بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعلَ الويلَ للمكذِّبين، الرحمنِ الذي أعدَّ الجنَّة للمتَّقين، الرحيمِ الذي يجزي المحسنين.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ والمرسلات كُتِبَ أنَّه ليس من المشركين" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي خمسون آية، ومئة وإحدى وثمانون كلمة، وثمانُ مئة وأحد وعشرون حرفًا.
وختمُ تلك السُّورةِ بوعيد الظَّالمين، وافتتاحُ هذه السُّورة بالقسَم على وقوع ذلك الوعيد في يوم الدِّين.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في بيان خلق الإنسان، وما خُلِقَ له في الدُّنيا، وما يراه في العُقبى، وفي ذكر المؤمنين والكفَّار، والجنَّة والنَّار.
* * *
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٠٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٠٧)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ١٦١ ]
(١ - ٦) - ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾: قال ابنُ مسعود وابن عبَّاس ﵄ ومجاهد وقتادة وأبو صالح: أقسم اللَّه تعالى بالرِّياح أرسلها لواقحَ (^١).
قوله ﴿عُرْفًا﴾؛ أي: جاريات بعضُها في أثَرِ بعضٍ، كَعُرْفِ الفرس.
قوله تعالى: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾: الرِّياح أيضًا، والعُصُوفُ: شدَّة الهبوب.
والفاء لاتِّصال الهبوب بالإرسال.
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾: الرِّياح أيضًا، تنشر السَّحاب للغيث، وتبسطه في الهواء.
وقيل: تنشر النَّبات.
وذُكر بالواو دون الفاء؛ لأنَّ النَّشر لا يتَّصل بالإرسال لا محالة، بل يكون الإرسال لغير النَّشر.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾: الرِّياح أيضًا، قد تُرْسَل لتعذيب الكفَّار، فتفرِّق بين الحقِّ والباطل.
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: الرِّياح أيضًا، قد تُرْسَل لتعذيب الكفَّار للوعظ (^٢) لمن تدبَّر فيها.
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: أي: إذا أُرسلَتْ بالرَّحمة كانت إعذارًا، وإنْ أُرسلَتْ بالعذاب كانت إنذارًا.
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٨٠ - ٥٨١).
(٢) في (أ): "يلقي الوعظ أيضًا" وفي (ف): "فتفرق بين الحق والباطل فالملقيات ذكرًا الرياح أيضًا تلق الذكر؛ أي: الوعظ" بدل من "قد ترسل لتعذيب الكفار للوعظ".
[ ١٥ / ١٦٢ ]
وفي روايةٍ عن ابن عبَّاس وابن مسعود وأبي صالح ومقاتل: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾؛ أي: الملائكة أُرْسلَتْ بالمعروفِ والخير والوحي (^١).
وقيل: هو على الخصوص في المرسلين بالرَّحمة، فأمَّا المرسلون للعذاب فمنهم مَن قال: هو للعرف أيضًا؛ لأنَّه مقتضى الحكْمة (^٢).
وقيل: ﴿عُرْفًا﴾؛ أي: تتابعًا كَعُرْف الفرس.
والإرسال لمعانٍ: لإنزال الوحي، وإيصال الأرزاق، وكتابة الأعمال، وحفظ العباد، ودفع الشَّياطين، وزيارة البيت وكذا وكذا، ويومَ القيامة لأمورٍ أُخر.
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾، وعصوفُها شدَّة سيرها في نزولها وعروجها، كما في الآيات.
قال الخليل: ناقةٌ عَصُوف، وهي التي تعصف براكبها، فتمضي به كأنَّها ريح في السُّرعة (^٣).
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾؛ أي: الملائكة أيضًا تنشر كتب أعمال بني آدم يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣].
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾: الملائكة أيضًا تنزل بالفَرْق بين الحقِّ والباطل.
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: الملائكة أيضًا تلقي الوحي على الأنبياء من اللَّه تعالى؛
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٨٢) عن ابن مسعود ﵁ وأبي صالح. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٢) عن أبي هريرة وابن مسعود ﵄. وذكره عن ابن عباس الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ١٦٩)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٣٨٢) إلى ابن المنذر.
(٢) في (ر): "مقتضٍ لحكم".
(٣) انظر: "العين" للخليل (١/ ٣٠٧).
[ ١٥ / ١٦٣ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، وقال: ﴿أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦].
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: للبشر.
وقيل: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾: الأمطار تنشر النَّبات والزُّروع والأشجار تخرج وتبرز؛ أي: تَحيَى وتَظهر.
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾: قال قتادة: آيات القرآن تفرِّق بين الحقِّ والباطل (^١).
