بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي هتك ستر المنافقين، الرحمنِ الذي له العزَّة ولرسوله وللمؤمنين، الرحيمِ الذي هو خبير بعمل العاملين.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأ سُورةَ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ" (^١).
وهذه السُّورة مدنيَّة.
وهي إحدى عشرةَ آيةً، ومئةٌ وثمانون كلمة، وسبعُ مئة وثمانون حرفًا (^٢).
وختم تلك السُّورة في ذهاب الخاطئين، وافتتاح هذه السُّورة في مجيء المنافقين.
وانتظام السُّورتين: أنَّ تلك في قبائح أعداء اللَّه تعالى المجاهرين (^٣)، وهذه في فضائح أعداء اللَّه المنافقين.
* * *
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣١٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٠٢). وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور.
(٢) في (أ) و(ر): "واثنان وثمانون حرفًا". وأنظر: "البيان في عد آي القرآن" للداني (ص: ٢٤٧)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٣١٩)، وفيهما: (وهي سبع مئة وستة وسبعون حرفًا).
(٣) في (ر): "الكافرين".
[ ١٤ / ٤٢٧ ]
(١) - ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾: كسرُ ﴿إِنَّكَ﴾ لمكان اللَّام في قوله: ﴿لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ﴾؛ أي: يقولون كما يقول المخلصون.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾: كما تلفَّظ به المنافقون.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: يضمِرون خلافَ ما يُظهرون؛ لأنَّهم لا يعتقدون أنَّك رسول اللَّه، والشَّهادةُ: الإخبارُ عن علم، وعندهم أنَّهم لا يعلمونه رسولَ اللَّه، ولأنَّ الشَّهادة قولٌ عن تحقيق، وهم لا يحقِّقون ذلك.
وقيل: كاذبون في أنَّهم أرادوا الإيمان به.
* * *
(٢) - ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾: أي: كلَّما اطَّلع منهم على شيء من النِّفاق حلفوا أنَّهم لم يقولوه، فيتستَّروا به كما يُتستَّر بالجُنَّة، وهو كما قال: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦]، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤].
ثم معنى الجُنَّة: أنَّه سُترة لِمَا يضمرونه.
وقال الحسنُ وقتادة ومجاهد: أي: جُنَّةً لأموالهم ودمائهم، يعصمونهما بها (^١).
قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: قيل: أي: فمنعوا (^٢) المؤمنين بأيمانهم عن إقامة حكم اللَّه تعالى، فـ (سبيل اللَّه) هاهنا: هو طريق الدِّين وحكم الشُّرع.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٥١) عن قتادة.
(٢) في (أ): "قيل أي" وفي (ر): "أي: فيمنعوا"، بدل: "قيل أي فمنعوا".
[ ١٤ / ٤٢٨ ]
وقيل: أي: بما يستروا بإظهار الشَّهادة والحلِف على الكذب اختلطوا بالمسلمين، فاستزلُّوا كثيرًا من ضعَفتهم.
وقيل: أي: فصدُّوا عن الجهاد في سبيل اللَّه، وكانوا يثبِّطون (^١) عنه.
وقيل: فصدُّوا اليهود والمشركين عن الدُّخول في الإسلام بقولهم: نحن كافرون بهم، وقد ألحقونا بجملتهم بما نُظهره، ولو كان محمَّدٌ محقًّا لاطَّلع على ما نُضمره، فأعلم اللَّه تعالى المنافقين أنَّه عالم بهم، وأطلعَ رسولَه على حالهم.
﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: الآن وفي سالف الزَّمان.
* * *
(٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾: أي: في الظَّاهر ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ أي: في الباطن.
﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أي: ختم اللَّه عليها وخذلهم، فلا يفهمون ما يُخاطَبون به من الزَّجر عن النِّفاق والوعيد عليه.
وقيل: أي: لا يتدبَّرون فيه.
