بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعل العذاب الواقع للكافرين، الرحمنِ الذي أَعدَّ الجنَّة للمؤمنين المطيعين، الرحيمِ الذي جعل خشوعَ البصر والذلَّةَ يوم القيامة للمشركين.
روى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورةَ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ أعطاه اللَّهُ تعالى ثوابَ الذين هم لأماناتِهم وعهدهم راعون" (^٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ثلاث وأربعون آية، ومئتان وسبعَ عشرةَ كلمة، وتسعُ مئة (^٣) وسبعةٌ وخمسون حرفًا.
وانتظام (^٤) ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّه ذكر في ختم تلك السُّورة حسرة للكافرين، وفي افتتاح هذه عذاب الكافرين.
_________________
(١) في (ر): "سورة سال سائل".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٥٠)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) في (ر) "وسبع مئة". وفي "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٣٥٤): وحروفها ثماني مئة وأحد وسِتُّون حرفًا.
(٤) في (أ) و(ر): "ونظم".
[ ١٥ / ٥ ]
وانتظام السُّورتين أنَّهما في ذكر يوم القيامة، وما فيه لأهل الكفر والإيمان من العقوبة والكرامة.
* * *
(١ - ٢) - ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ قيل: أي: دعا داعٍ بعذابٍ واقعٍ للكافرين؛ أي: بعذابٍ لا محالة هو واقع بالكفَّار يوم القيامة.
وقيل: هذا الدَّاعي هو النَّضر بن الحارث بن كلَدةَ بن عبد الدَّار بن قصي حين قال: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٢٢] (^١).
والباء في قوله: ﴿بِعَذَابٍ﴾ يجوز إدخاله في الدُّعاء، يقال: دعا بكذا.
وقيل: الباء زائدة، وتقديرُه: سأل سائل عذابًا واقعًا؛ أي: طلب طالبٌ عذابًا هو واقعٌ بالكافرين لا محالة، وهو منهم فسيقع به، وهو كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
وقال الكسائيُّ: الباء بمعنى (عن)، كما في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، ومعناه: سأل هذا الكافر عن العذاب بمن يقع؟ فقال اللَّه تعالى: للكافرين.
وقيل: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾؛ أي (^٢): دعا داعٍ، لكن الدَّاعيَ رسول اللَّه -ﷺ-؛ أي: دعا رسول اللَّه -ﷺ- بالعذاب أن يوقعَه اللَّهُ تعالى بالكافرين، وهو واقعٌ بهم لا محالة.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ١٤٥) عن عطاء والسدي. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٧٣) عن ابن عباس ﵄.
(٢) في (أ): "بمعنى".
[ ١٥ / ٦ ]
وقيل: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى: على الكافرين، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها.
وقرئ: ﴿سالَ سائلٌ﴾ بغير همز، وهو قراءة نافع وابن عامر (^١)، وله وجهان:
أحدهما: تليين الهمزة بالتَّخفيف (^٢).
والثَّاني: أنَّه من السَّيلان، ومعناه: جرى وادٍ في جهنَّم بعذاب يقع بالكفَّار يوم القيامة.
﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾: أي: ليس لهذا العذاب مَن يدفعه عن هؤلاء الكفَّار.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾: أي: هذا العذاب من اللَّه تعالى ذي المعارج: جمعُ مَعْرَج بفتح الميم والرَّاء (^٣)، وهو المصعد، والعروج: الصُّعود.
والمعارجُ: الدَّرجات، ولها معانٍ:
قال قتادة رحمه اللَّه تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾؛ أي: ذي الفواضل والنِّعم (^٤).
وقال ابن عبَّاس؛ أي: ذي المعارج (^٥).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٤).
(٢) في (أ) و(ف): "للتخفيف".
(٣) "والراء" ليس في (أ).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٥٠).
(٥) في (ف): "المعاني"، والمثبت من (أ) و(ر)، ولعل في الكلام سقطًا، فقد روى الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٥٠ - ٢٥١) روايتان عن ابن عباس ﵄، الأولى: " ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: العلو والفواضل"، والثانية: " ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: ذي الدرجات".
[ ١٥ / ٧ ]
وقيل: هي درجات أوليائه في الجنَّة.