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: قال الرَّبيع بن أنس: آيات القرآن.
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: (أو) بمعنى الواو، ومعناه: إعذارًا وإنذارًا.
وقال الفرَّاء: أي: لإعذارٍ وإنذارٍ، وهما مصدران يثقَّلان ويخفَّفان (^٢).
وقرأ أبو عَمرو وعاصم في رواية حفص خفيفين، وغيرهما مثقَّلين (^٣).
قال المبرد: هما جمع عَذير ونَذير، وتقديرُه: معذِرين ومنذِرين (^٤). قال حاتم الطَّائيُّ:
أماوِيَّ قَدْ طالَ التَّجَنُّبُ والهَجْرُ (^٥) وقَدْ عَذَرَتْنِي في طِلابكُمُ العُذْرُ (^٦)
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٨٨).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٢٢). ولعني بالتخفيف والتثقيل ضم الذال وإسكانها.
(٣) قرأ روح: ﴿عذُرًا﴾ بضم الذال، وهي رواية عن أبي بكر عن عاصم في غير المشهور عنه، وباقي العشرة بإسكانها، وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة والكسائي وخلف: ﴿أو نذْرًا﴾ بإسكان الذال، والباقون بضمها. انظر: "السبعة" (ص: ٦٦٦)، و"التيسير" (ص: ٢١٨)، و"النشر" (٢/ ٢١٧).
(٤) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٨٠)، والقرطبي في "تفسيره" (٢١/ ٤٩٩).
(٥) في (أ) و(ف): "والضجر".
(٦) انظر: "ديوان حاتم الطائي" (ص: ٤٢).
[ ١٥ / ١٦٤ ]
فأنَّثَ الفعل لأنَّ العُذْرَ جمع.
وإدخالُ الألف والتَّاء في صفة الملائكة على إرادة جمع الجمع: مَلَكٌ مرسَلٌ، وطائفة منهم مرسَلَةٌ، وطوائفُ مُرْسَلات.
* * *
(٧ - ١٥) - ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾: القسم لهذا؛ أي: الذي توعدون به كائن لا محالة.
ثمَّ بيَّن وقت وقوعه فقال:
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾: أي: مُحِيَتْ آثارُها؛ أي: أُذْهِبَتْ أنوارُها.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾: أي: جُعِلَ لها فروج؛ أي: شُقوق بعدَ أن كان لا فُروج لها؛ قال تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١].
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾: أي: قُلعَتْ من أصولها؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥].
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾: قرأ أبو عَمرو بالواو والباقون بالألف (^١).
أي: جُمِعَتْ لميقاتها الذي ضُرِبَ لها في إنزال العقوبة بمن كذَّبهم وجحدهم، وسُئِلَتْ عمَّا أُجيبوا به (^٢)، وسُئِلَ الأممُ أيضًا؛ قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٨).
(٢) "به" ليس في (أ).
[ ١٥ / ١٦٥ ]
وقيل: ﴿أُقِّتَتْ﴾؛ أي: أُجِّلَتْ لوقتِ فواتها، ويدلُّ عليه ما بعده.
والهمزة إبدال عن الواو لوقوعها طرفًا، كما في الوشاح والإشاح.
﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾: وهو تعجيبٌ مِن هذا اليوم، وتعظيمٌ لأمره؛ أي: أُجِّلَتِ الرُّسل لإحلال العذاب بمن كذَّبهم.
﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: أي: ليوم القيامة الذي يفصل فيه الحكم، ويفصل فيه بين المحقِّ والمبطل في الجزاء.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: تعجيبٌ آخر، وتعظيمٌ آخر لأمره.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: شدَّة عذابٍ، ووادٍ في جهنَّم للمكذِّبين باللَّه ورسله.
* * *
(١٦ - ٢٤) - ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقرير؛ أي: قد أهلكنا الأوَّلين ممَّن فعلوا فعلَهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾: وهم هؤلاء إنْ أصرُّوا على كفرهم وتكذيبهم.
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: أي: كذلك سُنَّتُنا في الذين يكتسبون سبب ذلك.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: قال ابن عبَّاس والضَّحَّاك وسفيان وعطاء وأبو العالية: ﴿وَيْلٌ﴾: وادٍ في جهنَّم يسيل فيها الصَّديد والقيح (^١).
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ٩٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٥٣) عن عطاء. ورواه أسد بن موسى في "الزهد" (١٦) عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" =
[ ١٥ / ١٦٦ ]
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵁ عنهما: أي: ضعيف (^١).
وقيل: حقير، وهو النُّطفة.
﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾: أي: الماء ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: وهو رحم المرأة؛ أي: مقرٍّ يتمكَّن فيه الماء.
﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي: مقدارٍ علمه اللَّه (^٢) لكونه فيه.
﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ يعني: قدَّرنا -بالتَّشديد- فنِعْمَ المقدِّرون.
بالتَّشديد قرأ نافع وابن عامر (^٣)، وهو جمع بين اللُّغتين، حيث قال: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، وأريد به: تقديرُ خلقه، وجوارحه، ومدَّةِ حمله وحياته.
وقيل: ﴿فَقَدَرْنَا﴾ بالتَّخفيف: مِن القُدْرة.
وقال ابن عبَّاس ﵄: فملَكْنا فنِعْمَ المالكون (^٤).
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
* * *
(٢٥ - ٢٨) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
_________________
(١) = (٩١١٤)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٤٦٧) عن ابن مسعود ﵁. وروي مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، رواه الترمذي (٣١٦٤)، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٩٤).
(٣) في (ف): "مقدار أعلمه" بدل: "مقدار علم اللَّه".
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٨).
(٥) رواه ابن المنذر عن ابن جريج، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٣٨٤)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٩٦) عن الضحاك.
[ ١٥ / ١٦٧ ]
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾؛ أي: ضِمامًا ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾: نصب بوقوع فعل الكَفْت -وهو الضَّمُّ- عليه؛ أي: تَضُمُّ الأحياءَ في المنازل، والأمواتَ في القبور.
فمن أهل اللُّغة من جعل الكِفات مصدرًا بمعنى النَّعت.
وأبو عبيدة والأخفش وقطربٌ جعلوا الكِفات جمع الكَفْت، وهو الوعاء (^١).
وبعضُهم جعله اسمًا لِمَا يقع به الضَّمُّ، كالسِّداد اسم لِمَا يقع به السَّدُّ.
وفي الحديث: "اكفِتُوا صبيانَكُم باللَّيل؛ فإنَّ للشَّياطين انتشارًا" (^٢)؛ أي: ضُمُّوهم إليكم، واحتبسوهم في البيوت.
وقال الكسائيُّ: يُقال: انكفَتوا إلى منازلهم؛ أي: انقلَبوا، ومعنى الآية: أنَّهم يتقلَّبون فيها، ويُدفنون فيها.
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿كِفَاتًا﴾؛ أي: منقلَبًا (^٣).
وقال الرَّازيُّ: ابن (^٤) آدم خلق من الأرض فهي أمه، وفيها ينشأ فهي عيشه (^٥)، وإليها يعود فهي كفاتُه، فهي ممر الخلق إلى الجنة أو إلى النار.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: أي: جبالًا ثوابت.
﴿شَامِخَاتٍ﴾: أي: عاليات هي أوتاد الأرض وفيها المنابت والمعادن.
﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾: أي: جعلنا لكم سقيًا صافيًا عذبًا.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: يومَ الفصل.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٨١).
(٢) رواه البخاري (٣٣١٦)، ومسلم (٢٠١٢)، من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٥٩٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٢)، كلاهما بلفظ: "كفاتًا: كنًّا".
(٤) في (ر): "إن"
(٥) في (ف): "عشه".
[ ١٥ / ١٦٨ ]
(٢٩ - ٣١) - ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾.
﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: أي: تقول الملائكة للمكذِّبين يوم القيامة انطلقوا إلى النار التي كنتم بها تكذبون؛ أي: سيروا (^١).
﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ﴾: هو دخانُ جهنَّم.
﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: ثلاث فِرَقٍ، وذلكَ إذا انتهى بهم إلى النَّار خرجَ من النَّار لسانٌ فأحاطَ بهم، ككفَّة الميزانِ، حتَّى يكون عليهم سرادقًا، ثم يخرجُ من ذلك السُّرادِق ثلاث فِرَق، حتى يُظلِّل ذلك السُّرادِقُ عليهم، ويصيبهم من غمِّه وكربه (^٢).
وقيل: الظِّل عين النَّار، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وتتشعَّب أيضًا ثلاث شعب: شعبة فوقه، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن شماله، فتحيط به.
وقال القتبيُّ: إنَّ الشَّمس تدنو من رؤوس الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباسٌ، ولا لهم كِنان، فتلفحُهم الشَّمس وتَسْفَعُهم وتأخذُ أنفاسَهم كُرَبُ ذلك اليوم، ثمَّ ينجِّي اللَّه برحمته مَن يشاءُ إلى ظِلٍّ ظَليلٍ، فهنالك يقولون: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧].
_________________
(١) "أي سيروا" ليس في (أ).
