بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي قصَّ علينا حديث موسى، الرحمنِ الذي أخرج الماء والمرعى، الرحيمِ الذي وعد الجنَّة مَن خاف مقام ربه ونهى النَّفس عن الهوى.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن قرأَ سُورة ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ كان حبسُهُ في القبرِ وفي القيامة حتَّى يدخلَ الجنَّةَ كَقَدْرِ صلاةٍ مَكتوبةٍ" (^١).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي ستٌّ وأربعون آية، ومئة وتسع (^٢) وسبعون كلمة، وسبعُ مئة وأربعة وسبعون حرفًا.
وختمُ تلك السُّورة وافتتاح هذه السُّورة في ذكر يوم القيامة.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر قيام السَّاعة، وجزاء أهل المعصية وأهل الطَّاعة.
* * *
(١ - ٥) - ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.
_________________
(١) رواه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤١٨)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) "وتسع" من (أ) و(ف).
[ ١٥ / ١٩٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾: للَّه تعالى أن يقسِمَ بما شاء من خلقِه؛ تنبيهًا على عِظَم شأن المُقْسَم به.
واختلف في هذه الأشياء:
قال ابن مسعود وابن عبَّاس ﵃: هو قسمٌ بالملائكة (^١).
ووُصفوا بصفاتٍ شتَّى، فأمَّا ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: فإنَّها تنزع أرواح بني آدم، فإذا نزعَتْ أرواح الكفَّار، نزعتها بشدَّة.
وهو من قولهم: نزَعَ في القوس فأَغرق (^٢)، وتقدير ﴿غَرْقًا﴾: إغراقًا، وطريقُه طريق قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقد بيَّنَّا وجه ذلك في (سورة البقرة)، على أنَّه حكَى قطرب عن يونس: غرق في سهمه.
وأمَّا النَّاشطات: فالملائكة تقبضُ روحَ المؤمن بسهولةٍ، كما يُنْشَطُ العِقالُ مِن يدِ البعير.
قال الفرَّاء: تقول العرب: نَشَطْتُ العقال؛ أي: شدَدْتُه، وأنشطْتُه: خلعْتُه (^٣).
وقال الخليل: نَشَطْتُه وأنشطْتُه لغتان (^٤).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٧).
(٢) أغرق النازع في القوس: إذا شدها، وجاوز الحد في مد القوس، وبلغ النصلُ كبد القوس. وقولهم: (أغرق في النزع)، مثلٌ في الغلو والإفراظ.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٣٠)، وذكره عنه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٠).
(٤) انظر: "العين" للخليل (٦/ ٢٣٧)، وفيه: "وأنشطْتُ البَعيرَ: حللت أنشوطته، وأنشطْتُ العقال، إذا مددْتُ أنشوطته فانحلَّت، وكذلك الانتشاطُ، وهو مدُّك شيئًا إليك حتى ينحلَّ".
[ ١٥ / ١٩٦ ]
وقال القتبيُّ ﵀: نَشَطْتُ العقال: ربطْتُه (^١)، لكنَّه خفيف، ونزع روح المؤمن خفيف كذلك.
وقيل: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾: نازعات أرواح الكفَّار بشدَّة، كإثبات العقال. قاله ابن جريج (^٢).
وأمَّا السَّابحات: فالملائكة تسبح بين السَّماء والأرض إذا نزلَتْ؛ أي: تُسرع كالسَّابح في الماء.
وقال قطرب: السَّابحات: الملائكةُ تقبض أرواح المؤمنين، يسلُّونها سلًّا رويدًا، ثم يدَعونها حتى تستريح، ثم يسلُّونها سلًّا رقيقًا، ثم يدَعونها تستريح. وكذا قاله الكلبيُّ، والسَّابح في الماء كذلك (^٣).
وأمَّا السَّابقات سبقًا: فالملائكة تسبق الجنَّ باستماع الوحي.
وقال أبو روق: سبقَتْ بني آدم إلى العمل الصَّالح (^٤).
