بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي ألقى على رسوله قولًا ثقيلًا، الرَّحمنِ الذي أخذ عدوَّه أخذًا وبيلًا، الرحيمِ الذي يتولَّى مَن اتَّخذ إليه سبيلًا.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سُورةَ المزمِّل دفع اللَّه عنه العسرَ في الدُّنيا والآخرة" (^١).
وهي مكيَّة إلَّا قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى آخر السُّورة فإنَّها مدنيَّة.
وهي ثماني عشر آية، ومئةٌ وتسعٌ وتسعون كلمة، وثمانِ مئةٍ وأربعةٌ وعشرون حرفًا.
وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّ آخر تلك في إرسال كلِّ الرُّسل (^٢)، وأوَّل هذه في إرسال محمَّد المصطفى -ﷺ-.
وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك في دعوة الجنِّ، ووعِدِ مَن أجاب منهم، ووعيدِ مَن لم يُجِبْ، وهذه في دعوة الإنس، ووعدِ مَن أجاب منهم، ووعيد مَن لم يُجِبْ.
* * *
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٥٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٧١)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) في (أ) و(ف): "الأنبياء".
[ ١٥ / ٦١ ]
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: أصله المتزمِّل، فأُدغِمَتِ التَّاء في الزَّاي، وهو الملتفُّ بثيابه.
وقيل: كان نائمًا متزمِّلًا في ثيابه، فأُمِرَ بالقيام للصَّلاة.
وقيل: كان قائمًا متهيِّئًا للصَّلاة ملتفًّا بثيابه.
وقيل: كان هذا في أوَّل ما أُوحي إليه، لَمَّا سمع صوت الملَك ونظر إليه أخذتْهُ الرِّعدة والحمَّى، فأتى أهلَه وقال: "زمِّلوني دثِّروني".
ونَروي الأحاديث فيه في أوَّل (سورة المدثِّر) إن شاء اللَّه تعالى.
قالوا: كان نداؤه في أول حاله بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ وبـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فلمَّا تحمَّل المشاقَّ نُودي بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبـ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾.
وقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾: يا أيُّها المتحمِّل (^١) بلباس الرِّسالة، المتحمِّل (^٢) لأعباء الأمانة.
* * *
(٢ - ٤) - ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾: أي: تهجَّدْ باللَّيل واسهرْ للصَّلاة فيه ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ من اللَّيل تستريح فيه.
قيل: هو الثُّلث الأخير، وتقديره: قم ثُلُثي اللَّيل.
وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾: يعني: أو قم نصفَه.
_________________
(١) كذا في النسخ، ولعلها: "المتجمل".
(٢) "بلباس الرسالة المتحمل" ليس في (ف).
[ ١٥ / ٦٢ ]
﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾: أي: من النَّصف.
﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾: أي: على النِّصف، وهو كقولك: أعطني درهمين، درهمًا، نصفَ درهم؛ أي: أعطني أيَّ ذلك شئْتَ، فيُفهَم التَّخيير وإنْ لم تذكر لفظة التَّخيير، فكذا هنا.
وقيل: قوله: ﴿نِصْفَهُ﴾ تفسير قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، وتقديره: قم نصف اللَّيل، كقولك: ضربْتُ زيدًا رأسَه، ومعناه: ضربْتُ رأسَ زيد.
فكان الأمر أوَّلًا بقيام نصف اللَّيل، ثم قال: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ وهو ما دون النِّصف، ثم قال ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على النِّصف.
وكان هذا (^١) فرضَ قيام اللَّيل عليه وعلى المؤمنين، وكانوا مخيَّرين في النصف وما دونه وما فوقه، وكان النَّبيُّ -ﷺ- يَشُقُّ عليه مراعاةُ هذه المقادير، فقام سنةً -في رواية- لم ينم في شيءٍ منها ليلًا، وفي رواية: سنتين، وفي رواية (^٢): حتَّى تورَّمَتْ قدماه، فأنزل اللَّه تعالى التَّخفيف له وللمؤمنين: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ الآية، فسقطت عنهم فَرْضيَّة القيام ليلًا، وبقيَتِ الفضيلة (^٣)، وروي ذلك عن ابن عبَّاس والحسن والكلبيِّ (^٤).
