بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أوعد المكذِّبين بالدِّين، الرحمنِ الذي عطَف على اليتيم والمسكين، الرحيمِ الذي ذمَّ الغافل والمرائيَ والضَّنين.
روى أبي كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة أرأيت غفر اللَّه له إن كان مؤديًا للزكاة" (^٢).
وهذه السورة مكية عند ابن عباس (^٣)، مدنيةٌ عند الواقدي (^٤).
وقال مقاتل بن حيان: نصفها الأول مكي ونصفها الثاني (^٥) مدني.
وهي سبع آيات، وخمس وعشرون كلمة، ومئة واثنا عشر حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في ذكر العبادة والعبودة.
* * *
_________________
(١) في (أ): "سورة الدين"، وفي (ف): "سورة أرأيت".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٥٨)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٢٥)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) رواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (/ ٦٤١).
(٤) وهو قول قتادة، ورواية ثانية عن ابن عباس. انظر: "النكت والعيون" (٦/ ٣٥٠)، و"تفسير القرطبي" (٢٢/ ٥٠٩).
(٥) في (أ): "الباقي".
[ ١٥ / ٤٩٧ ]
(١) - ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾: أي: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يا محمد ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾؛ أي: بالحساب. وقيل: أي: بالجزاء.
وقال ابن عباس: بحكم اللَّه (^١).
وقيل: بتوحيد اللَّه.
قال ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل (^٢).
وقال ابن جريج: في أبي سفيان.
وقيل: في رجل من المنافقين.
وقيل: في الوليد بن المغيرة.
وقال الضحاك؛ في عمرو بن عائذ (^٣).
* * *
(٢ - ٥) - ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾: أي: يدفعه بعنفٍ عن نفسه فلا يواسيهِ ولا يطعمه، ويدفعه (^٤) عن حقه، قال ابن عباس: يدفع حق اليتيم (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٥٤).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٥٠)، والواحدي في "الوسيط" (ص: ٤٦٥)، عن مقاتل والكلبي. وانظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٨٧١).
(٣) ذكر هذه الأقوال الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٥٠)، والواحدي في "الوسيط" (ص: ٤٦٥).
(٤) في (أ): "ولا يطعمه ولا يظلمه ويدفعه"، وفي (ر): "ولا يطعمه وقيل: يظلمه يدفعه".
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٥٨).
[ ١٥ / ٤٩٨ ]
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: أي: لا يحثُّ غيرَه على طعام المحتاج، لا يحسن بنفسه ولا يأمر به غيره، وهو نهاية اللؤم وخساسة الطبع وقساوة القلب.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾: أي: للمنافقين الذين هم يُدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورةً.
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: أي: غافلون لأنهم لا يريدون بذلك قربةً إلى اللَّه تعالى، ولا تأديةً لفرضه، فهم ينخفضون (^١) ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾: أي: يظهرون للناس أنهم قائمون بفرائض اللَّه مؤدُّون لها متقربون إلى اللَّه تعالى بها.
وقيل: ﴿سَاهُونَ﴾؛ أي: غافلون تاركون إذا خلوا، وإذا كانوا عند الناس يصلون يراؤون.
وروى سعد بن أبي وقاص عن النبي -ﷺ- أنه قال: " ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" (^٢).
_________________
(١) في (ف): "وهم يتخفضون".
(٢) رواه البزار (٣٩٢ - كشف)، وأبو يعلى في "مسنده" (٨٢٢)، الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٦٣)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٧٧)، وابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٨٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢١٤ - ٢١٥). ورواه موقوفًا أبو يعلى في "مسنده" (٧٠٤) و(٧٠٥)، الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٦٠)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٣٧٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٢١٤). قال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده إلا عكرمة بن إبراهيم وهو لين الحديث، وقد رواه الثقات الحفاظ عن سعد موقوفًا. وقال العقيلي: الموقوف أولى.
[ ١٥ / ٤٩٩ ]
وقال عطاء بن دينار: الحمد للَّه الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ ولم يقل: في صلاتهم (^١). وكذا روي عن أنس (^٢)، و﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾؛ أي: عن الصلاة الواجبة عليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: قال علي وابن عمر والحسن وقتادة والضحاك: أي: الزكاة، قرن ذلك بالصلاة (^٣).
