بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي بيده الملك وهو على كلِّ شيء قدير، الرحمنِ الذي وعد مَن خشيَه بالغيب بمغفرةٍ وأجر كبير، الرحيم الذي هو بكلِّ شيء بصير.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (^١) فكأنَّما أحيا ليلة القدر" (^٢).
وقال ابن مسعود ﵁: كنَّا نسمِّي ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ على عهد رسول اللَّه -ﷺ- المنجية، وهي في التَّوراة سورة الملك (^٣).
وقال ابن مسعود ﵁: يُؤْتَى الرَّجل في قبرِه من قبل رجلَيْهِ، فيُقال: ليس لكم عليه سبيل إنَّه كانه يقرأ سورة الملك، فيُؤْتَى من قبل جوفه، فيُقال: ليس لكم عليه سبيل إنَّه وعى سورة الملك في جوفه (^٤)، وهي المنجية من عذاب اللَّه تعالى، مَن قرأها في ليلة فقد أكثرَ وأَطْيَبَ (^٥).
_________________
(١) في (أ): "من قرأ سورة الملك".
(٢) رواه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٢٥)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقوله: "وهي في التوراة سورة الملك" ورد في بعض روايات الخبر الآتي.
(٤) "في جوفه" ليس في (أ).
(٥) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٦٠٢٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٦٥١)، والحاكم =
[ ١٤ / ٥٠١ ]
وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان لا ينام حتى يقرأ سورة الملك و﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ثلاثون آية، وثلاثُ مئة وثلاثة وثلاثون كلمة، وألفٌ وثلاثُ مئة وأحدٌ وعشرون حرفًا.
وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنْ ختمَ تلك السُّورة بأنَّ مريم كانت من القانتين للَّه تعالى، وافتتاحَ هذه أنَّ الملك بيد اللَّه (^٢)، وأهل السَّماوات وأهل الأرض كلُّهم قانتون للَّه، قال عزَّ وعلا: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦].
_________________
(١) = في "المستدرك" (٣٨٣٩)، وصححه، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٤)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٤١)، وفي "إثبات عذاب القبر" (ص: ١٤٩). وزاد أكثرهم فيه: (وهي في التوراة سورة الملك). وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄، رواه الترمذي (٢٨٩٠)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه، ولفظه: عن ابن عباس، قال: ضرب بعض أصحاب النبي -ﷺ- خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ حتى ختمها، فأتى النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة تبارك الملك حتى ختمها. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر". وروى أبو داود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩١) وحسنه، وابن ماجه (٣٧٨٦)، عن أبي هريرة، ﵁ مرفوعا: "إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ".
(٢) رواه الترمذي (٢٨٩٢)، وقد عده ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ١٢٥) من الأحاديث الصحيحة التي وردت قراءتها عند النوم.
(٣) في (أ) و(ف): "أن الملك للَّه".
[ ١٤ / ٥٠٢ ]
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذمِّ العاصين ومدح المطيعين.
* * *
(١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾: قيل: أي: تعالى.
وقيل: أي: تعاظَم.
وقيل: أي: دام.
وقيل: أي: دام برُّه، وثبت خيرُه.
وقيل: أي: كثرت بركاتُ أسمائه.
وقيل: أي: وصلَتْ بركاتُ نعمِه إلى خلقِه.
﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾؛ أي: هو المتصرِّف في كلِّ العالم، وهو ملك كلِّ شيء، ومالك كلِّ شيء.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: لا يعجزه شيء.
* * *
(٢) - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾: أي: موتَ كلِّ ميِّت، وحياةَ كلِّ حيٍّ، فهو خالق الأعيان والصِّفات.
وقال الحسن: هو خلَق النُّطفةَ، ثمَّ جعَلها علقةً، ثم مضغةً، ثم أحياها (^١).
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ١٠٣) عن أبي بكر الأصم، ونحوه في "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٨٩).
[ ١٤ / ٥٠٣ ]
وقيل: هو موت انقضاء الآجال، وحياة أهل الدُّنيا، فإنَّه قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾، والابتلاء يتعلَّق بهما لا بالموت قبل الحياة، وإنَّما قدَّم ذكر الموت ترهيبًا وتقريعًا (^١).