وقال الحسنُ: سبقَتْ بالإيمان والتَّصديق (^٥).
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥١٢).
(٢) لم أقف عليه عن ابن جريج، وذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٥٧٣). وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٢٣) عن علي بن أبي طالب ﵁، ولفظه: (هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أجوافها بالكرب والغم). وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٤٠٣) عن سعيد بن منصور وابن المنذر.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٢٣) عن الكلبي. وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ١٦٣) وعزاه إلى علي ومقاتل ومسروق وابن عباس في رواية الكلبي.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٢٤).
(٥) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/ ١٩٣).
[ ١٥ / ١٩٧ ]
وأمَّا المدبِّرات أمرًا: فلأنَّ اللَّه تعالى أقامَهم بتدبير أمورٍ في الرِّياح والأمطار والأرزاق والأعمال.
وقال السُّدِّي: النَّازعات والنَّاشطات أرواح الكفَّار، والسَّابحات والسَّابقات أرواح المؤمنين، تكاد تسبح لتخرج فرحًا بما بشِّرَتْ به من كرامة اللَّه تعالى، وتكاد تَسبق إلى ذلك قبل حينه (^١).
وقال الحسن وقتادة: هي النُّجوم تَنزع من أفقٍ إلى أفقٍ طلوعًا وغروبًا، وتَنْشِط؛ أي: تسير من موضع إلى موضع.
وكذلك قال أبو عبيدة والأخفش (^٢).
والثَّور الوحشيُّ ناشطٌ لأخذه في الوجوه، والحمار النَّاشط يَنْشِط من بلد إلى بلد، وطريق ناشطٌ: ينشِط من الطَّريق الأعظم يمنةً ويسرة.
وقال الشَّاعر:
معتزمًا للطُّرُقِ النَّواشِطِ (^٣)
_________________
(١) ذكر بعضه الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ١٦٥) عن ابن عباس ﵄، ولفظه: السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقًا إلى لقاء اللَّه، وشوقًا إلى رحمته حين تخرج، وقد عاينوا السرور فهي تسبح مستعجلة. وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٧) عن السدي في قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ قال: النفس حين تغرق في الصدور، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ قال: الملائكة حين تنشط الروح من الأصابع والقدمين، ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾: حين تسبح النفس في الجوف تتردد عن الموت. وروى نحوه سعيد بن منصور وابن المنذر كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٤٠٣) عن عليِّ ﵁.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٨٤)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٢٢ و١٢٣). وقول قتادة بأنها النجوم رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٨).
(٣) الرجز لحميد الأرقط، كما في "العين" للخليل (٦/ ٢٣٧)، و"معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (٤/ ٣٠٩) (مادة: عزم)، وبعده كما في "لسان العرب" (مادة: عزم): والنَّظَرِ الباسِطِ بَعْدَ الباسِطِ
[ ١٥ / ١٩٨ ]
ويسبَحُ؛ أي: يسير؛ قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
ويسبق بعضها بعضًا في الطُّلوع والغروب والسَّير.
وليس عن المتقدِّمين في المدبِّرات أنَّها النُّجوم، وحمَلها بعضُ المتأخرين عليها، على معنى السَّببيَّة، وأنَّ التَّدابير متعلِّقة بسيرها، من اللَّيل والنَّهار، وفصول السَّنة، والحرِّ والبرد، ونحو ذلك.
وقيل: (النَّازعاتُ غرقًا): القِسِيُّ؛ قاله عطاء، و(النَّاشطاتُ): الأوهاق (^١)، و(السابحاتُ): السُّفن، و(السَّابقاتُ): الخيل. و(المدبِّراتُ): الملائكةُ. رواها واصل بن السَّائب عن عطاء (^٢).
وكأنَّها قسمٌ بالمجاهدين في سبيل اللَّه، فهذه آلاتهم.
