بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلق الإنسان من سلالةٍ من طين، الرحمنِ الذي يرزق البَرَّ والفاجر وهو خير الرازقين، الرحيمِ الذي يغفر ويرحم وهو خير الراحمين.
ورَوى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة المؤمنين بشرته الملائكةُ بالرَّوح والريحان وما تَقَرُّ عينُه عند نزول ملَك الموت" (^١).
وهذه السورة مكيةٌ، وهي مئة وثماني عشرةَ آيةً، وقيل: تسعٌ، الاختلاف في قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٥].
وكلماتها ألفٌ وثماني مئة وأربعون (^٢)، وحروفُها أربعةُ آلاف وثلاثُ مئة وسبعةٌ وتسعون (^٣).
وانتظام أول هذه السورة بآخر سورة الحج: أنه قال: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وقرَّر ذلك ببقيَّة السورة حيث أمَر بالمجاهَدة
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٧)، وإسناده واه كما في "بصائر ذوي التمييز" (١/ ٣٢٢). وانظر: "الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في جميع النسخ: "ألف وثمانية وأربعون"، والمثبت من "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ١٩١)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٣٧).
(٣) في المصدرين السابقين: "أربعة آلاف وثماني مئة وحرفان".
[ ١١ / ٧ ]
فيها حقَّ المجاهدة (^١)، ومدحهم، وافتتح هذه السورة بذكر ذلك الفلاحِ وتفاصيلِ العبادة ومدحهم بها.
وانتظامُ السورتين: أن هذه السورة مشتمِلة على ذكر صفات المؤمنين، ومُحاجَّةِ الكافرين، والترغيبِ والترهيب للغافلين (^٢)، وكذلك تلك السورة.
* * *
(١ - ٢) - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: قد فاز بما رجا وأمن مما خاف المؤمنون (^٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: قيل: متذلِّلون، وقيل: خائفون، وقيل: ساكنون.
وقيل: الخشوع في الصلاة: سكونُ الأطراف، وتركُ الالتفات، والاشتغال بها عما يَشغل عنها.
ورُوي: أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا يَعبثُ بلحيته في الصلاة، فقال: "أمَا إن هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" (^٤).
_________________
(١) "حق المجاهدة" من (ف).
(٢) في (أ): "للعالمين".
(٣) في (أ): "مما يخاف المؤمنون". وذكره عن ابن عباس الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٤٥) بلفظ: المفلحون الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا.
(٤) ضعيف مرفوعًا، وقد تقدم تخريجه مفصلًا في أوائل سورة البقرة عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
[ ١١ / ٨ ]
قال أبو العالية: بلغني أن اللَّه تعالى لمَّا خلق الجنة أذِن لها في الكلام، فكان أولَ ما نطقت به أن قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الآيات، فأنزل اللَّه تعالى بها (^١) قرآنًا (^٢).
وقال عمر ﵁: كان النبي -ﷺ- إذا نزل عليه الوحي سُمع عند وجهه دويٌّ كدوي النحل، فمكثنا ساعةً، فاستقبل القبلةَ ورفع يديه وقال: "اللهمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصنا، وأكرِمْنا ولا تُهِنَّا، وأعطنا ولا تَحْرِمنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ علينا، وأَرْضِنا وارْضَ عنا" ثم قال: "قد نزلت عليَّ عشر آياتٍ مَن أقامهنَّ دخل الجنة"، ثم قرأ علينا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ (^٣).
وعن ابن سيرين قال: كان النبي -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة يرفع رأسه إلى السماء، حتى نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فخفض رسول اللَّه -ﷺ- بصره، ونظر إلى موضع سجوده (^٤).
_________________
(١) في (ف): "فأنزلها اللَّه" بدل من "فأنزل اللَّه تعالى بها".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦)، بلفظ: لما خلق اللَّه الجنة قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فأنزل به قرآنًا.
(٣) رواه الترمذي (٣١٧٣)، والنسائي في "الكبرى" (١٤٤٣)، والحاكم في "المستدرك" (١٩٦١). قال النسائي: هذا حديث منكر، لا نعلم أحدًا رواه غير يونس بن سُليم، ويونس بن سُليم لا نعرفه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: سئل عبد الرزاق عن شيخه ذا (يعني يونس بن سليم) فقال: أظنه لا شيء.
(٤) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤٨٣) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، وقال: صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد، فقد قيل عنه مرسلًا. وقال الذهبي: الصحيح مرسل. والمرسل رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٣٢٦١)، وأبو داود في "المراسيل" (٤٥)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٨٣) وقال: هذا هو المحفوظ مرسل.
[ ١١ / ٩ ]
وقال مجاهد: الخشوع: خشية القلب، وغضُّ البصر، وخفضُ الجَناح، وكان الرجل من العلماء إذا صلى هاب الرحمنَ أن يمدَّ (^١) بصره إلى شيء أو يحدِّثَ نفسه بشيء من شأن الدنيا (^٢).
وقال القشيري ﵀: الخشوع في الصلاة: إطراق السرِّ على بساط النجوى باستكمال نعت الهيبة، والذوب تحت سلطان الكشف، والانمحاء عند غلَبات التجلِّي.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾؛ أي: قد أدرك ثمراتِ القُرْب وفاز بكمال الأُنس مَن وقف على بساط النجوى بنعت الهيبة ومراعاةِ آداب الحضرة، ولا يكمل الأنس بلقاء الحبيب إلا عند فَقْدِ الرقيب، وأشدُّ الرقباء وأكثرهم تنغيصًا للقُرْب النفسُ، ولا راحة للمصلِّي مع حضور (^٣) نفسه، فإذا حبَس عنه نفسَه، وشاهِدُه عدمُ إحساسِه بآفَةِ نفسه، طاب له العيش، وتمت له النُّعمى، وتعجَّلت له البشرى (^٤).
* * *
(٣ - ٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾:
قال ابن عباس ﵄: هو الحَلِف الكاذب (^٥).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "يشد".
(٢) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٣٩٢)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١٣٨)، والطبري في "تفسيره" (٤/ ٣٨٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٨٢).
(٣) في (ف): "حظوظ".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦٧).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٩)، والواحدي في "البسيط" (١٥/ ٥٢٢).
[ ١١ / ١٠ ]
وقال مقاتل: هو الشتم والأذى (^١).
وقال الحسن والضحاك: هو الباطل (^٢).
وقيل: هو ما لا يُجدي خيرًا.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: أي: لا يشغلون أنفسهم به.
وقيل: جملة الفضول وما لا يَحسن من القول والفعل.
وقال القشيري ﵀: ما شغل عن اللَّه فهو سَهْو، وما ليس للَّه فهو حَشْو، وما ليس بمسموع من (^٣) اللَّه أو بمقولٍ مع اللَّه (^٤) فهو لَغْو، وما فيه حظٌّ للعبد فهو لَهْو (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: أي: مؤدُّون.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: إلا من أزواجهم (^٦)؛ أي: زوجاتهم.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ١٥٢).
(٢) ذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٣٩٣) عن الحسن والسدي، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١١) عن ابن عباس ﵄. وروى عن الحسن قوله: (عن المعاصي)، وكذا ذكره عن الحسن الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٣٩)، والماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٤٦)، والواحدي في "البسيط" (١٥/ ٥٢٢).
(٣) في (أ): "عن".
(٤) في (ر): "أو مقول مع اللَّه"، وسقطت من (ف)، وفي "اللطائف": (أو بمعقول مع اللَّه).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦٧).
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٣١).
[ ١١ / ١١ ]
قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: أي: إماؤهم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: أي: لا لومَ عليهم إن لم يحفظوا فروجهم من (^١) نسائهم وإمائهم، فهذا حلالٌ وما وراء هذا حرام.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: أي: طلب قضاء شهوةٍ من غير هاتين ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: أي: المتعدُّون حدودَ اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿لأمانَتِهم﴾ (^٢) والمراد بها الجنس، وهذا يشتمِل على حقوق اللَّه تعالى وحقوقِ عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢].
وقيل: هي العبادات وما ائتمن (^٣) اللَّه عباده عليه من فرائضه وشرائعه، وأماناتُ الخلق ظاهرةٌ وهي داخلةٌ فيها، فالعهدُ يقع على ما يوثِّق اللَّه تعالى فيه على عباده بأن يقوموا به، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩١] ويقع على النذور والأيمان أيضًا، وعلى عهود الخلق فيما بينهم.
وقوله تعالى: ﴿رَاعُونَ﴾؛ أي: حافظون جميع ذلك.
وقال القشيري ﵀: الأمانات مختلفة: فأمانة قومٍ الوظائفُ بظواهرهم،
_________________
(١) في (أ) و(ف): "عن".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٤)، و"التيسير" (ص: ١٥٨).
(٣) في (ف): "يئتمن".
[ ١١ / ١٢ ]
وأمانةُ آخرين اللطائف (^١) في سرائرهم، وأمانةُ قوم معاملاتُهم، ولآخرين (^٢) منازَلاتهم، ولآخَرين مواصلاتهم، وكذلك عهودهم متفاوتة: فمنهم مَن عاهَده أن لا يعبد سواه، ومنهم مَن عاهده على أن لا يَقصد سواه، ومنهم مَن عاهده على أن لا يَشهد في الكونين سواه (^٣).
* * *
(٩ - ١١) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿على صلاتهم﴾ والباقون: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ (^٤).
﴿يُحَافِظُونَ﴾: أي: يداومون في أوقاتها على شرائطها ومراعاةِ حدودها وحقوقها ومعانيها.
وقال القشيري ﵀: لا تصادفُهم أوقاتها وهم (^٥) غيرُ مستعدين لها، ولا يدعوهم المنادي إليها (^٦) وليسوا بالباب، فهم في الصف الأول بظواهرهم، وكذلك في الصف الأول بسرائرهم (^٧).
_________________
(١) في (ف): "الوظائف".
(٢) في (ر): "معاملتهم وآخرين".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦٨).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٤)، و"التيسير" (ص: ١٥٨).
(٥) "وهم" من (أ).
(٦) في (ر): "لها". ولم ترد في مطبوع "اللطائف".
(٧) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦٨).
[ ١١ / ١٣ ]
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾: أي: الواجدون ثمراتِ أعمالهم.
والفردوس: الجنة بلسان الحَبَش.
وقال السدي: هو البساتين عليها (^١) الحيطانُ بلسان الروم (^٢).
وقال مجاهد: فردوس جبل في الجنة من أصله تتفجَّر أنهارها (^٣).
وروى سمرة بن جندب عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "الفردوس ربوةُ الجنة العليا، وهي أوسطها وأحسنها" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا يموتون فيها ولا يخرجون عنها.
وقال القشيري ﵀: الإرثُ على حسب النسب (^٥)، والنسبُ في استحقاق وعد الجنة بالإيمان في الأصل، ثم الطاعاتِ في الفضل، واستحقاقُ الإرث على تفاوتٍ في السُّهمان وبالفرض والتعصيب، كذلك في الطاعات فمنهم ومنهم (^٦).
ثم إن اللَّه تعالى وعد الفلاحَ بالإيمان والطاعات في أول السورة، ونفى الفلاحَ
_________________
(١) في (ف): "البستان عليه" بدل من "البساتين عليها".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٤٠). ورواه الطبري (١٧/ ١٦) عن مجاهد قال: الفردوس بستان بالرومية. وروى ابن أبي حاتِم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٤٦٨) عن السّديّ قال: الفردوس هو الكَرم بالنبطية، وأصله: فرداسا.
(٣) رواه بنحوه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁، والترمذي (٢٥٣٠)، وابن ماجه (٤٣٣١)، من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٤٣٥ و٤٣٦)، والطبراني في "الكبير" (٦٨٨٥) و(٦٨٨٦).
(٥) في (أ) و(ر): "السبب". والمثبت من (ف) و"اللطائف".
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦٩).
[ ١١ / ١٤ ]
بالكفر في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ولولاه لوقع عند العصاة أن الفلاح إذا كان بالإيمان مع الطاعات وفاتت الطاعات فات الفلاح، فسكَّن قلوبهم وذكر أن عدم الفلاح بالكفر لا بالمعاصي.
* * *
(١٢ - ١٣) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: بيَّن في هذه الآية ابتداءَ (^١) خلقِ الإنسان، وذكر أن آخرَه الموت ثم البعثُ للجزاء، وهو تحريكٌ على الإيمان والطاعات التي بها ينالون الفردوس.
يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (^٢) الآدميَّ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾: أي: من طينةٍ مستلَّةٍ من كلِّ تربةٍ؛ لأن آدم ﵇ خُلق منها فكان أصلًا لأولاده، فجاز أن يضاف خلقُهم إليها إذا كان أصلهم مخلوقًا منها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾: أي: الإنسانَ، وهو ولدُ آدم بعد أن كان أصله الطين ﴿نُطْفَةً﴾ في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، فقذفه من الصُّلب حالة الالتقاء إلى رحم المرأة.
﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: هو (^٣) الرَّحِم؛ أي: في مقرٍّ مكينٍ لذلك؛ أي: هُيِّئ له.
وقيل: معناه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾ الآدميَّ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾؛ أي: من نطفةٍ مسلولةٍ ﴿مِنْ
_________________
(١) "ابتداء" ليست في (ف).
(٢) "الإنسان" ليست في (أ).
(٣) في (ف): "هو التقاء".
