بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي نهانا عن موالاة الكافرين، الرحمنِ الذي لم ينهنا عن برِّ غير المحاربين، الرحيمِ الذي وعد على الاستغفار مغفرةً للمؤمنين (^١).
روي عن أبيِّ بن كعب ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ الممتحنةَ كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاءَ يومَ القيامة" (^٢).
وهي مدنيَّة.
وهي ثلاث عشرة آية. وثلاثَ مئةٍ وثمانٍ وأربعون كلمة، وألفٌ وخمسُ مئة وثمانيةَ عشر حرفًا.
وانتظامُ ختمِ تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة؛ أنَّ ختم تلك السُّورة في مَدْحِ مَن مَدَحَ اللَّهَ تعالى ونزَّهه، وافتتاحَ هذه في ذمِّ مَن أساءَ القول في اللَّه بغير ما يليق به وصفه.
وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك في عقوبات الكافرين، وذكرِ درجات المؤمنين،
_________________
(١) في (أ) و(ر): "المؤمنين".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٩٠)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٨١). قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٤ / ٣٧٧ ]
والتَّمييز يبن المخلصين والمنافقين، وهذه في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، وذكرِ المهاجرات إلى دار الإسلام والمسلمين.
* * *
(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾: نزلَتْ في حاطب بن أبي بلتعة ومكاتبته قريشًا بما كان من عَزْمِ رسول اللَّه -ﷺ- على غزوهم، وكان يعمِّي في ذلك حتى يفاجئهم، فكتب إليهم حاطبُ يخبرهم بعزم رسول اللَّه -ﷺ- إتيانهم، وكان قصدُه بذلك أن يتَّخذَ عندهم يدًا؛ ليَحْموا بذلك أقرباءَه بمكَّة، إذ كان حاطبٌ من أهل اليمن من الأزد، فكان له حِلْفٌ بمكَّة في بني أسد بن عبد العزَّى رهط الزُّبير بن العوَّام.
فقدمَتْ من مكَّة امرأة يقال لها: سارة، مولاة أبي عَمرو بن صيفيِّ بن هاشمِ بن عبد مناف، قدمت المدينة، فلمَّا رآها النَّبيُّ -ﷺ- قال لها: "أمهاجرةً جئْتِ يا سارة؟ " قالت: لا، قال: "فما جاء بك؟ "، قالت: كنتم الأهل والموالي والأصل، وقد ذهب مواليَّ واحتجْتُ فجئْتُكم، قال: "فأين أنتِ من شباب أهل مكَّة؟ "، وكانت مغنِّية نائحة، قالت: ما طُلِبَ منِّي شيءٌ بعد وقعة بدر، فحثَّ النَّبيُّ -ﷺ- بني عبد المطَّلب، فحملوها وكسَوها، وأعطَوها نفقة، فخرجَتْ إلى مكَّة.
فأتاها حاطب، وقال لها: أعطيْكِ عشرةَ دنانير وبُردًا على أن تبلِغي هذا الكتاب
[ ١٤ / ٣٧٨ ]
إلى أهل مكَّة، فقالت: نعم، فأتاها بالكتاب. وفيه: إنَّ رسول اللَّه -ﷺ- يريد أن يأتيَكم، فخذوا حذركم.
فأَطْلعَ اللَّهُ نبيَّه على ذلك، فدعا عليًّا والزُّبير بن العوَّام وأبا مَرثد الغنوي، وفي رواية: عليًّا والزُّبير فحسب، وفي رواية معهما المقداد، وفي رواية: عليًّا وعمَّار بن ياسر.
وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإنَّ بها ظعينةً معها كتابٌ، فخذوه منها"، فلحقوها، فأنكرَتِ الكتاب (^١)، فأرادوا تفتشيها، فلمَّا رأت الجدَّ منهم أخرجَتْه من عقاصها.
وفي رواية: من حِجرها.
وفي رواية: شهرَ عليٌّ ﵁ سيفَه وقال: واللَّهِ ما كذبَ رسولُ اللَّه -ﷺ- (^٢)، ولا كذبْتُ، لتخرجِنَّ الكتابَ أو لأضربَنَّ عنقَكِ.
فأخرجَتْه من عقاصها، فجاؤوا بالكتاب إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "ما هذا يا حاطب؟ "، فقال: لا تعجلْ عليَّ يا رسول اللَّه، فواللَّه ما ارتددْتُ بعدما أسلمْتُ، ولكنِّي كنْتُ امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكلُّ مَن معك من المهاجرين لهم قرابات بمكَّة يحمون قراباتهم وأهليهم، ولم يكن لي قرابةٌ أحمي بها أهلي وقرابتي، وقد عرفْتُ أنَّ ذلك لن يغنيَ عنهم شيئًا.
فقال عمر ﵁: ائذَنْ لي يا رسولَ اللَّه أضربْ عنق هذا المنافق.
فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "مهلًا يا عمرُ، وما يدريك لعلَّ اللَّهَ قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئْتُم فقد غفرْتُ لكم".
_________________
(١) "الكتاب" من (أ).
(٢) في (ف): "واللَّه ما كذبت".
[ ١٤ / ٣٧٩ ]
وأنزل فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (^١).
وفيه دليل على أنَّ الكبيرة لا تسلُبُ اسمَ الإيمان.
يقول: لا تتَّخذوا المشركين الذين هم أعدأئي وأعداؤكم أولياء تنصروهم وينصرونكم.
