بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمِ اللَّهِ الذي أوحى إلى عبْدِه ما أوحى، الرَّحمنِ الذي أَغْنى وأَقْنى، الرَّحيمِ الذي إليه المُنْتَهى.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأَ سُورةَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ أُعْطِيَ عشرَ حسناتٍ بعدَدِ مَن صَدَّقَ بمحمد وجحَدَ به بمَكَّةَ" (^١).
وهذه السُّورةُ مَكِّيَّةٌ، وهي اثنتان وستون آيةً، وقيل: إحدى وستون، والاختلافُ في قوله: ﴿إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
وكلماتُها: ثلاثُ مئةٍ وستون كلمةً.
وحروفُها: ألفٌ وثلاثُ مئةٍ وستةٌ وثمانون.
وانتظامُ خَتْمِ تلك السُّورةِ بافتتاح هذه السورة: أنَّ تلك في ذِكْرِ النُّجوم، وهذه في ذِكْرِ النَّجْمِ.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في مُحاجَّة المشركين، وفي هذه زيادةُ كرامةٍ لِسَيِّدِ المرسَلين، وبيانُ قِصَص الأوَّلين.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٤)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (١٢٢٠)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٩٢)، وهو قطعة من الحديث الطويل الموضوع المروي عن أبي بن كعب ﵁، وانظر: "الفتح السماوي" (٣/ ١٠١٦).
[ ١٤ / ٩٧ ]
(١) - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾: قال ابن عباس: أقسَمَ اللَّهُ تعالى بالقرآن إذا نَزَلَ نُجومًا (^١)، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].
وقال مجاهد: أقسَمَ اللَّهُ تعالى بالثُّرَيَّا إذا غابَتْ (^٢)، والعربُ تُسَمِّي الثُّرَيَّا نَجْمًا.
ويُقالُ: المرادُ به: جِنْسُ النُّجومِ، وهَوِيُّها: غروبُها.
وقيل: هَوِيُّها: انقضَاضُها لِرَجْمِ الشياطين، وهو قولُ (^٣) ابنِ عباس أيضًا (^٤).
وقيل: هو إِسْراعُها في السَّيْرِ، لا تَفْتُرُ طالِعةً وغارِبةً.
وقال جعفرٌ الصَّادقُ: هو القسَمُ بالنَّبيِّ -ﷺ- إذا نزَلَ ليلةَ المِعْراج مِن السماء (^٥).
وقيل: هو قسَمٌ بالعالِم إذا وُضِعَ في قَبْرِه؛ قال النبيُّ -ﷺ-: "عُلَماءُ أُمَّتي كالنُّجوم، بها يُهْتَدى في البَرِّ والبحر" (^٦).
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٨)، ومكي في "الهداية" (١١/ ٧١٣٩)، والواحدي في "البسيط" (٧/ ٢١).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٢٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥). وذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٤٢٧)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٤١٦)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٤).
(٣) في (ف): "عن".
(٤) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٩٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٧) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄.
(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٣٩٧).
(٦) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١٢٦٠٠)، والرامهرمزي في "أمثال الحديث" (ص: ٨٧)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٣٨)، من حديث أنس ﵁، بلفظ: "إن مثل العلماء في الأرض، كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم =
[ ١٤ / ٩٨ ]
وقيل: هو قسَمٌ بنُورِ المعرفة إذا وقَعَ في القلب، قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].
وقيل: هو قسَمٌ بالنَّبْتِ الضَّعيفِ إذا سَقَطَ، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، وتخصيصُه بالذِّكْرِ تأكيدٌ لِتَقْوِيَةِ قُلوبِ الضُّعفاء.
وقيل: هو قسَمٌ برَبِّ النَّجْمِ؛ كما مَرَّ في الذَّارِياتِ.
* * *
(٢ - ٣) - ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾: هو جوابُ القسَمِ؛ أي: ما عدَلَ عن الصَّوابِ المبعوثِ به إليكم رَسُولًا، وما جَهِلَ ما خُوطِبَ به.
وقيل: ما خابَ مِمَّا طلَبَ مِن رضى اللَّهِ ورحمتِه.