[ ١١ / ١٥ ]
طِينٍ﴾؛ أي: مخلوقةٍ من طينٍ وهو آدم؛ لأن النطفة سلَّت منه، والسُّلالة تقع على النطفة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، وتقديره: ولقد خلقنا الإنسان من سلالةِ آدم؛ قال الشاعر (^١):
هلِ ابنُكَ إلا مِن سلالةِ آدمٍ لكلٍّ على حوضِ المنيَّة مَورِدُ (^٢)
وقيل (^٣): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: آدم ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: من طينٍ إذا قُبِض عليه انسلَّ من بين الأصابع.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلنا ولده ﴿نُطْفَةً﴾، فأَضمَر واختصَر هاهنا وبسَطه في موضع آخر فقال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨].
والنطفة: المنيُّ، والنطفة: الماء القليل، ونَطَفَت القِرْبة (^٤)؛ أي: قَطَرت.
* * *
(١٤) - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾: أي: نقلنا النطفةَ فجعلناها علقةً؛ أي: دمًا غليظًا.
قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾: أي: نقلنا العلقة فجعلناها قطعةَ لحم.
_________________
(١) في (أ): "شعر" بدل: "قال الشاعر".
(٢) أنشده رجل لعمر بن عبد العزيز عند وفاة ابنه عبد الملك. انظر: "عيون الأخبار" (٣/ ٦٢)، و"التعازي والمراثي" للمبرد (ص: ٧٨)، و"ربيع الأبرار" (٥/ ١٤٣).
(٣) "وقيل: " ليس من (ف).
(٤) بعدها في (ف): "مرطًا".
[ ١١ / ١٦ ]
قوله ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر وابنُ عامر: ﴿عظمًا﴾ ﴿فكسونا العظم لحمًا﴾ على الواحد موافَقةً لِمَا قبلها (^١)، وقرأ الباقون: ﴿عِظَامًا﴾ ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ كذلك (^٢)؛ لأن الوجود كذلك.
أخبر أنه تعالى خلق الإنسان درجةً فدرجةً، إلى أن صارت النطفة التي هي كالماء عظمًا بما أَبْدع فيها عَرَضًا بعد عَرَضٍ.
قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾: أي: نفَخْنا فيه الروح فصار روحانيًا حيوانًا (^٣) بعد أن كان جمادًا.
وقيل: هو نبات الشعر.
وقيل: هو تصريفُه إياه بعد الولادة في الطفولية وما بعدها.
وقال ابن عمر ﵄: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ هو استواءُ الشباب (^٤).
وقيل: هو جعله (^٥) ذكرًا أو أنثى.
وقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: قيل: تَعَظَّم. وقيل: دامت نعمُه وبركاته على خلقه. وقيل: تعالى.
وقيل: هو دوام بقائه؛ أي: المصوَّرون والمقدَّرون ليسوا بهذه الصفة، ولذلك قال بعده:
_________________
(١) في (ف): "لما تقدمه".
(٢) "كذلك" زيادة من (أ). وانظر: "السبعة" (ص: ٤٤٤)، و"التيسير" (ص: ١٥٨).
(٣) في (ف): "بروحنا حيوانًا"، وفي (ر): "روحانيًا نباتًا حيوانيًا".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٤٢)، والواحدي في "تفسيره" (١٥/ ٥٤١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٤) عن مجاهد.
(٥) في (ر) و(ف): "خلقه".
[ ١١ / ١٧ ]
(١٥ - ١٦) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُون﴾: أي: والبقاءُ للخالق دونكم.
وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؛ أي: أحسن المقدِّرين؛ قال زهير:
ولأنتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعـ ضُ القومِ يخلقُ ثم لا يفري (^١)
وقال تعالى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]؛ أي: خلَقه محكَمًا يصلح لِمَا أُريد له.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾: أي: بعد نفخ الروح فيكم ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾؛ أي: للجزاء بالأعمال، إذ خلقتكم (^٢) للتعبُّد فاعلموا أنكم لم تُخلقوا عبثًا؛ كما قال في آخر السورة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وقال ابن عباس ﵄: كان عبد اللَّه بن سعدِ بنِ أبي سرحٍ أخًا لعثمان من الرضاعة، وكان يكتب لرسول اللَّه -ﷺ-، فإذا أَملى عليه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كتب ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وإذا أملى عليه ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ كتب ﴿رؤوفًا رحيمًا﴾، فكان رسول اللَّه -ﷺ- يملي عليه هذه الآية، فلما بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ خطر بباله: فتبارك اللَّه أحسنُ الخالقين، فلما قال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ قال عبد اللَّه: إن كنتَ نبيًا يوحَى إليك فأنا نبيٌّ يوحى إليَّ، فارتد -والعياذ باللَّه (^٣) - ولحق بمكة كافرًا (^٤).
_________________
(١) انظر: "ديوان زهير" (ص: ٩٤).
(٢) في (أ): "خلقتم".
(٣) "والعياذ باللَّه" زيادة من (أ).
(٤) ذكره الفراء في "معاني القرآن" (١/ ٣٤٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٧٠)، والماوردي في =
[ ١١ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "النكت والعيون" (٢/ ١٤٤)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ١٦٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٨٦)، والزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٤٥). وهذه القصة قد وردت في أكثر التفاسير، وهي باللفظ الذي ذكره المؤلف مردودة سندًا ومتنًا، أما السند فقد صرح بعض من ذكرنا أنها من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وآخرون أنها من رواية الكلبي عن ابن عباس، فتكون من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، فالخبر ساقط لا يحتج به. وله طريق آخر رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٤٠٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٦) من طريق أسباط عن السدي، وهذا أيضًا ضعيف لإرساله، وأسباط هو ابن نصر قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوق كثير الخطأ يغرب. وأما متنًا ففيه نكارة عظيمة في قوله: فإذا أَملى عليه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كتب ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وإذا أملى عليه ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ كتب ﴿رؤوفًا رحيمًا﴾، بل زاد بعضهم: (فيقول له النبي -ﷺ-: هما سَوَاء)، فكيف يعقل أن يترك النبي -ﷺ- ما أنزل اللَّه عليه ويعدل إلى كلام ابن أبي سرح فيثبته بدلًا عن كلام اللَّه؟! وهل من بهتان أعظم من هذا البهتان، أم هل من سبيل لأعداء المسلمين في طعنهم على هذا الدين والتشكيك به أحسن من هذا السبيل؟! وأعجب من ذلك كيف يورد أئمة كبار كالطبري وابن أبي حاتم والماوردي والبغوي وابن الجوزي هذه القصة ويسكتوا عليها. لكن وردت هذه القصة بسياق آخر ليس فيه ما تقدم من النكارة، فقد ذكرها أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٤٧٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٤٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٢٠)، والرازي في "تفسيره" (٢٣/ ٢٦٦)، بألفاظ متقاربة، وفيها: أن ابن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات للنبي -ﷺ-، فلما انتهى إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، عجب من ذلك فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فقال النبيّ -ﷺ-: "اكتب هكذا أُنْزِلَتْ" فشك عند ذلك. . . إلخ. فهذا ليس فيه ذلك المحذور الذي قدمناه، ومع قد ذلك فقد رده بعض العلماء، فقال أبو الليث عقبه: وقد قيل: إن الحكاية غير صحيحة؛ لأن ارتداد عبد اللَّه بن أبي سرح كان بالمدينة، وهذه الآية مكية. وكذا قال ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية: وهذه الرِّواية غيرُ صحيحة؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ، وارتداده كان بالمدينة على ما اعترف به الرَّاوي. =
[ ١١ / ١٩ ]
وقال القشيري ﵀: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ عرَّفهم أصلهم كي لا يُعجبوا بفعلهم.
وقيل: عرَّفهم نسبتهم (^١) لئلا (^٢) يخرجوا عن حدِّهم، ولا يغلطوا في أنفسهم.
وقيل: بسط عذرهم عند الكافة، فإن المخلوق من سلالة ماذا ينتظر منه؟
وقيل: خلقه من طين لكنَّ القَدْر للتربية لا للتُّربة.
وقيل: ﴿سُلَالَةٍ﴾ ولكنها معدن العرفان وموضع المحبَّة ومتعلَّق العناية، وكذلك قال (^٣): ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾؛ أي: قطرةً أجزاؤها متماثلة، وأبعاضُها متشاكلة، ثم جعل بعضَها لحمًا، وبعضها عظامًا، وبعضها شعرًا، وبعضها ظفرًا، وبعضها عصَبًا،
_________________
(١) = وقد نقل الآلوسي ﵀ التوفيق بين كون السورة مكية والقصة وقعت في المدينة فقال في "روح المعاني" (١٨/ ٣٨): وطعن بعضهم في صحة هذه الرواية بأن السورة مكية وارتداده بالمدينة كما تقتضيه الرواية، وأجيب: بأنه يمكن الجمع بأن تكون الآية نازلة بمكة واستكتبها -ﷺ- إياه بالمدينة فكان ما كان، أو يلتزم كون الآية مدنية لهذا الخبر، وقوله: إن السورة مكية، باعتبار الأكثر. قلت: وأصل القصة رواه أبو داود (٤٣٥٨)، والنسائي (٤٠٦٩)، ولفظه: (عن ابن عباس قال: كان عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول اللَّه -ﷺ-، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به رسول اللَّه -ﷺ- أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول اللَّه -ﷺ-). فهذا القدر من المَصة ليس فيه إشكال، وقد قال الطبري (٩/ ٤٠٧): ولا تمانُع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد، وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين.
(٢) في (ف): "تسميتهم". وفي "اللطائف": (نسبهم).
(٣) في (أ): "كيلا".
(٤) في (أ) و(ر): "ومن قال". وعبارة "اللطائف": (ويقال: خلقهم من سلالة، ولكنّ معدن المعرفة، ومرتع المحبة، ومتعلق العناية منه لهم، قال تعالى).
[ ١١ / ٢٠ ]
وبعضها جلدًا، وبعضها مخًّا، وبعضها عِرْقًا، ثم خصَّ كلَّ عضوٍ بهيئةٍ مخصوصة، وكلَّ جزء بكيفيةٍ معلومةٍ.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يحتمِل: مِن سمعٍ وبصرٍ، وفكرٍ وغضبٍ، وإرادةٍ وقدرةٍ، وعلمٍ وكتابة، وحَدَاقة وملاحة، وشجاعة وجُبن، وحِقد وحَرَد، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يتقاصر عنها الحصر.
وقيل: هو أن هيَّأهم لأحوالٍ عزيزةٍ يُظهرها عليهم بعد بلوغهم إذا استووا وحصَل لهم كمال التمييز من فنون الأحوال، فلقومٍ تخليص من رِبْقة العبودية (^١)، ولقومٍ تحرُّرٌ من رقِّ البشرية، ولآخرين تحقُّقٌ بالصفات الصَّمدية.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: خلق السماوات والأرضين والعرشَ والكرسيَّ، مع سائر المخلوقات من الجنة بزينتها ومن النار بأهوالها، وأخبر عنها ولم يعقِّبها بهذا التمدُّح الذي ذكر بعد ذكر (^٢) خلقه بني آدم؛ تخصيصًا لهم.
وقيل: لما ذكَر نعتكَ وتاراتِ حالك، ولم يكن لك لسانُ شكر ينطق (^٣)، ولا بيان مدح ينطلِق (^٤)، ناب عنك بالثناء على نفسه، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾:
آخِرُ الأمر ما تَرَى اللحدُ والقبرُ والثرى
_________________
(١) في (أ): "فلقوم ربقة العبودية" وليست في (ر) و(ف)، وفي مطبوع "اللطائف": (فلقوم تخصيص بزينة العبودية)، ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) "ذكر" زيادة من (ف).
(٣) في (ف): "منطلق".
(٤) في (ر) و(ف): "ينطق".
[ ١١ / ٢١ ]
كسَر على أهل الغفلة سطوةَ غفلتهم، وفلَّ دونهم سيفَ صولتهم (^١)، بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (^٢).
* * *
(١٧) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: ثم بيَّن أنه خلَق ما به قِوَام معايشهم، وما يتوصلون به إلى أداء ما عليهم.
قال الفرَّاء: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سبعَ سماوات كلُّ سماءٍ طريقةٌ (^٣)، سميت بها لأن بعضها فوق بعضٍ، من قولهم: طارَقَ بين الشيئين: جعل أحدهما فوق الآخر.
وقيل: سميت بها لأنها طرائق ملائكته (^٤) للنزول والصعود.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾: أي: عما يحتاجون إليه في إقامة مصالحهم.
* * *
(١٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾: الآيات في بيان خلقِ ما يحتاجون إليه.
وقيل: ما كنا غافلين عما يفعله الخلق من الشكر على هذه الأنعام ومن كفران
_________________
(١) في (أ): "وفل دونهم شي دولتهم"، وفي (ر) و(ف): "وقل دونهم سيئ صولتهم". والمثبت من "اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٦٩ - ٥٧١).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٣٢).
(٤) في (أ): "ملائكة".
[ ١١ / ٢٢ ]
ذلك، وعلى هذا ﴿كُنَّا﴾ زائدة، وتقديره: ولسنا عن الخلق غافلين، كما في قوله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨]؛ أي: بمقدارِ ما علمناه كافيًا لهم، مُصلحًا لغلَّاتهم، عائدًا بمنافع معايشهم.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾: في العيون ونحوها ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾؛ أي: على إذهابه ورفعه عن (^١) الأرض وتغويرِ العيون، فلا يبقى لكم ما تشربونه وتسقونه دوابَّكم وزروعَكم وجناتِكم، تهلكون عطشًا ﴿لَقَادِرُونَ﴾ لأن القادر على إنشاء الشيء قادر على إفنائه، يعرِّفهم منَّته في إنشائه وإبقائه (^٢).