وقال ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وأبو مالك وسعيد بن جبير: هو ما يتداولونه بالعارية (^٤) من نحو الفأس والقِدْر والدَّلو (^٥).
وقال أبو عبيدة: ﴿الْمَاعُونَ﴾: هو كلُّ ما فيه منفعة (^٦).
وهو (^٧) من المَعْن وهو القليل، قال الشاعر:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٦٤).
(٢) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٨٠٥) مثل قول عطاء.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٦٦ - ٦٧٠) عنهم وعن سعيد بن جبير ومحمد بن الحنفية وابن زيد. ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠٦١٧) و(١٠٦٢٧) و(١٠٦٣٣) و(١٠٦٣٧)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (١٠٦٢٥) عن علي.
(٤) "بالعارية" ليس من (أ).
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٧١ - ٦٧٧) وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠٦١٩) و(١٠٦٢٨) و(١٠٦٣١) و(١٠٦٣٤) عن علي وابن عمر والضحاك وابن الحنفية.
(٦) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٣)، وفيه: هو في الجاهلية: كل منفعة وعطيّة، والماعون في الإسلام: الطاعة والزكاة.
(٧) في (ر) و(ف): "وقيل هو".
[ ١٥ / ٥٠٠ ]
فإنَّ هلاكَ مالكٍ غيرُ معنِ (^١)
فالماعون: ما هو قليل القيمة من آلة البيت كالمقدحة والإبرة ونحوِ ذلك.
وقال الزجاج: يقال: ما عنده سَعْنةٌ ولا مَعْنة؛ أي: لا قليل ولا كثير (^٢)، وقال أبو تمام:
لا تمنعنِّي وقفةً أشفي بها داءَ الفراق فإنها ماعونُ (^٣)
وقالت عائشة ﵂: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الماءُ والنار والملح (^٤).
وقال سفيان بن عيينة: الماعون الأكبر: الماء والنار، والأصغر: الملح والكلأ.
وقيل: هو المعروف (^٥).
وقيل: هو إكرام الضيف.
_________________
(١) عجز بيت للنمر بن تولب. انظر: "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٣٨٩)، و"جمهرة اللغة" (٢/ ٩٥٢)، و"ديوان الأدب" (١/ ١٣٣)، و"تهذيب اللغة" (٢/ ٦٣)، و"الصحاح" (مادة: معن)، و"مجمع الأمثال" (٢/ ٢٧١)، وصدره: ولا ضيَّعتُه فأُلامَ فيهِ
(٢) لم أجده عند الزجاج لكن هذا مذكور في كثير من كتب اللغة والأدب. انظر: "الإبل" للأصمعي (ص: ٥٧)، و"الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٣٨٨)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٢٧٠)، و"جمهرة اللغة" (٢/ ٩٥٣)، و"ديوان الأدب" (١/ ١٤٧)، و"تهذيب اللغة" (٢/ ٦٣) و(٣/ ١٣)، و"الصحاح" (مادة: سعن ومعن)، و"المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري (٢/ ٣٣١).
(٣) انظر: "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" للآمدي (١/ ٤٣٥).
(٤) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٨٠٥). وروي نحوه عن عائشة مرفوعًا، رواه ابن ماجه (٢٤٧٤)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٦)، وإسناده ضعيف.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٧٨) عن محمد بن كعب.
[ ١٥ / ٥٠١ ]
وقيل: هو الطاعة يقال: أعطتِ الناقة ماعونها؛ أي: طاعتها وانقيادها (^١).
وقال إبان بن تغلب: الرَّحى من الماعون.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٣١٣)، وفيه: قال أبو عبيدة: وكانت لي ناقة صفيّة، فقال لي رجل: لو قد نزلنا لقد صنعت بناقتك صنيعًا تعطيك الماعون؛ أي: تنقاد. وحكى مثل هذا الأخفش عن أعرابي فصيح. انظر: "الصحاح" (مادة: معن).
[ ١٥ / ٥٠٢ ]