وقيل: هي غرف بالجنَّة (^١).
والأظهر: أنَّها معارج السَّماء التي تعرج فيها الملائكة، وقد ذكرها في الآية: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وهو قول مجاهد وغيره (^٢).
﴿وَالرُّوحُ﴾: قال الحسن ﵀: هو جبريل صلوات اللَّه عليه (^٣).
وقال بعضهم: هو ملَكٌ آخر.
﴿إِلَيْهِ﴾: أي: إلى اللَّه تعالى، ومعناه: إلى حيث أمرَ اللَّه، وهو كقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩].
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: قال مجاهد: أي: من أسفل الأرضين السَّبع إلى ما فوق السَّماوات السَّبع مسيرةُ خمسين ألفَ سنة لعروج غيرهم، وهم يعرجون في مدَّة قليلة (^٤).
وقال الزَّخاج: يصعدون في مقدار يوم واحد (^٥).
_________________
(١) في (ف): "هي غرف أهل الجنة".
(٢) رواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٥٠)، وعبد بن حميد وابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٨/ ٢٧٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ١٠٤٧)، بلفظ: معارج السَّماء. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٥) بلفظ: معارج الملائكة.
(٣) رواه ابن المنذر عن الضحاك، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٥٦٩) في تفسير سورة القدر. وذكره بلا نسبة: الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٥١)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٦)، والماوردي في "تفسيره" (٦/ ٩٠).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٥١).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢١٩).
[ ١٥ / ٨ ]
فأمَّا قوله في سورة السَّجدة: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فهذا ما بين سماء الدُّنيا والأرض في الصعود والنُّزول ألفُ سنة؛ خمسُ مئة سنة صعودًا، وخمسُ مئة سنة نزولًا.
وقيل: هذا اليوم يوم القيامة، ومقداره خمسون ألف سنةٍ على اعتبار أيَّام الدُّنيا.
وقيل: إنَّ اللَّه تعالى يفعل في هذا اليوم في محاسبة عباده، وإيصال أهل الجنَّة إلى الجنَّة، وأهل النَّار إلى النَّار، ما لا يكون مثله إلَّا في خمسين ألف سنة لو وليَه العباد، ثم هو ﷻ يفعله في مدَّة يسيرة من هذا اليوم (^١).
وقيل: يفعل ذلك في قَدْرِ يوم من أيَّام الدُّنيا.
وقيل: في نصفِ يوم.
* * *
(٥ - ١٠) - ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾.
﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾: أي: على تبليغ الرِّسالة، وعلى أذى الكفَّار صبرًا لا شكوى فيه.
﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾: أي: تعتقده الكفَّار غيرَ كائن، كما يقال: هذا بعيد عن الصَّواب؛ أي: هو خطأ لا صواب فيه.
﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾: أي: نعلَمه كائنًا، وكلُّ آتٍ قريبٌ.
_________________
(١) وهذا قول مردود لأن اللَّه سبحانه لا تقدير لمدة فعله؛ لأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، ومردود أيضًا لأن فعل المخلوقات لا يقارن بفعل اللَّه مهما كان الفرق كبيرًا، والأولى الإعراض عن أمثال هذه الأقوال التي لا تكون الغاية من ذكرها سوى الإكثار من تعداد الأقوال والوجوه، ولا طائل منها.
[ ١٥ / ٩ ]
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾: روي عن ابن مسعود ﵁: أنَّه أذابَ نفاية الدَّراهم، وقال: من سرَّه أن ينظر إلى المهل فلينظر إلى هذا (^١).
وقال الحسن ﵀: مثل الفضَّة إذا أذيبَتْ (^٢).
وقالوا: هذا يدلُّ على صحَّة ما يُروى أنَّ السَّماء الدُّنيا من حديد.
وقال ابن عبَّاس وعكرمة وسعيد بن جبير والأعمش والسُّدِّيُّ ومجاهد والثَّوريُّ: هو دُرْديُّ الزَّيت (^٣).
وقال الضَّحَّاك: المهل: الشَّيء الأسود (^٤).
وقال سعيد: هو أشدُّ ما يكون حرًّا (^٥).
وقيل: هو الصَّديد والقيح.