* * *
(١٩) - ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾: أي: بهذا الماء ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾:
قيل: أي: من الرُّطَب والعنب.
وقيل: ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ من الجنات سوى هذين.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: قيل: من الفواكه.
وقيل: من الجنات؛ من حبوبها قُوتًا (^٣)، وتتفكَّهون من فواكهها، وجمَعَ الأطعمة والفاكهة في الذكر.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ودفقه على".
(٢) في (ر): "وإفنائه".
(٣) "قوتًا" ليس من (أ).
[ ١١ / ٢٣ ]
(٢٠) - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾.
قوله تعالى ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: عطفٌ على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: وأنشأنا بهذا الماء شجرةَ الزيتون من طور سيناء، قال ابن عباس ﵄ ومجاهد: أي: من جبل البَرَكة (^١).
وقال قتادة والضحاك: أي: جبلٌ حسن (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: هو كثير الشجر، وهو الجبل الذي نودي منه موسى ﵇ (^٣).
وقيل: هو فَيْعالٌ من السَّنا؛ أي: الرِّفعة.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بكسر السين، والباقون بفتحها (^٤).
وخُصت هذه الشجرة بالذكر للعبرة؛ لأنها لا يراعيها أحدٌ بسقيٍ وغيره وتخرج (^٥) الثمرةَ التي منها الدُّهن الذي تَعظُم به الفائدةُ وتَكثُر المنفعة.
وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء، والباقون
_________________
(١) ذكره عنهما بهذا اللفظ الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٥٠)، والواحدي في "تفسيره" (١٥/ ٥٤١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٩) عن ابن عباس بلفظ: هو جبل بالشام مبارك. وعن مجاهد بلفظ: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾: المبارك.
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٩ - ٣٠).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٠) دون قوله: "هو كثير الشجر"، وهذا اللفظ رواه الطبري عن معمر عمن حدثه.
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٤)، و"التيسير" (ص: ١٥٩).
(٥) في (ف): "لأنها لا يرى عندها من به علة إلا شفي وتخرج"، وفي (ر): "إلا تخرج" وسقط ما بينهما.
[ ١١ / ٢٤ ]
بفتحها (^١)، ووجه الفتح: أن الفعل يتعدَّى (^٢) بالباء، ووجه الضم: أنه متعدٍّ والباء زائدة.
ومعنى إنباتِ الدهن: إنباتُ ثمرِ الدُّهن، وهو كعصر الخمر: عصرُ ما يصير من خارجه الخمرُ.
وقيل: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾؛ أي: تنبتُ هي ومعها الدُّهن؛ كما يقال: جاء فلان بالسيف؛ أي: ومعه السيف، ومعنى: معها الدهنُ؛ أي: في ثمرها ما إذا استُخرج (^٣) كان دهنًا.
﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾: أي: إدامٍ يُصْطَبغ به، والصبغ: هو الدُّهن، وإنما أدخل (^٤) الواو لاجتماع معنيين في الزيت: معنى الادِّهان، ومعنى الاصطباغ، وتقديره: تَنبت بما يُنتفع به انتفاعَ الدُّهن من الاستصباح (^٥) والتداوي والادِّهان، ويُنتَفع به انتفاعَ الإدام بالضم إلى الطعام.
وخصَّ النخيل والأعناب والزيتون هاهنا لأن العرب في الحجاز كانوا يرون هذه الأشياء، وذكرُ إخراجِ هذه الشجرة من طور سيناء تعريفٌ ببركتها، فإن هذا الجبل مباركٌ، وقد قال في صفة الزيتون: ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ (^٦) [النور: ٣٥].
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٥)، و"التيسير" (ص: ١٥٩).
(٢) في (ر): "معدى".
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "بما ينتفع به انتفاع".
(٤) في (ف): "دخل".
(٥) في (ف): "تنبت بالدهن من الاستصباغ"، وفي (ر): "تنبت بالدهن للاستصباح".
(٦) في (أ) و(ف): "زيتونة مباركة" بدل: " ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ ".
[ ١١ / ٢٥ ]
(٢١) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾: أي: ما تعتبِرون به؛ أي: تستدلُّون به على قدرة اللَّه تعالى وعجيب صُنعه (^١).
وقوله تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾: قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بفتح النون من السَّقي، والباقون بضمها من الإسقاء (^٢)، وهما واحد؛ يقول: نخرج لكم من بطونها لبنًا سائغًا خالصًا من بينِ فرثٍ ودم.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾: سوى الألبان، وهي منافع الأصواف والأوبار والأشعار والجلود وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: وهي لحوم (^٣) الأزواج الثمانية وشحومُها ونحوها.
* * *
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا﴾: أي: وعلى الأنعام في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾؛ أي: وعلى السفن في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾ في أسفاركم، كما قال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ الآية [النحل: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِه﴾: ذكر بعد بيان بدءِ الخلق أنه هيَّأ لهم
_________________
(١) في (أ): "صنيعه"، وفي (ف): "صنعته".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٥)، و"التيسير" (ص: ١٣٨).
(٣) في (ر) و(ف): "لحمان".
[ ١١ / ٢٦ ]
أسباب القيام بما لأجْله خلقَهم؛ من إتمام ما يقوم به المعاش، ومواترةِ الرسل لبيان ما به تُعُبِّدوا، وبدأ بقصة شيخ الأنبياء نوحٍ صلوات اللَّه عليه فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِه﴾.
﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: وحِّدوه وأطيعوه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾؛ أي: اتَّقوا.
* * *
(٢٤) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه﴾: أي: الأشراف فمن دونهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أنكروا كونَ الرسول من البشر، واختصاصَه بالرسالة من بينهم مع تساويهم في البشرية، وقالوا:
﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: يريد أن يكون ذا فضلٍ وعلوٍّ في المنزلة عليكم.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: أي: أن لا يُعبد غيره ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ للدعاء إلى ذلك، لا بشرًا مثلنا.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾: أي: بما يدعونا إليه نوحٌ من التوحيد وتركِ الشرك ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.
[ ١١ / ٢٧ ]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أي: جنون، ولو كان عاقلًا ما ادَّعى الرسالة؛ لأن من المحال عندنا بعثُ البشر رسولًا.
﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾: أي: هو مجنون فلا تعجِّلوا بعقوبته، بل دعوه إلى مدةٍ، فإما أن يموت أو يرجعَ عن هذا أو تفعلوا به ما شئتم.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾: أي: انتقِمْ لي (^١) منهم واحفظني من شرهم.
وقيل: ﴿انْصُرْنِي﴾ بتحقيق قولي لهم في العذاب أنه نازل بهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ من العذاب الذي أنذرتهم به إن لم يؤمنوا.
وقال هذا حين أيِس من إيمانهم حين أُوحي إليه: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
* * *
(٢٧) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾: أي: أجبنا دعاءه وأرسلنا إليه رسولًا من السماء: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾؛ أي: اتخذِ السفينة بمرأًى منا وبما نوحي (^٢) إليك من صفتها، وبعث إليه جبريل ﵇ حتى علمه ذلك.
_________________
(١) في (ف): "أمني" بدل: "انتقم لي".
(٢) في (ر) و(ف): "ومما أوحينا".
[ ١١ / ٢٨ ]
وحقيقة قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾؛ أي: واعلم أنا حافظون لك ومُوحون إليك بما تحتاج إليه في إتمامه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: أي: عذابنا بأمرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ ذكرنا الأقاويل فيه في سورة هود.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾: أي: فأدخل في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: من كلِّ ذكرٍ وأنثى من الحيوانات ذكرًا وأنثى (^١)، أراد أن لا ينقطع نسلها.
قال قتادة والحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، وأما البقُّ والذباب والدود فلم يحمل معه شيئًا منها إنما يخرج هذا من الطين.
وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتنوين ﴿اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ (^٢) أي: من كلِّ صنفٍ فردين ذكرًا وأنثى.
وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾: أي: وأدخل أهلك أيضًا وهم نساؤه وأولاده ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾؛ أي: بالهلاك، فلا تُدخله الفلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾: أي: ولا تسألني نجاةَ الذين كفروا والإذنَ بالإدخال (^٣) في السفينة فإني أغرقُهم في الطوفان.
* * *
(٢٨) - ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
_________________
(١) "ذكرًا وأنثى" ليس في (ف).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٥)، و"التيسير" (ص: ١٢٤).
(٣) في (أ): "بالدخول".
[ ١١ / ٢٩ ]
وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: قال أبو عبيدة: أي: في الفلك (^١)؛ أي: تمكَّنْتُم عليها راكبين.
قوله: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: من عذابهم.
وقيل: هو أمرٌ بالحمد على إهلاكهم، ففي هلاكهم نجاة المؤمنين.
* * *
(٢٩) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتح الميم وكسر الزاي، والباقون بضم الميم وفتح الزاي (^٢). وبالفتح: النزول، وموضعُ النزول، وبالضم: الإنزال، وموضع الإنزال، ويَصلح كلُّ واحد منهما مرادًا.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي﴾: تكفي مَن أنزلتَه كلَّ ما به إليه حاجةٌ؛ وغيرُك لا يتهيَّأ له ذلك.
وقيل: أُمر بهذا الدعاء أن يقوله إذا نزل.
وقيل: أُمر بأن يدعو به وهو في السفينة يلتمس وجود ذلك إذا نزل.
ومعنى ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: اجعله نزولًا (^٣) تُتابعُ به الخيراتِ عليَّ وعلى مَن معي حتى يَكثر أتباعُنا في الدين، فأجاب ذلك فقال: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨].
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٥٧).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٥)، و"التيسير" (ص: ١٥٩).
(٣) في (ر) و(ف): "نزلًا".
[ ١١ / ٣٠ ]
وقال القشيري: الإنزال المبارك: أن يكون للَّه وباللَّه وعلى شهود اللَّه (^١)، من غير غفلةٍ عن اللَّه، ولا مخالفةٍ لأمر اللَّه (^٢).
* * *
(٣٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: أي: في ذلك الاقتصاص لعلاماتٍ على الحق يُعرف بها وجوبُ متابعة الأنبياء واستحقاقِ العقوبة على مخالفتهم، وأن اللَّه تعالى لا يعذِّب إلا بعد انتهاء الحجة، وأنَّ مَن فعل فعْلَهم جُوزي جزاءَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾: له وجهان في اللغة: وما كنا إلا مُبْتلين، وقد كنا مُبْتلين.
قال قتادة: أي: ابتلى اللَّه الناس قبلكم وكشفه (^٣)؛ أي: لم يزل اللَّه يبتلي الأمم ليظهر المطيع من العاصي، فمَن أطاع نجا ومَن عصى هلك، وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢].
وقيل: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ مِن بعد قوم نوح كما ابتليناهم.
وقيل: أي: إرسال الرسل إلى الأمم كان للابتلاء.
* * *
(٣١ - ٣٣) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾.
_________________
(١) "وعلى شهود اللَّه" زيادة من (أ).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٧٦).
(٣) رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٩٧).
[ ١١ / ٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: ولم يسمه.
قيل: هو صالح، وقيل: هو هود، ﵉.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: أرسلناه إليهم بهذا.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾: أي: البعثِ ولقاءِ ما وَعد اللَّه في الآخرة.
﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: ووسَّعنا عليهم ونعَّمناهم.
وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾: أي: يحتاج إلى غذاءٍ يقيمه كما تحتاجون أنتم، ولو كان نبيًّا لكان ملَكًا (^١) مستغنيًا عن هذا.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: أي: الانقيادُ للمِثْل والرضا بأنْ نكون دونه خسرانٌ.
وقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾: خبر (أنَّ) المذكورةِ أولًا قولُه: ﴿مُخْرَجُونَ﴾ و(أنَّ) الثانيةُ مكرَّرةٌ للتأكيد.
وقيل: ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ جملةٌ تامةٌ جُعلت خبرًا للأول، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣].
ومعناه: ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ هذا المدَّعي للنبوة ﴿أَنَّكُمْ﴾ بعد أن تصيروا ترابًا وعظامًا باليةً لا لحومَ عليها ولا جلود تُخرَجون من قبوركم أحياءً (^٢)؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار.
_________________
(١) "ملكًا" ليس من (ف).
(٢) "أحياء" زيادة من (أ).
[ ١١ / ٣٢ ]
(٣٦ - ٣٧) - ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾: أي: بعيد بعيد هذا الموعودُ؛ أي: هو مما لا يكون.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾: أي: ما الحياةُ إلا هذه الحياةُ القربى التي نحن فيها.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾: قيل: هذا (^١) على التقديم والتأخير: نحيا مدةً ونموت بعد ذلك ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت.
وعلى التقدير على النظم معناه: يموت بعضنا ويحيا بعضنا.
* * *
(٣٨ - ٤٠) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: ما هذا الذي يدَّعي الرسالة إلا رجل كذَب على اللَّه ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدقين.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾؛ أي: فأوحى اللَّه إليه: عن قريب - وهو القليل من الزمان، و(ما) صلةٌ ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾ قومك؛ أي: ليصيرُنَّ ﴿نَادِمِينَ﴾ على تكذيبهم إياك إذا أخذهم العذاب، ولا تنفعُهم الندامة.
* * *
_________________
(١) في (أ): "هو". وسقطت من (ف).
[ ١١ / ٣٣ ]
(٤١ - ٤٢) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: العقوبةُ الهائلة، أو حقيقةُ الصيحة من جبريل ﵇ ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: باستحقاقهم ذلك.