وقال سعيد بن المسيِّب: (النَّاشطاتُ) كلاب النَّار، تَنشِط أكفُّها وأظفارُها في أرواح الكفَّار، و(السَّابقاتُ): الملائكةُ يسبقون بأرواح الكفَّار إلى النَّار (^٣).
واختلف في الذي يقع عليه القسم:
قال الفرَّاء: هو محذوفٌ، وهو: لتبعثُنَّ ولتحاسبُنَّ، بدلالة ما بعده (^٤).
_________________
(١) جمع الوهق: الحبل الذي يطرح في أعناق الدواب حتى تُؤخَذ. انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد (٢/ ٩٨٠).
(٢) رواه عنه من الطريق المذكور مقطعًا الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥٩ و٦١ و٦٣ و٦٤). ولم يذكر قوله في المدبرات، وذكره عنه الماتريدي في "تفسيره" (١٠/ ٤٠٤).
(٣) لم أجده، وقوله في الناشطات روى نحوه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٤٠٥) من حديث معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا، ولفظه: "لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار؛ قال اللَّه: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾، أتدري ما هو؟ قلت: يا نبي اللَّه: ما هو؟ قال: كلابٌ في النَّار، تنشط العظم واللحم". وهو جزء من حديث طويل عن معاذ رواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٥٩).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٣١).
[ ١٥ / ١٩٩ ]
وقال غيره: هو قوله (^١): ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦].
وقيل: هو قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ لأنَّه بمعنى: قد أتاك.
وقيل: القسم على قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾: وهو مقدَّم تقديرًا، فجاز من غير كلمات القسم (^٢).
* * *
(٦ - ٩) - ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾: أي: يوم يُنفَخ في الصُّور النَّفخة الأولى، فتضطرب لها الدُّنيا وتُزلزَل حتَّى يموت كلُّ من عليها.
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾؛ أي: النَّفخةُ الثَّانية، فتُبعَث النَّاس للحساب.
و﴿الرَّاجِفَةُ﴾: اسم للزَّلزلة الأولى، و﴿الرَّادِفَةُ﴾ (^٣): الزَّلزلة الثَّانية تَردُفُها؛ أي: تتبعُها.
_________________
(١) "هو قوله" ليس في (ف).
(٢) أي: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. . . وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا. انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٢٤). وقول المؤلف: "فجاز من غير كلمات القسم" يعني من غير اقتران بلام القسم، فبعضهم أول حذف اللام بتقدير التقديم والتأخير كما تقدم، وبعضهم لم يحمل الكلام على التقديم والتأخير، وإنما جعل اللام مقدرة، والتقدير: ليوم ترجف الراجفة، فحذفت اللام لأن الكلام قد طال. واستبعده النحاس، قال: لأن اللام ليست مما يحذف لأنها تقع على أكثر الأشياء فلا يعلم من أين حذفت ولو جاز حذفها لجاز واللَّه زيد منطلق، بمعنى اللام. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٥/ ٨٩)، و"تفسير القرطبي" (٢٢/ ٤٤).
(٣) "للزلزلة الأولى والرادفة" من (أ) و(ف).
[ ١٥ / ٢٠٠ ]
وقيل: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: الأرضُ المتزلزلة أوَّلًا، و﴿الرَّادِفَةُ﴾: هي الأرض أيضًا في الكرَّة الثَّانية، تضطربُ لنشور الموتى، كما اضطربَتْ أوَّلًا لموت الأحياء.
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾: أي: شديدةُ الاضطراب، ووجيفُ الفرس والنَّاقة: اضطرابُهما في العَدْو. وهي قلوب أهل النَّار.
﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾: أي: أبصارُ أصحابِ هذه القلوب خاشعةٌ؛ أي: ذليلةٌ بما علاها من التَّغيُّر والتَّحيُّر (^١).
قال عبد اللَّه بن عمرو: ينفخ في الصُّور النفخةُ الأولى من باب إيلياء الشرقي، والنفخة الثانية من بابها الغربي (^٢).
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾.
﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾: استفهامٌ بمعنى الإنكار (^٣)؛ أي: أفنُرَدُّ بعد موتنا إلى أوَّل الأمر، فنعودَ أحياء كما كنَّا؟
قال الفرَّاء: تقول العرب: أتيْتُ فلانًا، ثم رجعْتُ إلى حافرتي؛ أي: إلى حيثُ جئْتُ منه، ويُقال: النَّقدُ عند الحافرة؛ أي: عند أوَّل العقد (^٤).
وقال الشَّاعر:
أحافرةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ معاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعَارِ (^٥)
_________________
(١) في (أ): "عراها من التعير والتحير"، وفي (ر): "علاها من التعبير والتخير".
(٢) رواه عبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٢٥٥) بلفظ: (ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب إيلياء الشرقي -أو قال: الغربي- والنفخة الثَّانية من باب آخر).
(٣) في (أ): "الاستنكار".
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٣٢٣).
(٥) انظر: "أدب الكاتب"، لابن قتيبة (ص: ٤١٥)، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت (ص: ٢١٢)، =
[ ١٥ / ٢٠١ ]
أي: أرجوعًا إلى أوَّل حال الشَّباب.
وقال ابن عبَّاس: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: الدُّنيا (^١).
وحكى الفرَّاء عن بعضهم: الحافرةُ: الأرضُ التي تُحفَرُ فيها قبورُهم، ومعناه: المحفورة، كالماء الدَّافق، بمعنى: المدفوق (^٢).
﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾: أي: أنردُّ إلى الحياة بعدَ أن صرنا عظامًا بالية.
قرأ حمزة، والكسائيُّ في رواية، وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿نَخِرَةً﴾، والباقون: ﴿نَخِرَةً﴾ (^٣).
قيل: هما لُغتان، كقوله: لَبِثين ولابثين، فَكِهين وفاكهين.
وقيل: النَّخرة: البالية، والنَّاخرة: العظم الذي تمرُّ فيه الرِّيح فيَنْخِرُ، -من حد (ضرب) - نخيرًا؛ أي: يصوِّت.
* * *
(١٢ - ١٤) - ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.
_________________
(١) = و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ١٩٣)، و"الفاخر" للمفضل بن سلمة (ص: ١٤)، و"تفسير الطبري" (٢٤/ ٦٩). وقال البطليوسي في "الاقتضاب شرح أدب الكتاب" (٣/ ٢٥٧): هذا البيت لا أعلم قائله وأظنه لعمران بن حطان ومعناه: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا؟ معاذ اللَّه من أن آتي بمثل هذا السفه، ويتحدث به عني.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠) بلفظ: (الحافرة: الحياة)، وفي رواية أخرى: (﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ يقول: أئنا لنحيا بعد موتنا، ونبعث من مكاننا هذا).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٣٢).
(٤) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٠ - ٦٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٩).
[ ١٥ / ٢٠٢ ]
﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: أي: رجعةٌ فيها خَسَار، وهو الهلاك والمصير إلى النَّار.
وقيل: أرادوا أنَّها باطلة، خسر مَن أمَّلها، فهو معنى قول الحسن: ﴿خَاسِرَةٌ﴾: كاذبة غير كائنة (^١).
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: أي: صيحة واحدة؛ أي: لا يلحَقُ اللَّهُ تعالى في إحيائهم تعبٌ، إنَّما هو أن يُنفَخ في الصُّور.
﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أحياء ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾: قال الخليل ﵀: أي: بوجه الأرض بعد أن كانوا في بطنِها (^٢).
وهو قول الأخفش وأبي عبيدة وقطرب وجميع أهل اللُّغة (^٣).
وقال الفرَّاء: سُمِّيَتْ بها لأنَّ فيها الحيوان ونومَهم وسهرهم (^٤)، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبرد.
وعن قطرب: أنَّها ظهرُ الفلاة، ومعناها: ذات سهرٍ؛ لأنَّه يُسهر فيها خوفًا منها (^٥).