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٤٥) عن الكلبي، ولفظه: "في قوله تعالى: ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ قال: هو كقوله تعالى: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، والسرادق: الدخان، دخان النار قد أحاط بهم سرادقها، ثم تفرق فكان ثلاث شعب، فقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ شعبة هاهنا، وشعبة هاهنا، وشعبة هاهنا: ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ". وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٦٠٠) عن قتادة.
[ ١٥ / ١٦٩ ]
ويُقال للمكذِّبين: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ من عذاب اللَّه تعالى، انطلقوا من ذلك الموضع إلى ظِلٍّ من دخان نار جهنَّم قد سطع ثم افترق ثلاث فِرَق، وكذلك شأن الدُّخان العظيم إذا ارتفع تشعَّب، فيُقال لهم: كونوا فيه إلى يُفرَغ من الحساب، ثم يُؤمَر بكلِّ فريقٍ إلى مستقرِّه من الجنَّة أو النَّار (^١).
وقوله تعالى: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾؛ أي: مُظِلَّ من حرِّ ذلك اليوم، وحرِّ النَّار.
﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾: ولا يسترُ ولا يُكِنُّ مِن لهبِ جهنَّم.
وقيل: ﴿مِنَ اللَّهَبِ﴾؛ أي: من العطش، قال قطرب: لَهِبَ يَلْهَبُ لهبًا: إذا عطش.
ورجلٌ لهبانُ، وامرأة لَهْبَى.
* * *
(٣٢ - ٣٤) - ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿إِنَّهَا تَرْمِي﴾: أي: النَّارُ ﴿بِشَرَرٍ﴾: في العِظَم ﴿كَالْقَصْرِ﴾ (^٢) المبنيِّ من القصور. وهذا عن ابن عبَّاس ومجاهد (^٣).
وعن ابن عبَّاس في رواية أخرى (^٤) وقتادة والضَّحَّاك: أنَّ القَصْرَ أصولُ النَّخل، جمع قَصْرَة، كالجَمْرِ جمع جَمْرَة (^٥).
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٩٤).
(٢) في (أ): " ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ من النار ﴿كَالْقَصْرِ﴾ ".
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٦٠١).
(٤) "أخرى" من (ف).
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٦٠٢ - ٦٠٣).
[ ١٥ / ١٧٠ ]
وعن ابن عبَّاس أنه قرأ: (كالقَصَرِ) بفتح الصَّاد (^١)، جمع قَصَرَة بفتحها، وهي أعناق النَّخل (^٢).
﴿كَأَنَّهُ﴾: أي: كأنَّ الشَّرَر ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿جِمَالَتٌ﴾ وهي جمع جَمَل، وقرأ الباقون: ﴿جمالات﴾ وهي جمع الجمع (^٣).
قوله: ﴿صُفْرٌ﴾ قال أكثر أهل اللُّغة: أي: سُوْدٌ، وكذا رُوي عن الحسن وقتادة (^٤).
وسواد الإبل يضرب إلى الصُّفرة، وأنشدوا:
تِلْكَ خَيْلِيْ مِنْهُ وتلْكَ رِكابي هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيْبِ (^٥)
أي: سُوْدٌ.
قالوا: معناه: إنَّ الشَّررَ يرتفِعُ فوقَهم كهيئة القُصور ثمَّ ينحطُّ عليهم كالإبل السُّود.
وعن ابن عبَّاس ﵄ في رواية: (جُمالات) بضم الجيم (^٦). وهي الحبال الغِلاظ.
وعن علي ﵁ أنه قال: هي قطعة النُّحاس (^٧).
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
_________________
(١) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" لابن خالويه (ص: ١٦٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٦٠٤).
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٨).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٦٠٦).
(٥) البيت للأعشى. انظر: "ديوانه" (ص: ٢٧).
(٦) وهي قراءة شاذة. انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٣٤٧).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٦٠٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٢) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٥ / ١٧١ ]
(٣٥ - ٣٧) - ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾: وسئل ابنُ عبَّاسٍ عن هذه الآية، وعن قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]، قال: في ذلك اليوم مواقف، في بعضها يختصمون، وفي بعضها لا ينطقون (^١).
وقال الحسن: لا ينطقون بحجَّة، وقد ينطقون (^٢).
وقيل: لا ينطقون إذا قيل لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ولا يعتذرون إذا قيل لهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ [التحريم: ٧].
وقيل: أي: لا يكون لهم عُذْرٌ، ولو كان لَأُذِنَ لهم فيه.