والعدوُّ جمعٌ، كما في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤].
﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾: أي: تلقون مودَّتكم إليهم.
قال الكسائيُّ والأخفش والفرَّاء: ألقَيتُ كذا وبكذا، لغتان فصيحتان (^٢).
قال أبو تمَّام فيها:
وأروعَ لا يُلقي المقاليدَ لامرئٍ وكلُّ امرئٍ يُلقي له بالمقالِدِ (^٣)
و﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ صلة قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: كيف تتولَّونهم وهم كفروا بما جاءكم من عند اللَّه من الدِّين الحقِّ وعادَوكم عليه.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: للمعاداة من أوطانكم.
﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾: أي: من أجلِ أنكم آمنتم بربِّكم؛ أي: كيف ترجُون استصلاحهم وقد تأكَّدتْ بينكم العداوة وظهرَت آثارها.
_________________
(١) روى خبر حاطب بن أبي بلتعة عامة كتب التفسير والحديث بألفاظ متقاربة، ورواه البخاري (٤٢٧٤)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) انظر: "معاني القرآن للفراء" (٣/ ١٤٧).
(٣) انظر: "ديوان أبي تمام" (ص: ٥٩).
[ ١٤ / ٣٨٠ ]
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾: هذا متَّصل بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾.
يقول: إن كنتم إنَّما خرجتم من أوطانكم، وهاجرتم إلى حيث أمرتُكم؛ لتجاهدوا أعدائي في سبيلي وإقامة ديني، ولتبتغوا مرضاتي بطاعتي = فلا تفعلوا هذا؛ فإنَّه لا يليق بهذا.
وقد علم اللَّه تعالى أنَّهم خرجوا لذلك، ولكنَّ المعنى: أنَّ هذا يوجِبُ تركَ موالاتهم، فاتركوا ذلك.
﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾: تخفون ذلك.
﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾: أي: أعلم ما أخفيْتُم، والباء زائدة.
وقيل: أنا أعلم منكم بما أخفيتُم وبما أعلنتم؛ لأنَّكم قد تنسون بعضه، وقد تجهلونه، وأنا لا أنسى ولا أجهل.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾: أي: اتِّخاذَهم أولياء ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عدلَ عن وسطِ طريق الحقِّ.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قال النَّبيُّ -ﷺ-: "أَعْدَى عدوِّكَ نفسُك التي بين جنبَيْكَ" (^١)، وأوحى اللَّه تعالى إلى داود ﵇: عادِ نفسَكَ، فليسَ لي في المملكة منازِعٌ غيرَها.
_________________
(١) رواه الخرائطي في "اعتلال القلوب" (٣٢) من حديث أبي مالك الأشعري ﵁. ورواه البيهقي في "الزهد الكبير" (٣٤٣) من حديث ابن عباس ﵄. قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: ٨٧٨): أخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين.
[ ١٤ / ٣٨١ ]
فمَن عادى نفسَه فقد قام بحقِّ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من دقائق التَّصنُّع وخفيَّات الرِّياء ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من التَّزيُّن للنَّاس.
﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من الاستسرار بالزَّلَّة، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من البرِّ والطَّاعة.
﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من الخيانة، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من الأمانة.
﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من الغلِّ والغش، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من النُّصح.
﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من ارتكاب المحظورات، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من الأمر بالمعروف.
﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من ترك الحشمة منِّي وقلَّة المبالاة باطِّلاعي، ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ من تعليم النَّاس ووعظهم (^١).
* * *
(٢ - ٣) - ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾: أي: يصادفوكم ويأخذوكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾؛ أي: يُظهروا العداوة التي يضمرونها، ولا يرعوا لكم ما تقربَّتم به إليهم من إلقاء المودَّة.
﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾: أي: يمدُّوا أيديهم بالعقوبة، وألسنتَهم بالشَّتيمة.
﴿وَوَدُّوا﴾؛ أي: ويودُّوا، إنْ عُطف على ﴿يَكُونُوا﴾ و﴿وَيَبْسُطُوا﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٥٧٠ - ٥٧١).
[ ١٤ / ٣٨٢ ]
ويجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ﴾. . . ﴿وَوَدُّوا﴾: تمنَّوا ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾: أن تكفروا أنتم أيضًا.
وعطفُ الماضي على المستقبل جائز؛ لأنَّ إخراج الأوَّل بلفظ الماضي هنا جائز: إن يثقفوكم كانوا لكم أعداءً؛ لأنَّ الماضي المعلَّق بالشرط مستقبلٌ معنًى.
﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾: الذين هم أقرب أرحامكم، وأولى مَن اعتضدتم به ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وإنما ينفع يومئذ الإيمان والعمل الصالح؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عَمرو مضمومةَ الياء مخفَّفةً، وقرأ عاصم بفتح الياء مخفَّفة، وقرأ ابن عامر بضم الياء مشدَّدة مفتوحة الصَّاد، وقرأ حمزة والكسائي مشدَّدة مكسورة الصَّاد (^١).
والمخفَّف من الفَصْل، وهو الأصل، والمشدَّد من التَّفصيل، وهو للتَّكثير والتَّكرير، والفتح على ما لم يُسمَّ فاعلُه، والكسر على الفعل الظَّاهر، والفاعل هو اللَّه تعالى.
