بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعل للخَلْق بَعثًا وحسابًا، الرحمنِ الذي لا يملكون منه خطابًا، الرحيمِ الذي هدَى مَن (^٢) اتَّخذ إليه مآبًا.
روى أبيُّ بن كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "من قرأ سورةَ عَمَّ يتساءلون سَقاه اللَّه من بَرْدِ شرابِ الجنَّة" (^٣).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي أربعون آية، ومئة وثلاث وسبعون كلمة، وسبعُ مئة وسبعون (^٤) حرفًا.
وانتظام ختم تلك بافتتاح هذه: أنَّهما في ذكر اسم القرآن الحديث، والنَّبأ العظيم.
وانتظام السُّورتين: أنَّهما في ذكر تهيئة أسباب المعاش، وتمشية أحوال العباد (^٥).
_________________
(١) في (ر): "سورة عم يتساءلون".
(٢) في (أ) و(ف): "الرحيم بمن".
(٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤١١)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٤) في (أ): "وسبعمئة وتسعون"، وفي (ر): "وتسعمئة وسبعين". والمثبت موافق لما ذكره الداني في "البيان في عد آي القرآن" (١/ ٢٦٢).
(٥) في (ر): "وتهيئة أحوال المعاد".
[ ١٥ / ١٧٧ ]
(١ - ٢) - ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَمَّ﴾: أصلُه (عَنْ مَا) أُدغمَت النُّون في الميم، وحذفت الألف تخفيفًا في الاستفهام بكثرة الاستعمال، وهو كقولهم: بِمَ، ولمَ، وفِيْمَ، ومِمَّ، وإلامَ، وعَلامَ.
وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
قوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: أي: يسألُ بعضُهم بعضًا؛ يعني: المشركين.
﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ له ثلاثة أوجه:
أحدها: هو إثباتٌ وبيانٌ للنَّبيِّ -ﷺ- لِمَا عنه يتساءلون، يقول: يتساءلون عن النَّبأ العظيم، وهو كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]: هذا استفهامٌ ثم قوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]: إخبارٌ وإثباتٌ.
والثَّاني: أنَّه استفهام آخر، بتقدير ألف الاستفهام فيه؛ أي: أَعَنِ النَّبأ العظيم، وهو كقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤].
والثَّالث: أنَّه متَّصل بالأوَّل. وهو قول الفرَّاء، قال: معناه (^١): عَمَّ تتحدَّثُ قريشٌ في القرآن، و﴿عَمَّ﴾ في معنى: لأيِّ شيءٍ (^٢).
وقوله تعالى: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾:
قال مجاهدٌ: أي: القرآن، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧] (^٣).
_________________
(١) في (أ): "وقوله" وفي (ر): "فإن معناه"، بدل: "قال معناه".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٢٧).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦).
[ ١٥ / ١٧٨ ]
وقال قتادة: هو البعث بعد الموت، صاروا فيه مختلفين؛ مصدِّقين ومكذِّبين (^١).
وقال الحسن: هو النُّبوَّة، قال: لَمَّا بُعِثَ النَّبيُّ -ﷺ- جعلوا يتساءلون بينهم: ما هذا الذي حدث؟ فنزل: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^٢).
يقول: عمَّاذا يسألُ بعضُ المشركين بعضًا، فيقول الواحد لصاحبه: ما هذا الذي حدث ممَّا يدَّعيه محمَّدٌ -ﷺ- من أنَّ اللَّه تعالى بعثَه، وأوجب علينا الانقياد له، وألَّا نعبدَ الأصنام؟!
وهو نبأٌ عظيم في نفسِه؛ لِمَا فيه من خلع الأنداد، وثبوت التَّوحيد بالاعتقاد، والتَّنبيه على سبيل الرَّشاد، ومصالح المعاش والمعاد.
* * *
(٣ - ٥) - ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾:
ففي القرآن: قال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو كَهانة، وقال بعضهم: هو مفترًى، وقال بعضهم: هو أساطير الأولين، وكذا وكذا.
