بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّه سامعِ البثِّ والشَّكوى، الرَّحمنِ عالمِ السِّرِّ والنَّجوى، الرحيمِ شارعِ البِرِّ والتقوى.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ كان يومَ القيامة مِن حزب اللَّه" (^٢).
وهذه السُّورة مدنيَّة إلَّا قولَه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية، فإنَّ هذه الآية مكيَّة.
وهي عشرون آيةً وأربعُ آيات وأربع مئة وخمس وأربعون كلمة، وألفٌ وتسعُ مئة وخمسة عشر حرفًا.
وانتظامُ ختمِ تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّهما جميعًا بذكر الثَّناء على اللَّه بفضلِه على عباده.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّ تلك السُّورة في أمر المؤمنين بجهاد الكافرين، والإنفاقِ
_________________
(١) في (ر): "قد سمع".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٥٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٥٨). وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٤ / ٣١٥ ]
على المجاهدين، وهذه السُّورة في تخفيف الأحكام على المؤمنين، وتشديد الوعيد على الكفَّار والمنافقين.
* * *
(١) - ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾: قال مقاتلٌ ﵀: هي خولة بنت ثعلبة بن قيس بن مالك بن حرام بن الخزرج من بني عمرو بن عوف، امرأة أوس بن الصَّامت بن قيس بن أصرم الأنصاري، كانت تحتَه، وكانت حسنة الجسم، فرأها أوسٌ ساجدةً في صلاتها، فنظر إلى عجزها فأعجبَتْه، فلمَّا انصرفَتْ من الصَّلاة أرادها فأبَتْ عليه، فغضب عليها، وقال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فأتَتِ النَّبيَّ -ﷺ-، فشكَتْ إليه زوجَها، وقالَتْ: هل من شيءٍ يجمعُني وإيَّاه؟ وكان الإيلاءُ والظِّهار من طلاق الجاهليَّة، وكان شيخًا كبيرًا محتاجًا ذا عيالٍ، فأتَتْ امرأتُه إلى النَّبيِّ -ﷺ- فطلبَتِ الرُّخصةَ (^١).
وفي روايةٍ قالت: إنَّ أوسًا تزوَّجني وأنا شابةٌ مرغوبٌ فيَّ، فلمَّا كبر سنِّي، وضعفَتْ حيلتي (^٢)، جعلني عليه كأمِّه، فقال لها رسول اللَّه -ﷺ-: "أخشى أنَّكِ قد حَرُمْتِ عليه" (^٣).
وفي رواية قال: "أنتِ كما قال".
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٥٧).
(٢) "حيلتي" من (ف).
(٣) قطعة من خبر طويل رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٤٦ - ٢٤٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، عن أبي العالية.
[ ١٤ / ٣١٦ ]
وفي رواية قال: "لم أؤمر فيك بشيء" (^١).
فعادَتْ إلى مثل قولها مرارًا، وقالت: إنَّ لي صِبيةً صغارًا، إنْ ضممْتُهم إليَّ جاعوا، وإنْ ضممْتُهم إليه ضاعوا، وقالت: اللَّهمُّ إنِّي أشكو إليك ما لقيْتُ من زوجي (^٢).
وفي رواية محمَّد بن كعبٍ القُرظيِّ: كان هذا أوَّل ظهار في الإسلام، فلمَّا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمِّيح ندمَ على ذلك، وقال لها: ما أُراك إلَّا حرمْتِ عليِّ، وإنِّي لأستحيي أن آتيَ رسول اللَّه -ﷺ- وأسأله عن هذا، فائتِه، فقالت: إنَّ أوسَ بن الصَّامت أبو ولدي، وابن عمِّي، وأَحَبُّ النَّاس إليَّ، ظاهر منِّي، وما ذكر طلاقًا. فقال لها النَّبيُّ -ﷺ-: "ما أراكِ إلَّا وقد حرمْتِ عليه"، قالت: لا تقلْ ذلك يا رسول اللَّه، فأعادَتْ عليه مرارًا قولها، ثم قالت: اللَّهم أشكو إليك وحشتي، وفراق زوجي، ووَجْدي به، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات (^٣).
وفي رواية ابن عبَّاس ﵄: قالت: يا رسول اللَّه، لَمَّا كبرَ سنِّي، ورقَّ عظمي، واقتربَ أجلي، وبادَ أهلي، ظاهرَ منِّي (^٤).
_________________
(١) قطعة من خبر طويل رواه البزار (١٥١٣ - كشف)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٣٨٢)، عن ابن عباس ﵄. وهو حديث منكر كما قال البزار عقبه. ورواه مطولًا أيضًا الطبري (٢٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠) من طريق آخر عن ابن عباس، وإسناده ضعيف لضعف بعض رواته ومنهم عطية العوفي الراوي عن ابن عباس.
(٢) روى نحو هذه القصة الإمام أحمد في "المسند" (٢٧٣١٩)، وأبو داود (٢٢١٤)، والطبراني في "الكبير" (٦١٦)، من حديث خولة بنت ثعلبة ﵂.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٥١).
(٤) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٥٥)، وورد نحوه ضمن حديث عائشة الآتي.
[ ١٤ / ٣١٧ ]
وقالت عروة: كان امرأً به لممٌ، فإذا اشتدَّ لممُه ظاهرَ من امرأتِه (^١).
وعن عائشة ﵂ أنَّها قالَتْ: تبارك الَّذي وسِعَ سمعُه الأصواتَ، إنِّي لأسمَعُ كلامَ خولةَ بنت ثعلبة، ويخفى عليَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجَها إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وهي تقول: يا رسول اللَّه، أكلَ شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرَتْ سنِّي، وانقطعَ ولدي، ظاهر منِّي، اللَّهم إنِّي أشكو إليك، قالَتْ: فما برحَتْ حتَّى نزل جبريلُ صلوات اللَّه عليه بهذه الآيات (^٢).
واختلفت الرِّويات (^٣) في اسمها ونسبها:
قيل: خولة بنت ثعلبة.
وقيل: خولة بنت خويلد.
وقيل: خولة بنت الصَّامت.
وقال أبو العالية: خولة بنت دليج (^٤).
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٢١٩) عن هشام بن عروة، و(٢٢٢٠) عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂، وإسناده صحيح. قال الخطابي في "معالم السنن" (٣/ ٢٥٣): معنى اللَّمم هاهنا: الإلمام بالنساء وشدة الحرص والتوقان إليهن، يدلُّ على ذلك قوله في هذا الحديث من الرواية الأولى: (كنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري)، وليس معنى اللمم هاهنا: الخبل والجنون، ولو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شيء من كفارة ولا غيرها، واللَّه أعلم.
(٢) رواه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢٠٦٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٤٦). وعلقه البخاري قبل حديث (٧٣٨٦).