وقال الأخفش: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: الدُّنيا التي هي لموت أهلها، ﴿وَالْحَيَاةَ﴾؛ أي: الآخرة التي هي لحياة أهلها (^٢).
وقال ابن عبَّاس: الموتُ كبش أملح، لا يمرُّ بشيءٍ ولا يجد ريحه إلَّا مات، والحياة فرس جبريل لا تمرُّ بشيء ولا يجدُ ريحَها إلَّا حَيي، ويُذبَح الموتُ بين الجنَّة والنَّار يوم القيامة، ويُقال: يا أهل الجنَّة، ويا أهل النَّار، خلود بلا موت، وفرس الحياة تركبُها الأنبياء (^٣).
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أي: ليتعبَّدكم فيمتحنكم بأمره ونهيه، فيظهرَ منكم ما علم أنَّه يكون منكم، فيجازيَكم على عملكم، لا على علمِه بكم.
وقيل: تقديره: خلق الموت ليبعثكم فيجزيكم، والحياة ليبلوكم بما به يتعبَّدُكم.
﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: ولم يقل: أيُّكم أكثر عملًا.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "وتقريبًا".
(٢) لم أقف عليه عن الأخفش، وقد ورد نحوه عن قتادة، رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٥٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١١٨)، ولفظه: "أذل اللَّه ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء".
(٣) ذكره دون قصة ذبح الموت الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٥)، والواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٣٧). وصرح الواحدي بأنه من طريق الكلبي عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب فالخبر لا يصح، وبعضهم ذكره عن الكلبي كما في "تفسير أبي الليث السمرقندي" (٣/ ٤٥١). وذكره الآلوسي في "روح المعاني" (٢٧/ ٢٨٣) وقال: هو أشبه شيء بكلام الصوفية لا يعقل ظاهره. وأما حديث ذبح الموت فمتفق عليه، رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد ﵁.
[ ١٤ / ٥٠٤ ]
وقال الفضيل: أي: أيُّكم أخلص عملًا وأصوبُه؛ لأنَّ العملَ إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل (^١).
وقال الحسن: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؛ أي: أزهده في الدُّنيا وأترك لها (^٢).
وقال أبو قتادة الأنصاريُّ: قلْتُ لرسول اللَّه -ﷺ-: أرأيْتَ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ما عُني به؟ قال: "يقول: أيُّكم أتمُّ عملًا وأشدُّ خوفًا، وأحسنُكم فيما أمر اللَّه تعالى به أو نهى عنه نظرًا، وأورعُكم عن محارم اللَّه، وأسرعكم في طاعته" (^٣).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾: أي: المنيع فلا يُغالَب إذا عاقب المذنب، الغفورُ الذي يستر ذنوب التَّائب.
* * *
(٣) - ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾.
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: بعضُها فوق بعض.
ويجوز أن يكون جمع طَبَق، كجِمال جمع جَمَلٍ، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى المطابقة.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٦).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٦).
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٥). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٣٥) عن ابن عمر ﵄. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ١٤٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٤٠٤).
[ ١٤ / ٥٠٥ ]
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: أي: اختلافٍ واضطراب وتباعُد، كأنَّه يفوت بعضه بعضًا فلا يتساوى.
وقيل: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ في الدِّلالة على قدرة صانعها وحكمته.
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿من تفوُّت﴾ (^١)، وهما لغتان كالتَّعاهد والتَّعهُّد.
وقال الفرَّاء: التَّفوُّت: الاعوجاج، والتَّفاوت: الاختلاف (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾: أي: إلى رؤية السَّماء ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾؛ أي: شقوق، والفَطْرُة الشَّقُّ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: مِنْ وَهْيٍ (^٣).
وقال قتادة ﵀: مِنْ خَلَلٍ (^٤).
* * *
(٤) - ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾: أي: دفعتين، ولم يُردْ به الاقتصار على مرَّتين، بل أراد به التَّكرار مرَّة بعد مرَّة (^٥)، تقول لآخر: قد قلْتُ لك مرَّةٍ بعد مرَّةٍ، ولعلَّكَ قلْتَ ذلك له مرارًا كثيرًا.
وقال الحسن ﵀: لو كرَّرْتَه مرَّة بعد مرَّة إلى يوم القيامة لم ترَ فيه فطورًا.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٧٠)، وليس فيه: "التفوت: الاعوجاج".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٠).