والتَّفصيل: التَّفريق؛ أي: يفرَّق بين الأرحام ويميَّز، فيصير المؤمنون إلى الجنَّة، والكفَّار إلى النَّار، والفصل كذلك.
وقال الضَّحَّاك: هو الحكم هاهنا، أن يحكم بينكم.
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: من الخير والشَّرِّ، وهذا وعدٌ ووعيدٌ.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٠).
[ ١٤ / ٣٨٣ ]
(٤) - ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قرأ عاصم: ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضمِّ الألف، والباقون بكسرها (^١)، وهما لغتان، ومعناهما واحد، وهو القدوة.
﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: يقول: إنَّ إبراهيم كان أباكم، وبه نلتُم الشَّرف والفخر على مَن سواكم، ولكم اقتداء حسنٌ به وبالذين على دينه.
قال ابن زيد: وهم سائر الأنبياء (^٢).
وقيل: مَن تابعه من المؤمنين من قومه. وهو قول الضَّحَّاك (^٣).
﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: الأصنام.
﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: أنكرنا أن تكونوا على حقٍّ.
﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾: أي: ظهر، ولم يقل: (وبدت) لتقدُّم الفعل مع الحائل. والعداوةُ ظاهرةٌ، والبغضاءُ باطنة؛ فإنَّ العداوة ما يتَّصل بالتَّعدي، والبغضاء ما يتمكَّن في القلب.
﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: أي: هذه العداوة قائمة بيننا إلى أن تؤمنوا.
﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾: قيل: لم يكن بينهم وبين قومهم الكفَّارِ مودَّةً إلَّا ما قال إبراهيم لأبيه أزر: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾؛ أي: لأسألنَّ اللَّه تعالى أن يغفر لك ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٦٦).
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٥١٨)؛ والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٨٤)، دون نسبة.
[ ١٤ / ٣٨٤ ]
مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وليس مغفرتُك بيدي، ثم بيَّن أنَّه لم يكن ذلك الاستغفارُ لأبيه عن موالاة الكافر، ولكن لِما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وقد شرحناها ثمَّة على الوجه.
وقيل: الاستثناء من قوله: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة إلَّا في هذا، فإنَّه لا أسوة لكم في هذا، كما قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣].
وقيل: هو استثناء منقطع، وتقريره: لكن قولُ إبراهيم لأبيه: (لأستغفرنَّ لك) كان لموعدةٍ وعدَها إياه (^١)، فظنَّ أنَّه قد أنجزها، فلمَّا تبيَّن له إصرارُه على الشِّرك تبرَّأ منه، ولا يحلُّ لكم أن تستغفروا للمشركين مع علمكم بشركهم، ولا يجوز لكم أن توالوهم.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾: قال الضَّحَّاك: هذا قول إبراهيم ومَن معه (^٢).
وقيل: هو تعليم اللَّه عباده أن يقولوه؛ يعني: أظهِروا لهم العداوة، ولا يهولنَّكم كثرة عددهم.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾؛ أي: اعتمدنا.
﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾: أي: رجعنا بالاعتراف عن ذنوبنا.
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: أي: المرجع في الآخرة.
_________________
(١) في (ر): "أبوه".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٩٣) بلا نسبة، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ٤١٠) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٤ / ٣٨٥ ]
(٥ - ٦) - ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لا تُظْهِرْ عدوَّنا (^١) علينا فيُفتَتَنَ بنا الكفَّار، فيرَوا أنَّهم على حقٍّ، ونحن على باطل.
وقيل: اصرف عنا شدائد الدُّنيا، ولا تُنزل بنا ما يشمِتْ بنا الكفَّار، فيظنُّوا أنَّه إنَّما نالنا ذلك بسوءِ منزلتنا عندك، فيكون ذلك فتنة لهم من هذا الوجه. وهذا معنى قول مجاهد وقتادة وعكرمة.
وقال الضَّحَّاك: أي: لا تسلِّط علينا عدوَّنا، فيفتنوننا عن ديننا (^٢).
وعلى هذا الفتنة مصدر بمعنى المفعول.
﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: هذا ظاهر (^٣).
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: التَّكرير للتَّأكيد والتَّقرير؛ لأنَّ الأوَّل في التَّبرُّؤ عن الكفَّار، والثَّانيَ في التَّقرب بهذه الدَّعوات.
ولأنَّ الأوَّل حثٌّ على الاقتداء بهم، والثَّانيَ بيانٌ أن هذا النَّفعَ يقع ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
ولأنَّ الأوَّل نزل في وقتٍ، والثَّانيَ في وقتٍ آخر، فلم يكن تكرارًا كتكرار القصص، والأمرِ بإقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة في سُورٍ وآيات.
ثم قوله: ﴿لَكُمْ﴾ مع قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ لا يتنافيان؛ لوجهين:
_________________
(١) في (ر): "لا يظهر أعداؤنا".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٦٩) عن ابن عباس ﵄ وقتادة ومجاهد.
(٣) "هذا ظاهر" ليس في (أ).
[ ١٤ / ٣٨٦ ]
أحدهما: أنَّ معناه: لكم أسوةٌ، وهذه الأسوة حسنةٌ لمن كان منكم يرجو اللَّه.
والثَّاني: أنَّ تقديرَه: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان منكم يرجو اللَّه واليوم الآخر؛ أي: يرجو اللَّه أن يثيبَه به، فيدخلَه الجنَّة يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن الاقتداء بهم، ووالى الكفَّار ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾؛ أي: غنيٌّ عنه وعن نصرته وعن معونته، بل هو وليُّ دينه وناصر حزبه.
