بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أَوْعَد أبا لهب، الرحمنِ الذي لم يجعل له نفعًا بما كَسَب، الرحيمِ الذي بكفره يَصليه نارًا ذات لهب.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿تَبَّتْ﴾ أرجو ألا يجمَع اللَّه بينه وبين أبي لهب في دارٍ واحدة" (^٢).
وهذه السورة مكية، وهي خمس آيات، وثلاثٌ وعشرون كلمة، وأحد (^٣) وثمانون حرفًا.
وانتظام السورتين: أن تلك في ذكر نصر الأنبياء (^٤)، وهذه في ذكر هلاك الأعداء.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
_________________
(١) في (أ) و(ر): "سورة تبت".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٦٨)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٣٤)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) "وأحد" ليس من (ف). وفي "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٩٥)، وحروفها سَبعة وسبعون حرفًا كحروف النصر.
(٤) في (أ): "الأولياء".
[ ١٥ / ٥٢١ ]
الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى رسول اللَّه -ﷺ- الصفا فصعد عليه ثم نادى: "يا صباحاه"، فاجتمع إليه الناس، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا بني عبد المطَّلب، يا بني فِهْر، يا بني لؤي (^١)، أرأيتم لو أخبرتُكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم، صدَّقتُموني؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يديْ عذابٍ شديد" فقال أبو لهب: تبًّا لك سائرَ اليوم، أمَا دعَوْتنا إلا لهذا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^٢).
وروي: أنه لما نز لت هذه السورة دعا ابنَه عتبةَ -وكانت تحته بنتُ رسول اللَّه -ﷺ- وقال له: إن أردتَ (^٣) رضائي فطلق ابنةَ محمد وأْتهِ فأَسمعه، ففعل فأتى رسولَ اللَّه -ﷺ- فآذاه، فقال ﵇: "اللهمَّ سلِّط عليه كلبًا من كلابك" (^٤)، وقد مرت القصةُ في أول سورة والنجم.
* * *
(١) - ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
قال أهل التفسير وأهل اللغة: ﴿تَبَّتْ﴾؛ أي: خسرت؛ قال تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]، وقال في آية أخرى: ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣]، ثم الخسران يرجع إلى الضلال والهلاك.
_________________
(١) "يا بني لؤي" ليس من (ف)، وفي (أ): "يا بني يا بني".
(٢) رواه البخاري (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨).
(٣) في (ف): "طلبت".
(٤) رواه ابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ٢٠٧) من حديث هبار بن الأسود، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣٩٨٤) وصححه، البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢١١)، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، وفيهما أنه لهب بن أبي لهب. قال البيهقي: كذا قال عباس بن الفضل -وليس بالقوي-: لهب بن أبي لهب، وأهل المغازي يقولون: عتبة بن أبي لهب، وقال بعضهم: عتيبة.
[ ١٥ / ٥٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: أضاف التَّبَاب إلى اليد ومعناه: كلُّ بدنه؛ لأن المراد به أنه جزاءُ عمله، والعمل غالبًا يقع باليدين، يقال: كسَبَتْ يداه، وقال تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ولما كان العمل يقع منه الخسران بأنْ لا يحصلَ صاحبه منه على نفعٍ قيل: ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ على معنى: خسر ما عملَتْ يداه؛ أي: خسر عملَه فهو في ضلال وهلاك.
وأبو لهب عمُّ رسول اللَّه -ﷺ-، وذكر بالكنية دون الاسم لا تشريفًا له بل إشارةً إلى أنَّ مَرْجِعه إلى لهب النار.
وقيل: لأن اسمه كان عبدَ العزى، وهو كذبٌ، فلم يُذْكر به.
وقيل: كانت كنيتُه أبا عتبة، وكان (^١) له خمسةُ بنين: عُتبة وعتيبة وعتَّاب ومعتِّب ومعيتب، وكان يلقَّب بأبي لهبٍ لحمرةِ وجهه.
﴿وَتَبَّ﴾: أي: تَبَّ أبو لهب، ومعنى التكرار: إضافةُ الأول إلى يديه والثاني إليه، عند الفراء وجماعةٍ: أن الأول دعاء والثاني خبر بمعنى: وقد تبَّ، وكذا هو في مصحف عبد اللَّه (^٢)، وهو كما يقال: أهلكك اللَّه وقد أهلك.