وقال أبو سعيد: السَّاهرة: صحراء (^٦) على شفير جهنَّم.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/ ١٩٦) عن يحيى بن سلام. ورواه ابن المنذر عن ابن جريج، وعبدُ بن حميد عن قتادة، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٤٠٨).
(٢) انظر: "العين" للخليل (٤/ ٧).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٨٥)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٧٩).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٣٢).
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ١٨٤) بلا نسبة.
(٦) في (ر): "صخرة"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في "تفسير القرطبي" (٢٢/ ٥٣)، وقد أورد هذا القول دون نسبة.
[ ١٥ / ٢٠٣ ]
وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: السَّاهرةُ: أرضٌ من فضَّة بيضاء (^١)، لم يُعْصَ اللَّه عليها، خلقَها يومَئذ.
وقال ابن كيسان: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: بالنَّفخة ذات السَّهر (^٢)؛ أي: لا نوم معها.
* * *
(١٥ - ٢٠) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ وهذا تسلية للنَّبيِّ -ﷺ- فيما يعامله به قومُه من الجحود وإنكار البعث، ويقول: إنَّ قوم موسى فعلوا كذلك، وقد أهلكْتُهم وهم أشدُّ من قومِكَ شوكةً وعددًا وعُدَّة، فكذلك أفعل بهؤلاء: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ فإن كان أتاه قبل ذلك فمعناه: أليس قد أتاك؟ وإن كان لم يأته فمعناه: ما أتاك وأنا أُخبرك به.
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: أي: المباركِ المطهَّر.
﴿طُوًى﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بغير تنوين على أنَّه اسم للبقعة، والباقون منوَّنًا على أنَّه اسمٌ للوادي (^٣).
وقال ابن عبَّاس: ﴿طُوًى﴾ بالعبرانيَّة معناه: يا رجل (^٤).
_________________
(١) "بيضاء" من (أ). ولم ترد الكلمة في "تفسير القرطبي" (٢٢/ ٥٢)، وقد أورد هذا القول من طريق الضحاك عن ابن عباس.
(٢) ذكر نحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ١٩٧) بلا نسبة.
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، ونبه الداني أن من نوَّن كسر وصلًا للساكنين.
(٤) ذكره الرازي في "تفسيره" (٣١/ ٣٦).
[ ١٥ / ٢٠٤ ]
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾؛ أي: قال: اذهب، أُضمِرَ لدلالة النِّداء عليه.
﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾: وهذا (^١) القول اللَّين الذي أُمرَ به في (سورة طه)، وهو على صيغة (^٢) العرض دون الأمر، والتَّرغيبِ دون التَّرهيب؛ أي: هل لك ميلٌ إلى أن تتطهَّر من دنس الكفر بالإيمان والزَّكاة والطُّهر.
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾: أي: أدلَّك على ما فيه رضاء ربِّك ﴿فَتَخْشَى﴾؛ أي: تخاف عقابه.
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾: أي: المعجزة العظمى، وهي العصا صارت حيَّة، وأمَّا اليد فكانت مجموعة إليها، فكانت آية.
* * *
(٢١ - ٢٥) - ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.
﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾: فلم يصدِّق أنَّها من عند اللَّه، وخالَف أمره.
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾: أي: أعرض عمَّا دعاه إليه موسى بجدٍّ فيه.
وقيل: فأدبر حين رأى العصا حيَّة يعدو خوفًا منها.
﴿فَحَشَرَ﴾: أي: فجمع قومَه ﴿فَنَادَى﴾ فيهم.
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: كلُّ ربٍّ هو دوني، وكان لهم أصنامٌ يعبدونها.
﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: أي: عاقبه اللَّه تعالى نكالًا له بخطيئته الآخرة، وهو قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وبخطيئته الأولى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
_________________
(١) في (أ): "وهو".
(٢) في (أ): "صورة".
[ ١٥ / ٢٠٥ ]
[القصص: ٣٨]. وهو قول ابن عبَّاس والشعبي ومجاهد وابن أبي نَجيح والقُرَظي وعكرمةَ والضَّحَّاك (^١).