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٦٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٠).
(٥) في (أ): "أخرى".
[ ١٤ / ٥٠٦ ]
﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾: قال ابن عبَّاس: ذليلًا (^١).
﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾: قال قتادة: كالٌّ مُعْيٍ (^٢).
وهو فعيل بمعنى الفاعل، يُقال: حسَرَ البصرُ: إذا انقطع نظرُه من طول مدًى، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، من قولهم: حسرْتُ البعير؛ أي: سرْتُ عليه حتى انقطع، فهو محسورٌ وحَسير.
وقال كعبٌ: خلق سبع سماوات (^٣) طباقًا بعضُها فوق بعض، بين كلِّ سماءين مسيرةُ خمس مئة عام، السَّماء الدُّنيا موج مكفوف، والثَّانية مرمرةٌ بيضاء، والثَّالثة حديدة، والرَّابعة نحاسٌ -أو قال: صُفرٌ- والخامسة فضَّة، والسَّادسة ذهب، والسَّابعة ياقوتة حمراء (^٤).
* * *
(٥ - ٧) - ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: أي: كواكبَ كأنَّها السُّرُج.
﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي: المصابيحَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: جمع رَجْم؛ أي: يُرْجَم بها مَن يَسترِق السَّمع من الشَّياطين.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٢).
(٣) في (ف): "السماوات" بدل من "سبع سماوات".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٧) عن الربيع عن كعب. وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٧٩) عن الربيع بن أنس.
[ ١٤ / ٥٠٧ ]
وقيل: جمع راجم، كالسُّجود جمع ساجد.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: أي: للشَّياطين ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾؛ أي: عذاب جهنَّم الموقَدةِ.
﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: من الإنس والجنِّ ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ كذلك ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجعُ.
﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾: أي: في جهنَّم ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾؛ أي: لجهنَّم ﴿شَهِيقًا﴾؛ أي: صوتًا من اللَّهب كصوت الحمار، وقد ذكرنا فيه الأقاويل عند قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦].
﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: أي: تتعالى وتغلي بهم كما يفور القِدْر.
وقال ابنُ مسعود ﵁: تفور بأهلها كما تفور القِدر بعُراقها (^١).
* * *
(٨ - ١٠) - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾: أي: تتميَّز، قال ابن عبَّاس والضَّحَّاك وابن زيد: أي: تتفرَّق (^٢).
﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾: أي: على الكفَّار، وهو عبارة عن غاية التغيُّظ عليهم، وتقول: لأنتقمَنَّ اليوم ممَّنْ أكل رزق اللَّه وعبدَ غيرَه.
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾: أي: جماعة من الكفَّار ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: وهم الزَّبانية توبيخًا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾: رسولٌ مخوِّف مِن هذا.
_________________
(١) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٤) عن مجاهد، ولفظه: "تغلي كما يغلي القدر". والعراق: العظم بلحمه، أو بلا لحم. انظر: "القاموس" (مادة: عرق).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٤ - ١٢٥).
[ ١٤ / ٥٠٨ ]
﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾: أريد به الجمع؛ أي: أتانا الرُّسل.
﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: ممَّا تقولون من وعدٍ ووعيد وغيرِ ذلك.
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾: أي: ما أنتم أيها المُدَّعون للرِّسالة إلَّا في ضلال كبير؛ أي: خطأ عظيم.
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: أي: قال الكفَّار: ولو كنَّا نقبَل ما أتانا من السَّمعيَّات ونتفكَّر في العقليَّات ما وقعنا في جهنَّم، دلَّ على أنَّ كلَّ واحد منهما حجَّة ملزِمة وهو السَّمع والعقل.
* * *
(١١ - ١٣) - ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾: أي: بذنوبهم، وحَّد لأنَّه جنس، وهو كقوله: خرج بعطاءِ النَّاس؛ أي: أَعْطِيَتهم.
﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: أي: بُعدًا عن الرَّحمة والكرامة.
وقيل: هو تحقيق.
وقيل: هو على الدُّعاء، وهو تعليمٌ من اللَّه تعالى لعباده أن يَدْعو عليهم به.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يؤمنون به ويصدِّقونه في الدُّنيا بما غاب عنهم ممَّا يكون في الآخرة.