وقيل: بالأمر من اللَّه وهو الحق.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾: أي: موتى بالِينَ كالغُثاء، وهو ما يأتي على وجه السيل من القصب والحشيش، شبِّهوا بالغُثاء في البِلَى وتفرُّقِ الأوصال، وفي أنهم (^١) صاروا لا يُنتفَع بهم (^٢) بوجهٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَبُعْدًا﴾: أي: فهلاكًا، وقيل: فبُعْدًا من كلِّ خير، الأولُ من باب عَلِم، والثاني من باب شَرُفَ.
﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾: أي: أممًا في أزمنةٍ شتَّى، وهاهنا إضمار: كذَّبوا أنبياءهم فأهلكناهم، والاختصارُ ما (^٣) ذُكر في آخره: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾.
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقيل إنهم"، بدل: "وفي أنهم".
(٢) في (أ): "لهم".
(٣) في (أ): "لما".
[ ١١ / ٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: أي: ما كان يتقدَّم أمةً من هؤلاء القرون الوقتُ المؤقَّت لعذابهم ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: لا يتأخَّرون عنه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾: أي: تِبَاعًا متَّصلِين ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ جهلًا منهم وتقليدًا لأسلافهم واستثقالًا للشرائع.
قوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾: في الإهلاك، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٦١] الآيات.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾: أي: صيَّرناهم إلى حالٍ يتحدث الناس بعدهم بذكرهم ويتعجَّبون منهم ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
(٤٥ - ٤٦) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾: بالأعلام الدالة على صحة نبوتهما ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِين﴾؛ أي: حجةٍ ظاهرة.
وقيل: الآيات: المعجزات، والسلطان: القدرة والقوة والملك.
وقيل: السلطان: إيجاب الانقياد لهما.
قوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: مر تفسيره ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: أي: تعظَّموا (^١) عن الانقياد لهما ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾؛ أي: كانوا قد قهروا مَن في ناحيتهم من الناس واستعبدوهم.
_________________
(١) في (ف): "تعاظموا".
[ ١١ / ٣٥ ]
(٤٧ - ٤٨) - ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾: أي: أنصدِّق آدميَّينِ مثلَنا في ادِّعاءِ الرسالة من اللَّه في وجوب الانقيادِ لهما علينا ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾؛ أي: وبنو إسرائيل لنا مطيعون يَرون أنفسهم لنا عبيدًا فكيف نكون نحن مطيعين لهما؟!
وقيل: ﴿عَابِدُونَ﴾: دائنون.
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾: فصاروا من المغرقين في اليم.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراة ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ليهتدوا بها إلى الحق.
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أي: عيسى ﴿وَأُمَّهُ﴾؛ أي: مريم ﴿آيَةً﴾: ولم يقل: آيتين؛ لأنهما باجتماعهما صارا آيةً واحدة، وهي ولادتُها إياه من غيرِ أب، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]؛ لأن كل واحدٍ منهما آيةٌ على حِدَة.
ومعنى هذه الآية: وجعلناهما ﴿آيَةً﴾؛ أي: علامةً يُستدل بها على قدرتي على اختراع الأجسام من غيرِ أصل كما خلقتُ عيسى من غيرِ أبٍ، وعلى أنِّي المتفرِّدُ (^١) بالخلق والاختراع لا خالقَ غيري، وعلى صدقِ عيسى في دعوى النبوة، فلم أُخْلِ الناس في كلِّ وقتٍ من رسولٍ يدعوهم إلى الحق.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "المنفرد".
[ ١١ / ٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾: أي: وجعلنا مأواهما مكانًا مرتفعًا، والربوة الراء وضمِّها وكسرها: المكان المرتفع على ما حوله، واختُلف فيها أين كانت؟
قال أبو هريرة ﵁: هي الرَّملة من فلسطين (^١).
وقال سعيد بن المسيب: هي دمشقُ (^٢).
وقال ابن زيد: هي بمصر، وقراها (^٣) على الرُّبى، ولولاها غرقت بالماء (^٤)، وهو قول الكلبي أيضًا.
وقيل: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة (^٥)، وهو أنشر (^٦) الأرض.
قال كعب: هي أدنى الأرض إلى السماء بثمانيةَ عشر ميلًا (^٧).
وقوله تعالى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: أي: ذاتِ استواءٍ يُستقرُّ عليها (^٨).
وقال قتادة: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: ذاتِ ثمار (^٩)؛ أي: لأجلها يَستقرُّ فيها ساكنوها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَعِينٍ﴾: ماءٍ جارٍ ظاهرٍ للعيون.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٧٢)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٤).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٦٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٤٦٣)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٤).
(٣) في (ر) و(ف): "هي مصر، وقال: وجدتها".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٥).
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٦٨)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٥).
(٦) في (ر): "أيسر".
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٧٠)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٥).
(٨) في (أ): "مستقر عليه"، وفي (ف): "عليها" بدل: "يستقر عليها".
(٩) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٩٦٨)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٥٥).
[ ١١ / ٣٧ ]
قال سعيد والضحاك: ﴿وَمَعِينٍ﴾ مفعول من عِنْتُه أَعِينُه؛ أي: أصبتُه بعين (^١).
قال ابن عباس ﵄: هذا الإيواءُ كان عند الولادة، وهو كما ذكر في سورة مريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] الآيات.
وقيل: كان هذا حين فرَّت مريم بابنها إلى مصر، فكانا بها سنين، ثم رجعت به إلى أهلها بعدما مات الملك الذي كانا هربا منه.
* * *
(٥١) - ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾:
قيل (^٢): أي: كنَّا نقول لكلِّ هؤلاء: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ وإضمار القول في القرآن كثير.
وقيل: كان هذا خطابًا لعيسى ﵇ على إضمار القول، وتسميةُ الواحد بالجماعة تشريفٌ له.
وقيل: هو خطاب للنبي -ﷺ- بذلك بغير إضمار القول، وتسميتُه بالرسل لكونه أفضل الرسل وسيدَ الرسل (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ٥٧ - ٥٨). واللفظ المذكور هو للطبري، وقد روى قبله عن سعيد والضحاك قولهما في معنى المعين: هو الماء الظاهر، ولعل هذا هو المراد من كلام الطبري، فقد قال ابن كمال باشا في "تفسيره" عند هذه الآية: المَعينُ الماءُ الجاري على وجه الأرض، مفعول مِن عَانَه: إذا أدركه بالعَيْن، نحو رَكَبَهُ: إذا ضربَه بالرُّكْبَةِ؛ أي: يُدْرَكُ بالعَيْن لظهوره، فميمه على هذا زائدة.
(٢) "قيل" من (أ).
(٣) في (ف): "المرسلين".
[ ١١ / ٣٨ ]
وقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: لا يخفى عليَّ ما تعملونه فأنا مجازيكم عليه، فاجتهِدوا في الطاعات، وهي الصالحاتُ، وتجنُّبُ الحرام، وأكلُ الحلال وهو (^١) الطيبات، وإذا كان الأمر للأنبياء ولنبينا على الخصوص بهذا فمَن سواهم أولى به.
* * *
(٥٢) - ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم بكسر الألف وهو ابتداءٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع بفتحها (^٢) عطفًا على قوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وبـ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً﴾ قاله الكسائي وأبو عبيد والفراء في قول، وعنه أنه قال: أضمر في أوله (واعلموا) أن هذه (^٣).
يقول: هذا الذي تقدم ذكرُه من وصية اللَّه لرسله بالتوحيد والطاعة، ووصيةِ الرسل لأممهم، هو دينكم وملَّتكم (^٤)، وهي واحدة لا تختلف في الأصل فالْزَموها وتمسَّكوا بها.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾: وحدي ﴿فَاتَّقُونِ﴾؛ أي: فخافوا عقابي في مخالفتكم أمري، وقد أوضحنا هذا في آخر سورة الأنبياء.
_________________
(١) في (أ): "وأكل الحلالات وهي" وفي (ف): "وأكل الحلال وهي".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٦)، و"التيسير" (ص: ١٥٩). وخفف ابن عامر النُّون -مع فتح الهمزة- وشدَّدَها الباقون.
(٣) القولان اللذان ذكرهما عن الفراء هما وجهان في تأويل هذه القراءة كلاهما في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٣٧)، لكن الفعل المضمر عنده هو: (واعلم) وليس: (واعلموا).
(٤) في (ر) و(ف): "وقبلتكم".
[ ١١ / ٣٩ ]
وقيل: الأمة: الجماعة والفريق؛ أي: هؤلاء الذين (^١) ذكرتُهم جماعتكم وفريقكم الذين ينبغي أدن تقتدوا بهم وتكونوا من جملتهم.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ نصبٌ على القطع، ومعناه: هم فرقة مجتمِعة على التوحيد.
* * *
(٥٣ - ٥٤) - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: أخبر عن تفرُّق أهل الكتاب في دينهم، يقول: فصار هؤلاء الذين أُمروا بالاجتماع على الدِّين الحقِّ فِرقًا في أمرهم؛ أي: في أمر دينهم.
قوله: ﴿زُبُرًا﴾: بضم الباء (^٢)؛ أي: كتبًا، جمعُ زبور، وقال الحسن (^٣) وقتادة ومجاهد وابن زيد: توزَّعوا وتقسَّموا كتبًا دانوا بها وكفروا بما سواها؛ كاليهود في قبول التوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، وكالنصارى في قبول الإنجيل وكفرِهم بالقرآن (^٤).
وقرأ ابن عامر: (زُبَرًا) بفتح الباء (^٥): جمع زُبرة (^٦)؛ أي: جماعاتٍ كقطع الحديد؛ أي: تقسَّموا جماعاتٍ مختلفة متفرقة.
_________________
(١) في (أ): "والفرائق أي هؤلاء الذين" وفي (ر) و(ف): "والفريق، أهذا الذي".
(٢) في (أ): "الزاي".
(٣) في (أ): "الحسين"، وسقط من باقي النسخ، والصواب المثبت. انظر: "الدر المنثور" (٦/ ١٠٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٢ - ٦٣) عن قتادة ومجاهد وابن زيد.
(٥) نسبها لابن عامر الداني في "جامع البيان" (٢/ ٣٠٣) لكن بخلاف بين أصحاب هشام راوية ابن عامر، ونسبت لأبي عمرو في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠١).
(٦) في (ر) و(ف): "زابرة".
[ ١١ / ٤٠ ]
وقال القشيري ﵀: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: فمستقيمٌ على حقِّه، وتائهٌ في غِيِّه، ومصرٌّ على عصيانه وفسقه، ومقيمٌ على إحسانه وصدقه، كلٌّ مربوط بحدِّه، موقوف (^١) على ما قُسِم له في البداية من شأنه، كلٌّ ينتحل طريقة، ويدَّعي لحسن (^٢) طريقته حقيقة، وعند صحوِ سماء قلوب أرباب التوحيد لا غبار في الطريق، وهم على يقينِ معارفهم، فلا ريب يتخالجهم ولا شبهة، وأهلُ الباطل في عمَى (^٣) جهلهم وغبار جحدهم، وظلمةِ تقليدهم ومحنة شكِّهم (^٤).
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: أي: فدَعْ يا محمد هؤلاء الضَّلالَ المتقطِّعين أمرهم بينهم في ضلالتهم وغفلتهم (^٥)، والغمرة: ما يغمر القلب ويغطي عليه، فيغفل صاحبه عن النظر لنفسه، ومنه: الرجل الغمر، ومنه: غمرةُ الماء، ومنه قولهم: دخل في غُمَار الناس؛ أي: في زحمتهم بحيث يستَتِر عن الأبصار.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: أي: إلى وقت نزول العذاب بهم، ولا يَضيقنَّ قلبُك بتأخير نزول (^٦) العذاب عنهم، وذلك الوقت قد يكون بالموت فيعرفون ذلك، وقد يكون بنزول العذاب ولا ينفعهم الندم؛ كما وقع بفرعون حين أدركه الغرق.
* * *
_________________
(١) في (ر): "كل مربوط موقوف على حده وموقوف".
(٢) في (أ): "حسن"، وفي "اللطائف": (بحسن).
(٣) في (أ) و(ف): "غمام"، والمثبت من (ر) و"اللطائف".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٧٧).
(٥) في (ف): "وغفوتهم".
(٦) "نزول" من (أ).
[ ١١ / ٤١ ]
(٥٥ - ٥٦) - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: أيظنُّون أنما نزيدهم ونعطيهم على الترادف (^١) من الأموال والأبناء ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ به (^٢) ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: نجعله ثوابًا وكرامة معجَّلًا لهم على حسن صنيعهم عندنا، ﴿بَلْ﴾: هو ردُّ ما قبله؛ أي: ليس كذلك ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا يعلمون أن ذلك لتعبُّدهم بالشكر والتوحيد والطاعة.
وقيل: نفعله استدراجًا لهم، وهو كقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥٥]، وإضمار (به) (^٣) في قوله تعالى: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ كالإضمار في قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]؛ أي: به، وقولِه: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]؛ أي: باللَّه غيرَه.
* * *
(٥٧ - ٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾: أي: من خوفهم ربَّهم ﴿مُشْفِقُونَ﴾ من عذابه.
وقال الضحاك: يخافون أن يُنزع منهم (^٤) الإيمان.
_________________
(١) "على الترادف" من (أ).
(٢) "به" من (ف).
(٣) في (ر): "وإضماره"، وفي (ف): "الإضمار".
(٤) في (أ) و(ف): "عنهم".