وقيل: أي: ﴿مَا ضَلَّ﴾: في دِينِه الذي يَدْعوكم إليه، ﴿وَمَا غَوَى﴾: أي: ما خرَجَ عن الرُّشْدِ في أسباب نفْسِه مِن أُمور دنياه ومُعاملاتِه، عرَّفَهم ما لم يَزَلْ معروفًا به مِن الأمانة والسَّداد، وكان يُسَمَّى: الأمين، ويُتَحَاكَمُ إليه في عَظائِمِ الأمور.
وقيل: ما ضلَّ قَبْلَ الوحيِ، ولا غوى بعد الوحيِ، فلم يَزَلْ كان يعبُدُ ربَّه ويُوَحِّدُه، لا يُطاوِعُ نفْسَه في شهواتِها، ويَتَوَقَّى مُسْتَقْبَحاتِ الأمور والأفعال ومُسْتَشْنَعاتِها.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾: أي: بهوى نفْسِه بغير ما أُوحِيَ إليه.
و(عن) بمعنى الباء؛ كما يُقال: (رمى عن قوسِه).
* * *
_________________
(١) = أوشك أن تضل الهداة". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٢١): رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، واختلف في الاحتجاج به، وأبو حفص صاحب أنس مجهول.
[ ١٤ / ٩٩ ]
(٤) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾: أي: ما هو إلا وحيٌ يُوحِيه اللَّهُ تعالى إليه.
ولَمَّا قال مُشْرِكو (^١) قريشٍ: ضلَّ محمدٌ عن دين آبائِه، أجابَ اللَّهُ بهذا، وسائرُ الناس كانوا يُجِيبون بأنفسهم، قال قومُ نوحٍ لنوحٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١]، وقال عادٌ لِهُودٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]، وقال فرعونُ لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١]، قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢].
واللَّهُ تعالى تولَّى جوابَ ما قالوا للمصطفى -ﷺ-: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
وخُصُوصِيَّةٌ أخرى: قال لداود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال للمصطفى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقال لآدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقال للمصطفى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾.
ورُوِيَ عن عُرْوةَ بنِ الزُّبير أنه قال: أرادَ عُتْبَةُ بنُ أبي لَهَبٍ الخُروجَ إلى الشَّام، فقال: لآتِيَنَّ محمدًا ولَأُوذِيَنَّه، فأتاه فقال: يا محمدُ، كفَرْتُ بالنَّجْمِ إذا هوى، والذي دنا فتدلَّى، فقال النبيُّ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عليه كَلْبًا مِن كلابِكَ"، وكان أبو طالبٍ حاضِرًا، فوجَمَ لها وقال: لقد أغناكَ اللَّهُ يا ابنَ أخي عن هذه الدَّعوة، خَوْفًا على ابن أخيه، فرجَعَ عُتْبَةُ إلى أبيه فأخبَرَه، ثم خرَجَ إلى الشام، فنزَلوا مَنْزِلًا، فأشرَفَ
_________________
(١) في (ف): "المشركون من".
[ ١٤ / ١٠٠ ]
عليهم راهِبٌ مِن الدَّيْرِ، فقال لهم: إنَّ هذه أرضٌ مُسْبِعَةٌ؛ أي: ذاتُ سِباعٍ (^١)، قال عُتْبَةُ لأصحابه: أَعِينُوني هذه اللَّيْلةَ، فإني أخافُ دعوةَ محمدٍ، فجمَعوا جِمالَهم، فأناخوها حولهم، وأَحْدَقوا بعُتْبَةَ، وفرَشوا له وَسَطَهم، وناموا، فجاء الأسدُ يتَشَمَّمُ وُجوهَهم، ثم دنا منه، فخَدَشَه وضرَبَه حتى قتَلَه، فقال في ذلك حسانُ بنُ ثابتٍ ﵁:
سائِلْ بني الأَشْعَرِ إنْ جئتَهم ما كان أنباءُ أبي واسِعِ؟
لا وسَّعَ اللَّهُ له قَبْرَه بل ضيَّقَ اللَّهُ على القاطِعِ
رَحِمَ نبيٍّ جَدُّه جَدُّه يدعو إلى نورٍ له ساطعِ
رمى رسولَ اللَّهِ مِن بينهم دُونَ قُرَيشٍ رَمْيَةَ القارعِ
أَسْبَلَ بالحِجْرِ لِتَكْذِيبِه دُونَ قُرَيشٍ نُهْزَةُ (^٢) القادِعِ
فاستوجَبَ الدَّعوةَ منة بما بَيَّنَ للنَّاظِرِ والسَّامعِ (^٣)
أنْ سَلَّطَ اللَّهُ به كَلْبَه يمشي الهُوَيْنا مِشْيَةَ الخادِعِ
حتى أتاه وَسْطَ أصحابِه وقد عَلَتْهُمْ سِنَةُ الهاجِعِ
فالتقَمَ الرأسَ بِيَافوخِهِ (^٤) والنَّحْرَ منه فَغْرَةَ الجائعِ
ثم علا بعدُ بأنيابِه مُنْعَفِرًا وَسْطَ دمٍ ناقِعِ
_________________
(١) "أي ذات سباع" زيادة من (ف).