وقيل: أي: يعملون عملَ مَن لا يفهم.
وقال الرَّبيع بن أنس وقتادة: آمنوا بألسنتهم، وكفروا بقلوبهم (^٢).
وقيل: هذا في قومٍ كانوا آمنوا، ثم شكُّوا فنافقوا.
ونزول هذه السُّورة (^٣) في عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سَلُولَ وسائر المنافقين، لعنهم اللَّه.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يتبطؤون".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٥٢) عن قتادة.
(٣) في (أ): "الآية".
[ ١٤ / ٤٢٩ ]
قال زيدُ بن أرقم: كنْتُ مع عمِّي، فسمعْتُ ابنَ أُبيٍّ يقول لأصحابه: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون: ٧]، و﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية [المنافقون: ٨]، فذكرْتُ ذلك لعمِّي، فذكرَهُ لرسول اللَّه -ﷺ-، فدعاني النَّبيُّ -ﷺ-، فحدَّثْتُه، فأرسل رسولُ اللَّه -ﷺ- إلى عبد اللَّه بن أُبيٍّ ابنِ سَلُولَ وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذَّبني النَّبيُّ -ﷺ- وصدَّقه، فأصابني همٌّ لم يصبْني قطُّ مثلَه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآيات، فبعثَ إليَّ رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقرأهنَّ عليَّ، ثم قال: "إنَّ اللَّه تعالى صدَّقك" (^١).
* * *
(٤) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾: أي: مناظرُهم، وكلُّ واحد منهم مَنظَرٌ بلا مَخْبَرٍ.
﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾: لأنَّهم يقولون قولَ المحِقِّ الصَّادِق تلبيسًا وتزويرًا.
وروي أنَّ ابن أُبيٍّ كان رجلًا جميلًا (^٢) لَسِنًا فصيحًا، فإذا قالَ سمعَ النَّبيُّ -ﷺ- قولَه (^٣).
وقيل: هذا الخطاب ليس للنَّبيِّ -ﷺ- على الخصوص، ومعناه: أنَّ مَن سمع كلامَهم أعجبه، وهو كقولك: أحسب أنَّ فلانًا كذا؛ أي: مَن نظر إليه يحسب أنَّه كذا.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٠٠) واللفظ له، ومسلم (٢٧٧٢).
(٢) في (ر): "محيلًا"، وفي مصدري التخريج: "جسيمًا".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٣٣٧). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٢٠) عن ابن عباس ﵄. ونقل الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٤٦٩) عن الكلبي قال: (يعني عبد اللَّه بن أبي ومعتب بن قشير كانت لهم أجسام ومنظر).
[ ١٤ / ٤٣٠ ]
وقال الضَّحَّاك: نزلت في وَدَاعةَ ومعتِّبِ بن قُشيرٍ وجَدِّ بن قيس وأوسِ بن قَيْظيٍّ وطُعمةَ بن أُبَيرِقَ وعبد اللَّه بن نَبْتلٍ ومجمِّع بنِ جارية لعنهم اللَّه، وكانت لهم ألسنٌ وأجسام.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾: وهي جمع خَشْبَة، كالثُّمُر جمع ثَمَرة.
و﴿مُسَنَّدَةٌ﴾: التَّسنيد (^١) تكثير الإسناد لكثرة (^٢) المحالِّ؛ أي: كأنَّها أسندَت إلى مواضع.
ولهذا التَّشبيه وجوه:
أحدها: هي كالجماد أشباحٌ وصُوَرٌ، لا تهتزُّ للتَّدبر (^٣) في آيات اللَّه، ولا تتحرَّك للتَّفكُّر فيما يورده عليهم رسولُ اللَّه -ﷺ- من حُجج اللَّه تعالى، كالخُشُب المسنَّدة التي هي قائمة لا حراك فيها، ولا علم ولا عقل.