[ ١١ / ٤٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بكتبِ اللَّه كلِّها، لا يفرِّقون بين كتبه كالذين تقطَّعوا أمرَهم بينهم، وهم أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾: كشرك العرب.
* * *
(٦٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: أي: يُعطون ما أَعطوا من أموالهم في حقوق اللَّه.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾: أي: خائفة أن لا تقبلَ ولا ينفعَهم ذلك إذا رجعوا إلى جزاء اللَّه يوم القيامة.
وقرأت عائشة ﵂: (يَأتُون ما أَتَوا) (^١)؛ أي: يفعلون ما فعلوا، وسألت عائشة ﵂ رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: أهم الذين يَزْنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: "لا، هم الذين يصلُّون ويزكُّون ويحجُّون ويصومون ويخافون أن لا يقبل منهم" (^٢).
وقال كعب: لو أن رجلًا كان له مثلُ عملِ سبعين نبيًّا، يخشى أن لا ينجوَ من عذاب يوم القيامة.
وقال الحسن: لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى خشي أن لا ينجو من عِظَم ذلك اليوم (^٣).
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٠)، و"المحتسب" (٢/ ٩٥).
(٢) رواه الترمذي (٣١)، وابن ماجه (٧٥).
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٥)، والإمام أحمد في "الزهد" (١٦٣٨)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٦٧) بلفظ: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم.
[ ١١ / ٤٣ ]
وقال الحسن: لقد عمِّرتُ عمرًا، وأدركت صدرًا من الناس، فوالذي (^١) لا إله إلا هو: لهم فيما أُحِلَّ لهم كانوا أزهدَ منكم فيما حُرِّم عليكم، وهم لحسناتهم ألا تُقبل (^٢) كانوا أشد خوفًا منكم لسيئاتهم أن يؤاخَذوا بها (^٣).
* * *
(٦١) - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: أي: هؤلاء هم الذين يسارعون فيها لا الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم.
﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾: أي: إلى الخيرات، واللام بمعنى (إلى)، كما في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]؛ أي: أوحى إليها.
وقيل ﴿لَهَا﴾؛ أي: لأجلها؛ أي: من جهة خيراتهم هم سابقون إلى الجنة.
وقال القشيري: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: مسارعٌ بقدمه من حيث الطاعات، ومسارعٌ بهممه من حيث المواصلات، ومسارعٌ بندمه من حيث تجرُّعُ الحسرات، والكلُّ مصيب، ولكلٍّ من إقباله على ما يليق بحاله نصيب (^٤).
* * *
(٦٢) - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "فواللَّه الذي".
(٢) في (ف): "وهم لخشية أن لا يقبلون" وفي (ر): "وهم لخشيانهم ألا تقبل".
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الورع" (٤٥)، والدينوري في "المجالسة" (٦١٦)، وابن الجوزي في "المنتظم" (٦/ ١٣٣).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٧٩).
[ ١١ / ٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: أي: لا نحمِّل من الخيرات أحدًا شيئًا إلا ما في وسعه وهو دون طاقته.
وقال القشيري ﵀: مطالباتُ الشريعة مضمَّنة بالسهولة، فأما مطالبات الحقيقة فقد قالوا: ليس إلا بذلَ الروح وإلا فلا تَشتغل بالترَّهات، قال للمستضعفين: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال لأهل الحقائق: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ﴾ [الحج: ٧٨] (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾: أي: كتبُ الملائكة فيها (^٢) أعمالُ العباد.
وقوله تعالى: ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: أي: يبيِّن جميعَ ما عمله العبد على الصدق، فهذا الكتاب محفوظٌ عند ملائكة اللَّه، وأضافه إلى نفسه لأنهم يحفظونها بأمره، ويُخرَج يوم القيامة ويُحاسب عليه ويجازى به.
وقيل: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ تبناه فيما سبق بما هم (^٣) عاملون، فهم يعملون ذلك ونحن نجازيهم به.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: لا يُنقص من ثوابهم ولا يعذَّبون بغير (^٤) ذنب.
* * *
(٦٣) - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) في (أ): "في".
(٣) في (ف): "مما هم"، وفي (ر): "مما هو".
(٤) في (ر) و(ف): "من غير".
[ ١١ / ٤٥ ]
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لكلام مضمَر، وكأنه (^١): ليس تركُهم الإيمان لقصور في البيان؛ لكن قلوبهم في غطاء وغمرة؛ أي (^٢): غفلةٍ؛ للحَميَّة الجاهلية، وإلْفِ التقليد، وترك التدبر.
﴿مِنْ هَذَا﴾: قيل (^٣): أي: العذاب. وقيل: أي: مما سبق ذكره. وقيل: من الكتاب الذي عندنا.
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: قيل: أي: سوى ذلك، يعني: هم عاملون أعمالًا ينضم ذلك إلى غمرتهم فيعاقبون على الكل.
وقيل: أي: أدنى من ذلك وهو المعاصي (^٤)، والأول هو الكفر؛ أي: يعملون ذلك فيعاقبون على الكل (^٥).
وقيل معناه: ولهؤلاء المشركين أعمال أُخر أقبح من هذه الأعمال التي ذكرناها عنهم هم يعملونها للحال لم نذكرها لكم.
وقيل: بل هذا إخبار عما يعملون بعد هذا، فلهم مدة يبقَون إليها ثم يأخذهم إذا جاء وقتُهم.
وقيل: معناه: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من قبل نزول العذاب بهم، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] بيانُ غاية ذلك.
_________________
(١) في (أ): "وكأنه هذا".
(٢) "غمرة أي" من (ف).
(٣) "قيل" من (أ).
(٤) في (ر): "المعصية".
(٥) في (أ): "الجميع".
[ ١١ / ٤٦ ]
وقيل: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾؛ أي: قلوبهم في غفلة عن (^١) طلب الحق، ولهم أشغالٌ سوى الحقِّ هم بها مشتغلون منصرفون عن الحق.
وقال القشيري ﵀: لا يصلُح لهذا الشأن إلا مَن كان فارغًا عن جميع الأعمال، وأكثرُ أصحاب الدنيا مشغولون بدنياهم، وأربابُ العقبى بعُقباهم، وأهلُ النار ببلواهم، وإن الذي له في الدنيا والآخرة غير مولاه -حين الفراغ- عزيز (^٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ [يس: ٥٥] (^٣).
* * *
(٦٤ - ٦٥) - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾: أي: منعَّميهم ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُون﴾؛ أي: يستغيثون ويضجون ضجيج مَن نزل به ما لا يقدر على دفعه، ونزل هذا بهم يوم بدر، أخذ اللَّه رؤساء مكة بالسيف فجأر أهل مكة لذلك.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾: أي: لا تضجُّوا بالاستغاثة إلى غيرنا، فلا مانع لكم من عذابنا.
ويحتمل (^٤): لا تضجُّوا إلينا فلا نصرةَ لكم عندنا، والمراد بذلك النهي الخبرُ أنكم وإن ضجِجْتم فلا نصرةَ لكم.
_________________
(١) في (ر): "زمن"، وفي (ف): "من".
(٢) في (أ) و(ر): "فمَن الذي له في الدارين عن مولاه خبر الفراغ عزيز"، وفي (ف): "فمَن له في الدارين عن مولاه غنى فإن خبر الفراغ عزيز". والمثبت من "اللطائف".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٨٠).
(٤) في (أ): "وقيل".
[ ١١ / ٤٧ ]
(٦٦ - ٦٧) - ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي: القرآن ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾؛ أي: ترجعون القَهْقَرَى.
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال أكثر المفسرين (^١): ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالبيت، أو بالحرم، وكانوا ينكرون (^٢) على كل الناس بكونهم أهل الحرم وأهل البيت.
وقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾: أي: متكلِّمين بالسَّمَر ليلًا حول الكعبة تقولون الهَجْر، وهو الهذَيان الذي في حقه أن يُهجَر ويُرفض، و﴿سَامِرًا﴾ واحد (^٣) بمعنى الجمع من وجوه:
أحدها: أنه جنس يصلح للجميع.
والثاني: أنه موضوع للجمع.
والثالث: أن الفاعل قد يستعمل للمصدر، ثم المصدر يصلح نعتًا للجمع.
والرابع: ما قال أبو عمرو الشيباني: يقال لمجلس القوم بالنهار: النادي، وبالليل: السامر، ثم ذكر (^٤) المجلس يكون ذكرًا لأهله، قال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]؛ أي: أهلَ ناديهِ، وقال الشاعر:
لهم مجلس صُهْبُ السبال أذلةٌ سواسيةٌ أحرارُها وعبيدُها (^٥)
_________________
(١) في (أ): "أهل التفسير".
(٢) "ينكرون"، كذا في (أ)، وسقطت الجملة من باقي النسخ، ولعلها: (يتكبرون).
(٣) في النسخ: "واحدًا"، والصواب المثبت.
(٤) في (ف): "وذكر" بدل: "ثم ذكر".
(٥) البيت لذي الرمة، وهو في "ديوانه" (٢/ ١٢٣٥). أراد: أهل مجلس، وأما قوله: (صهب السّبال) =
[ ١١ / ٤٨ ]
وكانوا يجتمعون بالليل حول الكعبة ويتحدثون بالقبح في ذكر النبي -ﷺ-.
وقرأ نافع: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بضم التاء وكسر الجيم (^١)، وهما لغتان هَجَر وأَهْجَر.
وقيل: في القراءة الأولى: أي: تهجرون الحق بالإعراض عنه، أو: تهجرون النبي -ﷺ- أو القرآن.
وقوله: ﴿بِهِ﴾ كنايةٌ عن مكنيٍّ لم يسبق ذكرُه، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، ثم يجوز أن يكون ﴿بِهِ﴾ -أي: بالبيت- صلةَ الاستكبار، ويجوز أن يكون صلةَ السَّمَر.
وقيل: ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالنكوص المذكور في قوله: ﴿تَنْكِصُونَ﴾.
وقال الضحاك: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: الجوعَ، وذلك حين دعا النبي -ﷺ- على مُضر في القنوت: "اللهمَّ اشدُدْ وطاتكَ على مُضر واجعلها عليهم سنينَ كسِني يوسفَ" فألقى اللَّه عليهم الجوع حتى أكلوا الجيَف والأولاد (^٢).
* * *
(٦٨) - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾: أي: أفلم يتدبَّر هؤلاء القرآن ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا
_________________
(١) = فإنما أراد به الأعداء، والعرب تصف الأعداء بذلك وإن لم يكونوا صهب الأسبلة، وقوله: (سواسية) يريد أنهم مستوون متشابهون؛ ولا يقال هذا إلا فى الذم. والسبال جمع سبَلة، وهي ما على الشارب من الشعر، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية، والصَّهَب حمرة أو شقرة في الشعر؛ أي: هم عجم ليسوا بعرب.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٦)، و"التيسير" (ص: ١٥٩).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٥١)، والواحدي في "البسيط" (١٦/ ١٩)، والمرفوع رواه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١١ / ٤٩ ]
لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: وهذا توبيخٌ لهم بلفظ الاستفهام؛ كأنه قال: ما عذرُهم في الإعراض عن استماع القرآن من الرسول والنكوصِ على الأعقاب، أهو أنهم لا يتدبرون القرآن (^١) الذي يخاطَبون به فالتقصيرُ منهم، أم يقولون: لو كان للَّه رسولٌ إلى العرب لأتى ذلك آباءنا الأولين، وإذا لم يأتهم لا يأتينا (^٢)، وهذا ليس بحجة أيضًا؛ لأنَّه قد أتى غيرَهم من الأمم رسلٌ كثيرة قد سمعوا ذلك، وتناهت (^٣) به الأخبار المتواترة إليهم، وهي أخبار صالحٍ وشعيبٍ وهودٍ، وهم رسل اللَّه إلى العرب.
* * *
(٦٩) - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: أم يحتجُّون في ترك سماعه من محمد ﵇ أنه مجهول فيهم، فلم يعرفوه بالصدق والعقل وشرفِ الأصل، وليس كذلك، بل قد عرَفوا مولده ومنشأه، وصدقه وأمانته، وخلالَه (^٤) المحمودةَ، فما الذي ينفِّرهم (^٥) عنه؟ وهو إشارة إلى ما وهبه (^٦) اللَّه تعالى له (^٧) ﵇ قبل أن يبعثه من أسباب القبول، من حسن التربية وتمام العصمة من أول حاله إلى مبعثه، لم يَعْلق به أمر شائن؛ ليكون ذلك أدعى إلى الركون إليه والقبول منه.
* * *
_________________
(١) في (أ): "القول".
(٢) في (ر): "لم يأتنا".
(٣) في (ر) و(ف): "وشاعت".
(٤) في (ر): "وصفاته"، وفي (ف): "وجلالته".
(٥) في (أ) "ينكرهم".
(٦) في (أ): "مهد".
(٧) في (ف): "وقد منحه" بدل: "وهو إشارة إلى ما وهبه اللَّه تعالى له".
[ ١١ / ٥٠ ]
(٧٠) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أي: جنون، فليس من حقِّه أن يُسمع كلامه.
وليس كذلك ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقّ﴾: أي: ليس (^١) به شيء من هذا، لكن ﴿جَاءَهُمْ بِالْحَقّ﴾ والانقيادُ للحق تَنفر عنه طباعهم الجاهليةُ ميلًا منهم إلى الرئاسة في الدنيا والانهماكِ في لذاتها، وذلك قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
وقيل: الحق: التوحيد.