(٣) في (ف): "الرواة".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٤٦). وفيه: "خويلة بنت دليج".
[ ١٤ / ٣١٨ ]
وقال الشَّعبي: أمُّ خولة معاذة (^١).
وقيل: جميلة.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾؛ أي: قد سمع اللَّهُ كلامَ المرأة التي تخاصمُك في زوجها؛ أي: فيما تريد أن لا تحرمَ على زوجها، كقوله: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]؛ أي: فيما يريد من ألَّا ينزلَ بهم العذاب.
كانت تقول: انظر في شأني يا رسول اللَّه، انظر في شأني، جعلني اللَّه فداك.
﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ الوجدَ الذي في قلبِها بسبب هذه الحادثة.
﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾: أي: تراجعكما الكلامَ، خطابٌ للرَّسول -ﷺ- ولتلك المرأة؛ أي: لا يخفى على اللَّه شيءٌ من ذلك، وإن كان على السِّرار.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: لا يخفى عليه من شيء من المسموعات والمرئيَّات.
قال الإمام القشيريُّ ﵀: لَمَّا صدَقَتْ في شكواها إلى اللَّه تعالى، وأيسَتْ من كشفِ ضرِّها من غير اللَّه، أنزلَ اللَّه تعالى في شأنها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.
تضرَّعَتْ إلى اللَّه تعالى، ورفعَتْ قصَّتها إلى اللَّه، وبثَّتْ غُصَّتها بينَ يَدَي اللَّه تعالى، فنظر اللَّه إليها وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾.
وصارَتْ واقعتُها فَرَجًا ورُخْصةً للمسلمين في مسألة الظِّهار إلى يوم القيامة؛ ليعلمَ العالمون أنَّ أحدًا لا يخسر على اللَّه تعالى (^٢).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "أم خولة بنت معاذة"، والخبر رواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٨/ ٧٣)، ولفظه: (المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت ثعلبة وأمها معاذة التي أنزل اللَّه فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٥٤٨).
[ ١٤ / ٣١٩ ]
(٢) - ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: قرأ عاصمٌ برفع الياء وتخفيف الظَّاء من المظاهرة، وقرأ عبد اللَّه بن كثير وأبو عَمرو ونافع: ﴿يَظَّهَّرون﴾ بفتح الياء وتشديد الظاء من غير الألف، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائيُّ: ﴿يَظَّاهَرون﴾ بتشديد الظاء وزيادة الألف بفتح الياء (^١)، وهي لغاتٌ في معنًى واحد؛ أي: الذين يقولون لزوجاتهم، يقول الواحد منهم لامرأتِه: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، فيشبِّهها بظهرِ أمِّه في التَّحريم.
﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جماعتكم أيُّها المؤمنون.
﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾: أي: لسن (^٢) أمَّهاتٍ لكم، ولا يَصرْنَ أمَّهاتٍ لكم بهذا القول.
﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾: أي: ما أمُّ الرَّجل إلَّا التي ولدته.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾: أي: المظاهرون يقولون كلامًا ينكره الشَّرع ولا يرضى به، و(زورًا)؛ أي: كذبًا وباطلًا.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: أي: عن ذنوبِ عباده إذا تابوا منها.
﴿غَفُورٌ﴾: يسترُها عليهم بعد التَّوبة، فلا يفضحُهم بها، ولا يعاقبُهم عليها.
* * *
(٣) - ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨).
(٢) في جميع النسخ: "ليس"، والصواب المثبت.
[ ١٤ / ٣٢٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: أي: منكوحاتهم الحرائرِ والإماء.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: اختُلِفَ في معنى العَود منها؛ لتعلُّق وجوب الكفَّارة به:
قال قتادة ﵀: هو العزمُ على غشيانها (^١).
وقال ابن عبَّاس: هو أن يريد جماعها (^٢).
وقال الزُّهري وطاوسٌ رحمهما اللَّه: هو أن يطأَها (^٣).
وقال الشَّافعيُّ: هو أن يمسكها بعد الظِّهار، ولا يحرِّمها للحال بطلاقٍ بائنٍ (^٤).
وقيل: هو أن يظاهرَ في الإسلام بعدما كانوا يظاهرون في الجاهليَّة. وهو قول طاوس، فعنده يجب بنفس التكلُّم (^٥) بكلمة الظِّهار، ولا يسقطُ شيءٌ، ولا يحتاج إلى قرينةٍ للوجوب (^٦).
وقال داود بن عليٍّ الأصفهاني (^٧): هو تكرار كلمة الظِّهار، فلا تجب بدونه عنده (^٨).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٥٨).
(٢) رواه بمعناه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٦٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٦٨) عن طاوس، وذكره عنهما الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٣٣٢).
(٤) انظر: "الأم" للشافعي (٥/ ٢٩٦)، و"أحكام القرآن للشافعي" للبيهقي (١/ ٢٣٤).
(٥) في (ر): "ومعناه تجب بنفس الكلام".
(٦) رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٨/ ٧٥) بلفظ: (إذا تكلم الرجل بالظهار المنكر والزور فقد وجبت عليه الكفارة حنث أم لم يحنث).
(٧) في (ف): "الأصبهاني".
(٨) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ١٨٤)، وانظر: "المحلى" لابن حزم (٩/ ١٩٣) فقد نصر هذا القول، وقال: (روي عن بكير بن الأشج، ويحيى بن زياد الفراء، وقد روي نحوه عن عطاء). =
[ ١٤ / ٣٢١ ]
وقال: هو المفهوم من الكلمة ظاهرًا.
واحتجَّ الشَّافعي ﵀ بأنْ قال: العودُ للشَّيء ليس هو إعادةً، بل ذلك عودٌ فيه، أو عودٌ إليه، بل العودُ له: إبطالُ الحكمِ والإتيانُ بما يضادُّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]؛ أي: لخالفوا النَّهي، والظِّهارُ سببُ الفراق، والعودُ له: إمساكُها، الذي يضادُّه.
وقال أصحابُنا ﵏: العودُ هو العزم على جماعِها، فمتى عزمَ على ذلك لم يحلَّ له حتى يكفِّر، ولو ماتَتْ هي بعدَ مدَّة قبل أن يكفِّر سقطَتْ عنه الكفَّارة؛ لفوْتِ العزمِ على جماعِها.
قال الشَّافعيُّ ﵀: إنَ العودَ للشَّيء الإتيانُ بما يضادُّه، لكن ليس حكم الظِّهار تركَ المرأة وفراقَها ليكون ضدُّه إمساكَها، بل حكمُه الامتناعُ عن وطئِها، فضدُّه العزمُ على وطئها.