وفي البعث: منهم مَن جحدَه، ومنهم مَن شكَّ فيه، ومنهم مَن قال: تشفع لنا فيه الآلهة، ومنهم مَن قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠].
وفي النَّبيِّ -ﷺ-: قال بعضهم: هو مجنون، وقال بعضهم: هو ساحر، وشاعر، وكاهنٌ، وكاذبٌ.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: أي: ليس كما يقولون: إنَّه باطل، بل هو حقٌّ، وسيعلمون ذلك.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٤).
[ ١٥ / ١٧٩ ]
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: التَّكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير.
وقيل: التَّساؤل كان بين الكفَّار والمؤمنين في وقت القيامة.
فعلى هذا قال الضَّحَّاك: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: المؤمنون، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: الكفَّار (^١).
وقيل: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: أنَّ اللَّهَ باعثُهم، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: ما اللَّه فاعلٌ بهم.
وقيل: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بنزول العذاب في الدُّنيا، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بعذاب الآخرة (^٢).
وقيل: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بنزول عذاب الآخرة، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: بدوامه.
* * *
(٦ - ٨) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾: استفهامٌ بمعنى التَّقرير، وهو تعدادٌ للنِّعَمِ، واستبداءٌ للشُّكر، واستدعاءٌ إلى الإيمان.
يقول: قد خلقنا لكم الأرض بساطًا تتقلَّبون عليها كما يتقلَّب الرَّجل على بساطه.
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾: أي: للأرض لئلَّا تميد بكم.
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أي: أصنافًا وضروبًا، ذكورًا وإناثًا، أغنياء وفقراء، أصحَّاء ومرضى، أقوياء وضعفاء، حِسانًا وقباحًا، طوالًا وقصارًا، ونحو ذلك؛ لتختلف الأحوال، فيقعَ بهم الاعتبار، ويصحَّ الامتحانُ بالشُّكر والصَّبر، ويُعرَف كلُّ شيءٍ بضدِّه.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٨) بلفظ: (﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: الكفار ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها). وذكر معناه عن الضحاك الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ١٨٣) بلفظ: (الأول للكفار فيما ينالهم من العذاب في النار، والثاني للمؤمنين فيما ينالهم من الثواب في الجنة).
(٢) في (أ): "بنزول العذاب". وفي (ر): "بعذاب".
[ ١٥ / ١٨٠ ]
(٩ - ١٣) - ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾.
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾؛ أي: راحةً لأبدانكم.
وقيل: أصلُه التَّمدُّد، ورجلٌ مَسْبُوتٌ الخلق: ممدود، وسبتَتِ المرأةُ شعرَها؛ أي: أرسلَتْه، ومن أراد الاستراحة تمدَّدَ، فسُمِّيَتِ الرَّاحةُ سباتًا لذلك.
وقيل: ﴿سُبَاتًا﴾؛ أي: قَطْعًا لأعمالكم، وقد سبَتَ الرَّجلُ رأسَه؛ أي: حلقَ شعرَه، وسبتَ أنفَه؛ أي: قطعَها.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾: أي: غطاءً، وقيل: سكنًا.
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾: أي: وقتًا للتَّعيُّش والاضطراب لطلب الرِّزق، والدُّنيا معاشٌ لأنَّها مكانُ التَّعيُّش، والنَّهارُ معاشٌ لأنَّه زمانُ التَّعيُّش.
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا﴾: أي: سبع سماوات رفعناها فوقَكم كالبناء.
﴿شِدَادًا﴾: جمع شديدة؛ أي: وثيقةً دائمةً كذلك على ممرِّ الزَّمان.
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾: أي: مصباحًا وقَّادًا؛ يعني: الشَّمس، وقد وهَجَ يَهِجُ وهوجًا ووهَجانًا: إذا توقَّد، من حدِّ (ضرب).
وقال مجاهد وقتادة: ﴿وَهَّاجًا﴾: منيرًا متلألئًا (^١).
* * *
(١٤ - ١٦) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٥٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٣/ ١١).