* * *
(٧١) - ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: أي: لو كان الحق تابعًا لأهواء (^٢) الناس لبطل نظام العالم؛ لأن الأهواء مختلفةٌ وطبائعَ الناس شتَّى متضادَّةٌ، فشهواتهم تتضادُّ وتتنافَى، واجتماع المتضادَّات محال ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ لأفضى ذلك إلى وجود ما لا يُتوهَّمُ وجوده في العقول، وهو باطل.
ولأن أهواءهم داعيةٌ إلى القبيح، والحقُّ يدعو إلى المحاسن (^٣)، فلو اتَّبع أهواءهم لانقلبت الأدلة، وصارت الدلالة على القبيح (^٤) دليلًا على الحَسَن، والدلالةُ على الحَسَن دليلًا على القبيح (^٥)، وفي انقلاب الأدلة انقلابُ المدلول
_________________
(١) بعدها في (أ) و(ر): "لهم".
(٢) في (أ): "لهؤلاء".
(٣) في (ف): "إلى القبح. . . إلى الحسن".
(٤) في (ف): "القبح".
(٥) في (ف): "القبح".
[ ١١ / ٥١ ]
وسقوطُ حكم الأدلة، وفي ذلك فسادُ العالم، فإن بقاء العالم ببقاء أحكام الحق، وبقاءَ الأحكام ببقاء أدلتها.
وقيل: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فيما يعتقدون من الآلهة ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، كما قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾: أي: بما فيه شرفُهم وعزُّهم ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ بسوء اختيارهم.
وقيل: معناه: بذكر ما بهم (^١) الحاجةُ إليه في الدين.
وهذه الآية على القولين تتصل بقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾؛ أي: وما ينبغي أن يكرهوه وفيه شرفُهم، وفيه ذكرُ ما يحتاجون إليه.
* * *
(٧٢) - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾: قرأ ابن عامر بغير ألف فيهما، وقرأ حمزة والكسائي بالألف فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ونافع: ﴿خَرْجًا﴾ بغير ألف ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ بالألف (^٢).
قال أبو عبيد وأبو معاذ (^٣): هما لغتان.
_________________
(١) في (أ): "به".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٤٦).
(٣) الفضل بن خالد، أبو معاذ النَّحْوِي المروزِي، روى عن عبد اللَّه بن المُبارك وغيره، وأكثر عنه الأزهري في "التَّهْذيب"، وذكره ابن حِبَّان في "الثِّقات"، وصنَّف كتابًا في القرآن، ومات سنة (٢١١ هـ). انظر: "بغية الوعاة" (٢/ ٢٤٥).
[ ١١ / ٥٢ ]
وقال الحسن: هو الأجر على العمل (^١)، يقول: أهم يتَّهمونك (^٢) فيما تدعوهم إليه أنك تسألهم عليه أجرًا فيظنون بك أنك تطمع في أموالهم، وهو كقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠]، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: فما يؤتيك اللَّه من الأجر على طاعتك له في الدعاء إليه خيرٌ لك من عرَض الدنيا.
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أي: خيرُ مَن أعطى عوضًا على عمل؛ لأن ما يعطيه لا ينقطع ولا يتكرر وقد علمت ذلك ورضيت به، فما معنى اتهامهم لك بالطمع في أموالهم وهذا كله إخبارٌ أنهم متعنِّتون محجوجون (^٣) من كلِّ وجهٍ في ترك الاستماع إليك والتدبر بما جئتهم (^٤) به.
* * *
(٧٣ - ٧٥) - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾: فحقيقٌ أن يستجيبوا لك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: أي: عن هذا الطريق (^٥) المستقيم لعادلون مُجانبون.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: زاغوا عن المحجَّة المثلى بقلوبهم فوقعوا في
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٩٠).
(٢) في (ف): "أم يتوهمونك" بدل: "أهم يتهمونك".
(٣) في (ر) و(ف): "محجوبون".
(٤) في (ر) و(ف): "والنذير الذي جئتهم".
(٥) في (ر): "الصراط".
[ ١١ / ٥٣ ]
جحيم الفُرقة، وستزلُّ أقدامهم عن الصراط فيقعون في نار الحُرقة، فهم ناكبون في دنياهم وعقباهم (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾: متصل بقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.
﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: أي: لتمادوا في عتوِّهم يتردَّدون؛ أي: لعادوا إلى الطغيان الذي به أخذناهم بالعذاب، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
* * *
(٧٦ - ٧٧) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾: أي: لقد أخذنا مترفيهم بضربٍ (^٢) من العذاب فما تذلَّلوا لربهم استكبارًا منهم على اللَّه تعالى وجراءةً.
ثم أخبر عن عنادهم فقال: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أي: في الشدائد فلا يُظهرون تذلُّلًا وانكسارًا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾: أي: متحيِّرون لا يدرون ما يصنعون.
وقيل: آيسون من الفرج.
قيل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ هو سبعُ سنين في الجوع والقحط، وهو قول مجاهد (^٣)، وهو قوله: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية [النحل: ١١٢]، ﴿فَمَا
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٨٣).
(٢) في (ف): "بصرف".
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٦٤)، ورواه دون ذكر العدد ابن المنذر في "تفسيره" كما =
[ ١١ / ٥٤ ]
اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ ما زادوا على قولهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] على الوعد لا على التحقيق؛ كقول قوم فرعون: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنون: ٧٧]، هو يوم بدر.
وقيل: الأول عذاب الدنيا بالشدائد، وقوله: ﴿ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عذابُ الآخرة في النار.
* * *
(٧٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: عدَّد نعمه، وبيَّن قدرته؛ تنبيهًا على استغنائه عن طاعة خلقه، وأن إرساله الرسل والامتحانَ لم يكن للحاجة فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾؛ أي: وربكم اللَّه الذي خلق الأسماع ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لإدراك الأصوات والألوان ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ للتمييز بين الحق والباطل.
وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: أي: لا تشكرون إلا قليلًا بقولكم: هو الصانع، ثم تشركون به غيره.
وقيل: أي: لا تشكرون له أصلًا، تقول العرب: هذه أرضٌ قلما تُنبت؛ أي: لا تنبت أصلًا.
* * *
(٧٩ - ٨٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
_________________
(١) = في "الدر المنثور" (٦/ ١١١).
[ ١١ / ٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: خلقكم في الأرض وبثَّكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تبعثون وتُجمعون للجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: هو المالك والفاعل بمجيء الليل والنهار أحدِهما بعد الآخر، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢].
وقيل: الاختلاف هو التفاوت (^١) بالزيادة والنقصان، وهو الفاعل ذلك بهما.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أن اختلافهما دليل حدوثهما، وأن لهما محدِثًا لا شريك له عالمًا قادرًا مريدًا.
* * *
(٨١ - ٨٣) - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ وهو قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾: أي: لم يعقلوا ذلك ولم يتدبروا فيه ليَعلموا أنَّ مَن قدر على هذه الأشياء قدر على بعث الموتى فلا تستبعِدوا ذلك.
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾؛ أي: سلَفُهم ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ وصرنا ترابًا وعظامًا بالية، أنبعث؟! وهذا محال.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قبل مجيء محمد -ﷺ-.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما هذا إلا ما سطَّرتْه الأوائل من الأحاديث الأكاذيب.
_________________
(١) في (ف): "التقارب".
[ ١١ / ٥٦ ]
وقيل: نزلت الآية في آل أبي طلحة، منهم: طلحة وشيبة وأبو سعيد ومسافع (^١) وأرطاة بن شرحبيل والنضر بن الحارث وأبوه (^٢) الحارث بن علقمة بن كلدة؛ هم الذين قالوا هذا القول (^٣).
وقال القشيري ﵀: ليس اختلاف الليل والنهار كلُّه في ضيائهما وظلمتهما (^٤) وطولهما وقِصَرهما، بل ليالي المحبين تختلف في الطول والقِصَر، وفي الرَّوح والنَّوح، فمِن الليل ما هو أضوأُ من النهار، ومن النهار ما هو أشدُّ ظلامًا من الليل، يقول قائلهم:
وكم لظلام الليل عندك من يدٍ تخبِّر أن المانَوِيَّة تَكْذبُ
وقال آخر:
ليالي وصالٍ قد مضَيْن كأنها لآلي عقودٍ في نحور الكواعب
وأيامُ هجرٍ أعقبَتْها كأنها بياض مشيب في سواد الذوائبِ (^٥)
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "سعد وسافع" وفي (ر): "سعيد وشافع". وانظر ما سيأتي في تخريجه.
(٢) في (أ) و(ر): "وأبو". وانظر ما سيأتي في تخريجه.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ١٦٣)، وفيه: (. . . وأبو سعيد ومشافع وأرطاة وابن شرحبيل والنضر بن الحارث وأبو الحارث بن علقمة. . .).
(٤) "وظلمتهما" من (ف).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٨٤).
[ ١١ / ٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فأَجيبوا.
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: وإقرارهم أنها للَّه إقرارًا به أنشأها (^١) فهو مالكها.
﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: كأنه شيء كانوا عالمين به لوضوحه فنسُوه فذكَروه بالتنبيه عليه، فقيل: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا بذلك أن مَن قدر عليها قدر على إحياء الموتى.
وقيل: أفلا تتَّعظون فتعملوا بذلك فتتركوا الإشراك باللَّه تعالى؛ إذ هو القادر على هذا والأصنامُ غير قادرة عليه.
وقيل: أفلا تتَّعظون بذلك فتتركوا جحود البعث؛ إذ خالقُ هذه الأشياء لم يخلقها عبثًا بل ليَستأدِيَكم شكرَه عليها ثم يميزَ (^٢) بين المطيع منكم وبين العاصي، وفي ذلك إثباتُ البعث والثواب والعقاب.
* * *
(٨٦ - ٨٧) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: قيل: ﴿الْعَرْشِ﴾: المُلك هاهنا، وكانت العرب تُقِرُّ بالملائكة وسكانِ السماوات فقرِّروا على ذلك (^٣)، وأما العرش الذي هو سرير فثبوته عند أهل الكتب.
وقيل: كان ذلك مقرَّرًا (^٤) عند العرب أيضًا بإخبار أهل الكتاب.
_________________
(١) في (ر): "إنشاءها"، وفي (ف): "أنشاها"، والمثبت من (أ)، والجملة غير واضحة على الكل، ولعلها: (إقرار بأنه أنشأها. . .).
(٢) في (ر): "لم يميز"، وفي (ف): "ليميز".
(٣) في (أ): "فأقرا بذلك" وفي (ف): "فقروا على ذلك".
(٤) في النسخ: "مقرر"، والصواب المثبت.
[ ١١ / ٥٨ ]
قوله تعالى ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: وقرأ أبو عمرو في هذا وفي الذي بعده: ﴿سيقولون اللَّه﴾ وهذا ظاهرٌ موافق للابتداء، وقرأ الباقون: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (^١).
قال الفرَّاء وقطرب: هو (^٢) محمول على المعنى؛ لأن قوله: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: للَّه هذه الأشياء، وهذا جوابٌ صحيح، وإن مَن قال لآخر: مَن مولاك؟ فقال: أنا لفلان، كفاه من أن يقول: مولاي فلان (^٣)، وأنشدوا في ذلك:
إذا قيل مَن ربُّ القِيَان (^٤) بموقفٍ وربُّ الجيادِ الجُرْد قيل لخالد (^٥)
وأنشدوا في عكسه شعرًا:
فقال السائلون لمَن حفَرْتُم فقال المخبِرون لهم وزيرُ (^٦)
أي: هو وزير (^٧) الذي يُحفر له.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٦٠).
(٢) في (أ): "هذا".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٤١).
(٤) في (أ) و(ف): "القباب"، وفي (ر): "العباب"، والمثبت من "حاشية الطيبي على الكشاف" (١٠/ ٦٢٠).
(٥) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٥٤)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٨٠)، و"تفسير النسفي" (٢/ ٤٧٩)، و"روح المعاني" (١٨/ ١٣٠). وصدره فيها جميعًا: إذا قيل من ربُّ المزالفِ والقرى
(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٤١)، قال: أنشدني بعض بني عامر. . .، فذكره. ونسبه الجاحظ في "البيان والتبيين" (٣/ ١٢٧) للوزيري، لكن لا شاهد في البيت على روايته؛ لأن صدره عنده: وقال السائلون من المسجّى
(٧) في (ف): "أي وزير هو".
[ ١١ / ٥٩ ]
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أي: عذابَ اللَّه في اتخاذكم غيرَ اللَّه إلهًا معه وأنتم مقرُّون أنه خالقُ هذه الأشياء ومالكُها، والأصنامُ لا تملك شيئًا منها ولا تخلقه.
وقيل: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ في جحودكم قدرتَه على إحياء الموتى مع اعترافكم بقدرته على خلق هذه الأشياء.
* * *
(٨٨) - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: يملك هذه (^١) الأشياء كلها.
وقال مجاهد: ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: خزائنُ كلِّ شيء (^٢).
﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾: أي: يمنع مَن يشاء مِن عباده ممن قصَد الإضرار به.
﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: أي: ولا يُمنع ولا يمكن منعه (^٣) مَن أراده اللَّه تعالى بسوء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فأجيبوا (^٤).
وقيل: وهو يؤمِنُ مَن أخافه غيرُه ومَن أخافه هو لم يؤمِنه غيره.
* * *
(٨٩ - ٩٠) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
_________________
(١) "هذه" ليست في (أ).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٠٠).
(٣) في (ر) و(ف): "ولا يمنع ويمكن مع"، وفي (ر): "ولا يمتنع ويمكن مع".