وقد رُوي عن سلمة بن صخرٍ أنَّه جاء إلى النَّبيِّ -ﷺ- وقال: يا رسول اللَّه، إنِّي
_________________
(١) = واستدلَّ له بالحديث الذي رواه أبو داود (٢٢٢٠) من طريق هشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂ الذي فيه ذكر أن المظاهر كان به لمم، وقد تقدم قريبًا، قال: هذا يقتضي التَّكرارَ ولا بدَّ، ولا يَصحُّ في الطهارِ إلَّا هذا الخبرُ وحده، إلَّا خبرًا نذكرُه بعدَ هذا إنْ شاءَ اللَّه ﷿، وكلُّ ما عدا ذلك فساقطٌ: إمَّا مرسلٌ، وإمَّا مِن روايةِ مَن لا خيرَ فيه. وقد رد القول بالتكرار ابن العربي في "أحكام القرآن" (٤/ ١٩٢) فقال: (فاما القول بأنه العود إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعًا لا يصح عن بكير، وإنما يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه، وقد رويت قصص المتظاهرين وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم، وأيضًا فإن المعنى ينقضه لأن اللَّه تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور فكف يقال له: إذا أعدت القول المحرم والسبب المحظور وجببت عليك الكفارة، وهذا لا يعقل، ألا ترى أن كل سبب يوجب الكفارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطء في صوم ونحوه).
[ ١٤ / ٣٢٢ ]
ظاهرْتُ من امرأتي، ثم رأيتُها في ليلةٍ قمراءَ عليها خلخالان، فأعجبتْني فواقعْتُها، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "استغفرِ اللَّهَ، ولا تعدْ حتَّى تكفِّر" (^١).
فثبَتَ بالعودِ المذكور في هذا الحديث أنَّ المرادَ به في الآية هذا.
وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أي: فعليه إعتاق رقبة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؛ أي: يتلاقيا بالجماع، وتحرم الدَّواعي أيضًا.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: هذا شيء تُؤمرون به، واللَّه خبير بأعمالكم، وفَّيتم به أو خالفتم.
* * *
(٤) - ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾: أي: فمن لم يملكْ ما يشتري به رقبةً ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ أي: فعليه صيام شهرين متواصلين.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فسَّرناه.
﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصِّيام بمرض أو نحوه ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾؛ أي: فعليه
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٢٢٣)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٣٤٥٧) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄، بإبهام الرجل الذي ظاهر. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود (٢٢٢٢)، والنسائي (٣٤٥٨) و(٣٤٥٩) عن عكرمة مرسلًا، وقال النسائي: المرسل أولى بالصواب من المسند. ورواه بنحوه أبو داود (٢٢١٣)، الترمذي (١٢٠٠)، وابن ماجه (٢٠٦٢) من حديث سلمة بن صخر البياضي ﵁.
[ ١٤ / ٣٢٣ ]
أن يطعم ستِّين مسكينًا، كلَّ مسكين نصفَ صاعٍ من حنطة، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر.
﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: هذا البيان لتصدِّقوا اللَّهَ ورسولَه، وتقبلوا هذا الأمر منه.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: أي: هذه الأحكام معالم شرائع اللَّه فاحفظوها.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾: أي: وللذين لا يقبلون أحكام الشَّرع ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع دائم في النَّار في الآخرة.
وعن أبي العالية قال: لَمَّا قال له: "اعتق رقبة"، قال: ما عندي رقبة، قال: "فصم شهرين متتابعين"، فقال: إنْ لم آكلْ في النَّهار ثلاثَ أكلاتٍ (^١) خشيْتُ أنْ يعشوَ بصري، قال: "فأَطْعِم ستِّين مسكينًا"، قال: فأعنِّي يا رسول اللَّه، فأعانه رسول اللَّه -ﷺ- (^٢).
وعن عكرمة: قال: يا نبيَّ اللَّه، واللَّه ما أجدُ رقبةً، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "ما أنا بزائدك"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، قال: واللَّهِ يا نبيَّ اللَّهِ ما أطيق الصَّوم، إنِّي إذا لم آكل في اليوم كذا وكذا أكلةً لقيْتُ ولقيْتُ، فجعلَ يشكو له، فقال: "ما أنا بزائدك"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ف): "مرات".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٤٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وقال: مرسل لكن له شواهد.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٦٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٥٢).
[ ١٤ / ٣٢٤ ]
(٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: يخالفونه ويتعدَّون حدود اللَّه.
﴿كُبِتُوا﴾: قال قتادة ﵀: أُخزوا (^١).
وقيل: أُذِلُّوا، وقيل: صُرِعوا، وقيل: قُهِروا.
﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: كما فُعِلَ بالكفَّار الماضين بسبب المخالفة والمعاداة للنَّبيِّين.
وقال الفرَّاء: ﴿كُبِتُوا﴾: أغيظوا وأحزنوا.
وقال أبو (^٢) سعيد: كُبُّوا على وجوهِهم (^٣).
وقال الخليل: صُرِعوا (^٤).
وقال أبو عبيدة (^٥): أُهلكوا (^٦).
وقال أبو عبيدة: ﴿كُبِتُوا﴾: هو في الأصل: كبدوا؛ أي: ضربوا على أكبادهم (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٦٦).
(٢) "أبو" ليس في (ف).
(٣) لم أقف عليه.
(٤) انظر: "العين" للخليل (٥/ ٣٤٢).
(٥) في (أ) و(ف): "عبيد".
(٦) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٥٥).
(٧) ذكره عن أبي عبيدة ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٧٥)، وعزاه ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ١١٠) لأهل النظر.
[ ١٤ / ٣٢٥ ]
ومعنى الكلمة: يُكبتون، لكن ذكر بصيغة الماضي تقريبًا للمخبَر عنه، كما يُقال: بلغْنا المنزلَ وأتاك (^١) الجبل، ونحو ذلك.
وهذا بشارةٌ للمؤمنين بنصرهم وإهلاك الكافرين.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أي: وقد أوضحْنا الأدلَّة والعلامات على ذلك بما اقتصَصْنا من وقائعنا بالماضيين.
وقيل: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ في القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فيها حدود اللَّه تعالى وأحكامه، فالزموها ولا تتعدَّوها.
وقيل: ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يكبَتُ هؤلاء يوم بدر. وقيل: يوم الخندق (^٢).
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: قيل: ولجاحدي هذه الآيات. وقيل: لكفَّار كلِّ عصر.
* * *
(٦) - ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أي: يعذِّبُهم هذا العذاب يومَ يُنشرهم من قبورهم جميعًا الرِّجال والنِّساء. وقيل: الأوَّلين والآخرين.
وقيل: المحادِّين اللَّهَ ورسولَه في هذا العصر، وفي الأعصار الخالية.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: فيخبرهم بما عملوا من محادَّة اللَّه ورسوله.
﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾: أي: حفظَه اللَّهُ، يعني: صغيرَ أعمالهم وكبيرَها، ودقيقَها وجليلها؛ ليجازيهم بها.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وأتاك".