﴿الْحَمِيدُ﴾: هو المستحقُّ للحمد.
* * *
(٧) - ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾: أطمعَهم -مع الأمر بمعاداتهم- في تحوُّل الحال إلى خلافه، وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ من أهل مكَّة من قراباتكم ﴿مَوَدَّةً﴾ بأن يوفِّقهم للإيمان.
﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: فإنَّ اللَّه على ذلك وعلى كلِّ شيء قدير، وهو رحيم بعباده، غفور لِمَا سلَفَ من كفرهم إذا أسلموا.
وفي هذا تأكيدٌ لِما أمرهم به من ترك موالاتهم ما داموا كفَّارًا، وتعريفٌ لهم أنَّهم إذا فعلوا ذلك بالغوا في جهادهم، فأدَّى ذلك إلى إيمانهم الموجِب لودادهم، وقد كان هذا بأن فُتحَتْ مكَّة على أيديهم، وأسلم كثيرٌ منهم.
و(عسى) من اللَّه تعالى واجب.
وقوله: ﴿أَنْ يَجْعَلَ﴾ دليل على خلقِ اللَّهِ أفعالَ العباد، ظاهرَها وباطنَها.
وقال مقاتل: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ يعني: أبا سفيان
[ ١٤ / ٣٨٧ ]
والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، وأبو سفيان صارت ابنته أمُّ حبيبة زوجة رسول اللَّه -ﷺ-، وهو صهر رسول اللَّه -ﷺ- (^١).
* * *
(٨) - ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: عرَّفَهم اللَّهُ أنَّه ليس برُّ الرَّجل قرينَه الذي لم يقاتله على الدِّين ممَّا دخل فيما نهاهم عنه من موالاة المشركين.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾: بالقول، وحسن المعاشرة، والصِّلة بالمال ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: تعدلوا؛ لأنَّهم إذا لم يُخرجوكم من دياركم ولم يؤذوكم فهذا برٌّ منهم، فالعدل معهم أن تبرُّوهم أنتم أيضًا.
وقيل: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ مِن القسط، وهو الحظُّ؛ أي: تجعلوا لهم حظًّا من أموالكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: الذين يجعلون لجيرانهم وقراباتهم حظًّا من طعامهم وما كان لهم.
وعن عائشة ﵂: أنَّها نزلت في أسماء بنت أبي بكر ﵄، وكانت أمُّها في الجاهليَّة يُقال لها: قُتيْلَةُ بنت عبد العزَّى، جاءتها بهدايا، فقالت: لا أقبل حتَّى يأذنَ لي رسول اللَّه -ﷺ-، ولا تدخلُ عليَّ، فذكرَتْ ذلك عائشةُ ﵂ للنَّبيِّ -ﷺ-، فأنزل اللَّه تعالى هاتين الآيتين (^٢).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٠٢)، وليس فيه ذكر للحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام. وذكر نحوه الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٤١٢ - ٤١٣) عن ابن عباس ﵄ ومقاتل. وذكره في "الوسيط" (٤/ ٢٨٤) مثل لفظ المؤلف لكن دون ذكر زواج النبي -ﷺ- من أم حبيبة.
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٦١١١)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٧٢)، وابن أبي حاتم =
[ ١٤ / ٣٨٨ ]
وعن الحسن ﵀: أنَّ المسلمين استأمروا النَّبيَّ -ﷺ- في أقربائهم من المشركين أن يَصلوهم، فنزلت (^١).
* * *
(٩) - ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾: أي: عن موالاتهم.
﴿وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾: أي: عاوَنوا.
﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: الواضعون التَّولِّيَ في غير موضعِه.
عرَّفَهم أنَّه لم يُرِد بما أمرهم به قصدًا لقطع الأرحام، لكنْ تشديدًا عليهم؛ ليكون ذلك سببًا لإجابتهم إلى الإسلام.
_________________
(١) = في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٤٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٨٠٤) من حديث الزبير ﵁. وصححه الحاكم. وأصل الحديث رواه مسلم (١٠٠٣)، وعلقه البخاري (٥٩٧٩) جزمًا، من حديث أسماء ﵂.
(٢) لم أجده، وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ٣٥٦): اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال: أحدها: أنها في أسماء بنت أبي بكر. وذكر الخبر. والثاني: أنها نزلت في خزاعة وبني مدلج. . .، وعزاه لابن عباس والحسن، وسيأتي عن ابن عباس قريبًا. والثالث: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس، قاله عطيّة العوفيّ ومرّة الهمداني. والرابع: أنها عامة في الكفار، وهي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قاله قتادة. وسيأتي. والخامس: نزلت في النساء والصبيان، حكاه الزجاج.
[ ١٤ / ٣٨٩ ]
وهذا لا يمنع حسن المعاشرة في موضعه، والبرَّ بالقرابة ممَّن لا يظهر عداوةً للحقِّ وأهله.
وقال ابن عبَّاس ﵄: نزلت الآية في خزاعة منهم هلال بن عويمر وخزيمة وبنو مدلج، كانوا صالحوا النَّبيَّ -ﷺ- قبل أُحُد بسنةٍ على ألَّا يقاتلوه ولا يخرجوه ولا يعاونوا على إخراجه أحدًا، فأنزل اللَّه تعالى في هؤلاء هذه الآية (^١).