وقيل: أي: يخافونه عند المعصية وقد غاب عنهم الخلقُ.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: أي: للذُّنوب ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: أي: ثوابٌ عظيمٌ في الآخرة.
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾: أمرُ تهديدٍ لا أمرُ تكليف، يقول: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾
[ ١٤ / ٥٠٩ ]
في اللَّه وفي رسوله وفي آيات اللَّه ﴿أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾؛ أي: إنْ شئْتُم فنافقوا، وإنْ شئْتُم فصرِّحوا بالكفر وأعلنوه.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بضمائر القلوب، لا يخفى عليه شيء (^١) إنْ أسررْتُم، ولا يزيده وضوحًا إن أعلنْتُم، وهو كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
* * *
(١٤) - ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾: أي: ما خلقَ، ودلَّ على أنَّ اللَّهَ خالقُ أفعال العباد ظاهرِها وباطنِها، وإذا حُمِل على (ما) صار مفعولًا، والفاعل هو قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، ولو قُدِّرَ ﴿مَنْ﴾ على حقيقته، فقوله: ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ هو الخالق، والمخلوق يكون مضمرًا، ويكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ فاعلًا، وتقديره: ألا يعلم الخالقُ مخلوقَه، ويدلُّ على ما قلنا أيضًا.
﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾: أي: العالم بدقائق الأشياء ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بحقائق الأشياء.
وقال ابن عبَّاس ﵄: نزلَتْ في مشركي مكَّة، كانوا ينالون من رسول اللَّه -ﷺ-، فيخبره جبريل عمَّا (^٢) قالوا، فيقول بعضُهم لبعضٍ: أسرُّوا قولكم لا يسمع إلهُ (^٣) محمَّد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (^٤) علانيةً ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بما في القلوب من السِّرِّ، ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ سرَّ القلوب ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ السِّرَّ والقلوب.
_________________
(١) "شيء" من (ف).
(٢) في (ف): "بما".
(٣) في (أ): "به".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٩)، والواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٥١).
[ ١٤ / ٥١٠ ]
وعن أنس ﵁ قال: بينما رجل يسير بين جبلين إذ قال في قلبه: لو عرضَتْ لي فاحشة لقضيتها، فنودي له: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فارتجَّ الوادي (^١).
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾: أي: ليِّنة منقادة.
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾: قال قتادة ومجاهد والفرَّاء: فسيروا في جوانبها وأطرافها (^٢).
والمناكب من النَّاس: أطرافهم وجوانبهم، وإذا مشَوا في أطرافها فقد أحاطوا بها، فحصل لهم الانتفاع بجميع ما فيها.
وعن ابن عبَّاس ﵄ والضَّحَّاك: في جبالها (^٣). وهي مرتفعة كالمناكب.
وعن مجاهد في رواية: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾؛ أي: في فِجاجها (^٤).
﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾: أي: من رزق اللَّه فيها.
_________________
(١) لم أقف عليه عن أنس ﵁، وفي "الزواجر" للهيتمي (١/ ٣٩) نحو هذه القصة بلا نسبة.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٧١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٨ - ١٢٩) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد، وروى عن قتادة قال: (إن بشير بن كعب العدوي، قرأ هذه الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال لجاريته: إن أخبرتني ما مناكبها فأنت حرة، فقالت: نواحيها. . .).
(٣) رواه عن ابن عباس ﵄ الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٨).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٢٩).
[ ١٤ / ٥١١ ]
﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾: أي: إلى جزاء اللَّه المرجعُ بعد البعث، فامشوا فيها طاعة وكلوا منها حلالًا.
﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ أيُّها المشركون ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: اللَّه الذي في السَّماء سلطانه، وهو كقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣].
وحقيقته: أأمنتم خالقَ السَّماء وملكَها.
﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾: كما خَسف بقارون ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾؛ أي: تدور.
والموَرَان: الدَّوران والاضطراب بالذَّهاب والمجيء.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: قال ابن عبَّاس: أي: حجارة من فوقِكُم كما فُعِلَ بقوم لوط (^١).
وقيل؛ أي: ريحًا فيها حجارةٌ وحصباء فيهلكَكم بذلك.
وقال نفطويه: أي: ريحًا تقتلع الحصباء لشدَّتها وقوَّتها.
وقيل؛ أي: سحابًا فيه حجارة.