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾: أي: الصُّوفِ الملوَّن؛ أي: يلين من صلابتها ويصير كذلك.
﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾: قال الفرَّاءُ: أي: لا يسأل ذو قرابة عن قرابته: ما حاله؟
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٥٦) في قوله: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] قال: دخل عبد اللَّه بيت المال، فأخرج بقايا كانت فيه، فأوقد عليها النار حتى تلألأت قال: "أين السائل عن المهل؟ هذا المهل".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٢١٣).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٩) عن مجاهد وابن عباس ﵄، و(٢١/ ٥٧) عن سعيد.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٤٩)، ولفظه: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود، وأهلها سود.
(٥) رواه عبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٨٦).
[ ١٥ / ١٠ ]
لأنَّهم يُعرَّفونهم ساعة، ثم لا تَعارفَ بعد تلك السَّاعة (^١).
وقيل: لا يَسأل للمعرفة؛ فإنَّ اللَّه تعالى بصَّرهم أهلَ النَّار وأهل الجنَّة بالعلامات والصِّفات، فاستغنَوا عن السُّؤال.
وقيل: لا يسألونهم: أين صاروا؟ فإنَّهم يرونهم أين صاروا.
* * *
(١١ - ١٦) - ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾.
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾؛ أي: يعرَّفونهم، حتَّى يصير كلُّ إنسان بصيرًا بصاحبه.
ثم ذكر هذه الكلمة على الجمع وما سبق واحد؛ لأنَّه في معنى الجمع، والمراد كلُّ القرابات.
وقيل: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾؛ أي: يُرُونهم، ولكن لا يسألونهم لانشغالهم بأنفسهم.
وقيل: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: هو رؤية الأتباع للسَّادات والتَّبرِّي منهم، كما قال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٦٦] الآيات.
وقيل: تبصَّر الملائكةُ بحال النَّاس، فيسوقون (^٢) كلَّ فريق إلى ما أُمروا به.
﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾: أي: يتمنَّى المشرك ﴿لَوْ يَفْتَدِي﴾؛ أي: لو أَمْكَنه أن يبذل عن نفسه بذلًا يتخلَّص به (^٣) ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ﴾؛ أي: امرأته ﴿وَأَخِيهِ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨٤).
(٢) في (أ): "فيستوفون".
(٣) بعدها في (ف): "من عذاب اللَّه".
[ ١٥ / ١١ ]
(١٢) وَفَصِيلَتِهِ﴾؛ أي: أقربِ قبيلته التي ينتمي إليها ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾؛ أي: تضمُّه إلى رحلها، وتُنزله فيه لقُرب قرابته.
﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: من النَّاس بعُدوا أو قربوا.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾: أي: يخلِّصه الافتداء.
﴿كَلَّا﴾: أي: لا ينجيه الافتداء من عذاب اللَّه.
﴿إِنَّهَا لَظَى﴾: أي: هي جهنَّم المتلظِّية نيرانُها؛ أي: الملتهبة.
﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾: قرئ بالرَّفع على معنى: هي نزاعةٌ، وقُرئ بالنَّصب على القطع؛ لأنَّه نكرة نُعت بها معرفة (^١).
ومعناه: تنزع بشدَّة تلظِّيها جلدة الرَّأس وأطرافَ البدن كلِّها من الأيدي والأرجل ونحوهما.
وقيل: الشَّوى: ما سوى المقتل من كلِّ حيوان، يُقال: رمى فأشوى؛ أي: أصاب غيرَ المقتل.
والشَّوى هاهنا: جمعُ شَوَاةٍ.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾.
﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾: أي: تدعو لظًى إلى نفسِها مَن أدبرَ في الدُّنيا عن طاعة اللَّه تعالى، وتولَّى عن الإيمان باللَّه تعالى.
﴿وَجَمَعَ﴾: أي: الأموال ﴿فَأَوْعَى﴾؛ أي: جعلها في وعاء حابسًا حقَّ اللَّه تعالى؛ أي: كفر باللَّه تعالى، وبخل بما كان له على عباد اللَّه تعالى.
_________________
(١) قرأ حفص بالنصب، والباقي بالرفع. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٠، ٦٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٤).