[ ١٥ / ١٨١ ]
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾: قال ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة والحسن: هي الرِّياح (^١).
وقال الخليل: يُقال: أعصرت الرِّياح فهي معصراتٌ، والإعصار: الرِّيح التي تثير السَّحاب (^٢).
وعلى هذا معنى ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾؛ أي: من جهتها وبسببها وإثارتها السَّحاب.
وعن ابن عبَّاس -في رواية- والرَّبيعِ بن أنس: أنَّها السَّحائب (^٣).
وبه قال الخليل والفرَّاء ونفطويه والقتبيُّ ﵏، قالوا: هي السَّحاب التي حملَتِ الماء، وقَرُبَ أن تمطرَ، كالجارية التي قاربَتِ المحيض ولم تحضْ بعدُ (^٤).
قال الرَّاجز:
تمشي الهُوَينا مائلًا خمارُها قد أعصرَتْ أو قد دنا إعصارُها (^٥)
ويُقال: هي السَّحاب ذات الأعاصير؛ أي: الرِّياح، جمع إعصار.
﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد: أي: منصبًّا ومتتابعًا (^٦).
وقد ثجَّ الماءَ يثُجُّه ثَجًّا؛ أي: سيَّلَهُ، وثَجَّ هو ثُجُوجًا؛ أي: سال، لازم ومتعدٍّ.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١١ - ١٢) عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وابن زيد. وروى الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٣) عن الحسن وقتادة: (﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾: من السماء).
(٢) انظر: "العين" للخليل (١/ ٢٩٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٣).
(٤) انظر: "العين" للخليل (١/ ٢٩٥)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥٠٨)، ونقله ابن قتيبة في "غريب الحديث" (٢/ ٣٦٠) عن الفراء.
(٥) الرجز لنافع بن لقيط أو منظور بن مرثد كما في "لسان العرب" (مادة: سفا). ولأبي النجم في "تفسير الثعلبي" (١٠/ ١١٤).
(٦) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٤ - ١٥).
[ ١٥ / ١٨٢ ]
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿حَبًّا﴾: وهو واحد الحبوب ﴿وَنَبَاتًا﴾؛ أي: كلأً.
﴿وَجَنَّاتٍ﴾: أي: بساتينَ ﴿أَلْفَافًا﴾: ملتفَّةَ الأشجار والثِّمار.
وقيل: الألفاف: جمع لِفٍّ -بكسر اللَّام- وهو المجتمِع.
وقيل: هو جمع لفيف، من قوله: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤]؛ أي: مختلِطين، وهو كالشَّريف والأشراف، والشَّهيد والأشهاد.
وقال الفرَّاء ﵀: هو جمع الجمع: لفَّاءُ للواحدة، وجمعُها اللُّف، وجمع اللُّفِّ: الألفاف، كالخُفُّ والأخفاف (^١).
واللَّفاء: الشَّجرةُ الملتفة الممتلئة المجتمعة، ويُقال: امرأة لفَّاء؛ أي: ضخمة الفخذين مكتنِزة.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾: أي: وقتًا جُعل لهم يُفصَل فيه بين المحقِّ والمبطِل، والمحسِن والمسيء.
وقال السُّدِّي: ﴿مِيقَاتًا﴾؛ أي: مجمعًا للرُّسل والأمم (^٢).
_________________
(١) لم أجده عن الفراء، وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٢)، وابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٥٠٩). قال الآلوسي: واستبعد بأنه لم يجئ في نظائره ذلك فقد جاء خضر جمع خضراء وحمر جمع حمراء ولم يجئ أخضار جمع خضر ولا أحمار جمع حمر وجمع الجمع لا ينقاس ووجود نظيره في المفردات لا يكفي كذا قيل. انظر: "روح المعاني" (٢٨/ ٢١٧).
(٢) لم أقف عليه عن السدي، وروى الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٨) معناه عن قتادة، ولفظه: (﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ وهو يوم عظمه اللَّه، يفصل اللَّه فيه بين الأولين والآخرين بأعمالهم).
[ ١٥ / ١٨٣ ]
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾: أي: جماعات.