وكان بين الكلامين عشرون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة.
وقيل: الأولى: تكذيبه موسى، والآخرة: قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
وقيل: الآخرة: عذاب الآخرة (^٢)، والأولى: الإغراق في اليم.
* * *
(٢٦ - ٢٩) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: والعبرة للكلِّ، وإنَّما خصَّ به مَن يخشى لأنَّه هو المنتفِع بها، كما عُرِفَ في نظائره.
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، وهو خطاب لمنكري البعث، ولا شكَّ أنَّ مَن يتفاوت عليه مقدوره أنَّ السَّماء إذا كانت أعظم جثَّة وأوثق تأليفًا (^٣) فخلقها أشدُّ، وخلقُ الآدميِّ وهو صغير الجثَّة ضعيف البنية دونه في الوهم، فمَن قدر على خلق السَّماء من غير شيءٍ فهو على خلقكم بعد موتكم أقدَرُ.
ثم قال: ﴿بَنَاهَا﴾: أي: رفع السَّماء فوقكم كالبناء المسقَّف.
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾: أي: أعلى سقفَها ﴿فَسَوَّاهَا﴾: فلا تفاوت فيها، وقيل: فلا فطور فيها، وقيل: هيَّاها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٨٤ - ٨٦) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد والشعبي والضحاك وابن زيد.
(٢) في (ر): "عذاب اللَّه".
(٣) في (ر): "بالبناء".
[ ١٥ / ٢٠٦ ]
وقيل: فلا ارتفاع ولا انخفاض فيها، وبه يحتجُّ مَن يقول: إنَّها مسطحة.
﴿وَأَغْطَشَ﴾: أي: أظلمَ، وهو متعدٍّ هاهنا، وقد يجيء لازمًا.
﴿لَيْلَهَا﴾: أي: ليلَ السَّماء، وأضافه إليها لأنَّه يكون بغروب الشَّمس، وهي تضاف إلى السَّماء.
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: بإبراز (^١) النَّهار، وأضاف الضُّحى إلى السَّماء لأنه يكون بطلوع شمسها.
* * *
(٣٠ - ٣٣) - ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾: أي: مَدَّها وبسطها، وقد دَحا يَدْحُو دَحوًا، ودَحَى يَدْحِي دحيًا، بالواو والياء.
وقال الكلبيُّ ﵀: دُحِيَتِ الأرض من مكَّة بعد خلق السَّماء بألفي عام (^٢).
وقال ابن عبَّاس: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: مع ذلك. وقد بيَّنا في (سورة البقرة) و(سورة حم السجدة) اختلافَ النَّاس في خلق السَّماء والأرض أيُّهما كان أوَّلًا، مع دلائلهم في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض ﴿مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ قال القتبيُّ ﵀: انظر كيف دلَّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا
_________________
(١) في (ر): "بإدراك".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٩٣) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄، بلفظ: "وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت".
[ ١٥ / ٢٠٧ ]
للأنام ومتاعًا للأنعام، من العشب والشَّجر والحَبِّ والثَّمر والعصف والحطب واللِّباس؛ لأنَّ النَّار من العيدان وهي من الماء، والملح من الماء (^١).
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: وقال: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤].
* * *
(٣٤ - ٣٦) - ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ قال ابن عبَّاس: أي: القيامة (^٢).
وقال الحسن: أي: النَّفخة الثَّانية (^٣).
وقال الفرَّاء: هي تَطُمُّ على كلِّ شيء وتَطِمُّ؛ بالضَّم والكسر (^٤).
وفي "ديوان الأدب": طَمَّ السَّيل الرَّكيَّة؛ أي: دفنَها وسوَّاها، وكلُّ شيء كثر حتى يعلو فقد طمَّ، و﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾؛ أي: الهائلة العظمى التي تفوق كلَّ هائلة (^٥).