أي: أجُعِل (^٢) لكم من هذين أمان، وإذ لا أمان لكم منهما (^٣) فما معنى تماديكم في شرككم؟ وهذا وعيدٌ عظيمٌ.
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٢/ ٥٦).
(٢) في (ر): "فهل"، وفي (ف): "جعل".
(٣) في (أ) و(ف): "فيها".
[ ١٤ / ٥١٢ ]
﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾: أي: كيف عاقبةُ إنذاري، بأن أحقِّقَه لكم فتعلمون أنَّه لا خُلف لخيري، ولا مانع لعذابي.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: من قبل هؤلاء المشركين.
﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أي: إنكاري عليهم وتغييري بالعذاب.
* * *
(١٩ - ٢٠) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾: الطَّير: جمع طائر.
﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: أي: تصفُّ أجنحتها للطَّيران وتقبضُ مرَّة حتى يتمَّ لها الطَّيران بهذا التَّدبير، كما تتهيَّأ السِّباحةُ في الماء بقبض اليدين وبسطِهما، والهواءُ للطَّائر كالماء للسَّابح.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾: أي: في الهواء حين تطير ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾.
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾: هيَّأ للطَّير هذا، كما هيَّأ للنَّاس الأرض ذلولًا، والذي هيَّأ لكلٍّ ما يصلحه لم يفعل ذلك عبثًا بل ليكون دلالة على الخالق ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾؛ أي: عالم بما يصلحه ويُقِيمه.
وعطف ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ على قوله: ﴿صَافَّاتٍ﴾ لأنَّ الأوَّل دلالةٌ على الفعل، ومعناه: يبسطْنَ أجنحتهنَّ في حالٍ، ويقبضْنَ في حال.
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾: عطف على ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾؛ أي: فمَن هذا الذي هو شيعةٌ لكم وأنصار تمتنعون بهم ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ من عذاب اللَّه ﴿مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: ممَّن سواه.
﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾: أي: ما هم إلا في غرور.
[ ١٤ / ٥١٣ ]
(٢١ - ٢٢) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ﴾: أي: اللَّهُ تعالى ﴿رِزْقَهُ﴾ الذي خَلق لكم في الأرض، التي جعلَها لكم ذلولًا.
﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾: أي: ليس اغترارُهم للجهل بأنَّ اللَّه تعالى هو الخالق الرَّازق الضَّارُّ النَّافع، لكنْ تمادَوا في تمرُّدهم (^١) ونفورهم عن الحقِّ.
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: أكبَّ (^٢) على وجهه لازم، وكبَّه متعدٍّ، وهو كقولهم: أَنْعَش -أي: قام- لازم، ونعَّشه متعدٍّ، وهذا من النَّوادر، أَفْعَلَ لازم، وفَعَّلَ متعدٍّ.
وقريب من هذا: أضرَّ به وضرَّه.
ثمَّ ضرب مَثَلَ الكافر والمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾؛ أي: منكِّسًا رأسَه، ناظرًا إلى الأرض، لا يبصر ما بين يديه، ولا ما عن يمينه، ولا ما عن شماله، ولا يدري ما يستقبله أو يلقاه من هذه الجهات، فهو على خطر.
﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾: أي: مستويًا منتصبًا، يُبصر مِن كلِّ الجهات (^٣).
﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: ولا شكَّ أنَّ الماشي مستقيمًا منتصبًا أهدى.
يقول: فهكذا فكونوا أيُّها النَّاس.
قال قتادة: هذا الكافر أكبَّ على معاصي اللَّه تعالى في الدُّنيا، فحشره اللَّه يوم القيامة على وجهه، والمؤمن استقام على أمر اللَّه تعالى في الدُّنيا فبعثه اللَّه تعالى عليه
_________________
(١) في (ر): "غرورهم".
(٢) في (أ): "أي" بدل من "أكب".
(٣) في (أ): "جهاته".
[ ١٤ / ٥١٤ ]
يوم القيامة، وقيل للنَّبيِّ -ﷺ-: وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إنَّ الذي أمشاهم على أقدامِهم قادرٌ على أنْ يمشيَهم على وجوهِهم" (^١).
وقال مقاتل: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: ضالًّا أعمى في الظُّلمة، يعني: أبا جهل بن هشام ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ هو عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (^٢).
وقيل: النَّبيُّ -ﷺ-.