_________________
(١) في (ر): "ومعناه".
(٢) "وفي رواية" ليس في (أ) و(ف).
(٣) روى بعض هذا مسلم (٧٤٦) عن عائشة ﵂ قالت: (فإنَّ اللَّه ﷿ افْترَض قيامَ الليلِ في أول هذه السورة، فقام نبيُّ اللَّه -ﷺ- وأصحابُه حولًا، وأمسَكَ اللَّهُ خاتِمَتَها اثنَيْ عَشَرَ شهرًا في السماء، حتى أَنزلَ اللَّهُ في آخِر هذه السُّورةِ التخفيفَ، فصار قيامُ الليلِ تطوُّعًا بعدَ فريضةٍ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٦٠ - ٣٦١) عن ابن عباس بنحو حديث عائشة السابق، وسيأتي قول الحسن. ورواه أيضًا عن قتادة.
[ ١٥ / ٦٣ ]
قال الحسنُ: إنَّ اللَّه تعالى افترضَ على النَّبيِّ -ﷺ- والمؤمنين (^١) قيام اللَّيل، فكان قيامُ ثلث اللَّيل فريضةً عليهم، فكانوا كذلك سنةً حتى انتفخت أقدامُهم، وعلموا أنَّهم لا يطيقون ذلك، فرحمهم اللَّه تعالى ووضعه عنهم، فأنزل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾: أي: في صلاة اللَّيل.
قال الفرَّاء: أي: اقرأه على هِيْنَتك (^٣).
وقال أبو سعيد: أي: فصِّلْه، وهو أن يسكت على الآية، فيتأمَّلَها.
وقيل: التَّرتيل: أداء الحروف وحفظُ الوقوف.
وقال قطربٌ: أي: ليِّنه، وهو خفض الصوت وتحزين القراءة، والرَّتل: اللِّين.
والأقاويل المتقدِّمة من قولهم: ثَغْرٌ رَتَلٌ ورَتِل؛ أي: مُفَلَّج مُبَيَّن حَسَنُ النَّظْم.
* * *
(٥) - ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾: قيل: هو افتراض قيام اللَّيل؛ فإنَّه يَصْعب على الأنفس العمل به لأنَّه للنَّوم والاستراحة عادةً.
وقيل: معناه: إنَّا سنوحي إليك قرآنًا يَثقل العملُ بشرائعه وأحكامه.
وقيل: أي: قرآنًا ثقيلًا على الكفَّار، لِمَا فيه من الاحتجاج عليهم وبيانِ (^٤) ضلالتهم، وسبِّ آلهتهم، وتسفيهِ أحلامهم، وعلى أهل الكتاب لبيان تحريفهم.
_________________
(١) في (ف): "افترض على المؤمنين والمؤمنات".
(٢) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٦٢).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٩٧).
(٤) في (أ): "في بيان".
[ ١٥ / ٦٤ ]
وقيل: أي: قرآنًا ذا قَدْرٍ ووزنٍ؛ لِحُسْنِ نَظْمه ومعانيه، ليس بالسَّخيف ولا بالضَّعيف.
وقيل: قرآنا ثقيلًا عليك ظهورُ آثار وحيه.
وقال زيد بن ثابت: كنْتُ أكتبُ لرسول اللَّه -ﷺ-: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللَّه)، فجاء ابنُ أمِّ مكتوم، فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ بي مِن الضُّرِّ ما ترى. قال زيد: فثقلَتْ فخذُ رسولِ اللَّه -ﷺ- على فخذي حتَّى خشيْتُ أنْ ترضَّها، فنزلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (^١).
وروي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرَانها، فما تستطيع أن تتحرَّك (^٢).
وقالت عائشة ﵂: لقد رأيْتُه في اليوم الشَّديد البردِ أُنزل عليه الوحي وإنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا (^٣).