(٢) "وقيل يوم الخندق" ليس في (أ).
[ ١٤ / ٣٢٦ ]
﴿وَنَسُوهُ﴾: أي: ونسُوا هم (^١) ذلك لجحودهم بالبعث والحساب.
وقال ابن عبَّاس ﵄: أحصى اللَّهُ أعمالَهم الخبيثة، ﴿وَنَسُوهُ﴾؛ أي: تركوه استخفافًا به لم يحافظوا إحصاء اللَّه وحفظه (^٢).
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: لا يخفَى عليه شيءٌ، فهو شاهدٌ عليه ليجزيَهم بها، وهذا وعيد شديد.
* * *
(٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: ألم تعلم علمًا يقومُ مَقامَ العِيان، استفهامٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: قد علمْتَ أنَّ اللَّهَ يعلمُ ما في السَّماوات وما في الأرض، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك.
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾: أي: هو سامع نجواهم، ولا يغيب ذلك عنه.
﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾: أي: ولا نجو ى خمسة، وهو تناجيهم ومسارَّتُهم ﴿إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ يستمعُ نجواهم.
﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: ولا أقلَّ من ذلك، وهو نجوى اثنين ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ من خمسة.
_________________
(١) في النسخ: "ونسوهم"، والصواب المثبت.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٤٦١).
[ ١٤ / ٣٢٧ ]
وقرأ يعقوب: ﴿ولا أكثرُ﴾ بالرَّفع (^١)، وعلى هذا: ﴿وَلَا أَدْنَى﴾ يكون رفعًا أيضًا، وتقديرُه: ولا يكون أدنى.
﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾: أي: علمًا وسماعًا، لا مكانًا، فإنَّ اللَّه تعالى يتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقيل: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾: هي الرُّوح والقلب والنَّفس، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾: هي الحواسُّ الخمس، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾: هو القلبُ وحدَه، ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ مِن ذلك: هي الأعضاء السَّبعة (^٢)؛ أي: ما تكون أنت في شيء إلَّا أنا شاهدُك، وعالمٌ بظاهرِك وباطنِك.
﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾: أي: يخبرهم ﴿بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: قيل: هذه الآية متَّصلة بالتي بعدها، على ما نبيِّن بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى.
وقيل: نزلَتْ في صفوان ورجلين من ثقيف، وقد بيَّنَّا القصَّة في (سورة حم السجدة).
* * *
(٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
_________________
(١) انظر: "النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٥).
(٢) بعدها في (ف): "التي جوارح العبادة". ولعل المراد بالأعضاء السبعة: الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان، وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان.
[ ١٤ / ٣٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾: أي: ألم ترَ يا محمَّد إلى الذين نُهوا عن النَّجوى (^١)، أكثر المفسِّرين على أنَّهم اليهود.
روي عن عائشة ﵂: أنَّ اليهود دخلوا على النَّبيِّ -ﷺ-، فقالوا: السَّام عليك، ففطنَتْ لهم عائشة فقالَتْ: عليكم السَّام واللَّعنة يا إخوة القردة والخنازير، فقال: "مَهْ يا عائشة، إنِّي لم أُبْعَثْ فحَّاشًا، وإنَّ اللَّهَ لا يحبُّ الفُحْشَ ولا التَّفحُّش"، قالت: يا رسول اللَّه، ألم تسمع ما قالوا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "ألم تسمعي أنِّي رددْتُ عليهم فقلْتُ: وعليكم، وإنَّما نُجابُ عليهم ولا يجابون علينا"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] (^٢).
وقيل: كان المنافقون يتناجون بينَهم، وينظرون إلى الرَّجل من المسلمين؛ ليظنَّ أنَّ مناجاتهم في أمرِه، وأنَّهم قد أَخبروا رسول اللَّه -ﷺ- عنه بسوء.
وقيل: كان المنافقون واليهود إذا رأوا رجلًا قد غزا له حميمٌ في بعض السَّرايا تناجى الاثنان منهم، ونظروا إلى المسلم ليقعَ في قلبه أنَّ صاحبه الغازيَ قد قُتِل أو أُسِر، وكذلك كانوا يفعلون إذا خرجوا من عند رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه، يتناجون (^٣) فيظنُّ المسلم أنَّه قد بلغَهم فيه شيءٌ، فلمَّا طالَ ذلك على المسلمين شكوا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأمرَهم ألَّا يتناجوا فيما بينهم دون المسلمين، فلم ينتهوا، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
وقيل: كانوا يتناجون حيث يشاهدهم المؤمنون بسوءِ التَّدبير على النَّبيِّ -ﷺ-
_________________
(١) "أي ألم تر يا محمد إلى الذين نهوا عن النجوى" ليس في (ف).
(٢) روى نحوه البخاري (٦٠٣٠)، ومسلم (٢١٦٥)، دون سبب النزول، وروى نحوه مع سبب النزول النسائي (١١٥٠٧).
(٣) "وأصحابه يتناجون" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٤ / ٣٢٩ ]
وأصحابه، فنُهوا عنه، فلم ينتهوا، فنزلت الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾.
﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾: فيخالفونه ويأتون بما نُهوا عنه.
﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾: أي: فيما بينهم ﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بما يؤثمُهم من إدخال الغمِّ على المؤمنين.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾: أي: الظُّلم ومجاوزة الحقِّ.
﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: أي: بمعصيتِهم الرَّسولَ ومخالفتِهم إيَّاه وتدبيرهم فيه، كما دبَّروا في قتله حين خرج إليهم مستعينًا بهم في حَمالة، على ما بيَّناه في (سورة المائدة) عند قوله: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١].
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: لأنَّ اللَّهَ تعالى حيَّاه بالسَّلام، وهؤلاء حيَّوه بالسَّام وهو الموت، فكأنَّهم قالوا: الموتُ عليك.
﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾: أي: هلَّا يعذِّبُنا بتحيَّتنا هذه له إنْ كان رسولًا.
وقيل: أرادوا أنَّه يقول لنا (^١): "عليكم"، فيدعو علينا بالموت، فَلِمَ لا يُستجابُ دعاؤُه فينا إنْ كان نبيًّا، فأجابَهم اللَّهُ تعالى عن هذا فقال:
﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: إن لم يجازهم على إيذائهم رسولَه في الدُّنيا ولم يهلكْهم بدعاءِ الرَّسول عليهم عاجلًا، فقد أعددْنا لهم جهنَّم، وهي حسبُهم، فلا عذابَ أشدُّ من عذابهم بها.
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أي: يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
* * *
_________________
(١) في (ر): "لهم".
[ ١٤ / ٣٣٠ ]
(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾: وهذا نهيٌ للمؤمنين عن الاقتداءِ باليهود والمنافقين بالتَّناجي.
﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: وهذا أمرٌ بالتَّناجي فيما يَؤُول إلى الطَّاعة وترك المعصية، ونفعِ المسلمين ودفع الضَّرر عن المؤمنين، وهو كما قال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ الآية [النساء: ١١٤].
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: أي: للحسابِ، فيجازيكم بما تتناجون به من خيرٍ أو شرٍّ.
* * *
(١٠) - ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يأمر الشيطان بذلك ليُدخل به غمًّا في قلوب المسلمين من الوجهِ الذي قلْنا.
وقال الحسنُ: كان الرَّجل يأتي إلى رسول اللَّه -ﷺ- فيستخليهِ لحاجةٍ، فكان الشَّيطان يوقع في قلوب المسلمين الخوف أنَّ هذا إنَّما خلا برسول اللَّه -ﷺ- لينقصكم عنده (^١).
وفي حديث عبد الرَّحمن بن زيدٍ ﵀: وكان الشَّيطان يأتي القوم فيقول
_________________
(١) في (أ): "ليبغضكم عنده"، وفي (ر): "لينعتكم عنده".
[ ١٤ / ٣٣١ ]
لهم: إنَّما يتناجَون في أمورٍ حضرَتْ، وجموعٍ قد جُمِعَتْ لكم وأشياء، فنزلت: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (^١).
﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾: أي: إنَّما يضرُّهم بما أذن اللَّه فيه أن يكون ضارًّا لهم، فأمَّا الشَّيطانُ فلا يقدر لهم على ضرٍّ بنفسِه، وكذلك هؤلاء المتناجون من اليهود والمنافقين.
وقيل: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلَّا بتخلية اللَّهِ إيَّاه، ولو شاءَ لأهلكَه وقطعَ ضررَه، إلَّا أنَّه خلَّاه امتحانًا للعباد.
وقيل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعلمِ اللَّه؛ يعني: ما ينال المؤمن من الحزن والكراهة فذلك بعلم اللَّه تعالى، وسيجزيه اللَّه تعالى بذلك.
وقيل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: ما كان من مناجاة بعضِهم رسولَ اللَّه -ﷺ- في انتقاصِ المؤمنين لا يضرُّهم ذلك، ولا يعتقدُ رسولُ اللَّه -ﷺ- فيهم نقصًا إلَّا بإذن اللَّه تعالى؛ أي: إلَّا بأن يُعْلمَه اللَّه تعالى به إن كان، ويأذنَ له في قَبوله، وهو ضررُ إقامة الحدود والتَّعزير والغرامة.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فلا تهتمُّوا بما يقول هؤلاء المتناجون.
* * *
(١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجْلِسِ﴾ قرأ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٧٤).
[ ١٤ / ٣٣٢ ]
عاصم: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ جمعًا، والباقون: ﴿فِي الْمَجْلِسِ﴾ على الواحد (^١).
قال مجاهد وقتادة والضَّحَّاك وابن زيد: هو مجلس النَّبيِّ -ﷺ- (^٢). وهو متَّصل بما قبله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.
ذمَّهم بترك احترامِه، وأمَرَ المسلمين بأن يستعملوا في مجلسه ما يعود إلى تبجيله وإعظامه، وإلى معاملة أهل مجلسة بالمجاملة، وبما يدلُّ على سَعَةِ النَّفس وطيب الخلق عند المزاحمة، قال: ﴿وإذا قيل لكم تفسحوا في المجلس﴾؛ أي: توسَّعوا، والفُسحة: الوسعة (^٣)، والفسيحُ: الواسع.
﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾: أي: وسِّعوا المكان لمن حضرَ بعدكم يوسِّعِ اللَّهُ لكم منازلكم في الجنَّة.
وقيل: أي: يوسِّعْ أخلاقكم.
﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾: أي: وإذا قيل لكم: ارتفعوا، أوقوموا للتَّوسعة على مَن بَعُدَ موضعُه عن النَّبيِّ -ﷺ-، فارتفعوا ولا تتثاقلوا.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بضم الشين فيهما، وقرأ الباقون بالكسر فيهما (^٤)، وهما لغتان، كما في قوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾، و﴿يَعْكُفُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) "الباقون في المجلس على الواحد" ليس في (أ). انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧).
(٣) في (ر): "والتفسيح التوسع".
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٩).
(٥) قرأ: ﴿يعرشون﴾ بالضم أبو بكر عن عاصمٍ وابنُ عامر، والباقون بالكسر. وقرأ: ﴿يعكفون﴾ بالكسر حمزة والكسائي، والباقون بالضم. انظر: "التيسير" للداني (ص: ١١٣).
[ ١٤ / ٣٣٣ ]
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾: أي: يرفعِ اللَّه درجاتِ مَن فعَل ذلك في الجنَّة، وإنَّما ذكر الإيمان والعلم في هذا لأن التَّفسُّح والنُّشوز لمن جاء بعد التَّمكُّن والطُّمأنينة، واحتمالُ هذا التَّعب إنَّما يكون ممَّن يتوفَّر حظُّه من الإيمان والعلم؛ لأنَّهُ يفعل ذلك تعظيمًا لأخيه المؤمن، وتعطُّفًا عليه، وإشراكًا له في الخير والاستماع من رسول اللَّه -ﷺ-.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: من التَّفسُّح والنُّشوز للإخوة من المؤمنين فيثيبُكم عليه.
وقيل في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾: أي: ارتفعوا منه في بيتِه وقوموا وارجعوا؛ فإنَّه له حاجة، وكان كلُّ واحدٍ منهم يحبُّ أن يكون آخرَهم عهدًا بالنَّبيِّ -ﷺ-، فأُمِروا بالتَّخفيف، وعلى هذا يكون قوله: ﴿تَفَسَّحُوا﴾ ما دام يحدِّث، و﴿انْشُزُوا﴾ إذا فرغ من الكلام.
وقيل: إذا قال النَّبيُّ -ﷺ- لبعضكم: ﴿انْشُزُوا﴾؛ أي: ارتفعوا في المجلس؛ أي: اقتربوا منِّي إكرامًا، فلا تباعَدوا واقتربوا قَبولًا لكرامته، فإنَّه لا يقرِّبُ إلَّا الأفاضل في الإيمان والعلم، ولا يُنزلُ كلَّ إنسانٍ إلَّا منزلةَ استحقاقِه بعلمِه (^١) وإيمانِه، وذلك معنى وصل الإيمان والعلم بهذا الكلام؛ لأنَّ معناه: إذا رفعَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أحدَكم فليرتفعْ؛ فإنَّه إنَّما يفعل ذلك بأمر اللَّه تعالى بيانًا لدرجة علمِه وإيمانِه.