[ ١٥ / ١٢ ]
وقيل: أدبر عن الإيمان، وتولَّى عن الشَّرائع، كما قال: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١].
واختُلف في قوله: ﴿تَدْعُوا﴾:
قيل: تقول: يا كافر، يا منافق، يا يهودي، يا نصراني، يا مجوسي، يا فاسق، يا ظالم، إليَّ إليَّ. وهو كنطق الجلود ونحوِه في نقض العادة.
وقيل: زبانيَتها تدعو الكفَّار إليها، كخزنة الجنَّة على أبوابها لأهل الجنَّة.
وقيل: هو استعارة، ومعناه: أنَّهم لا يفوتونها، فكأنَّها تدعوهم فيجيبونها كرهًا، وهو كقول الشَّاعر:
دعاني إلى عُمَرٍ جودُهُ وقولُ العشيرةِ بحرٌ خِضَمْ (^١)
وقيل: هو خروج لسانٍ منها وجرُّ أهلها إليها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾: أريد به الجنس والجمع، ولذلك استثنى منه بقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾.
قال الفرَّاء: الهَلُوعُ: الضَّجور (^٢).
وقال الأخفشُ: تفسيرُه ما ذكر بعده: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾.
وقال قطرب: هو الجزوع الضَّجور.
وقال الخليل: الهلعُ: شدَّة الحرص (^٣).
_________________
(١) البيت لبشار بن برد يمدح عمرو بن العلاء. انظر: "ديوانه" (٤/ ١٥٩).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٨٥).
(٣) انظر: "العين" للخليل (١/ ١٠٧).
[ ١٥ / ١٣ ]
وقال القتبيُّ: هو أسوأ الجزع (^١).
وقيل: هو شدَّة الحزن، والهُلَاع كالهَلَع.
وقال الخليل: ناقة هِلْواعةٌ؛ أي: شديدةٌ حَديدةٌ (^٢).
وقيل: الهلوع: البخيل.
* * *
(٢٠ - ٢٥) - ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: أي: أصابه المكروه ﴿جَزُوعًا﴾.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾: أي: أصابه الغنى ﴿مَنُوعًا﴾ وهذا طبعُه، وهو مأمور بمخالفة طبعه، وموافقةِ شرعه.
﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾: أي: صلواتهم الخمس ﴿دَائِمُونَ﴾؛ أي: محافظون عليها في أوقاتها. وهو تفسير ابن مسعود ﵁ (^٣).
وقال عقبة بن عامر وسئل: أهم الذين يصلُّون أبدًا؟ قال: لا، ولكنَّه مَن إذا صلَّى لم يلتفِتْ عن يمينِه وعن شمالِه، ولا خلفه (^٤).
وقيل: هم الذين لا يتركون فرضهَا، ولا يقطعون (^٥) ما اعتادوا من نفلِها.
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٨٦).
(٢) انظر: "العين" للخليل (١/ ١٠٧).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصفنه" (٣٢١١)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٦٢)، والطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٦٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٩٤٠).
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١١٨٩)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٦٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٦٨).
(٥) في (ف): "لا يقطعون فرضها ولا يتركون" بدل من "لا يتركون فرضها ولا يقطعون".
[ ١٥ / ١٤ ]
وفي الخبر: "أحبُّ الأعمالِ إلى اللَّهِ تعالى أدومُها وإنْ قلَّ" (^١).
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: قيل: هي الزَّكاة.
وقيل: هي الزَّكاة وسائر الواجبات.
وقيل: النَّوافل.
سُئل عليُّ بن الحسين عن هذا فقال: هو الشَّيء تخرجه من مالك لا تحسُبُه (^٢) من صدقتك ولا من زكاتك، قال: فما هو؟ قال: تَقري به ضيفًا، وتحمل به كَلًّا، وتؤدي به نائبةً، وتَصِل به رَحِمًا، وتَبَرُّ به أخًا (^٣).
والسَّائل والمحروم فسَّرناهما في الذَّاريات.
* * *
(٢٦ - ٣١) - ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: أي: يوم الجزاء، ويوم الحساب، ويوم القضاء، وهو يوم القيامة، وإذا صدَّقوا به استعدُّوا له.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾: أي: خائفون، فإذا خافوه لم يَعْصوه.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾: لأن المغفرة في حقِّ المؤمن معلَّقة بالمشيئة.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٧٨٣)، من حديث عائشة ﵂.