(٢) النهزة كالفرصة وزنًا ومعنًى. وانظر التعليق الآتي.
(٣) جاء في (أ) بعد هذا البيت ما يعدُّ شرحًا لما قبله، ولعل موضعه في الحاشية دون المتن، وهو: "أي: أسبل ثيابه في حجر الكعبة ليكذب محمدًا، وهو -أي عتبة- فرصةُ المفحش؛ أي: من أراد شتمه وجده أهلًا له".
(٤) بيافوخه: اليافوخ: حيث التقاء عظم مقدم الرأس وعظم مؤخره. انظر: "المحكم" لابن سيده (٥/ ٢٣٩).
[ ١٤ / ١٠١ ]
قد كان هذا لكمُ عِبْرَةً للسَّيِّدِ المَتْبوعِ والتَّابعِ
مَن يرجِعُ العامَ إلى أهلِه فما أكيلُ السَّبْعِ بالرَّاجعِ (^١)
* * *
(٤ - ٦) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أي: عَلَّمَ محمدًا -ﷺ- جبريلُ وحيَ اللَّهِ، وهو شديدُ القُوى. قالَه (^٢) ابنُ عباس وقتادة والرَّبيع (^٣)؛ أي: في نفْسِه وعِلْمِه، وهو كما قال في موضعٍ آخَرَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ﴾.
ومن قُوَّتِه ما ذكَرْنا في قصة لوطٍ مِن رَفْعِه القريَّاتِ إلى السماء ثم تَقْلِيبِها، ومِن قُوَّتِه ما رُوِيَ أنه ضرَبَ بجناحِه إبليسَ على عَقِبِه (^٤) بمكَّةَ فألقاه بالهند.
وقولُه: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: أي: ذو إِحْكامٍ كالحَبْلِ المُمَرِّ المُوثَقِ بالفَتْلِ.
وقيل: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: في أوامرِ اللَّهِ تعالى ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾؛ أي: ذو قُوَّةٍ في جِسْمه.
_________________
(١) روى الحادثة بتمامها مع الشعر باختلاف يسير: الدولابيُّ في "الذرية الطاهرة" (٧٧)، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (ص: ٤٥٤) إلى قوله: (فغرة الجائع)، وقوام الدين الأصبهاني في "دلائل النبوة" (ص: ٢٢٠)، وذكرها الثعلبيُّ في "تفسيره" (٩/ ١٣٥)، والطيبي في "فتوح الغيب" (١٥/ ٧٣) وقال: وأثر الصنعة ظاهر في هذه الأبيات.
(٢) في جميع النسخ الخطية: (قال)، والصواب المثبت.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٩) عن قتادة والربيع. وذكره المجاشعي في "النكت" (ص: ٤٦٨)، والأصبهاني في "إعراب القرآن" (ص: ٤٠٥) عن ابن عباس وقتادة والربيع.
(٤) في (ر): "عنقه".
[ ١٤ / ١٠٢ ]
وقيل: أي: ذو خَلْقٍ حسَنٍ.
وقال قتادة: أي: ذو خَلْقٍ طويلٍ حسَنٍ (^١).
وقيل: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: أي: ذو استمرارٍ ومُرورٍ في الجوِّ في انحدارِه وصُعودِه سريعًا في ذلك.