والثَّاني: هم كخُشُب نَخِرَة، قد سُنِدَتْ إلى مواضعَ تُمسِكها، فهي بإمساكها إتاها تَتَصوَّر للنَّاظر بصورة ما يُنتَفع به، وهي في الحقيقة لا منفعةَ لها لمن عرفها واختبرها، فكذلك هؤلاء المنافقون إذا انكشفَتْ ضمائرُهم هانَتْ على أولي الألباب ظواهرُهم.
والثَّالث: أنَّ قلوبهم لا تعي خيرًا، ولا تضمر صدقًا، كالخُشُب ليس لها باطنٌ يتضمَّن معنًى ويثمر نفعًا.
قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾: وهو وصفٌ لهم بالجبن؛ أي (^٤):
_________________
(١) في (١): "التسند".
(٢) في (ر) و(ف): "بكثرة".
(٣) في (أ): "للنذير".
(٤) في (ر): "أو".
[ ١٤ / ٤٣١ ]
لجبنهم يحسبون أنَّ كلَّ مَن صاح فإنما يصيح عليهم، وهم المقصودون بها، فأخذ جرير هذا المعنى فقال:
ما زلْتَ تحسَبُ كلَّ شيءٍ بعدَهُمُ خيلًا تَكُرُّ عليهمُ ورجالًا (^١)
وقال عبيد بن أيُّوب:
لقدْ خِفْتُ حتَّى لو تمرُّ حمامةٌ لَقُلْتُ عَدوٌّ أو طليعةُ مَعْشَرِ (^٢)
وقال ابن جريج: أي: كلَّما نزل القرآن خشوا (^٣) أن يكون فيهم وعليهم؛ بما قد علموا من الغشِّ والعداوة للنَّبيِّ -ﷺ- (^٤).
وقيل: كلَّما تفلَّتَتْ دابَّة في العسكر، أو سمعوا نداءً، أو أمرَ النَّبيُّ -ﷺ- بقتالٍ، ظنُّوا أنَّهم مرادون بذلك، وهو كقول القائل:
يروِّعِهُ السِّرارُ بكلِّ أمرٍ مخافةَ أنْ يكونَ به السِّرارُ (^٥)
وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾: أي: الأعداء لك ولأهل دينك ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾؛ أي: لأنَّهم ينقلون الأسرار إلى الكفَّار، ويجبِّنون مَن قدروا عليه من أهل الإيمان.
_________________
(١) انظر: "ديوان جرير" (١/ ٥٣).
(٢) انظر: "الحيوان" للجاحظ (٥/ ١٣٢)، و"العزلة" للخطابي (ص: ٥٦)، و"التذكرة الحمدونية" (٩/ ٢٠٠)، و"الحماسة البصرية" (١/ ١١١).
(٣) في (ر): "حسبوا".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٦٥) عن قتادة. وأشار إليه الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٧٧) عن قتادة وابن جريج عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩].
(٥) البيت لبشار بن برد كما في "ديوانه" (١/ ٢٤٩).
[ ١٤ / ٤٣٢ ]
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: أهلكهم اللَّه، وقيل: لعنهم اللَّه.
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: كيف ومن أين يصرفون عن الحقِّ مع وضوح دلائله.
* * *
(٥) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾: قرأ نافع: ﴿لَوَوا﴾ بالتَّخفيف على أصل الفعل، والباقون بالتَّشديد للتَكثير (^١)؛ لكثرة المحالِّ وهي الرُّؤوس.
ولَمَّا نزلَتْ هذه الآيات، وكُشِفَ حالُ ابنِ أبيٍّ قيل له: قد نزلَتْ فيك آياتٌ شِدادٌ، فاذهبْ إلى رسول اللَّه -ﷺ- يستغفر (^٢) لك، فلوَّى رأسَه وقال: أمرتموني أن أؤمن فآمنْتُ، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيْتُ، فما بقي إلَّا أنْ أسجدَ لمحمَّد. فنزلت الآية (^٣).
﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾: أي: يعرضون عمَّا دُعوا إليه.
﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: عن المصير إلى رسول اللَّه -ﷺ-.
ويجوز أن يكون هذا حالًا على تقدير: يصدُّون مستكبرين، ويجوز أن يكونا وصفَيْن مقصودَيْن.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١).
(٢) في (ف): "ليستغفر".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٥٧) عن بشير بن مسلم.
[ ١٤ / ٤٣٣ ]
(٦) - ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: لأنَّهم كفار، وهو إخبار عن موتهم على الكفر.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: ما داموا على فسقهم مختارين لذلك.
قال عطاءُ بن أبي مسلم: كان النَّبيُّ -ﷺ- إذا أراد مقامًا لخطبة يسبقه (^١) عبد اللَّه بن أبيٍّ إلى المقام، فيقول للنَّاس: هذا رسولُ اللَّه أكرمَكم اللَّهُ به، فأعِزُّوه وانصروه ووقِّروه، فقال يومًا في مقامٍ نحو هذا، فجبهه المسلمون من كلِّ وجه، وقال له عمر: اقعد أيُّها المنافق (^٢)، وقام بسيفه متوجِّهًا نحوه، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "أين تريد؟ "، قال: إنِّي (^٣) أريد هذا المنافق لأقتله، فقال: "بل نحسنُ جوارَه حتَّى يفارَقنا"، فرجع عبدُ اللَّه ولم يدخل المسجد، فاستقبلَه بنو عمِّه فقالوا له: ما أخرجَكَ؟ قال: أتيْتُ لأسدِّد أمرَه فجبهني أصحابُه، وقال لي عمر ما قال، فقالوا: ارجع إلى رسول اللَّه -ﷺ- فاستغفرِ اللَّه يستغفر لك رسولُ اللَّه -ﷺ-، فقال: ما أبالي أستغفرَ لي أم لم يستغفر لي، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية (^٤).
* * *
(٧) - ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "يخطبه سبقه".
(٢) في (أ) و(ف): "الكافر".
(٣) في (أ) و(ف): "فقال" بدل: "قال إني".
(٤) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٢٣).
[ ١٤ / ٤٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾: أي: يتفرَّقوا، وهم لم يقولوا: ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ لأنَّهم كانوا لا يعتقدونه رسولَ اللَّه، وإنَّما قالوا: (على مَن عند محمَّد)، لكنَّ اللَّه تعالى لَمَّا أخبر عنهم ذكرَه باسم كرامته (^١)؛ تعظيمًا له، وتنبيهًا لعبادِه على منزلتِه عنده.
﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فلو شاء لأغنى المؤمنين عن المنافقين وسائر الكفَّار، ولكنَّه تعبَّد المؤمنين بالصَّبر على الضِّيق، وكلَّف المنافقين الإنفاق عليهم؛ إرغامًا لهم وتشديدًا عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾: وجوهَ الحِكَم الإلهيَّة.
* * *
(٨) - ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: قيل: معناه: ويقولون، وحذفُ واوِ العطف جائز كما مرَّ في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨].
﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾: وهذا كان من ابن أُبيِّ المنافق في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وكان خرج فيها مع النَّبيِّ -ﷺ- بشرٌ كثير من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قطُّ مثلَها، ليس بهم (^٢) رغبةٌ في الجهاد، بل إصابة عرَض الدنيا.
قال الواقديُّ: بينما المسلمون على ماء المريسيع، وقد انقطعَت الحربُ، وهو ماءٌ قليلٌ، إنَّما يخرج في الدلوِ نصفُها، أقبل سِنان بن وبرة الجهني، وهو حليف
_________________
(١) في (ر): "باسمه كرامة".
(٢) في (ف): "لهم".