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: أي: ساعاتِ اللَّيل التي تنشأُ شيئًا بعد شيء؛ أي: تُقْبِل وتبتدي، وقد أنشأها اللَّه تعالى فنشأتْ، وهي نعتٌ. وهذا قول الأخفش والقتبيُّ (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٩٢).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٤٨٦٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٨٦٥) وصححه، من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه البخاري (٢).
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٩٣).
[ ١٥ / ٦٥ ]
وقيل: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: قيامَ اللَّيل، فاعلةٌ بمعنى المصدر، كالخاطئة والكاذبة، وهي ما نشأ منك؛ أي: حدَث من القيام.
قال ابن عبَّاس وابن مسعود وغيرهما: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: قيام الليل (^١).
وقال الخليل والكسائيُّ: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: أوَّل اللَّيل، والنَّاشئ: المبتدي (^٢).
وقوله تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: قرأ أبو عمرو وابن عامر (^٣): ﴿وِطَاءً﴾ بكسر الواو ومدِّ الألف، من المواطأة، وهي الموافَقة، وقد واطأتُه مواطأةً ووِطاءً، كما يقال: مارَيتُه مماراةً ومِراء.
وقرأ الباقون: ﴿وَطْئًا﴾ بفتحِ الواوِ وقصرِ الألف (^٤)، مِن الوَطْء بالقدم؛ أي: قيامُ اللَّيل للصَّلاة أشدُّ ثقلًا على الإنسان، وهو أعظم للثَّواب، وهو من قولهم: اشتدَّتْ وطأة السُّلطان على الرَّعيَّة: إذا ثَقُلَ عليهم ما يحمِّلهم من المؤن.
وقيل: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أي: أشدُّ ثباتًا من النَّهار، ولأنَّه يخلو باللَّيل عن الاشتغال فيتفرَّغ لهذا من بين سائر الأعمال.
وقال الفرَّاء ﵀: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أي: أثبتُ قيامًا (^٥).
وقال أبو سعيد الضَّرير: أي: أثبتُ لقَدمه في الصَّلاة.
ولهذا وجهان:
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٦٦) عن ابن عباس ﵄، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣٨٦٦) وصححه عن ابن مسعود ﵄.
(٢) انظر: "العين" للخليل (٦/ ٢٨٨)، ونقله عن الكسائيِّ الحربيُّ في "غريب الحديث" (٢/ ٨٧٩).
(٣) في (أ): "أبو عمرو وابن عبَّاس".
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٦).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٩٧).
[ ١٥ / ٦٦ ]
أدوم لمن أراد الاستكثار من الصَّلاة.
وأثبتُ ممَّا يصلِّي بالنَّهار لانقطاع الشَّواغل عنه.
وقيل: أي: ساعاتُ اللَّيل أشدُّ وطأً للقائم (^١) فيها؛ أي: تطؤه فتسكِّنه، فلا يتحرَّك ولا يلتفِتُ ولا يتمايل.
وعلى قولهم: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أوَّلَ اللَّيل، فهي أشدُّ وطأً لأنَّه قبل أن يغلبَه النَّوم، ولو قام بعدما نام فعسى يكون خاثر النَّفس، وهو في أوَّل اللَّيل أثبتُ قدمًا وأصبر (^٢) قيامًا.
وأمَّا على قراءة كسر الواو والمدِّ في آخره فمعناه: إنَّ ساعات اللَّيل أوفقُ للقيام، وأشدُّ موافقةً له؛ لفراغ قلب المصلي.
وقيل: هو أشدُّ موافقةً للقلب مع اللِّسان، فيقرأ عن تدبُّر؛ لانقطاع الأشغال (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أي: القراءةُ باللَّيل أقومُ من القراءة بالنَّهار؛ أي: أشدُّ استقامةً واستمرارًا على الصَّواب؛ لأنَّ الأصوات هادئةٌ، والحركاتِ منقطعةٌ، والشَّواغلَ زائلة.
* * *
(٧ - ٨) - ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾: أي: تصرُّفًا كثيرًا، أو تقلُّبًا في حوائجك وأمور دنياك، ففرِّغ نفسك باللَّيل لعبادة ربِّك.