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾: أي: مجيء الطَّامَّة يكون في اليوم الذي يتذكَّر الإنسان فيه ما عمل في الدُّنيا من خيرٍ وشرٍّ بما وجده في كتابه.
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: أي: أُظْهِرَتْ ﴿لِمَنْ يَرَى﴾؛ أي: لكلِّ ذي بصرٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ الكلَّ يرونها، ثمَّ الكفَّار يُعذَّبَون بها.
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٩٧) بلفظ: "من أسماء يوم القيامة، عظمه اللَّه وحذره عباده".
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٠٠).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٣٤).
(٥) انظر: "معجم ديوان الأدب" لأبي إبراهيم الفارابي (٣/ ٦٠، ١٣٣).
[ ١٥ / ٢٠٨ ]
وقيل: ﴿لِمَنْ يَرَى﴾؛ أي: لمن يدخلها فيراها، أمَّا مَن مَرَّ عليها ناجيًا فقد توقَّى رؤيتها وهيبتها (^١).
* * *
(٣٧ - ٤١) - ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾: هذا جواب قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾.
﴿طَغَى﴾: جاوزَ الحدَّ فتمرَّد وكذَّب وجحد.
﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي: اختارَها، وأغفل الآخرة فلم يَعمل لها.
﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾: أي: مأواه.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾: أي: علم أنَّ له مقامًا يوم القيامة لحساب ربِّه قبلَ ذلك وخافه.
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾: أي: منع نفسه من اتِّباع هواها.
﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾: أي: مأواه، والألف واللَّام بدل الإضافة في ﴿الْمَأْوَى﴾، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ نزلَتْ في النَّضر بن الحارث وأبيه الحارث ابن علقمة (^٢).
_________________
(١) في (ف): "وهيئتها".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٢٠٠) عن مقاتل والكلبي. وانظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٧٩ - ٥٨٠)، وفيه: (نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث بن علقمة ابن كلدة، وفي حبيب بن عبد ياليل، وأمية بن خلف الجمحي، وعتبة وعتيبة ابني أبي لهب، فهؤلاء كفار ومعهم مصعب بن عمير وأخوه، وجدوا جزورًا في البرية ضلت من الأعراب، فنحروها واقتسموها، فأبى مصعب أن يأخذ سهمه وسهم =
[ ١٥ / ٢٠٩ ]
وقال عطاء عن ابن عبَّاس: هي في أبي عويمر عامر بن عمير بن هشام بن عبد الدَّار، وكان أُسِرَ يوم بدر فأخذتْهُ الأنصار ليلًا، فقالوا له: من أنت؟ فقال: أنا أخو مصعب بن عمير. فأكرموه، فلمَّا أصبحوا أخبروا مصعبًا بأنَّه عندهم، فقال: ما هو لي بأخٍ، ولا كرامة له، أوثقوه فإنَّ أمَّه أكثر أهل البطحاء مالًا، فأوثقوه حتَّى أرسلَتْ أمُّه في فدائه، وقتله أخوه مصعب بن عمير يوم بدر، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ هو أخوه مصعب بن عمير، خاف مقام ربِّه، فأسلم وهاجر وحضر بدرًا ومعه راية النَّبيِّ -ﷺ-، وشهد أحدًا، ووقَى النَّبيَّ -ﷺ- بنفسه حين انهزم المسلمون (^١) حتى نفذت السِّهام في جوفه، فلمَّا رآه النَّبيُّ -ﷺ- متشحِّطًا بدمه قال: " [عند اللَّه] أحتسِبُك"، وقال لأصحابه: "قد رأيته بمكَّة وعليه بردان ما تُعرف قيمتهما، وإنَّ شراك نعليه ذهب" (^٢).
وكان النَّبيُّ -ﷺ- إذا أهديَتْ له هديَّة خبأها لمصعب (^٣).