وقال الحسن: يتكلَّمون بما يكون عذرًا عندهم، وهو حجَّة عليهم: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]، ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ولم يقل: (فيعتذروا)، كما قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]؛ لأنَّ ذلك جوابٌ، وهذا عطف؛ على قوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ وليس بجواب.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
_________________
(١) رواه مجاهد في "تفسيره" (ص: ٦٩٢). وذكره البخاري تعليقًا قبل حديث (٤٩٣٠)، ورواه عبد بن حميد كما في "تغليق التعليق" لابن حجر (٤/ ٣٥٧)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٣٨٧). وروى نحوه الحاكم في "المستدرك" (٨٧١٠) عن ابن عباس ﵄. وصححه الحاكم وخالفه الذهبي فقال: يحيى بن راشد المازني ضعفه النسائي.
(٢) ذكره عن الحسن الرازي في "تفسيره" (٣٠/ ٧٧٧)، والقرطبي في "تفسيره" (٢١/ ٥١٤). وذكره الواحدي في "البسيط" (١٧/ ٣٠٩) عن الكلبي، و(١٧/ ٤٣٧) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٥ / ١٧٢ ]
(٣٨ - ٤٠) - ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: أي: يومٌ يُفْصَل فيه بين المبطل والمحقِّ والمحسن والمسيء بالجزاء.
﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾: معاشر الكفَّار ﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ الذين كانوا قبلكم.
﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾: فإنْ كان لكم احتيالٌ في التَّخلُّص من عذابي فاحتالوا؛ أي: ولا حيلة.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بذلك.
* * *
(٤١ - ٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: وهم الذين يخالفون هذا، فإنَّهم اتَّقَوا الكُفْرَ والمعاصي.
﴿فِي ظِلَالٍ﴾: جمع ظِلٍّ، وهو الظِّلُّ الظَّليل في الجنَّة، بخلاف ﴿ظلٍّ ذي ثلاث شعب﴾ للكفَّار.
﴿وَعُيُونٍ﴾: جاريةٍ في الجنَّة.
﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: لا يتناولونها عن جوعٍ، ولا عن امتلاء، بل عن شهوة.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا؛ أي: يُقال لهم ذلك.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: فأحسِنوا تُجزَوا بهذا ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
* * *
[ ١٥ / ١٧٣ ]
(٤٦ - ٥٠) - ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾: خطاب للكفَّار بصيغة الأمر على جهة (^١) التَّهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]؛ أي: إن تمتَّعتم -وهو قليل- فإنَّ عاقبتَه النَّار.
﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾: وقد قال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: فسَّرناه.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾: أي: صلُّوا ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾؛ أي: لا يصلُّون.
قال ابن عبَّاس: نزلت في ثقيف حين أمرهم رسولُ اللَّه -ﷺ- بالصَّلاة، فقالوا: لا نجبِّي -أي: لا ننحني للرُّكوع والسُّجود- فتعلوا أستاهنا، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "لا خير في دين لا يكون فيه ركوع ولا سجود" (^٢).
_________________
(١) في (ف): "وجه".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٤٢١) عن مقاتل. وروي بإسناد رواته ثقات لكن دون ذكر النزول، فقد روى الإمام أحمد في "المسند" (١٧٩١٣)، وأبو داود (٣٠٢٦)، من طريق الحسن عن عثمان بن أبي العاص ﵁: أن وَفْدَ ثَقيفٍ لَمَّا قدمِوا على رسولِ اللَّه -ﷺ- أنزلَهم المسجدَ ليكون أردتَّى لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يُحْشَروا ولا يُعْشَرُوا ولا يُجَبُّوا، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "لكم أن لا تُحشَروا ولا تُعشَروا، ولا خيرَ في دِين ليس فيه ركوعٌ". ورجاله ثقات، إلا أن في سماع الحسن -وهو البصري- من عثمان بن أبي العاص اختلافًا، قال عبد الحق الإشبيلي "الأحكام الوسطى" (٣/ ٧٥): ولا يعرف للحسن سماع عن عثمان، والحديث معروف وليس طرقه بقوية. قلت: ويُثبت سماعه منه ما أورده البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ٢١٢) عن الحسن قوله: كنا ندخل على عثمان بن أبي العاص.
[ ١٥ / ١٧٤ ]
وقيل: إذا قيل لهم: اخضعوا للحقِّ، لا يخضعون، وهو يعمُّ الصَّلاة وغيرها.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: بالآمرين بالصَّلاة.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: إذا كان هؤلاء لا يؤمنون بهذا الحديث الذي هو القرآن مع إعجازه ووضوحه فبأي حديث بعد القرآن يريدون أن يؤمنوا (^١)؟.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "به".
[ ١٥ / ١٧٥ ]