قال قتادة وعكرمة: أي: أممًا، كلُّ أمَّة تتلو التي مضَتْ قبلَها (^١).
وقيل: كلُّ أمَّة مع رسولها (^٢).
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾: قيل: تفتح لنزول الملائكة. وقيل: تتصدَّع.
﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾: قيل: طرقًا كالأبواب حين تتشقَّقُ (^٣) بعد أن كانت شدادًا لا فطورَ فيها.
وهذا أوَّل أحوالها عند قيام السَّاعة، ثم لها أحوال أُخَر بعدها، وهي في آيات: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
* * *
(٢٠ - ٢٣) - ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾.
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾: قال الحسنُ: فصارت خيالًا (^٤) كالسَّراب الذي يَتخيَّل لصاحبه شيئًا وليس بشيء (^٥).
ولها أحوال أيضًا: تُنسَفُ، ثم تُدَكُّ، ثم تُبَسُّ، ثم تصير كثيبًا مهيلًا، ثم كالعهن
_________________
(١) لم أجده.
(٢) هو قول مجاهد. كما رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٩).
(٣) في (ر) و(ف): "تنشق".
(٤) في (أ): "الجبال".
(٥) ذكره الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٠) بلا نسبة.
[ ١٥ / ١٨٤ ]
المنفوش، ثم هباءً منبثًا، ثم تمرُّ مَرَّ السَّحاب، ثم خيالًا كالسَّراب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: أي: طريقًا عليه ممرُّ الخلق، فهي ترصدهم؛ أي: تحفظهم.
﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾: أي: للمتمرِّدين المتجاوِزين القَدْرَ في المعاصي مرجعًا، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآيات [مريم: ٧١].
و﴿كَانَتْ﴾ على معنى: أنَّها كانت في علم اللَّه تعالى كذلك.
﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: قرأ حمزة: ﴿لَبِثين﴾ بغير ألف (^١)، وهما لغتان؛ أي: ماكثين فيها أزمانًا كثيرة.
﴿أَحْقَابًا﴾: جمع حُقْب بضم الحاء، وأمَّا الحِقْب -بالكسر- فجمعُها: الحِقَب.
والاحتقاب: الارتداف، والإحقاب: الإرداف، فالاسم (^٢) على هذا للزَّمان المتتابع المترادف.
وقال الخليل: هو زمانٌ من الدَّهر لا قَدْرَ له (^٣).
وعلى هذا معناه: لابثين فيها أزمانًا مترادفة، يتبَعُ بعضُها بعضًا من غير انقطاع.
وقال قتادة: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: لا انقطاع لها، كلَّما مضى حُقْبٌ جاء حُقْبٌ (^٤).
وقال ابن مسعود ﵁: لا يعلم عدد الأحقاب إلَّا اللَّه تعالى (^٥).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٩).
(٢) في (ر) و(ف): "فأما الاسم".
(٣) انظر: "العين" للخليل (٣/ ٥٣).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٥).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١٦).
[ ١٥ / ١٨٥ ]
وقال بعض أهل اللُّغة: الحُقْبُ: ثمانون سنة (^١).
وقال قتادة: ذُكر لنا أنَّ الحُقْب ثمانون سنة من سني الآخرة (^٢).
وقال مجاهد: الأحقاب: ثلاثة وأربعون حُقبًا، كلُّ حُقب سبعون خريفًا، كلُّ خريف سبعُ مئة سنة، كلُّ سنة ثلاثُ مئة وستون يومًا، كلُّ يوم ألف سنة (^٣).
وقال ابن جريج: سمعْتُ محمَّد بن عجلان يقول: الحقب بضع وثمانون سنة، والسَّنة ثلاثُ مئة وستُّون يومًا، واليوم ألفُ سنة (^٤).
وروى أبو أمامة الباهليُّ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "الحقب ألفُ شهرٍ، كلُّ شهر ثلاثون يومًا، فذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، كلُّ يوم منها كألف سنة" (^٥).
_________________
(١) ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣٨٩٠) عن ابن مسعود ﵁ وصححه.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٥٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٥).