_________________
(١) في (أ): "للقيام".
(٢) في (ر) و(ف): "وأحسن".
(٣) في (أ): "الاشتغال عنه".
[ ١٥ / ٦٧ ]
والسَّبْحُ: الممرُّ السَّهل في الأمر، كالسِّباحة في الماء.
وقيل: هو الجري والدَّوران من السِّباحة، وفرس سابح: حسنُ مدِّ اليدين في الجري، كالسَّابح في الماء.
وقال الخليل: إنَّ لك في النَّهار نومًا بدلَ نوم اللَّيل للاستراحة (^١).
وأصله: التَّمدُّد؛ كالسِّباحة في الماء.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: أي: وصلِّ لربِّك باللَّيل والنَّهار، كما قال: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].
وقيل: أي: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ للشُّروع (^٢) في الصَّلاة.
وقيل: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾: وادْعُ بأسمائه في الدَّعوات.
وقيل: أي: ولتكنْ أسماءُ اللَّه من قلبك على ذُكرٍ لا تنساها.
﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾: أي: وانقطِعْ بعبادتك وعملك وطاعاتك وآمالك إليه وحده.
﴿تَبْتِيلًا﴾: بناه على: بتِّل نفسَك تبتيلًا، لموافقةِ الفواصل.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾.
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ربِّ المشرقِ﴾ بالخفض (^٣) وصفًا لقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
_________________
(١) انظر: "العين" للخليل (٣/ ١٥١).
(٢) في (ر): "قبل الشروع".
(٣) في (أ): "تكررت"، وفي (ف): "بالخفض"، بدل: "رب المشرق بالخفض".
[ ١٥ / ٦٨ ]
والباقون بالرَّفع على الابتداء (^١).
وهو من أسماء اللَّه تعالى التي قال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾: أي: قائمًا بأمورك كافيًا لمهِمِّك.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي: واصبرْ يا محمَّد على ما يقول هؤلاء المشركون في اللَّه.
وقيل (^٢): ولا تمتنع من دعائهم إلى اللَّه تعالى.
﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾: قيل: أي: أَظْهِر عليهم أنَّك واجدٌ عليهم، لكنْ لا تخاصمهم ولا تُسمعهم القبيحَ ولا تَدَعْ دعاءهم إلى اللَّه.
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾.
﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾: أي: كِلْ هؤلاء المكذِّبين إليَّ.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾: أي: التنعُّمِ في الدُّنيا.
﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾: أي: أَنْظِرهم.
قالت عائشة ﵂: ما كان بين نزول هذه الآية ونزول العذاب بهم إلَّا قليلًا، أصابَ اللَّه قريشًا يوم بدر (^٣).
وقيل: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ في حقِّ كلِّ الكفَّار مدَّةَ الدُّنيا.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٦).
(٢) في (أ): "في رواية وفيك"، بدل: "في اللَّه وقيل".
(٣) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٨/ ٥٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٨١)، والحاكم في "المستدرك" (٨٧٥٧) وصححه.
[ ١٥ / ٦٩ ]
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾: أي: عندنا في الآخرة قيودًا سودًا من النَّار. كذا قاله المفسِّرون في الأنكال.
وقال أهل اللُّغة: هي جمع نِكْلٍ، وهو ما منع به الإنسان من الحركة من قيدٍ وغيره.
وقال قطرب: النِّكل: هو الغُلُّ والقيد واللِّجام.
وقوله تعالى: ﴿وَجَحِيمًا﴾: أي: نارًا مستعرة.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾.
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: يَغُصُّ به آكلُه، يَنْشَبُ في حلقه فلا يَسُوغ.
وقال الحسن: أمَا واللَّه ما قيَّدهم لأنَّهم أعجزوه، ولكن ليُرسيَهم في النَّار (^١).
وقال الضَّحَّاك: ذكر لنا أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قُرئ بين يديه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ فصَعِقَ (^٢).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "صفة النار" (٥٨).