[ ١٤ / ٤٣٥ ]
بني سالم بن عوف بن الخزرج، ومعه فتيان من بني سالم يستَقُون، فوجدوا على الماء جمعًا من العسكر من المهاجرين والأنصار، وكان جَهْجَاه بن سعيد الغفاري أجيرًا لعمر بن الخطاب، فأدلى سنان، وأدلى جهجاه، وكان جهجاهٌ أقربَ السُّقاة إلى سنان، فخرجت إحدى الدَّلوين (^١) ولم تخرج الأخرى، فقال سنان: هي دلوي، وقال جهجاه: واللَّه ما هي إلَّا دلوي، فتنازعا إلى أن رفع جهجاه يدَه فضرب سنانًا، فسأل الدَّم، فنادى: يا آل الخزرج، فثارت الرِّجال، وهرب جهجاه، وجعل ينادي في العسكر (^٢): يا آل قريش، يا آل كنانة، فأقبلَتْ إليه قريش سراعًا، فنادى سنان: يا آل الأنصار، فأقبلت الأوس والخزرج، وشهروا السِّلاح، حتى خيف فتنة (^٣) عظيمة، وترك جهجاه خصومته.
وكان ابنُ أُبيِّ جالسًا في عشرةٍ من المنافقين، هو ومالك وداعِسٌ وسُويد وأوس بن قيظيِّ ومعتِّب بن قُشير وزيد بن اللَّصيْتِ، وعبد اللَّه بن نبتل، وفي القوم زيدُ بن أرقم، غلامٌ لم يبلغْ أو قد بلغ، فغضب ابنُ أُبيٍّ غضبًا شديدًا، وكان ممَّا يُسمَع منه أن قال: واللَّه ما رأيْتُ كاليوم قطُّ مذلَّة، واللَّه إنْ كنْتُ لكارهًا لوجهي هذا، ولكنَّ قومي غلبوني، قد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا ملَّتنا، واللَّه ما صرْنا وهم إلَّا كما قال القائل: سمِّنْ (^٤) كلبَك يأكلْك، واللَّه لقد ظننْتُ أنِّي سأموتُ قبلَ أنْ أسمعَ هاتفًا يهتفُ بما هتفَ به جهجاه وأنا حاضر، لا يكون لذلك منِّي غِيَرٌ، واللَّهِ لئن رجعْنا إلى المدينة ليخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ.
_________________
(١) في (ر): "الذنوب".
(٢) في (أ): "الناس".
(٣) في (أ): "خفقت" بدل "خيف فتنة".
(٤) في (ر): "لا تسمن".
[ ١٤ / ٤٣٦ ]
ثم أقبلَ على مَن حضر من قومه فقال: إنَّما فعلتم بأنفسكم، أحلَلْتُموهم بلادكم، فنزلوا منازلكم، واستهمتُموهم في أموالكم حتَّى استغنَوا، أمَا واللَّه لو أمسكتم ما بأيديكم لتحوَّلوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضَوا بما فعلْتُم حتى جعلْتُم أنفسكم أغراضًا للمنايا، فقُتلْتُم دونَه، وأيتمْتُم أولادكم، وقَلِلْتُم وكَثُروا.
فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كلِّه إلى رسول اللَّه -ﷺ- وعندَه نفرٌ من أصحابه من المهاجرين والأنصار: أبو بكر الصِّديق وعثمان بن عفَّان وسعد بن أبي وقَّاص ومحمَّد بن مسلمة وأوس بن خَوْلي وعبَّاد بن بشر ﵃ أجمعين، فأخبره الخبر، فكره رسولُ اللَّه -ﷺ- خبرَه وتغيَّرَ وجهَه، ثم قال له: "غضبْتَ عليه؟ "، قال: لا واللَّهِ، لقد سمعْتُ منه يا رسول اللَّه.
وشاع في العسكر ما قالَ، فليس للنَّاس حديثٌ إلا ما قالَ ابنُ أُبيٍّ، وجعل الرَّهْط من الأنصار يؤنِّبون الغلام ويلومونه، يقولون: عمدْتَ إلى سيِّد قومِكَ تقول عليه ما لم يقل، لقد ظلمْتَ وقطعْتَ الرَّحم.