(٢) بضم السين من باب نصر؛ أي: لا تَعُدُّه.
(٣) لم أقف عليه.
[ ١٥ / ١٥ ]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾: أي: نسائهم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾؛ أي: إماؤهم ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: على ترك التَّحفُّظ عنها.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: أي: طلب الاستمتاع وراء النِّكاح وملك اليمين، وذلك في معنى: ذينِكَ، أو معناه: ذلك المذكورِ، وهو كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، وهو في معنى الجمع؛ لأنَّ (مِن) للجنس.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: أي: المتعدُّون حدَّ الشَّرع، ودخل في هذا تحريمُ وطءِ الذُّكران والبهائم.
وقيل: يدخل الاستمناء فيه باليد (^١).
وروي أنَّ العرب كانوا يَستمنون في الأسفار، فنزلت الآية.
* * *
(٣٢ - ٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾: ويدخل فيه أمانات الشَّرع وأمانات العباد.
﴿وَعَهْدِهِمْ﴾: أي: وعهودهم، ويدخل فيه عهود الخلق والنُّذور والأيمان.
﴿رَاعُونَ﴾: أي: حافظون.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾: أي: يقيمون شهاداتهم للَّه تعالى، لا يحابُون، ولا يكتمون، ولا يغيِّرون.
وهذه الخصلة تدل على الصَّلابة في الدِّين، والرَّغبة في إحياء حقوق العالمين.
_________________
(١) "باليد" من (ف).
[ ١٥ / ١٦ ]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: والمحافظة عليها: تركُ تضييعها؛ كأنَّك تحفظُها وهي تحفظُك.
وذكر في الأوَّل: ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾:
فقيل: الدَّوام عليها: الاستكثارُ منها، والمحافظة عليها: أن لا تضيع عن مواقيتها.
وقيل: الدَّوام عليها: أداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: حفظ أركانها وواجباتها وسننها وآدابها.
وقيل: الدَّوام على التَّطوُّعات، والمحافظة على المكتوبات.
* * *
(٣٥ - ٣٨) - ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾.
﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ﴾: هذا بيان مرجعهم.
﴿مُكْرَمُونَ﴾: قال زيد بن أسلم: أي: بثوابٍ لم تره عينٌ، ولا تسمعُ به أذنٌ، ولا يخطر على قلب (^١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾: قال أبو عبيدة: أي: مسرعين (^٢).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "قلب لبشر". وروى البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: "قال اللَّه ﷿: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب اللَّه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ".
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٧٠).
[ ١٥ / ١٧ ]
وقال الحسن ﵀: أي: منطلِقين (^١).
وقال ابن زيد: أي: شاخصِين (^٢).
وقال الزَّجَّاج: المهطِعُ: المقبِلُ ببصره على الشَّيء لا يُزايله، وذلك من نظر العدو (^٣).
قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾: أي: جماعات في تَفْرِقة، واحدتُهم: عِزَةٌ، وأصله: عِزْوة، وهي جماعة يُعْزَون إلى أبٍ واحد؛ أي: ينتسِبون.
قال الحسن: أنكر عليهم الإسراع إليه ليأخذوا الحديث عنه ثم يتفرَّقوا (^٤).
وقيل: أسرَعوا إليه لطلب عيبٍ به.
وقيل: معناه: فما لهؤلاء المشركين الذين هم خالُون عن خصال الخير التي وصفنا بها المؤمنين قد أسرعوا نحوك، وأداموا النَّظر إليك، وجلسوا يمينك وشمالك حلقًا حلقًا، لا يعملون شيئًا ممَّا تأمرهم به عن اللَّه تعالى.
وقيل: ﴿عِزِينَ﴾: متفرِّقين حلقًا حلقًا لأنفسهم، لا يحضرون كلامك، ولا يستمعونه، ولا يقبلونه، ولا يعملون به.
﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ مع هذا ﴿أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ كالمؤمنين الذين وصفناهم بهذه الأعمال.