(٢) رواه وكيع في "الزهد" (٢٨)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ١٣٦)، والإمام أحمد في "الزهد" (١٤٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٨٥) عن حمران بن أعين مرسلًا. ورواه الواحدي في "الوسيط" (١٢٥١) عن حمران بن أعين عن عبد اللَّه بن عمر ﵄. ورواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٢/ ٤٣٦) عن حمران بن أعين عن أبي حرب بن الأسود. وقال: روي هذا الحديث دون ذكر أبي حرب بن أبي الأسود في الإسناد. وذكر الحديث، وهو مع ذكره فيه مرسل. قال الذهبي في "المغني في الضعفاء" (١/ ١٩١): حمران بن أعين الكوفي تابعي يترفض، قال النسائي: ليس بثقة، وقواه أبو حاتم.
[ ١٥ / ٧٠ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄ ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾؛ أي: إنَّ في الآخرة أغلالًا يُغلُّون أيمانُهم إلى أعناقهم في الحديد والسَّلاسل، ﴿وَجَحِيمًا﴾: معظم النَّار، ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾: الزَّقوم والضريع والغسلين، يستمسك في الحلق فلا يكادون يَسُوغونه (^١).
وقال عطاءٌ الخراساني: يُجيعهم حتى يستغيثوا من الجوع، فيُطعَمون الزَّقُّوم والضريع والغِسلين، فيغصُّون بها، فيسألون الشَّراب، فيُسْقَون الحميم (^٢).
وهذا كلُّه في حقِّ الذين قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾.
وقال مقاتل بن حيَّان: هم المطعِمون يوم بدر (^٣).
وهم عشرة من قريش ذكرناهم في سورة الأنفال (^٤).
﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾: أي: هذا العذاب لهم يوم تتحرَّك الأرض والجبال باضطراب شديد، وهي الزَّلزلة.
وقال الأخفش: أي: يقلع أصولها.
﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾: أي: رملًا مجتمعًا، ويُقال للشَّيء المجموع: كُثْبَة.
_________________
(١) نحوه في "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٩٠).
(٢) روى نحوه الترمذي (٢٥٨٦) من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا. وقال: قال عبد اللَّه بن عبد الرحمن: (والناس لا يرفعون هذا الحديث). وعبد اللَّه بن عبد الرحمن هو الدارمي صاحب "المسند"، وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (٧/ ٢٦٣): (هو وإن كان موقوفًا لكنه في حكم المرفوع فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن يقال من قبل الرأي). وقد تقدم الحديث عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٣٩٢).
(٤) انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٦].
[ ١٥ / ٧١ ]
وقال الخليلُ: كَثبْتُ التُّراب؛ أي: نثرته، فانكثَبَ؛ أي: انتثرَ، والكثيبُ: الرَّمل المكثوب؛ أي: المنثور بعضُه على بعضٍ لرخاوته (^١).
﴿مَهِيلًا﴾ قال قطرب: هال الدَّقيقَ ونحوَه يَهيلُ هَيلًا؛ أي: أسالَ، والمفعول منه: مَهِيلًا؛ أي: تصير الجبال رملًا (^٢) إذا حُرِّكَ أسفلُه يُحرَّك أعلاه فهو لا يتماسك، بعد أن كانت أوتادَ الأرض.
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾: وهو محمَّدٌ -ﷺ-.
﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾: أي: يوم القيامة بإجابةِ مَن أجاب وتكذيب مَن كذَّب.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾: وهو موسى ﵇.
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾: أي: الذي جعلناه رسولًا إليه، والنَّكرة إذا أُعيدَتْ تعرَّفت.
ومعنى عصاه: ردَّ أمرَه فلم يقبلْه.
﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾: أي: أخذنا فرعون؛ أي: عاقبناه.
﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾: أي: عقوبةً شديدةً، وهو الغرق.
والوبيل: الثَّقيل الشَّديد. وقيل: الوخيم. وقيل: الغليظ. وقيل: الكريه.
وقد وَبُلَ المرتَعُ يَوْبُلُ وَبالًا، فهو وَبيلٌ، من حدِّ (شَرُفَ).