فقال زيدٌ: واللَّه لقد سمعْتُ منه ما قال، واللَّه ما كان في الخزرج رجلٌ واحدٌ أحبَّ إليَّ من عبد اللَّه بن أُبيٍّ، واللَّهِ لو سمعْتُ هذه المقالة من أَبي لنقلْتُها إلى رسول اللَّه، وإنِّي لأرجو أن يُنزِلَ اللَّه على نبيِّه -ﷺ- حتَّى يعلموا أنا كاذبٌ أم غيري (^١)، أو يرى رسولُ اللَّه -ﷺ- تصديقَ قولي.
وجعل زيد بن أرقم يقول: اللَّهم أنزل على نبيِّك ما يصدِّق حديثي، فقال قائلٌ: يا رسول اللَّه -ﷺ-، مُرْ عبَّاد بن بِشْرٍ فليأتِكَ برأسِهِ، فكرِهَ رسولُ اللَّه -ﷺ- هذه المقالة.
ويُقال: قيل: قُلْ لمحمَّد بن مسلمة يأتيك برأسه.
_________________
(١) في (ر): "أني كاذب أم صادق".
[ ١٤ / ٤٣٧ ]
فقال النَّبيُّ -ﷺ-: "لا يتحدَّث النَّاسُ أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابه".
وقام النَّفر من الأنصار الذين سمعوا قول النَّبي -ﷺ- وردِّه على الغلام، فجاؤوا إلى ابن أُبيٍّ فأخبروه، فقال أوس بن خَوْلي: يا أبا الحُبَاب، إنْ كنْتَ قلْتَه فأخبرِ النَّبيَّ -ﷺ- فليستغفرْ لك، ولا تجحدْ فينزلَ فيك ما يكذِّبُك، وإنْ كنْتَ لم تقلْهُ فأتِ رسولَ اللَّه -ﷺ- فاعتذر إليه، واحلفْ لرسولِ اللَّه -ﷺ- ما قلْتَه.
فحلف باللَّه العظيم ما قال من ذلك شيئًا، ثم مشى ابنُ أبيٍّ إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال له رسولُ اللَّه -ﷺ-: "يا ابنَ أُبيٍّ، إنْ كانت سلفَتْ منك مَقالة فتُبْ (^١) "، فجعل يحلِفُ باللَّه: ما قلْتُ ما قال زيدٌ، وما تكلَّمْتُ به.
وفي حديث عمر: أذِنَ رسولُ اللَّه -ﷺ- بالرَّحيل حين بلغَه هذا الكلام، وكانوا في حرٍّ شديدٍ، وكان لا يَرُوْحُ حتى يُبْرِدَ، ولَمَّا ركب ناقته القصواء كان أوَّل مَن لقيه سعد بن عبادة، فقال: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة اللَّه وبركاته، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "وعليك السلام"، قال: يا رسول اللَّه، لقد رحلْتَ في ساعة منكرة، لم تكن ترحل فيها.
وقيل: لقيه أُسَيْدُ بنُ حضير -وهو أثبتُ- فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "ألم يبلغْكَ ما قال صاحبُكم ابنُ أُبي، زعمَ أنَّه إنْ رجعَ إلى المدينة أخرجَ الأعزُّ منها الأذلَّ"، قال: فأنت يا رسول اللَّه تخرجُه إنْ شئْتَ، فهو الأذلُّ، وأنت الأعزُّ، والعزَّةُ للَّه ولرسوله وللمؤمنين، ثم قال: ارفقْ به يا رسول اللَّه، فواللَّه لقد جاءَ اللَّهُ بك، وإنَّ قومه ليَنْظُمون له الخرز ليتوِّجوه به، فجاء اللَّه بك على هذا الحديث، فلا يرى إلَّا أن قد سلبْتَه ملْكَه.