_________________
(١) رواه ابن وهب كما في التفسير من "جامعه" (٣٢١)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٧٨)، وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٨/ ٢٨٥). ووقع في النسخ: "متطلعين"، والمثبت من المصادر.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٧٨).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٢٣).
(٤) رواه ابن وهب كما في التفسير من "جامعه" (٣٢١) بلفظ: (متفرقين). وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٢٨٥)، ولفظه: متفرقين يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما يقول هذا الرجل.
[ ١٥ / ١٨ ]
(٣٩ - ٤١) - ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾.
﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾: قال الحسن: أي: من النُّطفة (^١).
وقال قتادة: إنَّما خُلقْتَ مِن قذرٍ يا ابن آدم، فاتَّقِ اللَّه (^٢).
وقيل: أي: خلقناهم من ماء مهينٍ لا قَدْر له في نفسه، وإنَّما القَدْر بالإيمان باللَّه تعالى، والطَّاعة للَّه تعالى، فلِمَ يطمعُ كلُّ امرئٍ منهم ليس بمؤمنٍ مطيعٍ أن يُدْخَلَ جنَّة نعيمٍ ولها قَدْرٌ عظيم.
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: له ثلاثة أوجه، كما مرَّ في السُّورة التي قبلها.
﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾: وهي مطالعُ الشَّمس (^٣) ومغاربُها في السَّنة.
﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾: على أن نَذهب بهم ونجيءَ بخيرٍ منهم في الفضل والمال وغير ذلك.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: أي: ما يفوتُنا ما نريد منهم وبهم من خيرٍ وشرٍّ، فليس تأخيرنا معاقبتَهم لعجزنا، بل لحكمةٍ.
وهذا وعدٌ للنَّبيِّ -ﷺ-، ووعيدٌ لأعدائه.
* * *
(٤٢ - ٤٤) - ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
_________________
(١) رواه ابن المنذر عن الضحاك، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٢٨٦).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٣٣٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٨٢).
(٣) في (أ): "المشرق".
[ ١٥ / ١٩ ]
﴿فَذَرْهُمْ﴾: أي: فدعهم يا محمَّد ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾؛ أي: فيما هم فيه، فإنَّه اشتغالٌ بالباطل الذي لا يأتي بنفع، بل بضرٍّ وتعبٍ، يتصرَّف فيه صاحبه عن غير عاقبة حميدة، وعن قريب يلاقون يومَهم هذا الذي يوعدون به، وهو يوم تكون السَّماء كالمهل، وكذا وكذا.
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: أي: القبور ﴿سِرَاعًا﴾ متبادرين إلى موقف الحساب.
﴿كَأَنَّهُمْ﴾ في سرعتهم ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾: قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿نُصُبٍ﴾ بضمَّتين (^١)، وقرأ الباقون بفتح النَّون وتسكين الصَّاد (^٢).
وبالضَّمَّتين قيل: هو الصَّنم الذي يُنصَب فيُعبَد، وجمعه: الأنصاب.
وقيل: هو جمع، وواحده: النِّصاب، يعني: كأنهم يتبادرون إلى أصنام أو صنم أيُّهم يستلمه أو يستلمها.
والنَّصْب بالفتح: العلَم المنصوب؛ أي: كأنَّهم في سرعتهم قد نُصِبَ لهم عَلَمٌ، فهم يسعون إليه ليبلغوه، فيتبادرون إليه بالسَّبق.
وقيل: النَّصْب بالفتح: واحدٌ، وجمعه النُّصُب بالضَّمِّ، كالرَّهْن والرُّهُن.
وقيل: بالضَّم: جمع نَصِيبة، وهي علامة تُنْصَب للقوم أيَّ علامةٍ كانت.
﴿يُوفِضُونَ﴾؛ أي: يسرعون.
﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: أي: ذليلةً، نصبٌ على الحال.
﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: أي: يغشاهم هوان المذنبين.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: فيكذِّبون به، فيقولون: متى هذا العذاب الواقع؟
والحمد للَّه (^٣)
_________________
(١) في (ف): "بضم النون والصاد".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٤).
(٣) "والحمد للَّه" من (ف) وليس فيها: "فيكذبون به فيقولون متى هذا العذاب الواقع".
[ ١٥ / ٢٠ ]