يقول: فاحذروا أن تشاركوهم في المعصية، فتشاركونهم في استحقاق العقوبة.
_________________
(١) انظر: "العين" للخليل (٥/ ٣٥١).
(٢) "رملًا" ليس في (أ).
[ ١٥ / ٧٢ ]
(١٧) - ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾.
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾: قال الحسنُ: أي: إن لم تتَّقوا اليوم في الدُّنيا فكيف تتَّقون يومًا يجعل الولدان شيبًا؛ أي: إن لم تتَّقوا اليوم لن ينفعكم الاتِّقاء يوم القيامة.
وقيل: هو استفهامٌ بمعنى التَّقريع؛ أي: كيف تَقُون أنفسكم عذابَ يوم القيامة إن كفرتم باللَّه.
والاتِّقاء: افتعال من الوقاية، وهو التَّوقِّي.
قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ صفة اليوم.
والشِّيبُ: جمع أشيب، والشَّيبُ: بياض الشَّعر.
وقيل: هو على حقيقته، تَشيب الولدانُ من هيبته، وذلك إذا قيل لآدم: ابعث بعثَك إلى النَّار، فيقول: كم من كم؟ فيقال: مِن كلِّ ألفٍ تسعُ مئة وتسعةٌ وتسعون، فحينئذ تَشيب الولدان شيبًا (^١).
وقيل: هو مبالغةٌ في وصف شدائد ذلك اليوم، يُقال: هذا أمر يُشيب الوليد، قال الشَّاعر:
دهتْنا أمورٌ تُشيْبُ الوليد ويَخذِلُ فيها الصَّديقَ الصَّديق (^٢)
_________________
(١) روى البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "يقول اللَّه ﷿: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، قال: فذاك حين يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها. . . ".
(٢) البيت لعلي بن أمية. كما في "عيون الأخبار" لابن قتيبة (١/ ٢١٥)، و"ربيع الأبرار" للزمخشري (٤/ ١٥٨).
[ ١٥ / ٧٣ ]
(١٨ - ١٩) - ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾؛ أي: منشقٌّ بسبب ذلك اليوم، كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وقال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥].
وظاهر لفظه لفظُ المذكَّر، ولذلك قال: ﴿مُنْفَطِرٌ﴾، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ فأنَّث لأنَّها مؤنَّثة سماعًا.
﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾: أي: كان ما وعَد اللَّه من كون هذا اليوم على ما فيه من الشَّدائد ممَّا يفعله اللَّه ويحققه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾: أي: إنَّ هذه السُّورة تذكير وعظة.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أي: فقد سَهُل التَّذكير واتَّضح (^١) سبيلُ الآخرة، فمَن شاء أَمْكَنه أن يتَّخذ لنفسه سبيلًا إلى نيل رضا اللَّه وثوابه.
* * *
(٢٠) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: قرأ نافع وأبو عمرو
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "سلوك".
[ ١٥ / ٧٤ ]
وابن عامر: ﴿وَنِصْفِهِ﴾ بالخفض، وكذلك ﴿وَثُلُثَهُ﴾؛ أي: أدنى من ذلك كلِّه.
وقرأ الباقون: ﴿وَنِصْفَهُ﴾ بالنَّصب (^١)، وكذلك: ﴿وَثُلُثَهُ﴾؛ عطفًا على قوله: ﴿أَدْنَى﴾، وهو منصوب بوقوع ﴿تَقُومُ﴾ عليه.
قالت عائشة ﵂: إنَّ اللَّه افترضَ قيام اللَّيل في أوَّل هذه السُّورة، فقام نبيُّ اللَّه وأصحابُه حولًا حتى انتفخَتْ أقدامَهم، وأمسك اللَّه تعالى خاتمة هذه السُّورة اثني عشر شهرًا في السَّماء، ثم أنزل اللَّه التَّخفيف في آخر هذه السُّورة، فصار قيام اللَّيل تطوُّعًا بعد فرضه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾؛ أي: اللَّيل.
﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: أقلَّ من الثُّلثين.
﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: على قراءة النَّصب: أي: وتقوم نصفَ اللَّيل وثلثَ اللَّيل.
وعلى قراءة الخفض: تقوم أقلَّ من نصفِ اللَّيل، أو أقلَّ من ثلثِ اللَّيل.
﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾: أي: من أصحابك يفعلون كذلك، وله وجهان:
أحدهما: كانوا ربَّما قاموا كذا، وربما قاموا كذا، وكانوا (^٣) لا ينقصون عن ثلث اللَّيل، وقد يزيدون عليه، فقد كانوا أُمِروا في أوَّل السُّورة بذلك على التَّخيير، فامتثلوا لِمَا أُمِروا به في ليال مختلفة، كمَن حنث في أيمان، فكفَّرَ في بعضها بالعتق، وبعضها بالكسوة، وفي بعضها بالإطعام.
والثَّاني: أن يكون بعضهم كان يقوم الثُّلث، وبعضهم النِّصف، وبعضهم الثُّلثين، كقومٍ حنثوا في اليمين، فكفَّر كلُّ حالف بنوع.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٦).
(٢) رواه مسلم (٧٤٦).
(٣) في (ف): "كانوا ربما قاموا كذا وقاموا كذا وقاموا كذا".
[ ١٥ / ٧٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أي: هو يزيد وينقص، وهو العالم بمقاديرهما على الحقيقة، وأنتم تعلمون ذلك بالتحرِّي (^١) المؤدِّي إلى الخطأ أحيانًا.
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾: أي: لن تقدروا على حفظ هذه المقادير.
وقيل: أي: لن تطيقوا قيام اللَّيل على الدَّوام، ثم هذا لم يكن تكليفَ ما ليس في الوسع، لكن كان يَشُقُّ عليهم بعضَ المشقَّة.
قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: رجع بكم من تثقيلٍ إلى تخفيفٍ، ومن تعسيرٍ إلى تيسيرٍ، بأنْ أزالَ عنكم هذا الفَرْض، وأسقط عنكم مؤنة حفظ التَّقدير، وهو كقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا الإحصاء كالمذكور في قوله -ﷺ-: "استقيموا ولن تحصوا" (^٢)؛ أي: ولن تطيقوا ذلك بحقِّ الواجب فيه إلَّا بمشقَّة، "فسدِّدوا"؛ أي: الزموا السَّداد "وقاربوا" (^٣)؛ أي: كونوا قريبًا من طريق الحقِّ ولا تمايلوا عنه.
والإحصاء يكون عدًّا ويكون استطاعة.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "بالتحري".
(٢) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٣٤) بلاغًا، وهو قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٣٧٨)، وابن ماجه (٢٧٧)، عن ثوبان ﵁ مرفوعًا.
(٣) قوله: "فسددوا وقاربوا" إن كان يقصد المصنف أنها تابعة لحديث: "استقيموا ولن تحصوا" وهو الظاهر من صنيع المصنف، فهو رواية للحديث عند الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٤٣٣)، لكن ليس فيه عبارة: "استقيموا ولن تحصوا"؛ أي: أن كل جملة منهما وردت في رواية. وإن كان يقصد المصنف بقوله: "فسددوا وقاربوا" أنه رواية مستقلة عما قبله، فقد وردت هذه الجملة في عدة أحاديث، منها ما رواه البخاري (٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
[ ١٥ / ٧٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾:
قال الحسن ﵀: أي: فصلُّوا باللَّيل قَدْر ما تيسَّر عليكم (^١).
والصَّلاة تُسمَّى قرآنًا لِمَا فيها من القراءة؛ قال تعالى: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وهو كما تُسمَّى تسبيحًا، وتُسمَّى سجودًا، وتُسمَّى ركوعًا؛ لِمَا فيها مِن كلِّ واحدٍ منها.
وكان الحسن يقول بظاهر هذا: إنَّ قيام اللَّيل واجب ولو قَدْرَ حَلَبِ شاة، وتلا هذه الآية (^٢).