قال قتادة: نسختها آية القتال (^٢).
* * *
(١٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية: وهي قطع موالاة الكفَّار أيضًا، يقول: إذا جاءكم النِّساء من دار الكفر مظهِراتٍ للإيمان والهجرة.
﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: أي: فاختبروهنَّ وفتشوهنَّ بالكشف عمَّا دعاهنَّ إلى ترك ديارهنَّ وإتيانكم.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾: أي: بحقيقة اعتقادهن.
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾: أي: فإن انكشف لكم بالامتحان أنهنَّ مؤمناتٌ كما ظهر منهنَّ ذلك بإظهارهنَّ.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٩٤).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٠٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٧٣).
[ ١٤ / ٣٩٠ ]
﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: أي: فلا تردوهنَّ إلى الكفَّار.
﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: نفي الحلِّ من الجانبين إذا أسلمَتِ المرأة والزَّوجُ كافر.
ثم الإيمانُ ذكر في هذه الآية على ثلاثة أوجه:
الأوَّل: إيمانٌ بدلالة الحال؛ ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾، وهو بنفس هجرتهنَّ إلينا، فإنَّ ذلك إظهار الإيمان منهنَّ.
والثَّاني: بالنُّطق والأمارات عليه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾.
والثَّالث: الحقيقة والاعتقاد، وهو قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾.
وذُكر أنَّ هذه الآية نزلَتْ في صلح الحديبية، وكان فيه: أنَّ مَن جاءنا منهم ردَدْناه عليهم، فأمرَ اللَّهُ تعالى في النِّساء أن لا يُردَدْنَ إليهم، وفي الرِّجال أنْ يُرَدُّوا إليهم، وذلك لضعف النِّساء على الدَّفع عن أنفسهنَّ، والعجزِ عن الصَّبر عن الفتنة.
وسئل ابنُ عبَّاس ﵄: كيف كان النَّبيُّ -ﷺ- يمتحِنُ النِّساء؟ قال: كان يقول: "باللَّه ما خرجْتِ من بغضٍ لزوجك؟ باللَّه ما خرجْتِ التماسَ دنيا (^١)؟ باللَّه ما خرجْتِ رغبةً إلى أرض؟ باللَّه ما خرجْتِ إلَّا حبًّا للَّه تعالى ولرسوله؟ " (^٢).
وقالت عائشة ﵂: ما كان النَّبيُّ -ﷺ- يمتحن إلَّا بالآية التي قال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية (^٣).
_________________
(١) في (أ): "ذنبًا".
(٢) رواه البزار (٢٢٧٢ - كشف الأستار)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٧٢٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٧٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٥٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٣): فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه غيرهما، وبقية رجاله ثقات.
(٣) رواه البخاري (٢٧١٣)، ومسلم (١٨٦٦).
[ ١٤ / ٣٩١ ]
وروى عطيَّة عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كان امتحانهنَّ أنْ يشهدْنَ أنْ لا إله إلَّا اللَّه، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، فإذا علموا أنَّ ذلك حقٌّ منهنَّ لم يرجعوهنَّ إلى الكفَّار (^١).
﴿وَآتُوهُمْ﴾: أي: أعطُوا الكفَّار الذين هم أزواجهنَّ ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾؛ أي: ما أعطَوهنَّ من المهور. كذا قال ابن عبَّاس وقتادة والزُّهري ومجاهد والضَّحاك (^٢).
وقال مقاتل: إذ تزوَّجها أحدٌ من المسلمين دفعَ مهرَها إلى الزَّوج، وإن لم يتزوَّجها أحدٌ من المسلمين فليس لزوجها الكافر شيء (^٣).
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: دلَّ هذا على صحَّة قول أبي حنيفة ﵀: إنَّ المهاجرة لا عدَّة عليها؛ فإنَّ اللَّه تعالى أباح نكاحَها للحال (^٤).
﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: التزمْتُم مهورهنَّ، ولم يُرِد به حقيقةَ الأداء؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ أي: يلتزموها.
﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: قرأ أبو عَمرو بضمِّ التَّاء وتشديد السِّين كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠] (^٥)، وعنه في رواية بفتح التَّاء والسِّين، من
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٧٦). وعطية ضعيف.
(٢) رواه الطبري فى "تفسيره" (٢٢/ ٥٨٠ - ٥٨١) عن مجاهد وقتادة والزهري والضحاك وابن زيد وبكير بن الأشج.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٠٣).
(٤) انظر: "شرح مختصر الطحاوي" (٥/ ٢٥٠)، و"المبسوط" للسرخسي (٥/ ٥٧)، و"الهداية" للمرغيناني (٢/ ٢٧٧).
(٥) أي: ﴿تُمَسِّكوا﴾. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٠).
[ ١٤ / ٣٩٢ ]
التَّمسُّك (^١)، وقرأ الباقون بضم التَّاء وتسكين الميم وتخفيف السين وكسرها (^٢)، من الإمساك، وهذا كذلك؛ فإن التَّمسُّك والتَّمسيك (^٣) والإمساك والاستمساك واحدٌ، وهو التعلُّق، ومعناه: ولا تتعلَّقوا بعقد الكوافر؛ أي: لا تتزوَّجوهنَّ إذا كنَّ حربيَّات.
وقيل: هذا في حقِّ المرتدة إذا ارتدَّتْ ولحقَتْ بدار الحرب (^٤)، فلا تتعلَّقوا بعقدتها؛ فإنَّها قد حرمَتْ.