وقال نِفْطَوَيْهِ: أي: ذو رأيٍ مُحْكَمٍ.
وصَرْفُ هذه الصِّفَةِ (^٢) إلى جبريل ﵇ قولُ مُجاهدٍ وقتادةَ وأبي العالية وجماعةٍ (^٣)، وسياقُ هذه الآيةِ على قولهم.
﴿فَاسْتَوَى﴾ (^٤): أي: جبريلُ واقِفًا في الهواء بعد أنْ كان ينزِلُ مُسْرِعًا في كلِّ مَرَّةٍ.
* * *
(٧ - ٩) - ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾.
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: مِن الهواء قريبًا مِن السماء.
وقيل في ذلك: إنه كان بمَطْلَعِ الشمس. قالَه قتادةُ (^٥)، والأفُقُ: النَّاحِيَةُ، وجمعُه: الآفاقُ.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٠). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٧)، ومكي في "الهداية" (١١/ ٧١٤٢).
(٢) في (ف): "القصة".
(٣) رواه الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ٩ - ١١) عن قتادة ومجاهد والربيع. وذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٨٥) عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وعلقمة وقرة بن شراحيل وأكثر أهل التفسير. وقال القرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ١١): هو قول سائر المفسرين سوى الحسن، فإنه قال: هو اللَّه ﷿. وسيأتي قوله قريبًا.
(٤) بعدها في (ر): "سريعًا في ذلك".
(٥) ذكره الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١١)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٩)، والثعلبي في =
[ ١٤ / ١٠٣ ]
﴿ثُمَّ دَنَا﴾: جبريلُ مِن الأرض.
﴿فَتَدَلَّى﴾: أي: فاسترسَلَ إلى محمد -ﷺ-.
وقيل: نكَسَ رأسَه لِتَبْلِيغِ وحيِ اللَّه تعالى إلى محمد -ﷺ-.
﴿فَكَانَ﴾: قُرْبُ ما بينهما ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: أي: قَدْرَ قوسين.
وقيل -وهو قول ابن عباس-: أي: قَدْرَ ذِراعين (^١)، ويُسَمَّى الذِّراعُ قوسًا؛ لأنَّه يُقاسُ به المَذْروعُ؛ أي: يُقَدَّرُ.
﴿أَوْ أَدْنَى﴾: قيل: بل أدنى مِن ذلك، فلم يكن بالقَريبِ المُلاصِقِ، ولا بالبعيد المانع مِن التَّمَكُّن مِن النَّظَر إليه، وهو المقدارُ المعقولُ مِن مَجالسِ الخَواصِّ مِن العُظَماء في الدنيا، وهو يَجْمَعُ تقريبًا مِن العَظيم للمُجالس، وتعظيمًا مِن المُجالِسِ له (^٢).
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
﴿فَأَوْحَى﴾: أي: بلغ جبريلُ الوحي.
﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾: أي: إلى عبد اللَّه.
﴿مَا أَوْحَى﴾: أي: ما أوحى اللَّهُ تعالى إلى جبريل، وأمرَه أنْ يُبَلِّغَه إلى المصطفى -ﷺ-.
_________________
(١) = "تفسيره" (٩/ ١٣٧) من غير نسبة. وذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٣٩٢) عن مجاهد. ورواه عن قتادة عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٣٥٢١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾.
(٢) رواه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٤٥). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٣٨).
(٣) في (أ): "تقريبًا من العظيم للجالس وتعظيمًا من الجالس" وفي (ف): "تقريبًا من العظماء للجالس وتعظيمًا من الجالس له".
[ ١٤ / ١٠٤ ]
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: قرأ ابنُ عامرٍ (^١): ﴿ما كذَّب﴾: بالتشديد، والباقون بالتخفيف (^٢).
﴿الْفُؤَادُ﴾: أي: فؤادُه، بالألف واللَّامِ بدلٌ عن الإضافة؛ كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه.
ومعنى التَّخفيفِ: ما كذَبَ فؤادُه فيما رأى محمدٌ بعينه جبريلَ، وفيما وعى مِن عِلْمِه، وبالتَّشديدِ: لم يوجَدْ مِن قلبِه التَّكذيبُ لِمَا رآه بعينه، ولا إنكارُه.