(٣) لم أجده هكذا، وذكر الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ١٨١)، والماوردي في "النكت والعيون" (٣/ ٣٢٢) عن مجاهد: أن الحقب سبعون سنة.
(٤) رواه هناد في "الزهد" (٢١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٢٤)، عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا. ورواه البزار في "مسنده" (٩٠٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وقال: (وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رفعه إلا الحجاج بن نصير عن همام وغيره يوقفه). والحجاج بن نصير ضعيف، كما قال البوصيري في "إتحاف المهرة" (٦/ ٢٩٨). ورواه البزار في "مسنده" (٥٩٨٠)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٣٣٢)، من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا. وذكره الذهبي في "الميزان" ترجمة سليمان بن مسلم الخشاب مع حديث آخر، وقال: هما موضوعان في نقدي. وذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٣١/ ١٣) عن ابن عباس ﵄.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٥). قال ابن كثير في "تفسيره": (هذا حديث منكر جدًّا، والقاسم هوا والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك).
[ ١٥ / ١٨٦ ]
وقيل: ماكثين فيها ما دامت الأحقابُ، وهي لا تنقطع، فكان معناه: لابثين فيها أحقابَ الآخرة وهي لا تنقطع (^١)، كما لو قيل: أيَّام الآخرة، لكن ذكر الأحقاب أهولُ.
وقيل: إنَّ هذه أحقابٌ منقطعة؛ لأنَّها منكَّرة، ولا تَستغرِق، لكنَّها مدَّةُ ما ذُكِرَ بعدها:
* * *
(٢٤ - ٢٥) - ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾.
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾: ثم بعد هذه المدَّة يُعذَّبون بعذاب آخر، وعلى هذا لا وقف عند قوله: ﴿أَحْقَابًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَرْدًا﴾، قيل: بردًا يسكِّن عنهم (^٢) حرَّها.
﴿وَلَا شَرَابًا﴾: يزيل عطشهم ﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾؛ أي: لكن ماءً حارًّا ﴿وَغَسَّاقًا﴾: ماءً يسيل من أجساد أهل النَّار.
وقيل: ﴿بَرْدًا﴾؛ أي: راحة، وتبرَّد (^٣)؛ أي: استراح.
وقيل: أي: نومًا. قاله شَرِيكٌ ومعمَر والكسائيُّ وقطرب والفرَّاء (^٤).
قال الفرَّاءُ: إنَّ النَّوم يُبْرِدُ صاحبَه، وإنَّ العطشان لينام فينتبه وقد زال حرُّ عطشه (^٥).
وتقول العرب: منع البردُ البردَ (^٦).
_________________
(١) "فكان معناه لابثين فيها أحقاب الآخرة وهي لا تنقطع" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "عليهم".
(٣) في (أ): "وبرد".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١٧) عن الكسائي وأبي عبيدة، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٩/ ٨) عن مجاهد والسدي وأبي عبيدة وابن قتيبة.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٢٨).
(٦) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ١١٧)، وشرح معناه بقوله: "أذهب البردُ النوم".
[ ١٥ / ١٨٧ ]
وعن ابن عبَّاس أيضًا ﵄: أنَّه النَّوم (^١). قال الشَّاعر:
فإنْ شئْتُ حرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتُ لم أطعَمْ نُقاخًا ولا بَردًا (^٢)
وقيل: الغسَّاق: الزَّمهرير.
وقيل: المنْتِن.
وقيل: أي: لا يذوقون فيها بردًا إلَّا الغسَّاق، ولا شرابًا إلَّا الحميم.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿وَغَسَّاقًا﴾ بالتَّشديد على النَّعت، وقرأ الباقون بالتَّخفيف على الاسم كالشَّراب (^٣).
* * *
(٢٦ - ٢٧) - ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾.
﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾: أي: جزاهم اللَّه بذلك جزاءً وافقَ أعمالهم (^٤) وفاقًا.
وقيل: هو اسم كالوَفْق.