(٤) في (ف): "فاجتنبوا" بدل: "ذلك فأجيبوا".
[ ١١ / ٦٠ ]
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: ووجهُه ما مر؛ أي: للَّه قدرةُ ذلك ومُلك ذلك فاجتنبوا (^١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾: أي: فمِن أيِّ وجهٍ يخيَّل لكم الباطلُ حقًّا حتى تشركوا به غيره.
وقيل: فكيف تُخْدعون عن الحق.
قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: أي: ليس كذبهم على اللَّه بنسبة الولد إليه لقصورِ البيان، فقد ﴿أَتَيْنَاهُمْ﴾ بالكتاب المبينِ ذلك، وأعطيناهم العقل الذي به يُتوصل إلى بطلان ذلك.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: في قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦].
* * *
(٩١) - ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾: أي: لم يتَّخذ اللَّه الملائكة بناتٍ له ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾؛ أي (^٢): ليس معه شريك في الألوهية.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾: أي: ولو كان معه آلهةٌ لميَّز كلُّ إله ما خلَقه هو (^٣) وحده، ولم يتركه مختلِطًا بمخلوقِ غيرِه، وظهرت المنازعة، وإذ لا منازع في شيء من المخلوقات للتمييز بطل قول المشركين.
_________________
(١) في (ر): "فأجيبوا"، وليست في (أ).
(٢) في (ف): "و".
(٣) في (أ): "لميَّز كلُّ إله ما خلقه وهو"، وفي (ر): "لتميَّز كلُّ إله بما خلقه"، وفي (ف): "لميَّز كلُّ إله بما خلق هو".
[ ١١ / ٦١ ]
﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: لغَلَب؛ فإن الإلهين لو تُوُهِّما: فإما أن يكونا إذا أراد أحدهما شيئًا والآخر خلافَه يحصل (^١) مرادهما، أو لا يَحصل شيء، أو يحصل مراد أحدها، ولا يجوز أن يحصل مرادُهما جميعًا؛ لأن الضدَّين لا يُتصور اجتماعهما، فلو لم يحصل مرادهما جميعًا فهما عاجزان فلا يكونان إلهين، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر فالذي حصل مراده هو القادر والآخرُ عاجز فبطل أن يكون إلهًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] على ما قدَّرنا.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي: تنزيهًا للَّه عمَّا يصفه به هؤلاء.
وقيل ة هو بمعنى الأمر؛ أي: فنزِّهوه.
* * *
(٩٢) - ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص بالخفض وصفًا لقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء (^٢)؛ أي: هو عالمُ الغيب والشهادة فلن يخفى عليه شيءٌ، فخبرُه هو الحق دون قول هؤلاء.
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾: تقدَّس عن الشركاء الذين يقولون.
* * *
(٩٣ - ٩٤) - ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "حصل".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٧)، و"التيسير" (ص: ١٦٠).
[ ١١ / ٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي﴾: (إنْ) شرطٌ و(ما) صلة والنونُ المشدَّدة تأكيد وكأنه قسم.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾: أي: من العذاب، ويجوز من أَوْعَد، ويجوز من وَعَد؛ كما قال: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢].
* * *
(٩٤ - ٩٥) - ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: معهم وفي جملتهم في العذاب. أَخبر أنه يعذِّبهم، وأمره أن يدعو بهذا، وهو كما رُوي عنه أنه كان يقول: "وإذا أردتَ بقومٍ فتنة وأنا فيهم فاقْبِضْني إليك غير مفتون" (^١).
و(الفاء) في قوله ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ لجواب قوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ ولولاه لم تصلح الفاء في الابتداء.
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾: أي: على أن نعذبهم (^٢) قبل أن نقبضك فتراه.
* * *
(٩٦) - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: بالمعاشرة التي هي أجمل
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) في (ف): "على أن ننزل بهم ما نعدهم".
[ ١١ / ٦٣ ]
﴿السَّيِّئَةَ﴾؛ أي: معاملتَهم القبيحة؛ أي: فأحسِن معاملتَهم إلى أن تؤمرَ بقتالهم لتَسْلَم بذلك من أذاهم.
قوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾: من الشرك، فسنجازيهم (^١) عليه ونأمرك بقتالهم لوقته.
وقال القشيري ﵀: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾؛ أي: ادفع الجفاءَ بالوفاء، ادفع ما هو حظُّك بما هو حقُّه (^٢).
وقد فعل ذلك حين شُجَّ جبينه وأُدْمي وجهه، وكُسرت رَبَاعِيَتُه والبيضةُ على رأسه، فقال: "اللهمَّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" (^٣).
وقيل: الأحسن ما أشار إليه القلب، والسيئة ما دعت إليه النفس (^٤).
* * *
(٩٧ - ٩٨) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: قيل: أي: نَزَغاته ووساوسه (^٥)، وأصله: الطعن، وهو طعنٌ في القلب، وقد يكون في النفس فيقع به الصَّرع ونحوُه.
_________________
(١) في (أ): "فنجازيهم"، وفي (ف): "فيجازيه بهم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٨٧).
(٣) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٤٤٧) عن عبد اللَّه بن عبيد، وقال: "هذا مرسل".
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٨٨).
(٥) في (ر) و(ف): "نزغاته أي: وساوسه".
[ ١١ / ٦٤ ]
وقيل: هو ما يوقعه الشيطان في القلب من ترك دفع السيئة بالأحسن واستعجالِ العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾: أي: يأتوني.
وقيل: هو حالُ حضرة الموت، وأَخْوَفُ ما يكون حضورُ الشيطان في تلك الساعة، وهو لتعليم الأمة (^١).
* * *
(٩٩ - ١٠٠) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾: يقول: إذا ذكِّروا بالآخرة والبعث ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [المؤمنون: ٨٢] إلى آخره، هذا قولهم إلى أن يجيء الموت فيَتيقَّنَ بضلالته وجهالته في مقالته.
﴿قَالَ رَبِّ﴾ يستغيث أولًا باللَّه، فيقول: ﴿رَبِّ﴾ ثم يقول للملائكة الذين حضروه لقبض الروح: ﴿ارْجِعُونِ﴾؛ أي: ردُّوني إلى الدنيا ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾؛ أي: لأعمل صالحًا، و(لعل) أصله للشك، وهاهنا لليقين؛ لأنَّه حالة اليقين (^٢)، وهو كإطلاقِ لفظة الظن في معنى اليقين في آيات.
﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾: له وجوه:
أحدها: في تركتي أؤدِّي حقوق اللَّه فيها وأتقرَّب بها؛ كما قال: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠].
_________________
(١) في (أ): "وأخوف ما يكون القلب من ترك دفع السيئة بالأحسن واستعجال العذاب".
(٢) "لأنه حالة اليقين" ليس في (ر).
[ ١١ / ٦٥ ]
والثاني: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾: في الموضع الذي تركت؛ أي: الدنيا، تركتُ فيها التوحيدَ والطاعة، فالآن ﴿أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ في الدنيا: التوحيد والطاعة.
والثالث: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾؛ أي: فيما تركت العملَ به من الصالحات.
﴿كَلَّا﴾: ردٌّ لِمَا سأل؛ أي: لا ترجع.
وقيل: أي: ردٌّ لِمَا بعدُ؛ أي: لو رُدَّ إليها لا يَفي بها؛ كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾: قيل: ﴿إِنَّهَا﴾؛ أي: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ كلمةٌ يقولها الكافر عند الموت.
وقيل: ﴿إِنَّهَا﴾؛ أي: قول اللَّه ﴿كَلَّا﴾ للردِّ ﴿كَلِمَةٌ هُوَ﴾؛ أي: اللَّه ﴿قَائِلُهَا﴾ وهو حقٌّ صدق لا خُلف له، وهو قوله ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: وأمامَهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع.
قال ابن زيد: هو الحاجز بين الموت والبعث.
وقال مجاهد: حاجز بين الميت والرجوع إلى الدنيا.
وقال الضحاك: هو الحاجز بين الدنيا والآخرة (^١).
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ جمع بعد ذكر ﴿أَحَدَهُمُ﴾ لأن أحدًا أضيف إلى الجمع فانصرف هذا إلى أولئك الجمع.
قوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورهم للحساب والجزاء.
_________________
(١) روى هذه الأقوال الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١١٠ - ١١١).
[ ١١ / ٦٦ ]
وقال ابن عباس ﵄: هذا في الكافر إذا حضره الموت ورأى ما حلَّ به من نقمة اللَّه تعالى سأل الرجعة إلى الدنيا؛ لأنَّه علم أن اللَّه تعالى لا يقبل توبةً بعد الموت ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ أقول: لا إله إلا اللَّه مخلصًا ﴿كَلَّا﴾ هيهات، إن هذا كلام يقوله عند موته لندامته (^١).
* * *
(١٠١) - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: للبعث ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: إذا سِيقوا إلى موقف الحساب شغلهم الحزن والخوف عن أن يتناسبوا في ذلك الموضع ليَعرف بعضُهم بعضًا بالنسب، ولا يتفاخرون أيضًا بالأنساب كما فعلوا في الدنيا، ولا يَسأل بعضهم بعضًا عن حاله كما يتساءلون في الدنيا على سبيل التعاطف.
وقيل: هذا حال الكلِّ على العموم، بدليل أنه فصَّل بعده حال الفريقين: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، ولا يُشْكِل هذا بقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] لأن ذلك قولُهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس: ٥٢] ثم يساقون إلى الموقف ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
وقيل: فإذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ أي: النفخةُ الأولى، فيُقطع التواصل والقرابات (^٢) والتساؤل عن الحالات.
وعن (^٣) ابن عباس ﵄: إذا نُفخ النفخةُ الأولى هلك كلُّ شيء إلا
_________________
(١) لم أجده.
(٢) في (أ): "فينقطع التواصل بينهم بالقرابات".
(٣) في (ر) و(ف): "وقال".
[ ١١ / ٦٧ ]
ما شاء اللَّه، وتقطَّعت الأنساب وذهبت المساءلة، ثم نفخ النفخةُ الثانية فقاموا جميعًا لربِّ العالمين ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^١).
وقال النبيُّ -ﷺ- في صفة الصور: "إن عُظْمَ دارةٍ منه كعرضِ السَّماء والأرض" (^٢).
ويقول إسرافيل في النفخة الثانية: أيتها الأجساد البالية، والجلود المتمزِّقة، واللحوم المتفرِّقة (^٣)، والعظام النَّخِرة، والعروق المتقطِّعة، والشعورُ المتطايرة: قوموا فإنَّ الديان قد أقام القيامة، فيَحْيَون جميعًا في أقلَّ من لحظة (^٤).
وفي الخبر: أن بين النفختين أربعين سنة؛ تمطر السَّماء، وتنبت الأرض، وتمضي فصول السنة وليس في السَّماء والأرض حيوان (^٥).
وقيل: لا يُسألون في القيامة عن الأنساب، إنما يُسألون (^٦) عن الأعمال، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١١٢).
(٢) رواه الطبراني في "الأحاديث الطوال" (٣٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣٨٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) "واللحوم المتفرقة" ليس من (ف).
(٤) روي نحوه عن قتادة كما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢].
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٣٤) عن قتادة قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ قال نبي اللَّه: "بين النفختين أربعون" قال أصحابه: فما سألناه عن ذلك، ولا زادنا على ذلك، غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة، وذُكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له: مطر الحياة، حتى تطيب الأرض وتهتزّ، وتنبت أجساد الناس نباتَ البقل، ثم ينفخ فيه الثانية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
(٦) في (ر) و(ف): "لا يتساءلون. . . إنما يتساءلون".
[ ١١ / ٦٨ ]
(١٠٢ - ١٠٤) - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾: فسرنا الآيتين في سورة الأعراف وغيرها.
وقوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّار﴾: أىِ: تحرقها ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكُلوح: تقلُّص الشفتين من العُبوس حتى تبدوَ الأسنان؛ أي: إذا لفَحت النار وجوههم تقلَّصت شفاههم وبدت أسنانهم، وتغيَّرت بذلك مناظرهم وقبحت صورهم، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "تَقْلِصُ شفةُ الكافر العُليا حتى تبلغَ وسطَ رأسه، وتسترخي شفتُه السُّفلى حتى تَضْرِب سُرَّتَه" (^١).
* * *
(١٠٥ - ١٠٦) - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي: يقال لهم في النار: ألم يكن كتابي المنزلُ على رسولي يُقرأ عليكم.
﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: وتزعمون أنها ليست من اللَّه تعالى.
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿شَقاوتُنا﴾ بالألف وفتح الشين، وقرأ الباقون: ﴿شِقْوَتُنَا﴾ بكسر الشين وحذف الألف (^٢).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥٨٧) و(٣١٧٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقال: حسن صحيح غريب.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٨)، و"التيسير" (ص: ١٦٠).
[ ١١ / ٦٩ ]
ومعناه: قال أهل النار: غلب علينا ما سبق لنا (^١) في سابق علمك، وكُتب في أمِّ الكتاب من الشقاوة.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾: في الدنيا عن طريق الهدى، وهو كقوله: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦].
وقيل: أي: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا﴾ الأعمال الرديَّة والأمور القبيحة التي شَقِينا بها ﴿وَكُنَّا﴾ في فعلها ﴿ضَالِّينَ﴾ عن الحق والصواب، وليس هذا باعتذارٍ بل هو اعترافٌ منهم بسوء الصنيع.