قالوا: فبينا رسول اللَّه -ﷺ- يسير من يومِه ذلك وزيد بن أرقم يعارض النَّبيَّ -ﷺ-
_________________
(١) في (أ): "فتب إلى اللَّه".
[ ١٤ / ٤٣٨ ]
براحلته يريه وجهَه، ورسول اللَّه يستحثُّ راحلتَه: حل حل؛ إذ نزلَ عليه الوحيُ.
قال زيدُ بن أرقم: فما هو إلَّا أن رأيْتُ النَّبيَّ -ﷺ- تأخذه البُرَحاء، ويعرق جبينُه، وتثقلُ به راحلته حتى ما تكاد تُقلَّه، عرفْتُ أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- يُوحَى إليه، فسُرِّيَ عن رسول اللَّه -ﷺ- وأخذ بأذني وأنا على راحلتي، حتى ارتفعْتُ عن مقعدي يرفعُها إلى السَّماء، وهو يقول: "وَفَتْ أُذُنُكَ يا غلام، لقد صدَّقَ اللَّهُ حديثَكَ"، وأنزل اللَّه تعالى في ابنِ أُبيٍّ السُّورة من أوِّلها إلى آخرها: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (^١).
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾: بذاته، ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بإعزازه، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّهم أتباع رسولِه -ﷺ- ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مواضعَ العزَّة.
وقال بعض أهل العلم: عِزُّ اللَّهِ: عِزُّ الملك والبقاء، وعِزُّ العظمة والكبرياء، وعِزُّ البذل والعطاء، وعِزُّ الرِّفعة والسَّناء، وعِزُّ الجلال والبهاء.
وعِزُّ الرَّسول: عِزُّ السَّبق والابتداء، وعزُّ الاختيار والاصطفاء، وعِزُّ الأذان والنِّداء، وعِزُّ قَدَم الصِّدق على الأنبياء، وعِزُّ الظُّهور على الأعداء.
وعِزُّ المؤمنين: عِزُّ التَّأخير، وعِزُّ التَّيسير، وعِزُّ التَّبشير، وعِزُّ التَّوفيق، وعِزُّ التَّكثير (^٢).
وقال ﵊: "نحن الآخِرون الأوَّلون" (^٣)، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، "تناكحوا توالدوا (^٤) تكثروا" (^٥)،
_________________
(١) انظر: "مغازي الواقدي" (٢/ ٤١٦ - ٤٢٠).
(٢) في (أ): "التوفير وعز التكبير"، وفي (ر): "التوقير وعز التكبير".
(٣) رواه مسلم (٨٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) "توالدوا" من (ف).
(٥) رواه الشافعي في "الأم" (٥/ ١٤٤) عن النبي -ﷺ- بلاغًا وزاد: "فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة =
[ ١٤ / ٤٣٩ ]
"يصفُّ (^١) النَّاسُ يومَ القيامة مئة وعشرين صفًّا، ثمانون منها هذه الأمَّة" (^٢).
* * *
(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: لا يشغلكم كما يشغلُ هؤلاء المنافقين، فحمَلَهم الشُّحُّ على أن قالوا: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، ودعاهم التَّعزُّز بأموالهم وأولادهم وعشيرتهم إلى أن قالوا: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.
قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن أن تذكروا اللَّه الذي رزقَكُم الأموالَ والأولادَ، وله خزائن السَّماوات والأرض، وله العزَّةُ ولرسوله.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: ومَن يشتغل بذكر الأموال والأولاد عن ذكر اللَّه؛ أي: عن أن يذكر قدرة اللَّه وسلطانَه وعزته.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: المغبونون في الآخرة والهالكون، وجمع لأنَّ (مَنْ) اسم جنس، وهو جمعٌ معنًى.