وقال مقاتل: وافق عذابُ الكفَّارِ الشِّركَ، فلا ذنبَ أعظمُ من الشِّرك، ولا عذابَ أعظمُ من النَّار (^٥).
_________________
(١) ذكره الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ١٣١)، و"الوسيط" (٤/ ٤١٤). ورواه ابن أبي الدنيا في "صفة النار" (١٨٧) عن الحسن.
(٢) البيت للعرجي كما في "الحيوان" للجاحظ (٥/ ٣٢)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٦٤)، و"الصحاح" (مادة: نقخ)، وهو في "ديوانه" (ص: ١٠٩)، ونسب لعمر بن أبي ربيعة، انظر: "ديوانه" (ص: ٩٥)، وللحارث بن خالد المخزومي، انظر: "ديوانه" (ص: ١١٧).
(٣) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨).
(٤) في (أ): "وافق عملهم"، وفي (ف): "يوافق علمهم".
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٦٣).
[ ١٥ / ١٨٨ ]
وقال الحسن ﵀: أساؤوا العمل فأساء اللَّه لهم الجزاء (^١).
وقال شهر بن حوشب: إنَّ في النَّار واديًا يُقال له: الغسَّاق، فيه ثلاثُ مئة وثلاثون (^٢) شعبًا، في كل شعب ثلاثُ مئة وثلاثون بيتًا، في كلِّ بيت أربعُ زوايا، في كل زاوية شجاعٌ كأعظم ما خلق اللَّه تعالى من الخلق، في رأس كلِّ شجاع سمٌّ (^٣). والشُّجاع: الحيَّة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾: أي: لا يخافون.
وقيل: أي: لم يكونوا مؤمنين يأمَلون حسابًا وثوابًا بعده.
* * *
(٢٨ - ٣٠) - ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾.
﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾: أي: تكذيبًا. قال الفرَّاء والكسائيُّ: هي لغة يمانيَة فصيحة (^٤).
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾: أي: حفظناه كتابًا؛ أي: كتبه الملائكة بأمرنا حجَّة عليهم.
﴿فَذُوقُوا﴾: أي: فيُقال لهم: فذوقوا ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾؛ أي: لا يُنقَصون من هذا العذاب، بل يزادون عليه ما هو أشدُّ إيلامًا منه.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١٧).
(٢) في (ر): "وستون".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١٦).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٢٩)، وذكر الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٣٩٩) عن الكسائي أنه بالتخفيف لغة مضر، وبالتشديد لغة يمانية. ثم إن الكسائي قرأ بالتخفيف: (لا يسمعون فيها لغوًا ولا كِذَابًا)، والباقي بالتشديد. انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٩).
[ ١٥ / ١٨٩ ]
(٣١ - ٣٤) - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾: أي: مخلَصًا.
﴿حَدَائِقَ﴾: أي: بساتين، وهي بدل عن الأول ﴿وَأَعْنَابًا﴾: عطف عليه.
﴿وَكَوَاعِبَ﴾: قال ابن عبَّاس: أي: نواهد (^١). وهي صفة الحور العين.
﴿أَتْرَابًا﴾: جمع تِرْبٍ، وهي اللِّدَةُ (^٢)؛ أي: هُنَّ على سنٍّ واحد.
وقيل: ذلك ثلاثٌ وثلاثون سنة.
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾: قال قتادة: مترَعةً (^٣). أي: مملوءةً.
وقال مجاهد: أي: متتابِعةً على شاربها (^٤).
وقال الخليل: أدهقْتُ الكأس: إذا شددْتَ مَلأَها، وأدهقْتُ الحجارة، وهي شِدَّةُ إلزاقها، بإدخال بعضها في بعض (^٥).
* * *
(٣٥ - ٣٦) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾.
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾: أي: كلامًا لا فائدة فيه ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾؛ أي: لا يكذِّبُ بعضُهم بعضًا.
و﴿فِيهَا﴾: ظاهرُه أنَّها كناية عن الحدائق، وقيل: عن الكأس؛ أي: لا يجري في شربهم ما يجري في شربة الدُّنيا من الهَذَيان والصَّخَب والعُدْوان.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٥).