وقيل: إذا ارتدَّتْ ولحقَتْ بدار الحرب بعد الردَّة زالت عصمتها بالكليَّة، فحلَّ للزَّوج تزوُّج أختها وأربعٍ سواها.
﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾: أي: إذا ارتدَّتْ امرأة أحدكم، ولحقَتْ بدار الحرب، فاسألوا مهرها ممَّن تزوَّجها.
﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: وليسأل كلُّ حربيٍّ أسلمَتْ امرأتُه وهاجرَتْ إلينا مهرَها ممَّنْ تزوَّجها منا (^٥).
﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: فكان هذا الحكمُ حالَ قيام العهد، ثم نُسِخَ ذلك بآية القتال، فلم يبقَ سؤال المهر لا منَّا ولا منهم.
وهذه الآية فيمَن خرجَتْ إلينا من نسائهم، فأمَّا مَن ارتدت من نسائنا -والعياذ باللَّه- وذهبَتْ إليهم فحكمُها في الآية التي تليها، وهي قوله تعالى:
_________________
(١) أي: (تَمَسَّكوا). انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٥٦)، وفيه: معاذ عن أبي عمرو، والحسن.
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥).
(٣) "والتمسيك" من (أ).
(٤) "ولحقت بدار الحرب" ليس في (أ) و(ف).
(٥) في (ر): "منكم".
[ ١٤ / ٣٩٣ ]
(١١) - ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: أي: أحدٌ من زوجاتكم بالردَّة واللُّحوق بهم، وفي قراءة عبد اللَّه: (وإنْ فاتَكُم أحدٌ) (^١)، وفي اللُّغة هو كذلك، قال الشَّاعر:
وأقسِمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه سواكَ ولكن لم نجدْ لك مدفعا (^٢)
﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: فأصبْتُم غنيمةً (^٣).
وقال الأخفشُ: أصبْتُم عقبَى منهم (^٤).
وقال الكسائيُّ: أي: فخَلَفْتُم مِن بعدِهم فغَنِمتُم؛ أي: صار إليكم مالهم، وهو من العَقِب (^٥).
وقال قطرب: عاقب الرَّجل شيئًا؛ أي: أخذ (^٦).
وقيل: أي: حاربْتُم الكفَّار معاقِبين لهم، وغنمتُم مضمَر.
وقال مجاهد: اقتصصْتُم (^٧).
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٥١)، و"المحرر الوجيز" (٥/ ٢٩٨). وهي محمولة على التفسير لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة وفي مقدمتها ابن مسعود ﵁.
(٢) البيت لامرئ القيس. انظر: "ديوانه" (ص: ١٢٦).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٥١).
(٤) ذكر مثله أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٥٧)، وابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٤٦٢).
(٥) لعلها من قولهم: جاء فلان عَقِب فلان؛ أي: بعده، وفلان يسعى عقب آل فلان؛ أي: بعدهم. انظر: "مختار الصحاح" (مادة: عقب).
(٦) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٣٢٠).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٩١ - ٥٩٢) بلفظ: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أصبتم مغنمًا من قريش أو غيرهم =
[ ١٤ / ٣٩٤ ]
وقال ابن زيد: خرجَتِ امرأةٌ من المسلمين إلى المشركين، وأتَت امرأةٌ من المشركين، فقال القوم: هذه عقبتُكم (^١) قد أتتْكُم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ (^٢).
﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾: أي: فأعطوا المسلمين الذين ارتدَّتْ زوجاتهم ولحقْنَ بدار الحرب مهورَ زوجاتهم مِن هذه الغنيمة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ نَ: ثم نسخ هذا الحكم بآية القتال أيضًا.
وروي: أن الآية الأولى نزلَتْ في عام الحديبية؛ لَمَّا صالح النَّبيُّ -ﷺ- أهلَ مكَّة، وكتبَ في العهد: إنَّ مَن أتى المسلمين مسلمًا رُدَّ عليهم، خرجَتْ يومئذ سبيعة بنت الحارث مسلمةً، وجاء زوجُها يستردُّها، ويقول: ردَّها عليَّ يا محمَّدُ؛ فإنَّه في الشَّرط، وإنَّ طينة الكتاب لم تجفَّ، فنزلت الآية (^٣) (^٤).
وقال الواقديُّ: لا نعلم قرشيَّة خرجَتْ من أبويها مسلمةً مهاجرةً إلى اللَّه تعالى إلَّا أمَّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْط، كانت تحدِّث تقول: كنْتُ أخرج إلى باديةٍ لنا بها
_________________
(١) = ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ صدقاتهن عوضًا.
(٢) في (ف): "عقيبتكم"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٩٣).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٠٣). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٩٤) عن ابن عباس ﵄، وذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٥٢١) عن الكلبي.