ووجَّهه النَّبيُّ -ﷺ- يوم العقبة قبل الهجرة إلى المدينة يعلِّمهم القرآن، وهو أوَّل مَن جمَّع بهم الصَّلاة، ولَمَّا استشهد يوم أحد وجاءت صفيَّة بثوبين لحمزة ومصعب، صار أقصرهما لمصعب، فكان إذا غُطِّي رأسُه بدَتْ رجلاه، وإذا غُطِّيَتْ رجلاه بدت رأسه، فقال -ﷺ-: "غطُّوا رأسَه، واجعلوا على رجليه الإذخر" (^٤).
_________________
(١) = أخيه، فقال له أمية بن خلف: ولم؟ قال: إني أخاف أن يحاسبني اللَّه به. فقال له أمية: هاته وأنا أحمل عنك هذا الوزر عند إلهك في الآخرة، وفشت تلك المقالة في قريش في أمر مصعب فأنزل تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ ".
(٢) في (أ) و(ف): "المؤمنون".
(٣) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٦٤) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄، ونحوه في "تفسير الثعلبي" (٥/ ٨٦) عن ابن إسحاق، وما بين معكوفتين منهما. وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٦٩٨) مختصرًا، وقال الحافظ في "الكاف الشاف" (ص: ١٨١): لم أجده.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٨٦)، وفيه: (طرفة) بدل: "هدية".
(٥) روى نحوه البخاري (٤٠٤٧) من حديث خباب بن الأرت ﵁.
[ ١٥ / ٢١٠ ]
وفيه نزلت: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (^١).
* * *
(٤٢ - ٤٦) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾: أي: يسألك هؤلاء المشركون عن السَّاعة التي فيها الطَّامة الكبرى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾؛ أي: متى قيامُها؟.
والمرسَى: مصدرٌ كالإرساء -وهو الإثباتُ- أو وقتٌ له، وفي قيامِها إثباتها.
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾: كانوا يلحُّون في السُّؤال عن وقتها، ويسأل النَّبيُّ -ﷺ- اللَّهَ تعالى عن ذلك، فكان هذا منعًا لهم وله عن السُّؤال؛ أي: فلسْتَ أنت مِن ذكراها وعلمها في شيء، فلا يسألُنَّكَ ولا تسألَنِّي.
قالت عائشة ﵂: لم يزل رسول اللَّه -ﷺ- يسألُ عن السَّاعة حتى نزل هذا، فانتهى (^٢).
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٩٠٥) من حديث أبي ذر ﵁، وصححه. ورواه الحاكم في "المستدرك" (٢٩٧٧) من طريق عبيد بن عمير عن أبي هريرة ﵁، وصححه، فتعقبه الذهبي بقوله: أنا أحسبه موضوعًا. ورواه ابن المبارك في "الجهاد" (٩٥)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٣/ ١٢١)، عن عبيد بن عمير مرسلًا. وفي جميع هذه الروايات أن النبي -ﷺ- قد قرأها لما مر على مصعب شهيدًا، وليس فيه التصريح بأن ذلك سبب نزولها. وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
(٢) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (١١٦٤٥)، وابن راهويه في "مسنده" (٧٧٧)، والبزار في "مسنده" (٢٢٧٩ - كشف الأستار)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٩٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧) و(٣٨٩٥) وصححه. وانظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا =
[ ١٥ / ٢١١ ]
﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾؛ أي: ينتهي إلى اللَّه تعالى علمُ وقتها.
وقيل: مبتدأُ أمرِها: ذكرُها ووصفُها والإنذارُ بها، ومنتهاها: إقامتُها، وهي إلى اللَّه وللَّه تعالى.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾: خَصَّ مَن يخشى به لأنَّه هو المنتفع بالإنذار، وقد مرَّتْ نظائره.
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾: أي: السَّاعة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾؛ أي: في الدُّنيا.
﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾: ضحى تلك العشيَّة، أو بعضَ يومٍ، وهو كقوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وهو استقلالُ مدَّة الدُّنيا، لفناء لذَّاتها وبقاء تَبِعاتها.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) = عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
[ ١٥ / ٢١٢ ]