(٢) في النسخ: "اللذة"، والصواب المثبت.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٦١)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤١).
(٥) انظر: "العين" للخليل (٣/ ٣٦٤).
[ ١٥ / ١٩٠ ]
﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾: أي: كافيًا كثيرًا، يقال: أحسبْتُه؛ أي: أعطيْتُه ما يكفيه وأكثرتُه حتى قال: حسبي، وقالت أمُّ عبَّاس:
ونُقْفِي (^١) وَلِيْدَ الحَيِّ إنْ كانَ جَائِعًا ونُحْسِبُهُ إنْ كان لَيْسَ بِجائِعِ (^٢)
وقال الشَّاعر (^٣):
فلمَّا حلَلْتُ به ضَمَّني فأبلَى (^٤) جميلًا وأعطى حسابًا (^٥)
وقيل: أي: حسابًا كنْتُ وعدْتُهم به في الدُّنيا، فله عشر أمثالها؛ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
* * *
(٣٧) - ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾.
وقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾: قرأ عاصم وابن عامر: ﴿رَبِّ﴾
_________________
(١) في (أ): "ونقعي". وفي (ف): "وتقفى".
(٢) البيت لامرأة من قيس يقال لها: أم العباس كما في "التكملة والذيل" للصغاني (١/ ١٠٢)، ولشاعر من بني تميم في "الإبانة" للصحاري (٢/ ٣٩٣)، ولأبي يزيد العقيلي في "سمط اللآلي" لأبي عبيد البكري (١/ ٨٨٥)، ولامرأة من قشير في "التنبيه والإيضاح" لابن بري (١/ ٦٣)، و"لسان العرب" لابن منظور (١/ ٣١٢) (مادة: حسب). قال السيرافي في "شرح أبيات إصلاح المنطق" (ص: ٤١٦): (نقفي): من القفيَّة، وهو المدخر في البيت من المأكول، تقول إن جاءنا صبي من صبيان الحي جائعًا أطعمناه من القفية، (ونحسبه)؛ أي: نكثر له ونعطيه حتى يقول: حسب.
(٣) "وقال الشاعر" من (أ) و(ف).
(٤) في (أ): "قائلي"، وفي "التفسير البسيط": "قائلًا"، وفي "التفسير الكبير": "فأولى".
(٥) البيت بلا نسبة في "التفسير البسيط" للواحدي (٢٣/ ١٤٣)، و"التفسير الكبير" للرازي (٣١/ ٢٠).
[ ١٥ / ١٩١ ]
بالخفض و﴿الرَّحْمَنِ﴾ كذلك؛ وصفًا لقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾، والباقون كلاهما بالرَّفع، على معنى: هو ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما وهو الرَّحمنُ.
وقرأ حمزة والكسائيِّ: ﴿رَبِّ﴾ بالخفض نعتًا للأوَّل، ﴿الرَّحْمنُ﴾ رفعًا؛ لأنَّه تباعَدَ عن الأوَّل، فرفع على تقدير: هو الرَّحمن (^١).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: أي: لا يقدِرُ أحدٌ أن يخاطبَه بشفاعةٍ لأحد إلَّا بإذنه (^٢).
* * *
(٣٨) - ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾: قال أكثر المفسِّرين: أي: جبريل.
وقال ابن عبَّاس: ﴿الرُّوحُ﴾: خَلْق عظيم (^٣).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: يصفُّون ﴿صَفًّا﴾: كصفِّ بني آدم في الصَّلاة.
وقال الحسن وقتادة: ﴿الرُّوحُ﴾: بنو آدم (^٤). وتقديرُه: ذوو الرُّوح؛ أي: الأرواح.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس قال: ﴿الرُّوحُ﴾: خَلْق على صورة بني آدم (^٥).
وقال مجاهد: لهم أيدٍ وأرجلٌ ورؤوسٌ، يأكلون الطَّعام وليسوا بالملائكة (^٦).
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٩).