* * *
(١٠٧ - ١٠٨) - ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾: أي: من جهنم ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾؛ أي: في الكفر والمعصية ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ بالعود؛ أي: فلا نعود.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾: أي: ابْعُدوا في النار ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وهو أبلغُ ما يكون من الإذلال.
قال الحسن: وهو آخِرُ كلام أهل النار، فلا يقدرون على الكلام بعده، فلا يبقى لهم إلا زفيرٌ وشهيق (^٢).
وقال أبو الدرداء: يرسل على أهل النار الجوع حتى ينسيَهم ذلك كلَّ (^٣)
_________________
(١) "لنا" ليست في (أ).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٥٨)، ورواه بنحوه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٦/ ١٢٠).
(٣) "كل" من (أ).
[ ١١ / ٧٠ ]
العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، فينشبُ (^١) في حلوقهم، فيَذْكرون أنهم كانوا في الدنيا يُجيزون الغصص بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيُسقون الحميم، فإذا أدنوه من وجوههم شوى وجوههم، وإذا دخل بطونهم قطَّع أمعاءهم، فيدعون خزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فيجيبونهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]، فيقولون: ادعوا مالكًا، فيقولون: يا مالك: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فيجابون بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فيقولون: ادعوا ربكم فليس أحد خيرًا لكم من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ إلى قوله: ﴿ظَالِمُونَ﴾ (^٢).
وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄: فلا يجابون قَدْرَ الدنيا مرتين، ثم يقول اللَّه تعالى لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فما نبس القوم بعدها بكلمة (^٣)، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم بأصواتٍ كأصوات الحمير أولُها زفيرٌ وآخرُها شهيق (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فيتشبث".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤١٢٩)، وابن أبي الدنيا في صفة النار (٨٤)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٢٣)، ورواه الترمذي (٢٥٨٦) من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا. وقال: (قال عبد اللَّه بن عبد الرحمن: والناس لا يرفعون هذا الحديث)، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن هو الدارمي صاحب "المسند"، وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٧/ ٢٦٣): هو وإن كان موقوفًا لكنه في حكم المرفوع فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن يقال من قبل الرأي.
(٣) قوله: "فما نبس القوم بعدها بكلمة" من (أ)، وفي (ف): "فييأس القوم بعدها الكلام"، وفي (ر): "فأيس القوم بعدها فلا أحد يتكلم بكلمة".
(٤) رواه ابن المبارك في الزهد (٣١٩ - زوائد نعيم)، وهناد في "الزهد" (٢١٤)، وابن أبي حاتم كما =
[ ١١ / ٧١ ]
وفي حديث محمد بن كعب القرظي: أقبل بعضهم على بعض يَنبح نباحَ الكلب وأطبقت عليهم (^١).
* * *
(١٠٩ - ١١٠) - ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾: وهم المؤمنون ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾: قرأ حمزة والكسائي بضم السين، والباقون بكسرها (^٢)، وهما لغتان:
قيل: هما بمعنى الهزء.
وقيل: بالضم من التسخير وبالكسر من الهزء (^٣).
_________________
(١) = في "تفسير ابن كثير" عند هذه الآية، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٤٩ و٦٥٠)، والحاكم في "المستدرك" (٨٧٧٠) وصححه، والبيهقي في "البعث والنشور" (٦٤٨).
(٢) رواه ابن المبارك في الزهد (ص: ٩١ - ٩٢ - زوائد نعيم) وقد سقط من المطبوع بعضه لسقط في المخطوط نبه إليه المحقق، وهو خبر طويل ذكره بتمامه القرطبي في "التذكرة" (ص: ٨٩٨ - ٩٠٠) وعزاه لابن المبارك، وكذا عزاه إليه في "الجامع لأحكام القرآن" (١٥/ ٩٣) وذكر بعضه ومن ضمنه القطعة المذكورة أعلاه.
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٨)، و"التيسير" (ص: ١٦٠).
(٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ١٢٤)، وفيه: فرق أبو عمرو بينهما فجعل المكسورة من جهة التهزؤ والمضمومة من جهة السخرة، ولا يعرف هذا التفريقَ الخليلُ وسيبويه رحمهما اللَّه ولا الكسائي ولا الفراء؛ قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد؛ كما يقال: عُصِيٌّ وعِصِيٌّ. وذكر قول النحاس القرطبي في "تفسيره" (١٥/ ٩٤)، ثم عقبه بقوله: وحكى الثعلبي عن الكسائي والفراء الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضم بمعنى =
[ ١١ / ٧٢ ]
أي: قصدتُم يا معاشر الكفار هؤلاء المؤمنين بالاستهزاء والقهر ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾: أي: أنساكم ولوغُكم بذلك ذكرَ اللَّه، وأضاف إليهم بطريق التسبيب، وهو كقوله في الأصنام: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾: مستخِفِّين بهم.
* * *
(١١١ - ١١٢) - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية (^١): ﴿أنهم﴾ بالكسر على الاستئناف (^٢)، و﴿جَزَيْتُهُمُ﴾ بالضم: ما جوزوا به الجنة والكرامة.
وقرأ الباقون ﴿إِنَّهُم﴾ على وقوع الجزاء عليه؛ أي: جزيتُهم الفوز من العذاب والنَّيلَ للثواب.
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾: إلى أن بُعثتم، يخاطبهم توبيخًا لهم على إنكار البعث واستبعاده.
_________________
(١) = التسخير والاستعباد بالفعل. انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ٥٨)، و"معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٤٣)، و"الكشاف" (٣/ ٢٠٥). قلت: ووقع في "العين" للخليل (٤/ ١٩٦) تفريق بينهما أيضًا.
(٢) قوله: "وعاصم في رواية" ليس في (أ)، ولم تذكر عنه في "السبعة" و"التيسير".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٨ - ٤٤٩)، و"التيسير" (ص: ١٦٠) عن حمزة والكسائي. وقرأ باقي السبعة بفتح الهمزة على ما يأتي.
[ ١١ / ٧٣ ]
(١١٣ - ١١٤) - ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: تقليلًا لمدة (^١) الدنيا، كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].
وقيل: نسيانًا له لعِظَم ما هم فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: العارفين عددَ ذلك فإنَّا قد نسيناه، وعلى تأويل التقليل: لا نتيقَّن بمبلغ عدد السنين فاسأل مَن يعرف ذلك.
وقيل: المراد من العادِّين هم الملائكة؛ لأنَّهم كانوا يَعُدُّون الأنفاس والأوقات.
وقيل: المراد به المنجِّمون لأنهم كانوا يحفظون ذلك.
وقال مجاهد وعكرمة والسدي وغيرهم: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾؛ أي: الملائكة (^٢) الذين جعلهم اللَّه حفظةً يكتبون أيام الدنيا ويُحصُونها.
* * *
(١١٥ - ١١٦) - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾: أي: أفظننتُم في إنكاركم البعثَ أنا خلقناكم لعبًا بغيرِ فائدة، ولا نكلِّفكم في الدنيا ولا نبعثكم للجزاء (^٣) في العقبى.
_________________
(١) في (أ): "لهذه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٣١) عن مجاهد، وذكره أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٤٩٢) عن السدي ومجاهد.
(٣) "للجزاء" من (أ) و(ف).
[ ١١ / ٧٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائي بفتح التاء، والباقون بضمها (^١)، الأول لازم والثاني هو ما لم يسمَّ فاعله من المتعدي.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: أي: جلَّ عن الأولاد والشركاء والأنداد ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: الذي يحق له الملك دون غيره.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾: الجليلِ في نفسه الخطيرِ في ذاته بجَعل اللَّه له ذلك الوصفَ.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿الْكَرِيمِ﴾: الشريف (^٢).
* * *
(١١٧) - ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾: أي: لا حجةَ له عليه؛ لأن البرهان عقليٌّ أو نقلي، وليس في واحد منهما ما يجوِّز أن يكون معه إلهٌ آخَرُ، وهذا وإن كان مذكورًا في موضع الصفة فليس لتمييز مَن يدَّعي ذلك بلا برهانٍ ممن يدَّعي ذلك ببرهان، بل هو صفةُ تحقيق لا صفةُ تمييز؛ كما في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: وهو جزاء هذا الشرط؛ أي: قد علم اللَّه ذلك منه وأعدَّ له جزاءه، ثم هو لا يفلح أبدًا ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٤٩)، و"التيسير" (ص: ١٦٠).
(٢) لم أقف عليه.
[ ١١ / ٧٥ ]
وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾؛ أي: هو الذي يحاسبه يوم القيامة ويجازيه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ذكر عدم فلاح الكافرين في آخر السورة، ووعد الفلاح للمؤمنين المطيعين في أول السورة.
وقيل: هذا في حالةِ الإكراه، ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾؛ أي: يتكلَّم به ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾؛ أي: لا حجة له في هذا التكلُّم، وهو أن يكون مختارًا، فإذا كان مكرهًا فله حجة؛ لأن اللَّه تعالى استثنى حالة الإكراه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، والمذكور في الآية هو الدعوة، وذاك قول باللسان، وذاك مع الإكراه لا يكون كفرًا، ولو كان مكان كلمة الدعوى ما يدل على الاعتقاد لم يمْكِنَّا الحمل على هذا التأويل.
* * *
(١١٨) - ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: نفى: الفلاح للكافر مطلقًا، ووعد الفلاح للمؤمن المطيع مطلقًا، ولما كان المؤمن العاصي على خوف التعذيب مدةً، أمر نبيَّه ﵊ بهذا الدعاء تعليمًا لأمته ﵇ أن يقولوه ليغفر اللَّه تعالى لهم ذنوبهم فيَصِلون إلى الفلاح، وهو أمرٌ له أن يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾؛ أي: للمؤمنين والمؤمنات ﴿وَارْحَمْ﴾؛ أي: وارحمهم، فيكون الدعاء منه ولكن (^١) لهم.
وروى ابن مسعود ﵁ قال: كنتُ مع رسول اللَّه -ﷺ- في بعض طرقات المدينة، إذا برجل قد صُرع، فدنوتُ فقرأتُ في أذنه فاستوى جالسًا، فقال النبي -ﷺ-:
_________________
(١) "ولكن" ليست في (ف).
[ ١١ / ٧٦ ]
"ماذا (^١) قرأتَ في أذنه يا ابنَ أم عبد؟ " قلتُ: فداك أبي وأمي، قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، فقال النبي -ﷺ-: "والذي بعثني بالحق لو قرأها موقنٌ على جبلٍ لذاب" (^٢).
والحمد للَّه ربِّ العالمين، ربَّنا أدخِلْنا الجنة آمين (^٣)
_________________
(١) في (ف): "ما".
(٢) رواه الإمام أحمد في "العلل" (٥٩٧٩)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٦٣)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٨٦)، من طريق سلام بن رزين عن الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود به. قال الإمام أحمد: هذا حديث موضوع، هذا حديث الكذابين. وقال الذهبي في "الميزان" ترجمة سلام بن رزين: لا يعرف، وحديثه باطل. قلت: لكن قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٩٤): تعقب بأن له طريقًا آخر أخرجه أبو يعلى بسند رجاله رجال الصحيح سوى ابن لهيعة وحنش الصنعاني وحديثهما حسن.
(٣) قلت: رواه بهذا السند أبو يعلى في "مسنده" (٥٠٤٥)، والطبراني في "الدعاء" (١٠٨١)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٣١)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٦١)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٧)، من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن حنش الصنعاني، عن عبد اللَّه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ١١٥): رواه أبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. ولكن الشيخ الألباني نبه في "السلسلة الضعيفة" (٢١٨٩) على علة في هذا الحديث تجعله من باب المرسل، فقال: وقد فاتهم التنبيه على أن الوليد بن مسلم وإن كان من رجال الصحيح فإنه كان يدلِّس تدليس التسوية، لكنه قد توبع، فقال ابن أبي حاتم في "التفسير" (٨/ ٢٥١٣): حدثنا بحر بن نصر الخولاني: حدثنا ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش بن عبد اللَّه: أن رجلًا مصابًا مُرَّ به على ابن مسعود، فقرأ في أذنه. الحديث. وهكذا عزاه ابن كثير لابن أبي حاتم. وكذا أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٣١٢) من طريق أبي عمرو عفيف بن سالم، والبغوي في "تفسيره" (٥/ ٤٣٢) من طريق بشر بن عمر قال: أخبرنا ابن لهيعة، به. =
[ ١١ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت (القائل الألباني): ويلاحظ أن هؤلاء الثلاثة: (ابن وهب) و(عفيف) و(بشر)، وثلاثتهم ثقات -بل والأول حديثه عن ابن لهيعة صحيح- قالوا: (عن حنش بن عبد اللَّه أن رجلا. .)، فأرسلوه، بخلاف الوليد بن مسلم، فإنه قال: (عن حنش عن عبد اللَّه أنه. . .)، فجعله من مسند ابن مسعود، وإن مما لا شك فيه أن الإرسال هو الصواب. . . إلى آخر ما قال. قلت: ويؤيد ما ذهب إليه الألباني أن أبا عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٧٨) رواه عن أبي الأسود عن ابن لهيعة، عن عبدِ اللَّه بن هُبَيرةَ، عن حَنَشٍ الصَّنْعانيِّ: أنَّ رجلًا مصابًا. . .، فذكره مرسلًا أيضًا، وأبو الأسود هو النضر بن عبد الجبار المرادي، وهو أيضًا ثقة من رجال "التقريب". في (أ): "رب نجنا من القوم الظالمين".
[ ١١ / ٧٨ ]
سورة النور
[ ١١ / ٧٩ ]