وقيل: إنه كان أراد أن يرمي رسول اللَّه -ﷺ- بحجرٍ فمنعه اللَّه تعالى من ذلك، وذلك قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ثم قال: ﴿وَتَبَّ﴾ وهو إخبار عن عقاب ينزل به بعدُ.
* * *
_________________
(١) في (أ): "فقد كان". وفي (ف): "وقيل كان".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٩٨). والقراءة وردت أيضًا في حديث ابن عباس في الصحيحين والذي تقدم في أول هذه السورة، وهي محمولة على التفسير؛ لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة.
[ ١٥ / ٥٢٣ ]
(٢) - ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ﴾: يصلح للنفي، والاستفهامِ بمعنى تقرير النفي أيضًا، و﴿أَغْنَى﴾؛ أي: نَفَع ودفع.
﴿وَمَا كَسَبَ﴾: قيل: هو الولد.
قال النبيُّ ﵇: "أطيبُ ما يأكل الرجل من كَسْبه، وإنَّ ولده مِن كسبه" (^١)؛ أي: ما دفع عنه عذابَ اللَّه مالُه وولده.
وعن أبي الطفيل قال: كنتُ عند ابن عباس يومًا، فجاءه بنو أبي لهب يختصمون في شيء بينهم، فاقتتلوا عنده في البيت فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع على الفراش، فغضب ابن عباس ﵁ وقال: أَخْرِجوا عني الكسبَ الخبيث ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (^٢).
* * *
(٣ - ٤) - ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾: أي: سيدخل هو في الآخرة نار جهنم، وهي ذاتُ توقُّدٍ.
﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: أي: هو وامرأته، وهي أم جميل بنتُ حربِ بن أمية، أختُ أبي سفيان بن حرب.
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي (٤٤٥١)، وابن ماجه (٢٢٩١)، من حديث عائشة ﵂. فال الترمذي: حديث حسن.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٧٣٠) ومن طريقه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧١٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٨٦).
[ ١٥ / ٥٢٤ ]
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: قرأ عاصم بالنصب وهو على الذم، والباقون بالرفع (^١)، وهو على (^٢) خبر الابتداء؛ أي: وامرأته كذا.
وفي هذه القصة (^٣) أقاويل:
قال ابن عباس ﵄ والضحاكُ وابن زيد: كانت تحمل الشوك فتطرحُه في طريق النبي -ﷺ- إذا خرج إلى الصلاة (^٤).
وفي "تفسير الفقيه أبي الليث ﵀": فحملت ذات يومٍ حزمةَ شوكٍ لذلك، فوضعتها (^٥) على جدار وقد شدتها بحبل من ليفٍ على صدرها، فأتاها جبريل ﵇ ومدَّها خلف الجدار فاختنقت وماتت (^٦).
وقال عكرمة ومجاهد وقتادة: كانت تمشي بالنميمة (^٧)، وهو استعارةٌ لأن الحطب يُشعل به النار والنميمةَ توقِع العداوةَ والشحناء وتَهيجُ الفتنة والحربَ، وذلك يسمَّى بهذا (^٨)، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٧٠٠)، و"التيسير" (ص: ٢٢٥).
(٢) "على" ليست في (ر).
(٣) في (أ) و(ف): "الصفة".
(٤) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧١٩ - ٧٢٠).
(٥) في (أ): "فوضعته"، وفي (ر): "فوضعت"، وفي (ف): "وقد وضعت". والمثبت من "تفسير أبي الليث".
(٦) انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" (٣/ ٦٠٧).
(٧) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٢٠ - ٧٢١).
(٨) في (ر): "بذلك".
[ ١٥ / ٥٢٥ ]
وقال قتادة: قال بعضهم: إنها كانت تعيِّر رسول اللَّه -ﷺ- بالفقر ثم كانت تحتطب للؤمها وبخلها مع كثرة مالها فعيَّرها اللَّه بذلك (^١).
* * *
(٥) - ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾.
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: أي: من ليفٍ لينٍ (^٢) من جريد النخل.