(٥) ذكر الخبر عند تفسير هذه الآية مقاتل والفراء وأبو الليث السمرقندي والثعلبي والبغوي والزمخشري وابن عطية وابن الجوزي في تفاسيرهم، وهبة اللَّه بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ١٧٧ - ١٧٨). وعزاه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٤٢٤)، وكذا شيخه الثعلبي وتلميذه البغوي لابن عباس لكن دون إسناد. وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٥٢١) عن الكلبي. فلعله كغيره من الأخبار التي رويت من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
[ ١٤ / ٣٩٥ ]
أهلٌ، وأقيم فيهم الثَّلاث والأربع، وهي ناحيةَ التَّنعيم -وهي مسجد عائشة ﵂- ثم أرجعُ إلى أهلي، فلا ينكرون ذهابي، حتى أجمعْتُ المسير، فخرجْتُ يومًا من مكَّة كأنِّي أريد البادية التي كنْتُ بها، فلمَّا رجع مَن معي خرجْتُ حتى انتهيْتُ إلى الطَّريق، فإذا رجلٌ من خزاعة، فلمَّا ذكر خزاعة اطمأننْتُ إليه؛ لدخول خزاعة في عهد محمَّد -ﷺ-، وقلْتُ: إنِّي امرأة من قريش أريد اللُّحوق برسول اللَّه -ﷺ-، ولا علم لي بالطَّريق، فقال: أنا صاحبُكِ حتَّى أُورِدَك المدينة، ثم جاءني ببعيرٍ فركبتُه، فكان يقودُ بي البعير، لا واللَّه ما كلَّمني كلمةً حتى أناخَ بي البعير وقيَّده في الشَّجرة، وتنحَّى إلى شجرة، حتَّى إذا كان الرَّواح أخرج البعير وقرَّبه، وولَّى عنِّي، فإذا ركبْتُ أخذ برأس البعير، فلم يلتفِتْ وراءَه حتى ننزل، فلم يزل كذلك حتى قدم المدينة (^١).
* * *
(١٢) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾: أي: لا يستلحقْنَ ولدًا من غير أزواجهنَّ، فيُلحقْنَه بأزواجهنَّ.
وذكر الأيدي والأرجل كنايةٌ عن التقاط المولود وعن الولاد (^٢)، فالأيدي
_________________
(١) انظر: "مغازي الواقدي" (٢/ ٦٣٠).
(٢) في (أ): "الأولاد".
[ ١٤ / ٣٩٦ ]
للالتقاط (^١)، والأرجل للولاد؛ لأنَّها إذا التقطت بيديها وأضافت إلى ولادتها (^٢) فقد أتَتْ ببهتانٍ بين يديها ورجليها.
وقال الضَّحَّاك: أي: لا تقذفْنَ رجلًا ولا امرأة بالزِّنى (^٣).
ومجاز ذلك: أنَّها إذا قذفَتِ امرأةً فقد بهتَتْ ما بين يدي المقذوفة ورجليها، أو نفَتْ عنها ولدًا قد ولدتْهُ، وألحقت بها ولدًا لم تلده.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: أي: ولا يخالفْنَكَ في طاعةٍ تأمر بها. وهي عامَّة في كلِّ الطَّاعات.
وعن أم عطيَّة وأم سلمة: أنه النَّوح (^٤). وهي بعض ما عمَّته الكلمة.
﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: كما تبايعُ الرِّجالَ وتستغفر لهم.
ثمَّ اختلف فيمَن فيه هذه الآية:
قالت عائشة ﵂: إنَّ المهاجرات كُنَّ إذا قدمْنَ قعدْنَ عند النَّبيِّ -ﷺ-، فيقول لهنَّ: "أبايعكُنَّ على ألَّا تشركْنَ باللَّه شيئًا"، ويتلو عليهنَّ الآية إلى آخرها، فإذا أقررْنَ بذلك قال: "بايعْتكنَّ، فارتفِعْنَ"، لا والذي بعثَ محمَّدًا بالحقِّ، ما مسَّتْ يدُه امرأةً قطُّ، إلَّا امرأة أحلَّها اللَّه له أو من قرابته، قالت: وكنَّ إذا أقررْنَ بهذا الكلام فهي الممتحنة (^٥).
_________________
(١) في (ر): "فالأيدي لالتقاط المولود".
(٢) في (أ): "أولادها".
(٣) ذكر مثله مقاتل في "تفسيره" (٩/ ٢٩٧).
(٤) رواه الترمذي (٣٣٠٧) عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا. وقال: حديث حسن غريب. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٢١٠٠)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٠١) عن أم عطية. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢٠٧٩٦)، والبخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦)، عن أم عطية.
(٥) روى نحوه البخاري (٥٢٨٨)، ومسلم (١٨٦٦).
[ ١٤ / ٣٩٧ ]
وقال الضَّحَّاك: يعني به نساء أهل مكَّة، وليس بالنِّساء اللَّاتي أُمِرَ أنْ يمتحِنَهنَّ.
وروَتْ أُميمةُ بنت رُقَيقةَ أيضًا أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- لم يصافِحْهُنَّ (^١).
وعن إبراهيم النَّخعي والشَّعبي: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- بايع النِّساء وعلى يده ثوبه (^٢).
وعن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّه دعا بقدح من ماء، فغمسَ يدَه فيه، ثم أمرَ النِّساء فغمسْنَ إيديَهُنَّ فيه (^٣).
وقال مقاتل بن حيَّان ﵀: لَمَّا كان يومُ فتح مكَّة، وفرغ رسول اللَّه -ﷺ- من بيعة الرِّجال، والنَّبيُّ -ﷺ- على الصَّفا، وعمر ﵁ قاعدٌ أسفل منه يبايع النِّساءَ للنَّبيِّ -ﷺ-، فقال لعمرَ: بايعهُنَّ على ألَّا يشركْنَ باللَّه شيئًا، وهند بنت عتبةَ بن ربيعةَ منتقِبةٌ فيما بين النِّساء، فرفعَتْ رأسَها وقالت: واللَّه لقد عبدْنا الأصنام دون اللَّه تعالى، ثم قالت للنَّبيِّ -ﷺ-: واللَّه إنَّك لتأخذُ علينا أمرًا ما رأيناك أخذْتَه على الرِّجال، وبايَعَ الرِّجال إذ ذاك على الإسلام والجهاد في سبيل اللَّه.