وهو قول جماعة من أهل العلم.
وقال عبد الرَّحمن بن زيد وقتادة وجماعة من أهل العلم: انتسخ (^٣) فرض قيام اللَّيل أصلًا، قلَّ أو كثر.
وقال الضحَّاك ومقاتل: ارتفع عن الأمَّة لا عن النَّبيِّ -ﷺ-؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]؛ أي: زيادة لك على ما فرض على أمَّتك من الصَّلوات الخمس.
وقيل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ هو على حقيقة القراءة في صلاة الليل.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٦٥) بلفظ: (﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: يعني في صلاة المغرب والعشاء).
(٢) ذكره ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (٣/ ١٣٢)، والسمعاني في "تفسيره" (٦/ ٨٤)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١). وانظر ما رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٩٦) من طريق أبي رجاء عن الحسن. وهذا القول رده النووي بالإجماع والنصوص الصحيحة على أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس. انظر: "شرح مسلم" (٦/ ٢٧).
(٣) في (ر): "نسخ".
[ ١٥ / ٧٧ ]
وقيل: في كلِّ صلاة، ودلَّ إطلاقه على أنَّ قراءة الفاتحة غير متعيِّنة للفرض كما قال أصحابنا ﵏.
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾: يَشُقُّ عليهم قيام اللَّيل.
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: أي: يسافرون للتِّجارات.
﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يغزون فيَشقُّ عليهم قيام اللَّيل في السَّفر.
وروي عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّه قال: ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل اللَّه أحبَّ إليَّ من أن يأتيَني وأنا ألتمس فضل اللَّه، ثم قرأ هذه الآية (^١).
وروى علقمة عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "ما مِنْ جالبٍ يجلبُ طعامًا من بلد إلى بلد، فيبيعُه بسعر يومه، إلَّا كانت منزلتُه عندَ اللَّهِ منزلةَ الشُّهداءِ"، ثمَّ قرأ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- هذه الآية (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: قال الحسن: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ بيان فرض قيام اللَّيل، وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ هو للتَّطوُّع منه (^٣). وهو فائدة التَّكرار، والقليلُ فرض عنده، والزِّيادة عليه نفل.
وقيل: معنى التكرار (^٤): ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ في الصَّلاة المفروضة في اللَّيل أيضًا.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢١٠١٨)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٣٢٣) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ٥١٦): أخرجه ابن مردويه في التَّفسير من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. وللحاكم من حديث اليسع بن المغيرة: "إن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل اللَّه"، وهو مرسل.
(٣) انظر ما رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٣٩٦) من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(٤) "والقليل فرض عنده والزيادة عليه نفل، وقيل معنى التكرار" ليس في (أ).
[ ١٥ / ٧٨ ]
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: دوموا على إقامة الصَّلوات الخمس.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: المفروضة؛ فإنَّكم إذا دمتم على ذلك أدركْتُم الفائت من أجر قيام اللَّيل.
﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: فتطوَّعوا بما يمكن من وجوه البرِّ بالمال.
وقيل: هو جميع وجوه الخير فعلًا وقولًا، وقد فسَّرناه مرَّات (^١) في آيات.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾: (ما) كلمة شرط، وهي جازمة، وقد سقطت النُّون كذلك في الشَّرط والجزاء.
﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾: ﴿هُوَ﴾ راجع إلى قوله: ﴿تَجِدُوهُ﴾.
يقول: كلُّ ما قدَّمْتُم في الدُّنيا زادًا لأنفسكم ليوم معادكم من أنواع الخير من الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والاعتكاف والحجِّ والعمرة والجهاد، نفلًا وفرضًا = وجدتُم ثوابه ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾؛ أي: أكثر نفعًا، ﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾؛ أي: أجزل ثوابًا.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: أي: من السَّيئات والتَّقصير في الحسنات.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يستر ذنوبكم، ويرحمكم، ولا يعذِّبكم.
واللَّه الموفِّق
* * *
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وقد فسرنا الحسن منه".
[ ١٥ / ٧٩ ]