وقال القتبي: المسد: كل ما ضُفِر وفُتل، يقال: مَسَدْتُ الحبلَ مَسْدًا، ومنه: رجل ممسودُ الخَلْق، إذا كان مجدولًا مفتولًا، وأنشد للراجز:
يا مسدَ الخُوصِ تعوَّذْ منِّي إنْ كنتَ (^٣) لَدْنًا لَيِّنًا فإنِّي
ما شئتَ من أشمطَ مُقْسَئِنِّ (^٤)
أي: غليظ.
قال: وأراد اللَّه بهذا الحبل: السلسلةَ التي ذرعُها سبعون ذراعًا، ويجوز أن يكون سماها مسدًا وإن كانت حديدًا أو نارًا أو ما شاء اللَّه لشدة الضَّفر (^٥) والفتل (^٦).
وقيل: هو حبل من ليف كانت تحتطِبُ به في الدنيا تجعله في عنقها عند حملها إياه.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٧٣٣) والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٢١).
(٢) "لين" من (أ).
(٣) في (أ): "تكن".
(٤) الرجز في "إصلاح المنطق" (ص: ٤٥)، و"البارع" للقالي (ص: ٤٧٨)، و"تهذيب اللغة" (١٢/ ٢٦٤)، و"جمهرة الأمثال" (٢/ ٣٠٧).
(٥) في (ف): "الظفر".
(٦) انظر: "تأويل مشكل القرآن" (ص: ١٠٣ - ١٠٤).
[ ١٥ / ٥٢٦ ]
وقيل: كانت تعلِّق في جيدها (^١) قلادةً من ودعٍ وهو خرزاتٌ، فشبَّه ذلك في قبحه وغِلَظه وسماجةِ منظره بالحبل من المسد.
وروى سعيد بن جبير عن أبي بكر ﵁ (^٢): لمَّا نزلت هذه السورة جاءت امرأة أبي لهب، فقال أبو بكر: لو تنحيتَ (^٣) يا رسول اللَّه فإنها امرأة بذيئة، فقال ﵇: "سيُحال بيني وبينها" فدخلت فلم تره، فقالت لأبي بكر: هجانا صاحبك، قال: واللَّه ما ينطق بالشعر (^٤) ولا يقوله، قالت: إنك لمصدَّقٌ، فاندفعت راجعةً، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه! ما رأتكَ، فقال: "لم يزل بيني وبينها ملكٌ يسترني عنها حتى رجعَتْ" (^٥).
وفي رواية: قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ الآية [الإسراء: ٤٥]، فلم تره (^٦).
وروي أنها قالت:
مذممًا أبينا
ودينَه قلَينا
وأمرَه عصَينا
_________________
(١) في (ر): "صدرها".
(٢) بعدها في (ر): "قال".
(٣) في (ر): "تتجنب".
(٤) في (أ): "ما نطق الشعر".
(٥) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٧٦٨)، وهو مرسل، ووصله البزار في "مسنده" (١٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، وإسناده حسن كما قال البزار عقيبه وابن حجر في "الفتح" (٨/ ٣٧).
(٦) رواه عبد بن حميد في "مسنده" (٣٢٥) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂.
[ ١٥ / ٥٢٧ ]
ورجعت (^١). فقال النبي -ﷺ- لأبي بكر: "انظر كيف صرف اللَّه تعالى ذمَّها عن اسمي فلم تقل: محمدًا أبينا" (^٢).
وروي أنها قالت: يا محمد! علَامَ تهجوني؟ فقال: "إني واللَّه ما هجوتُك، ما هجاك إلا اللَّه تعالى" (^٣).
والحمد للَّه
* * *
_________________
(١) قطعة من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ السابق.
(٢) رواه البخاري (٣٥٣٣) عن أبي هريرةَ ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ألا تَعْجبون كيف يَصْرِفُ اللَّهُ عني شَتْمَ قريشٍ ولَعْنَهم، يَشْتِمون مُذمَّمًا ويَلعنون مُذمَّمًا وأنا محمدٌ".
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٩٤٥) من حديث زيد بن أرقم.
[ ١٥ / ٥٢٨ ]