* * *
(١٢) - ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾.
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿أَفَتَمْرُونَه﴾، ومعناه: أَفَتَجْحَدُونه أيُّها المشركون؟
وقرأ الباقون: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ (^٣): أي: أَفَتُجَادِلونه على ما يرى؟ فتقولون: إنه لم يرَ جبريلَ ﵇، وإنما رأى شيطانًا؛ كما ترى (^٤) الكهَنةُ الشياطينَ.
وإنما قال: ﴿يَرَى﴾، ولم يقل: (رأى)؛ لأنَّه كان يراه في كلِّ نُزولٍ، فهو على الفعلِ الدَّائمِ.
قالت عائشةُ ﵂: قال النبي -ﷺ-: "رأيتُ جبريلَ مُنْهَبِطًا قد ملَأَ ما بين السماء والأرض، عليه ثِيابُ سُنْدُسٍ مُعَلَّقٌ بها اللُّؤْلُؤُ والياقوتُ" (^٥).
_________________
(١) في (ف): "عباس".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، وقراءة التشديد رواها هشام بن عمار عن ابن عامر. وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان بالتخفيف كباقي السبعة.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤).
(٤) في (أ): "رأى".
(٥) رواه ابن راهويه في "مسنده" (١٤٢٨)، والإمام أحمد في "مسنده" (٢٤٨٨٥)، وأبو العباس =
[ ١٤ / ١٠٥ ]
وعنها أيضًا: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- خرَجَ ذاتَ يومٍ، فإذا هو بجبريل ﵇ على الشمس، له جَناحٌ بالمشرق، وآخَرُ بالمغرب (^١).
ورُوِيَ: أنَّ حمزةَ بنَ عبد المُطَّلِب قال: يا رسولَ اللَّهِ، أَرِني جبريلَ في صُورتِه، فقال: "إنَّكَ لا تستطيعُ أنْ تنظُرَ إليه"، قال: بلى يا رسولَ اللَّهِ أَرِنِيه، فقعَدَ ونزَلَ جبريلُ على خَشَبَةٍ في الكعبة كان المشركون يَضَعون عليها ثيابَهم إذا طافوا، فقال النبيُّ -ﷺ-: "ارفَعْ طَرْفَكَ يا حمزةُ، فانْظُرْ"، فرفَعَ عينيه، فإذا قدَماه كالزَّبَرْجَدِ الأخضرِ، فخَرَّ مَغْشِيًّا عليه (^٢).
ورُوِيَ: أنَّ النبيَّ -ﷺ- سأل جبريلَ أنْ يراه على صورته، فقال: إنَّ الأرضَ لا تَسَعُني، ولكنِ انظُرْ إلى السماء، فرآه على صُورته، ثم دنا منه، فكُلَّما دنا منه انتقَصَ (^٣)، فلما قرُبَ منه مقدارَ قوسين رآه على صُورته التي كان يراه عليها في كلِّ مَرَّةٍ (^٤).
ورُوِيَ: أنَّه رآه على فرَسٍ والدُّنيا كلُّها بين كَلْكَلِه (^٥)، وفي وجْهِه أُخْدُودٌ مِن البُكاء، لو أُلْقِيَتِ السُّفُنُ فيها لَجَرَتْ، فقال في هذه الحادثة في سُورةٍ أخرى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (^٦).
_________________
(١) = السراج في "حديثه" (١٤١٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٧٦٨).
(٢) رواه مطولًا الطيالسي في "مسنده" (١٦٤٣)، وابن راهويه في "مسنده" (١٦٨٩)، من طريق رجل عن عائشة. ورواه الحارث في "مسنده" (٩٢٨) فسمى المبهم وهو يزيد بن بابنوس، لكن شيخ الحارث فيه داود بن المحبر وهو متروك كما في "التقريب".
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ١٢)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٨١) وقال: هكذا روي هذا عن عمار بن أبي عمار، وهو مرسل.
(٤) في (ر): "انتقض".
(٥) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (١٠/ ٤٣٨) من غير إسناد.
(٦) الكَلْكَلُ: الصدر. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٩/ ٣٣٣).