_________________
(١) = حتى بالسقط"، ورواه أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" من حديث ابن عمر ﵄ دون قوله: "حتى بالسقط" وإسناده ضعيف، كما قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٣٦٩). وله شاهد من حديث معقل بن يسار ﵁، رواه أبو داود (٢٠٥٠)، والنسائي (٣٢٢٧)، بلفظ: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الْوَلُودَ فإنِّي مُكَاثِرٌ بكم الأُمَمَ".
(٢) في (ر) و(ف): "يصبح".
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٢٩٤٠)، والترمذي (٢٥٤٦) وحسنه، وابن حبان في "صحيحه" (٧٤٥٩)، والحاكم في "المستدرك" (٢٧٣) وصححه، من حديث بريدة ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "أهلُ الجَنَّةِ عشرونَ ومئةُ صفٍّ، منهم ثمانونَ من هذه الأُمَّة".
[ ١٤ / ٤٤٠ ]
وقال الضَّحَّاك: ذكرُ اللَّه الصَّلاة (^١).
* * *
(١٠) - ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: أخرجوا من أموالكم في الوجوه التي أُمرتم بإخراجِها فيها، فإنَّها عطيَّة من اللَّه لكم، فلا تبخلوا بعطيَّته عن أداء فروضِه فيها.
قال ابن عبَّاس ﵄ والحسن والضَّحَّاك: هذا في الزَّكاة (^٢).
وقال الحسن: لم يكن اللَّه ليتوعَّد أحدًا بالنَّار إلَّا بترك المفروض.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: أي: مقدِّماتُ الموت.
﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: أي: هلَّا أبقيتني في الدُّنيا مدَّة.
﴿فَأَصَّدَّقَ﴾: أي: فأتصدَّق.
﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿وأكونَ﴾ عطفًا على قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، وقرأ الباقون: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٣)؛ اتِّباعًا لخط مصحف الإمام، وهو عطف على الأوَّل معنًى وتقديرًا، فإنَّ ﴿لَوْلَا﴾ تمنٍّ، ومعناه: إنْ يؤخِّرْني أتصدَّقْ وأكنْ من الصَّالحين بإخراج الحقوق الواجبة في المال من حجٍّ وجهادٍ وقِرَى ضيفٍ وصلةِ رحمٍ ونحوها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٧٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٧١ - ٦٧٣) عن ابن عباس ﵄ والضحاك وسفيان.
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١).
[ ١٤ / ٤٤١ ]
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: مَن كان له مالٌ يبلِّغه حجَّ بيت ربِّه، أو يجب (^١) عليه فيه زكاةٌ، ثم لم يفعل، سألَ اللَّهَ تعالى الرَّجعة عند الموت. فقال رجلٌ من القوم: اتَّقِ اللَّهَ تعالى يا ابنَ عبَّاسٍ، إنَّما يسألُ الكافرُ الرَّجعةَ! فقال: أقرأ عليك؟ فقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآيات (^٢).
* * *
(١١) - ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾: أي: قدَّر اللَّهُ مدَّة كلِّ أحدٍ إلى حينه، فإذا جاء لم يُقدَّم ولم يُؤخَّر.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: فليس يضيعُ عندَه ما تنفقون.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر بياء المغايبة (^٣)، ردًّا على معنى قوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ فإنَّه للجمع معنًى، والباقون بتاء المخاطبة ردًّا على قوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ﴾، ﴿وَأَنْفِقُوا﴾، و﴿أَحَدَكُمُ﴾.
* * *
_________________
(١) في (ف): "يوجب".
(٢) رواه الترمذي (٣٣١٦) من حديث ابن عباس ﵄، موقوفًا عليه ومرفوعًا. وقال: الموقوف أصح. وقال عن المرفوع: فيه أبو جناب القصَّاب، اسمه: يحيى بن أبي حية وليس هو بالقوي في الحديث.
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١).
[ ١٤ / ٤٤٢ ]