وقيل: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ﴾ في مجلس رسول اللَّه -ﷺ- بعد سماع العلم: ﴿انْشُزُوا﴾ وارتفعوا لغزوٍ أو خيرٍ آخر (^٢)، فبادِروا، ولا تتثا قلوا اعتلالًا بالضِّنِّ بمجلس رسول اللَّه -ﷺ-؛ فإنَّ العلم والإيمان يوجب المسارعةَ إلى الائتمار.
_________________
(١) في (أ): "بعمله".
(٢) "آخر" من (أ) و(ف).
[ ١٤ / ٣٣٤ ]
وقيل: الخطاب لقومٍ من أهل الشَّرف سبقوا إلى مجلس رسول اللَّه -ﷺ-، ثمَّ يحضر الفقراء، فكرهوا أن يزاحموهم، فنُدبوا إلى التَّوسعة لهم، وأُخبروا أنَّ الرِّفعة بالعلم والإيمان، لا بالشَّرف والمال.
ومَن قرأ: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ فهي للمجالس المختلفة، من مجلس الذِّكر والوعظ، ومجلس القتال، ومجلس الصَّلاة؛ أي: تفسَّحوا في أيِّ مجلسٍ كان من ذلك.
وقيل: أريد به مجلس كلِّ واحدٍ في نفسه، وهم في مجلس واحد، أو مسجد واحد.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلت الآيةُ في ثابت بن قيس بن شماس؛ أقبلَ نحوَ رسول اللَّه -ﷺ- يتخطَّى رقاب النَّاس، والمجلسُ غاصٌّ بأهله، وهو يقول: توسَّعوا وتفسَّحوا، وكان في أذنه وَقرٌ، وأحبَّ أن يدنوَ من رسول اللَّه -ﷺ-، حتى انتهى إلى رجلٍ أمامَ النَّبيِّ -ﷺ-، فلم يفسح له، فذكر أمَّه، فنزل في الرَّجل الذي لم يفسح له هذه الآية، فندم الرَّجل وندم ثابت (^١).
وقال مقاتلُ بن حيَّان: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان في الصُّفَّة في مكانٍ ضيِّقٍ، وكان يكرمُ أهلَ بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدرٍ يومئذ وقد سُبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النَّبيِّ -ﷺ-، فقالوا: السَّلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، فردَّ النَّبيُّ -ﷺ- عليهم، ثم سلَّموا على القوم بعد ذلك، فردُّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينظرون إلى أن يوسِّعوا لهم، وعرف النَّبيُّ -ﷺ- ما يحملِهم على القيام، فلم يُفسَح لهم، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ -ﷺ-، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار
_________________
(١) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٨٦).
[ ١٤ / ٣٣٥ ]
من غير أهل بدر: "قمْ يا فلان، وأنت يا فلان، وأنت يا فلان فقُم"، حتى أقام عدَّةً من النَّاس، فشقَّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسِه، وعرف النَّبيُّ -ﷺ- الكراهةَ في وجوهِهم، فقال المنافقون لأصحاب النَّبيِّ -ﷺ-: ألسْتُم تزعمون أنَّ صاحبكم هذا -يعنون النَّبيَّ -ﷺ- يعدلُ بين النَّاس؟ قالوا: بلى، قال المنافقون: واللَّه ما رأيناه عدلَ على هؤلاء، قومٌ أَخذُوا مجالسَهم، وأحبُّوا القُرْبَ من نبيِّهم، فأقامَهم وأجلسَ مَن أبطأ عنه مكانَهم. وكان ذلك يومَ الجمعة، فقال النَّبيُّ -ﷺ- بعد ذلك: "رحمَ اللَّه رجلًا تفسَّح لأخيه"، فكانوا يقومون بعدَ ذلك سِراعًا، وتفسَّح القوم لإخوانهم، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^١).
وقال الحسنُ: بلغني أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا قاتلَ المشركين وصفَّ أصحابَه للقتال، تشاحُّوا في الصَّفِّ الأوَّل؛ ليكونوا في أوَّل القوم، فكان الرَّجل منهم يجيء إلى الصَّفِّ الأوَّل فيقول لإخوانه: توسَّعوا لنلقى العدوَّ ونُصيبَ الشَّهادة، فلا يوسِّعون له رغبةً منهم في الجهاد والشَّهادة أن يصحيبوها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٢).
وقال الحكم بن عتيبة في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ قال: يرفع اللَّه العالمَ على الذي لا يَعلم سبعين درجةً، اللَّه أعلم بما بينَ كلِّ درجتين، وإنَّ العالم يستغفرُ له كلُّ شيءٍ حتَّى الحوت في البحر، والطَّير في جو السماء (^٣).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٦٢).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٥٩).
(٣) لم أجده عن الحكم، لكن روي معناه مرفوعًا، فقد روى أبو داود (٣٦٤١ - ٣٦٤٢)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وابن حبان في "صحيحه" (٨٨)، وغيرهم من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا بلفظ فيه: "وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء. . . "، وفيه: "إن العلماء ورثة الأنبياء. . . "، الحديث.
[ ١٤ / ٣٣٦ ]
(١٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى أرادَ أن يقطعَ المنافقين عن مناجاة النَّبيِّ -ﷺ-، فيزول ما كان الشَّيطانُ يحزنُ به المؤمنين منها، بأن يعظِّمَ المؤمنون رسولَ اللَّه -ﷺ-، فلا يناجوه إلَّا في مهمٍّ من أمور الدِّين، فأوجبَ على مَن أرادَ منهم مناجاته تقديمَ صدقة، فقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾؛ أي: إذا أردْتُم مناجاته ﴿فَقَدِّمُوا﴾ قبل مناجاتكم إيَّاه ﴿صَدَقَةً﴾.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: في دينِكم لِمَا تنالونه من الثَّواب.
﴿وَأَطْهَرُ﴾: لكم من الذُّنوب، ويكون كتقديم الوضوء على الصَّلاة.
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾: ما تتصدَّقون به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يكلِّفكم شططًا، فناجوه في المهمِّ من أمر الدِّين من غير تقديم صدقة.
* * *
(١٣) - ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾؛ أي: أشقَّ عليكم أن تقدِّموا طهرةً بين يدي مناجاتكم رسولَ اللَّه -ﷺ-.
والإشفاق كالخوف من المكروه، فيحتمل (^١) أن يكونوا أشفقوا (^٢) مِن أن يقصِّروا في تقديم الصَّدقة في بعض حوائجهم التي يحتاجون فيها إلى مناجاته
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ويحتمل".
(٢) في (أ): "أن تكونوا أشفقتم".
[ ١٤ / ٣٣٧ ]
فيأثموا، أو تكثر حوائجهم فلا يمكنهم رفع كثير منها إليه إذا لم يجدوا ما يقدِّموا له، وخافوا ذلك على بعضِهم، فرحمَهم اللَّه تعالى وخفَّف عنهم.
﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: أي: خفَّف عنكم وأزال عنكم هذا الفرض.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أي: دوموا عليهما ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائر الأوامر والنَّواهي.
وحقيقة ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ في هذه المواضع: أزالَ عنكم المؤاخَذة بترك تقديم الصَّدقة على المناجاة، كزوال المؤاخذة بالذَّنب على التَّائب عنه.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وهذا وعد ووعيد.
وقيل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلا تتناجَوا بالإثم والعدوان ومعصية الرَّسول وتناجوا بالبر والتقوى.
قال الكلبيُّ: ما كانت إلَّا ساعةً من نهارٍ حتَّى نُسِخَتْ (^١).
وقال مقاتل بن حيَّان: كانت عشرَ ليالٍ ثمَّ نُسِخَتْ (^٢).
وقال عليٌّ ﵁: هذه آيةٌ من كتاب اللَّه تعالى ما عملَ بها أحدٌ من قبلي ولا بعدي، وكان لي دينار، فبعتُه بعشر دراهم، وتصدَّقْتُ بها، وسألْتُ رسول اللَّه -ﷺ- عشرَ مسائلَ، فأجابني عنها، قلْتُ: يا رسول اللَّه، ما الوفاء (^٣)؟ قال: "التَّوحيدُ وشهادةُ أن لا إله إلَّا اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] "، قلْتُ: وما الفساد؟ فقال: "الكفر والشِّرك باللَّه تعالى"، قلْتُ: وما الحقُّ؟ قالَ: "الإسلام والقرآن والولاية إذا
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٧٨) عن الكلبي وقتادة.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٢).
(٣) في (ر): "الصلاح".
[ ١٤ / ٣٣٨ ]
انتهَتْ إليك"، قلْتُ: وما الحيلة؟ قال: "ترك الحيلة"، قلْتُ: وما عَلَيَّ؟ قال: "طاعة اللَّه وطاعة رسوله"، قلْتُ: كيف أدعو اللَّه؟ قال: "بالصِّدقِ واليقين"، قلْتُ: وماذا أسأل اللَّه تعالى، قال: "العافية"، قلْتُ: وما أصنع لنجاة نفسي؟ قال: "كُلْ حلالًا، وقُلْ صِدقًا"، قلْتُ: وما السُّرور؟ قال: "الجنَّة"، قلْتُ: وما الرَّاحة؟ قال: "لقاء اللَّه تعالى"، فلمَّا فرغْتُ منها نزل نسخُها (^١).
وقال ابن عمر ﵄: كان لعليٍّ ﵁ ثلاثٌ، لو كانت لي واحدةٌ منهنَّ كانت أحبَّ إليَّ من حمر النَّعم: تزويجَه (^٢) فاطمة، وإعطاء الرَّاية يوم خيبر، وآية النَّجوى (^٣).
* * *
_________________
(١) ذكره بلا إسناد: أبو البركات النسفي في "مدارك التنزيل" (٣/ ٤٥٠)، والسيوطي في "معترك الأقران" (٣/ ٣٦٠)، ورواه مختصرًا دون ذكر الأسئلة أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٧٣)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٢١٢٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٨٢)، والحاكم في "المستدك" (٣٧٩٤)، وصححه. ولفظ الحاكم: "قال علي بن أبي طالب ﵁ قال رسول اللَّه -ﷺ-: إن في كتاب اللَّه لآية ما عمل بها أحد ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية، قال: كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي -ﷺ-، فكنت كلما ناجيت النبي -ﷺ-، قدمت بين يدي نجواي درهمًا، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد، فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية".
(٢) في النسخ: "تزوج"، والمثبت من "تفسير الثعلبي".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٢). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٢٠٩٩) بلفظ: "لقد أوتي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوَّجه ابنته فولدت له، وسد الأبواب إلا بابه، وأعطاه الحربة يوم خيبر".
[ ١٤ / ٣٣٩ ]
(١٤ - ١٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾: هم المنافقون، ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود.
﴿مَا هُمْ﴾: أي: المنافقون ﴿مِنْكُمْ﴾ مسلمين ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من اليهود، لا يؤمنون بكتاب.
﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ للمؤمنين إذا لقُوهم أنَّهم منهم، ولليهود إذا لقوهم أنَّهم منهم.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم كاذبون؛ لأنَّهم لا يعتقدون إسلامًا ولا يهوديَّة، وهذا نهاية الخبث وسوءِ الدِّيانة.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: أي: في النَّار ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بذلك استحقُّوها.
* * *
(١٦) - ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يجتهدون في صدِّ النَّاس عن طاعة اللَّه والإيمان به والجهاد في سبيله بالأراجيف ووجوه التَّخويف، فإذا ظهر ذلك منهم فعوتبوا حلفوا كاذبين أنَّهم ما فعلوا ذلك، يدفعون بها عن أنفسهم ما يتوجَّه عليهم من عقوبات الدُّنيا.
﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: في الدُّنيا والآخرة، وهو ما قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١].
وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلَتْ في عبد اللَّه بن نَبتل المنافق من بني عَمرو بن
[ ١٤ / ٣٤٠ ]
عوف، كان يأتي رسولَ اللَّه -ﷺ- فيجلسُ معه، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول اللَّه -ﷺ- جالسٌ ذات يوم في حجرة من الحجرات قال: "يَطْلعُ عليكم من هذه الحجرة الآن رجلٌ قلبُه قلبُ جبَّار، وينظر بعيني شيطان"، فأتى عبد اللَّه بن نبتل، فمُنع من أن يدخل من الباب، فصعد فوق الحجرة، فاطَّلع على النَّبيِّ -ﷺ-، فقال له النَّبيُّ -ﷺ-: "أنت الذي تسبُّني وفلان وفلان"، فحلف باللَّه ما فعل، وحلف النَّبيُّ -ﷺ- لقد قلْتَ (^١)، ثمَّ انطلق فجاء بهم، فحلفوا له ما سبُّوه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٢).
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿لَّنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "فعلت".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٣). وروى نحوه الإمام أحمد في "مسنده" (٢١٤٧) (٢٤٠٧) (٣٢٧٧)، والبزار في "مسنده" (٥٠١٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٣٠٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٩٥) من حديث ابن عباس ﵁، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٢): رواه أحمد والبزار، ورجال الجميع رجال الصحيح. ولفظ الإمام أحمد: عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- جالسًا في ظل حجرته فقال لأصحابه: "يجيئكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا رأيتموه فلا تكلموه"، فجاء رجل أزرق، فلمَّا رآه النبي -ﷺ- دعاه، فقال: "علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟ " قال: كما أنت حتى آتيك بهم، قال: فذهب، فجاء بهم، فجعلوا يحلفون باللَّه ما قالوا، وما فعلوا، وأنزل اللَّه ﷿: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية.