فبايعَ عمرُ النِّساء ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، فقالت هند: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ، وإنَّه لا يعطيني ما يكفي ولدي إلَّا ما أخذْتُ منه سرًّا، فقال
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٢)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٧٠٠٦)، والترمذي (١٥٩٧)، والنسائي (٤١٨١)، وابن ماجه (٢٨٧٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٠٢) عن إبراهيم النخعي. ورواه ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٥)، وسعيد بن منصور كما في "الدر المنثور" (٨/ ١٤٠)، وابن سعد عن الشعبي.
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ١١)، وفيه شيخه الواقدي، وهو متروك. ورواه الطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٤٩) عن عروة بن مسعود الثقفي، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣٩): فيه عبد اللَّه بن حكيم، أبو بكر الداهري، وهو ضعيف.
[ ١٤ / ٣٩٨ ]
رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّك لهند"، قالت: نعم، والإسلام يجُبُّ ما قبلَه، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ثم قال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، فقالت هند: أفٍّ، وهل تزني الحرَّة قط، فقال عمر ﵁: لو كان قلب نساء العرب على قلب هند ما زنَتْ امرأةٌ منهنَّ قط.
ثم قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، فقالت هند: ربَّيناهم صغارًا، فقتلتُموهم يوم بدر كبارًا، قال فضحك عمرُ ﵁ حتى استلقى.
ثم قال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، قالت: واللَّه إنَّ البهتان لأمر قبيح، وما يأمرنا رسول اللَّه إلَّا بالرُّشد ومكارم الأخلاق.
ثم قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، فقالت هند: واللَّه ما جلسنا مجلسًا منك وفي أنفسنا أن نعصيَك.
فبايعهن عمر للنَّبيِّ -ﷺ-، واستغفر لهنَّ النَّبيُّ -ﷺ- (^١).
قال الزُّهريُّ: كان هذا بالحديبية، وهذه البيعة يوم فتح مكَّة (^٢).
وقال الكلبيُّ وسعيد بن المسيِّب وزيد بن أسلم وقتادة: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾: النَّوح، وتمزيق الثِّياب، وحلق الشُّعور، وشقُّ الجيوب، وخمش الوجوه، ولا يحدِّثْنَ الرِّجال، ولا تخلو امرأة برجل غيرِ مَحْرَمٍ، ولا يسافرْنَ فوق ثلاثة أيَّام بغير محرم (^٣).
_________________
(١) ذكره ابن أبي حاتم مختصرًا في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٥١) عن مقاتل بن حيان. وذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (٤/ ٣٠٦)، ورواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ١٨٨ - ١٨٩) عن ميمون بن مهران، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٩٦) عن ابن عباس ﵄.
(٢) لم أقف عليه، وقال الآلوسي في "روح المعاني" (٢٧/ ٩٤): والمبايعة وقعت غير مرة ووقعت في مكة بعد الفتح وفي المدينة.
(٣) ذكره عنهم عدا قتادة الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٩٨)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٤٢٤) =
[ ١٤ / ٣٩٩ ]
(١٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: ختمَ السُّورة بما بدأ بها، وهم المشركون.
﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: من كونها، والثَّوابِ والعقاب فيها، فلذلك لا يؤمنون بها.
﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾: أي: هم ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أن يرجعوا إليهم.
وقيل: أي: كما يئس أسلافهم الكفَّار الذين هم في القبور من الآخرة أيضًا؛ أي: هؤلاء في الكفر كسلفهم.
وقيل: أي: كما يئس هؤلاء الكفَّار من برِّ أصحاب القبور ونفعهم.
وقيل: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: هم اليهود، وهم المخصوصون بذكر الغضب في آيات اللَّه، ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: من ثواب الآخرة، ومن رحمة اللَّه ومغفرته لهم في الآخرة، ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾ المشركون المقبورون، فهم (^١) مع أنَّهم من أهل الكتاب في هذا كعبدة الأصنام.
وقال ابن مسعود ﵁: هم اليهود والنَّصارى، يقولون: لا نعيم في الجنَّة من المآكل والمشارب والمناكح والملاذِّ، كالكفَّار لا يقرُّون بالجنَّة والنَّار أصلًا (^٢).
_________________
(١) = عن الكلبي والمقاتلين. ورواه ابن عبد البر في "التمهيد" (١٢/ ٢٣٨) عن زيد بن أسلم، وذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٢٤٧).
(٢) في (ر): "منهم".
(٣) ذكره عنه الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٥٢٦).
[ ١٤ / ٤٠٠ ]
وقال مقاتل: الآية في المنافقين ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾: إذا دخلوها بشَّرتهم الملائكة بالنَّار، فيئسوا من كلِّ خير (^١).
* * *
_________________
(١) = ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٢٠٧) عن قتادة، ورواه عبد الرزاق أيضًا في "تفسيره" (٣٢٠٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٠٤) عن الكلبي.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨).
[ ١٤ / ٤٠١ ]