيث الأحسن.
وقال قتادة: وصدَّق بموعود اللَّه، فعمل لذلك الموعود (^٣).
_________________
(١) في (ر): "تسعة". وانظر ما سيأتي في تخريجه.
(٢) رواه ابن إسحاق كما في "السيرة النبوة" لابن هشام (١/ ٣١٨)، ويونس بن بكير في زياداته على "السير والمغازي" لابن إسحاق (ص: ١٩١)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢١٩). وقوله: "أم عبيس"، وقع في (أ) و(ف): "أم عمير"، وفي (ر): "أم عميرة"، وفي "تفسير الثعلبي": (أم عميس)، والمثبت من "السيرة النبوية" و"السير والمغازي"، وهو الصواب. انظر: "الإكمال" (٦/ ٨٠)، و"أسد الغابة" (٧/ ٣٩٩)، و"الإصابة" (٨/ ٢٥٧). وقوله: "أم كباش" في تسمية النهدية لم أقف عليه، والذي في المصادر: (النهدية وابنتها).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٤٣٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٦٤).
[ ١٥ / ٣٧٧ ]
وقيل: الحسنى: الثَّواب.
وقيل: الخَلَف، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].
وقيل: الحسنى: لا إله إلا اللَّه، وهو شرط قَبول العطيَّة، كما قال في السُّورة التي مرَّت: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].
وقيل: الحسنى: الفرائض؛ أي: قَبِلَ الشَّرائع.
* * *
(٧ - ١١) - ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾: أي: فسنسهِّل عليه الطَّاعات التي هي سبب اليسر.
وقيل: أي: العَود إلى الإعطاء.
وقيل: اليسرى تأنيثُها لكونها صفةً للجماعة، وهي الطَّاعات وأعمال الخير.
وقيل: هي صفةُ الخلَّة أو الخصلة أو الفِعلة، فصلح للواحدة (^١).
وقيل: اليسرى: ثواب الطَّاعات؛ أي: فسنسهِّل عليه اكتساب الثَّواب.
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾: فلم يعطِ.
﴿وَاسْتَغْنَى﴾: أظهر من نفسِه الغنى عن اللَّه تعالى وعن ثوابه.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: ذكرنا الأقاويل فيها من قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾: أي: للمعاصي.
وقيل: لعقوبات المعاصي؛ أي: ندعه واختيارَها ونسهِّل عليه فعلَها ونخذله فيها؛ قال النَّبيُّ -ﷺ-: "كُلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له" (^٢).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فيصلح للواحد".
(٢) رواه البخاري (٧٥٥١)، ومسلم (٢٦٤٩)، من حديث عمران بن حصين ﵁.
[ ١٥ / ٣٧٨ ]
وهذا في أميَّة بن خلف وبخله.
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾: أي: هلكَ وماتَ، من الرَّدى وهو الهلاك.
وقيل: أي: إذا أسقط في النَّار، من قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهي السَّاقطة من الجبل وفي البئر ونحو ذلك.
وقيل: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾؛ أي: سقط في قبره.
قال الكلبيُّ: نزلَتْ الآيةُ في أبي سفيان بن حرب (^١).
وقال مقاتل: في الوليد بن المغيرة.
وقال مجاهد ومحمَّد بن كعب: هو أبو جهل بن هشام لعنه اللَّه (^٢).
وقال ابن مسعود: في أميَّة وأبيٍّ ابني خلف (^٣).
* * *
(١٢ - ١٦) - ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾: أي: منَّا البيان والإرشاد، وأيضًا منَّا إعطاء فعل الاهتداء للعباد.
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾: أي: فلا يضرُّنا ضلالُ مَن ضلَّ، ولا ينفعنا اهتداءُ مَن اهتدى.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢١٨). ورواه عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر في طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٥٣٦). والكلبي متروك، ورواياته عن ابن عباس لا تصح، وكلامه مردود فإن أبا سفيان ﵁ قد أسلم وحسن إسلامه.
(٢) رواه الطستي في مسائله عن ابن عباس ﵄، كما في "الدر المنثور" (٨/ ٥٣٦).
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/ ٢٨٨).
[ ١٥ / ٣٧٩ ]
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾: أي: تتلهَّب.
﴿لَا يَصْلَاهَا﴾: أي: لا يدخلها فيصلى سعيرها.
﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾: أي: الشَّقي، كقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هيِّن، والشَّقيُّ: الكافر.
﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾: بآيات اللَّه ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن طاعة اللَّه.
وإذا حمل هذا على الكافر فمعنى قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾؛ أي: للخلود فيها.
وإن حمل على نفس الدُّخول والتَّعذيب مدَّة فمعنى: ﴿كَذَّبَ﴾؛ أي: قصَّر في الأوامر والنَّواهي، فخالفه عملًا لا عقدًا، وهو المعصية، يُقال: لقي فلان العدوَّ فما كذب؛ أي: ما قصَّر وما جبن.
ويدلُّ على دخول الفسَّاق النَّارَ للتَّعذيب مدَّة.
* * *
(١٧ - ٢١) - ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾: وهو الأكمل تقوى، وهو صفة أبي بكر الصِّدِّيق ﵁. ودلَّ على فضله على جميع الأمَّة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾: أي: يتطهَّر بذلك ويتزايد خيرًا (^١).
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾: أي: لا يُعطي مالَه أحدًا ولا يصطنع بالإعتاق ونحوه لصنيعةٍ عنده لأحد يجزيه بها ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾؛ أي: لكن طلبًا لرضا اللَّه.
_________________
(١) في (ر): "جزاء".
[ ١٥ / ٣٨٠ ]
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾: أي: ولسوف يعطيه اللَّه تعالى من الجزاء والكرامة ما يبلغ رضاه ويزيد، وهو كرامة لا يفوقُها كرامة، وهو كقوله لرسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].
وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ بلالًا (^١) أحدث على الأصنام، وأَخبرَتْ بذلك المشركين امرأةٌ موكَّلة بحفظِها، وكان بلالٌ عبدًا لعبد اللَّه بن جدعان، فشكوه إليه، فوهبه لهم ومئةً من الإبل ينحرونها لإلهتهم، فأخذوه، وجعلوا يعذِّبونه في الرَّمضاء، وهو يقول: أحدٌ أحدٌ، فمرَّ به النَّبيُّ -ﷺ-، فقال: "ينجيك الأحد"، ثم أَخبر رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكر أنَّ بلالًا يُعذَّبُ في اللَّه، فحمل أبو بكر رطلًا من ذهبٍ فابتاعه به (^٢).
وقال مقاتل: مَرَّ أبو بكر ببلالٍ وسيِّدُه أميَّة بن خلف يعذِّبه، فقال: أتعذِّبُ عبدًا على الإيمان؟ فقال أميَّة: لم يفسده عليَّ إلَّا أنت وصاحبُك، فقال: أتبيعُه؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بعبدٍ مثله، فاشترى أبو بكر عبدًا مشركًا، فدفعه إليه، وأخذ بلالًا.
فكره ذلك أبو قحافة والد أبي بكر، وقال: لقد أعتقْتَ عبدًا أسود متقلِّص الشَّفتين، ولو كنْتَ ترغبُ في العتقِ لاعتقْتَ مَن له رواءٌ ومنظر، أَمَا علمتَ أنَّ مولى القوم من أنفسهم (^٣)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ الآيات (^٤).
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف): "لما".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٠).
(٣) في (أ): "منهم".
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٧٢٣ - ٧٢٤).
[ ١٥ / ٣٨١ ]