[ ١٤ / ٣٤١ ]
وقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: يحلفون كاذبين ليدفعوا القتلَ عن أنفسِهم وأولادِهم والاستغنامَ عن (^١) أموالهم، ولن تغني عنهم أموالهم وأولادهم يوم القيامة شيئًا إذا دخلوا النَّار.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أي: دخول النَّار (^٢) يوم يحشرهم اللَّه تعالى من قبورهم فيحاسبهم ويجازيهم بأعمالهم.
﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ يوم القيامة: ما كانوا مشركين ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدُّنيا أنَّهم ليسوا بمنافقين.
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾: ويظنُّون في الدُّنيا أنَّهم على صوابٍ من دينِهم ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ في الدُّنيا (^٣).
قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾: أي: غلب فاستولى عليهم ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ فهم يرتكبون المعاصيَ غير ذاكرين اللَّهَ، ومقامَهم بين يديه، ومحاسبتَه إيَّاهم عليها.
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾: المتحزِّبون له، المتعصِّبون لأوليائه، المنقادون حيث يقودهم.
﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أي: الهالكون المغبونون.
* * *
(٢٠ - ٢١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
_________________
(١) في (أ): "فاستغنام" بدل: "والاستغنام عن".
(٢) في (ف): "دخولهم النار"، وليست في (ر).
(٣) "في الدنيا" من (أ).
[ ١٤ / ٣٤٢ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: يخالفون، وقيل: يعادُون.
﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾: لا أذلَّ منهم؛ أي: إلى الذُّلِّ يصير أمرهم: بالسَّبي والقتل في الدُّنيا، وعذاب النَّار في الآخرة.
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: أي: في اللَّوح المحفوظ، وقيل: أي: قضى وقدَّر.
﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾: لأنَّ العاقبة المحمودة لهم في الدُّنيا والآخرة، وهم المنصورون بالحجَّة.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ تعالى ﴿قَوِيٌّ﴾: لا يُغلَب ﴿عَزِيزٌ﴾: لا يمانع (^١).
وروي أنَّ المسلمين لَمَّا رأوا ما يُفتَح عليهم من القرى قالوا: واللَّهِ ليفتحَنَّ اللَّهُ علينا الرُّوم وفارس، فقال المنافقون: هيهات، الرُّومُ وفارس ليست كهذه القرى. فنزلَتْ هذه الآية (^٢).
* * *
(٢٢) - ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: مَن خالفَ وعادى اللَّه ورسوله ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾: يرجع إلى مَن، وهو بمعنى الجمع لأنَّه جنس ﴿آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾:
_________________
(١) في (أ): " ﴿قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ لا يغالب ولا يمانع".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٦٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٤) دون نسبة.
[ ١٤ / ٣٤٣ ]
﴿لَا تَجِدُ﴾: إخبارٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: ولو وجدتهم على غير هذا فليسوا بمؤمنين؛ لأنَّ شرطَ الإيمانِ باللَّه محبَّة اللَّهِ، وتحقيقُ محبَّة اللَّه بمعاداة أعدائه.
قال ابنُ مسعودٍ ﵁: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ كأبي عبيدة بن الجراح، قَتَلَ أباه يومَ أحدٍ، وهو عبد اللَّه بن الجرَّاح ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ كأبي بكر الصِّدِّيق، دعاه ابنُه يوم بدر إلى البِراز، فقال: يا رسول اللَّه، دعني أكنْ في الرَّعْلة (^١) الأولى، فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "متِّعنا بنفسِكَ يا أبا بكر، أمَا تعلمُ أنَّك عندي بمنزلة سمعي وبصري" ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ كمصعب بن عمير، قتلَ أخاه يوم أحد عبيد بن عمير ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ كعمر وحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث؛ قتلَ عمرُ خالَه العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وقتل عليٌّ وحمزة وعبيدة بن الحارث عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة (^٢).
وروي أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- شربَ الماءَ، فقال عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيٍّ: يا رسول اللَّه، أبقِ فَضلةً من شرابِكَ، قال: "وما تصنع به؟ "، قال: أسقي بها (^٣) أبي لعلَّ اللَّه تعالى يطهِّرُ بها قلبَه، ففعل، فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال: فَضلةٌ مِن شراب رسول اللَّه -ﷺ- جئْتُكَ بها لتشربَها لعلَّ اللَّهَ يطهِّرُ قلبَك، فقال أبوه: هلَّا جئْتَني ببول أمِّك، فرجعَ إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، ائذنْ لي في قتل أبي، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "بل ترفُقُ به وتحسِنُ إليه" (^٤).
_________________
(١) الرعلة: القطعة من الخيل والفرسان. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: رعل). أو الجماعة المتقدمة من الخيل. انظر: "أساس البلاغة" للزمخشري (١/ ٣٦٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤١٥) والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٦٣)، من طريق مقاتل بن حيّان، عن مرّة الهمذاني، عن عبد اللَّه بن مسعود. وذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٢٥٨) من طريق عطاء عن ابن عباس.
(٣) في (أ): "أبتغي بها"، وفي (ر): "أشفي به".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٤) عن السدي.
[ ١٤ / ٣٤٤ ]
وقال ابن جريج: حُدِّثْتُ أنَّ أبا قُحافةَ سَبَّ النَّبيَّ -ﷺ-، فصكَّهُ أبو بكر ﵁ صَكَّةً سقطَ منها، ثمَّ ذكرَ ذلك للنَّبيِّ -ﷺ-، فقال: "أوفعلتَه؟ "، قال: نعم، قال: "فلا تعدْ إليه"، فقال أبو بكر ﵁: "واللَّهِ لو كان السَّيفُ قريبًا منِّي لقتلتُه"، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^١).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾: أي: أثبتَه فرسخَ فيها حتَّى استبصروا فيه، فهجروا له الأوطان، ونابذوا العشائر والخلان.
﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾؛ أي: قوَّاهم ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾؛ أي: بكتابٍ أنزلَه فيه حياةٌ لهم.
وقيل: أي: ببرهانٍ منه ونورٍ وهدًى.
وقيل: أي: نصرهم جبريلُ على كثيرٍ ممَّن حاربَهم.
﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾: أي: في الآخرة ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾؛ أي: رضي عنهم بقَبول أعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: بما أعطاهم من الثَّواب على أعمالهم.
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾: المتحزِّبون لنصر دينِه، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه.
﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بكلِّ محبوبٍ، الآمنون من كلِّ مرهوب.
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين
_________________
(١) رواه ابن المنذر في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٨/ ٨٦)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٦٤)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٤٩٧)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤١٤). قال الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٢٥٧): الأكثرون على أن هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي -ﷺ- إليهم لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة، وهذا قول مقاتل واختيار الفراء والزجاج.
[ ١٤ / ٣٤٥ ]