(٧) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ١٠٦ ]
(١٣ - ١٥) - ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: أي: رأى جبريلَ أيضًا مَرَّةً أخرى ليلةَ المعراجِ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: في السماوات.
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: أي رآه على صُورته مَرَّةً في الدنيا، ومَرَّةً عند سِدْرَة المُنْتهى، على هذا بعضُ المُفَسِّرين.
وقال الحسنُ البَصْريُّ وجماعةٌ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾: أي: علَّمَه اللَّهُ (^١)، وهو وصفٌ مِن اللَّه تعالى نفْسَه بكمال القُوَّةِ والقُدْرة، وهو كقوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢٢]، وقولِه: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: أي: ذو إحكامٍ للأمور والقضايا، قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٩]، وبَيَّنَ المكانَ الذي فيه عَلَّمَه بلا واسطةٍ فقال: ﴿فَاسْتَوَى﴾: أي: محمدٌ، ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: أي: فوقَ السماوات، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾: هو بيانُ قُرْبِ الكرامةِ لمحمد -ﷺ- مِن ربِّه.
والإسراءُ برسولِه -ﷺ- في اليقظة بجِسْمه ليلًا مِن المسجد الحرام إلى بيت المَقْدِس، ثم منه إلى السماء، ثم منه إلى سِدْرَةِ المنتهى، ثم منه إلى ما شاء اللَّه تعالى = حَقٌّ صِدْقٌ، ذكَرَه اللَّهُ تعالى في أوَّلِ سورة بني إسرائيل، وفي هذه السورة، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ أشَرْنا إلى بعضِها في أوَّلِ سورة بني إسرائيل، وقد أورَدْناها في كتابٍ جَمَعْناه في ذلك (^٢)، وقد قال به أهلُ السُّنَّةِ والجماعة، وأنكَرَه أهلُ الضَّلالةِ والبِدْعَةِ.
_________________
(١) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٨٥)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩٧) عن الحسن البصري.
(٢) لعله: "كتاب ما ورد من الأخبار في ذكر معراج النبي المختار وفوائده ولطائفه"، ذكره المؤلف في أول الإسراء.
[ ١٤ / ١٠٧ ]
واختلَفَتِ الرواياتُ في تعيين تلك الليلة:
قيل: كانت ليلةَ السَّابعِ والعشرين مِن رجَبٍ.
وقيل: كانت ليلةَ السَّادسَ عشرَ مِن شهر رمضانَ.
وقيل: كانت ليلةَ الثاني عشرَ مِن شهر ربيعٍ الأوَّلِ.
وقيل: كانت ليلةَ السبتِ.
وقيل: كانت ليلةَ الإثنينِ.
وقيل: كانت بعد المَبْعَثِ بسنتين.
وقيل: بثلاث سنين.
وقيل: كانت قبلَ الهجرةِ بثمانيةَ عشرَ شهرًا، أتاه جبريلُ ﵇ ومعه خمسون ألفَ ملَكٍ لهم زَجَلٌ بالتَّسْبيح، ورسولُ اللَّهِ -ﷺ- في بيتِ أمِّ هانئٍ ومعه ميكائيلُ، فقال: قُم يا محمَّدُ، فإنَّ الجَبَّارَ يَدْعوكَ إلى حَضْرَتِه (^١)، فخرَجَ فإذا بالبُرَاقِ.
قال الواقديُّ: وهي دابَّةٌ فوق الحمار ودُونَ البَغْلِ، جسَدُها مِن ياقوتةٍ حمراءَ، وعنُقُها مِن زُمُرُّدٍ أخضَرَ، وأُذُناها بَيْضاوانِ، وذنَبُها كذَنَبِ البَقَرِ، وعيناها مِثْلُ الزُّمُرُّدَةِ.
وقال محمد بنُ إسحاقَ: كانت خضراءَ، وعُنُقُها حمراءُ.
وقيل: كان رأسُها مِن زَعْفَرَانٍ، وصَدْرُها مِن ياقوتٍ، ويداها مِن لُؤْلُؤٍ، ورجلاها مِن زَبَرْجَدٍ، ووَجْهُها كوجه الإنسان، وعُرْفُها كعُرْفِ الفرَسِ، وأذُناها كأذُنِ الفِيلِ، وعُنُقُها كعُنُقِ البعير، وصَدْرُها كصَدْرِ البغال (^٢)، وقوائِمُها كقوائمِ البقَرِ، وبَطْنُها بالألوان المختلفة (^٣).