وقيل: هي عامَّة المسلمين (^٣).
* * *
(٢٣ - ٢٦) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾: ابتدأ خلقَكُم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ وهي آلات العلم والمعرفة، ثم أنتم ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ هذه النِّعم؛ لأنَّكم تشركون باللَّه، ولا تخلصون له العبادة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: خلقَكم ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تُبعثون وتُجمَعون للحساب والجزاء.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٦٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١٣٣). والمرفوع منه رواه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، من حديث أنس ﵁.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٩٣)، وفيه: "أمن يمشي سويًّا؛ يعني النبي -ﷺ-". ولم أقف على من ذكر أن المقصود في الآية هو عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وذكر الواحدي عن ابن عباس أنه حمزة، وعن عكرمة أنه عمار بن ياسر. انظر: "البسيط" (٢٢/ ٦٠ - ٦١).
(٣) "المسلمين" من (أ).
[ ١٤ / ٥١٥ ]
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: يقولون ذلك استهزاء.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: علمُ وقته ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: مخوِّف ظاهر، وعليَّ الإنذار الذي أُمِرْتُ به دون الإعلام عن وقته الذي لم يُعْلمْني اللَّه به.
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: وإذا رأوا العذابَ الذي وُعِدوه في الحشر قريبًا منهم ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾؛ أي: وردَ عليهم منه ما ساءَهم؛ أي: أحزنَهم، وهو خلاف سَرَّهم.
وخصَّ الوجوه بالذِّكر لأنَّ الوجه هو الذي يظهر عليه أثر المسرَّة والمساءة.
﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: أي: وتقول لهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾؛ أي: تجتمعون على الدُّعاء به، كما في قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، والادِّعاء كالتَداعي، كالاقتتال هو كالتَّقاتل.
وقال الأخفش: دعا وادَّعى واحدٌ (^١).
وقال مجاهدٌ: أراد به العذاب في الدُّنيا، وهو ما رأوه ببدر (^٢).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾: أي: قل يا محمَّد للذين يقولون فيك: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]: إنْ أماتني اللَّه تعالى، كما قال: ﴿إِنِ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٤٦).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٦١).
[ ١٤ / ٥١٦ ]
امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ أي: مات، ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من الأصحاب، ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ وأخَّر في آجالنا.
﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾: أي: ينجيهم ويؤمِّنهم ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: لا فرَج لكم في موتنا ولا نجاة لكم به من العذاب، إنَّما ذلك بالإيمان.
* * *
(٢٩ - ٣٠) - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾.
﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾: ذو الرَّحمة بخلقه ﴿آمَنَّا بِهِ﴾: صدَّقناه ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ لعِلْمنا أنَّه لا يفعل بنا إلَّا ما هو صلاحنا من إحياءٍ وإماتة.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾: إذا نزل بكم العذاب ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ منَّا ومنكم.
وقرأ الكسائيُّ: ﴿فسيعلمون﴾ بياء المغايبة؛ ردًّا على قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).
وقال ابن كيسان: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾؛ أي: أخذنا بزلَّاتنا مع إيماننا وإخلاصنا (^٢)، وفيه هلاكنا، فمَن يؤمِّنكم من عذابه أيُّها الجاحدون المعاندون.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: أي: غائرًا في الأرض ذاهبًا.
﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: جارٍ على وجه الأرض، تراه العيون، وتقديره مفعول.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢).
(٢) في (أ): "إبرائنا وإخلاصنا" وفي (ر): "إيماننا وأخلاقنا".
[ ١٤ / ٥١٧ ]
وقيل: ﴿مَعِينٍ﴾: مسرِع في الجري، وهو فعيل؛ أي: بمعنى مُفعِل (^١).
فسيقولون: لا يأتينا به غير اللَّه. فقل لهم: فلِمَ أشركْتُم به مَن لا يقدر على ذلك؟
وقرئ هذا على ملحِدٍ فقال: المِعْوَل والمُعِين، فسقطَتْ عيناه بقدرة اللَّه تعالى (^٢).
والحمد للَّه ربِّ العالمين فهو المهوِّن والمعين
* * *
_________________
(١) "بمعنى مفعل" ليس في (أ) و(ف).
(٢) "بقدرة اللَّه تعالى" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٤ / ٥١٨ ]