(٢) في (أ) و(ف): "بإذن منه".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٧) بلفظ: "هو ملك أعظم الملائكة خلقًا".
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٦٦) عن قتادة، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٩) عن الحسن وقتادة.
(٥) رواه مجاهد عن ابن عباس كما في "تفسير مجاهد" (ص: ٦٩٦).
(٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤٦٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٨). ورواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤١٢) عن ابن عباس ﵄ مرفوعا. وضعفه الرازي مع ما في معناه من الأخبار في "تفسيره" (٢١/ ٣٩٤) فقال: ولم أجِدْ في القرآن ولا في الأخبار الصحيحة شيئًا يمكنُ التمسُّك به بهذا القول.
[ ١٥ / ١٩٢ ]
وقال أبو صالح: يشبِهون النَّاس وليسوا بالنَّاس (^١).
وقال ابن مسعود: الروح خلق عظيم أعظم من الجبال في السَّماء الرَّابعة، يسبِّح كلَّ يوم باثني عشر ألف تسبيحة (^٢).
وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: الرُّوح مَلَك، له سبعون وجهًا (^٣).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾: قيل: صُفوفًا، وقيل: اصطفافًا، يقومون منتصبين ساكتين هيبةً (^٤).
﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾: قيل: هذا مُتَّصل بالأوَّل: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ فلا يتكلَّمون بالشَّفاعة إلَّا لمن ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ منهم بالشَّفاعة ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾؛ أي: يشفع لمن يستحقُّه، وهو المؤمن دون الكافر.
وقيل: ﴿صَوَابًا﴾؛ أي: كلمة التَّوحيد في الدنيا؛ أي: لا يكون (^٥) الإذن بالشَّفاعة إلَّا للمؤمنين، ولهم شفاعة كما الأنبياء، واعتَرض قولُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾؛ أي: سكوتًا؛ أي: هذا يكون ذلك اليوم.
ولم يكن في الآية ذكر شفاعة الملائكة، وهو في موضعٍ آخر.
وقيل: الآية على ظاهر نظمها، وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ مطلَقٌ بلا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٩)، وأبو صالح هو مولى أم هانئ.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٤٦)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١٩). وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا قول غريب جدًا.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٧١)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٤٠٨)، وفيهما: "له سبعون ألف وجه".
(٤) في (ر): "من هيبته".
(٥) في (ر): "يملكون".
[ ١٥ / ١٩٣ ]
استثناء، ثم قوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: الروح والملائكة لا يشفعون إلَّا بإذن اللَّه وبقول (^١) الصَّواب، وهو الشَّفاعة لمن يستحقُّها.
* * *
(٣٩ - ٤٠) - ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾: أي: لا باطلَ فيه، فهو يوم العدل والإنصاف.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾: أي: مرجعًا بالعمل الصَّالح، فإنَّ ذلك ممكِنٌ له.
﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ﴾: أيُّها الكفَّار ﴿عَذَابًا قَرِيبًا﴾ في الآخرة، فإنَّ قيام السَّاعة قريب.
﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي: يرى، وقيل: يجد.
وقيل: هو عامٌّ للمؤمن والكافر، ثم الكافرُ يتمنَّى إذا رأى حاله أن يكون ترابًا.
وقيل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾؛ أي: المؤمن.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾: كلُّ كافرٍ:
﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾: لم أُخلَق، فلم أكلَّف وبقيْتُ ترابًا.
وقيل؛ أي: صرْتُ ترابًا الآن، وذلك حين تُحشَر الوحوش فيقادُ لبعضها من بعض، ثم تُجعَل كلُّها ترابًا، فيتمنَّى الكافر أن يكون منها فيصيرَ كذلك.
وقيل: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾؛ أي: إبليس: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾: مخلوقًا من التُّراب كآدم، ليثابَ ثوابَ المؤمنين من أولادِه، لا من النَّار، وهو مخلَّدٌ (^٢) في النَّار.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
_________________
(١) في (أ): "ويقول".
(٢) في (أ) و(ر): "يخلد".
[ ١٥ / ١٩٤ ]