_________________
(١) "إلى حضرته" من (أ).
(٢) في (ر): "الإبل".
(٣) لم يرد في هذه الأوصاف ما يحتج به، والمعتمد فيه رواية الصحيحين، انظر التعليق الآتي.
[ ١٤ / ١٠٨ ]
قال: "فرَكِبْتُها، فكانت إنْ ترَكْتُها سارَتْ، وإنْ حرَّكْتُها طارتْ، خَطْوُها مَدُّ البَصَرِ، والملائكةُ أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي" (^١).
ثم كان في الطَّريقِ أعاجيبُ، وفي بيت المَقْدِس رأى النبيين وأَمَّهم، وبَشَّروه في أُمَّتِه بكل خيرٍ، ثم صَعِدَ إلى السماء، ورأى في كلِّ سماءٍ أعاجيبَ وجماعةً مِن الرسل، ورقَّاه اللَّهُ إلى ما رَقَّاه، ولَقَّاه ما لَقَّاه، وأراه ما أراه، وخَصَّه بقُرْبٍ لم يكن لأحدٍ قَبْلَه، ولا يكونُ لأحدٍ بَعْدَه، وهو قولُه تعالى: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، أي: على طرف الكون.
﴿ثُمَّ دَنَا﴾: قيل: أي: دنا مِن كرامةِ اللَّه، ولم يُرِدْ به قُرْبَ المكانِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى مُنَزَّهٌ عن المكان، خلَقَ كلَّ مكانٍ، ولا حاجةَ له إلى مكانٍ، وإنما هو قُرْبُ المَنْزِلَةِ والدَّرَجة والكرامة والزُّلْفَة.
﴿فَتَدَلَّى﴾: أي: سجَدَ للَّهِ تعالى؛ لأنَّه قال: "وجدتُ ما وجدتُ بالخِدْمة فأزيدُ في الخِدْمة، وفي السَّجْدة وعدُ القُرْبةِ، فأزدادُ قُرْبًا على قُرْبٍ، وحُبًّا إلى حُبٍّ" (^٢).
فانتهى إلى مكانٍ لم يَدْرِ الكونُ أين قدَمُه، ولم تَدْرِ قدمُه (^٣) أين نفْسُه، ولم تَدْرِ نفْسُه أين قلبُه، ولم يَدْرِ قلبُه أين روحُه، ولم تَدْرِ روحُه أين سِرُّه، فكأنَّ الكونَ يطلُبُ قَدَمَه، وقَدَمَه تطلُبُ نفْسَه، ونفْسَه تطلُبُ قلبَه، وقلبَه يطلُبُ رُوحَه، ورُوحَه تطلُبُ سِرَّه.
_________________
(١) لم أقف عليه، لكن قوله: "خطوها مد البصر" رواه بلفظه الحميدي في "مسنده" (٤٤٨)، والبزار في "مسنده" (٢٩١٥)، من حديث حذيفة ﵁. وروى معناه البخاري (٣٨٨٧)، ومسلم (١٦٤)، من حديث مالك بن صعصة: ". . ثُم أُتيتُ بدابَّة أبيضَ، يقالُ له: البُرَاقُ، فوق الحمار، ودون البغل، يقعُ خَطْوُه عند أَقْصَى طَرْفه. . ".
(٢) لم أقف عليه.
(٣) في (ف): "القدم".
[ ١٤ / ١٠٩ ]
قالوا: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾: إشارةٌ إلى مَقامِ نفْسِه، ﴿فَتَدَلَّى﴾: إشارةٌ إلى مَقامِ قلبِه، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: إشارةٌ إلى مقامِ رُوحِه، ﴿أَوْ أَدْنَى﴾: إشارةٌ إلى مَقام سِرِّه، فكانت نفْسُه في مَقامِ الخِدْمة، وقلبُه في مَقام المَحَبَّة، ورُوحُه في مَقامِ القُرْبة، وسِرُّه في مَقامِ المُشاهدة، وكانت حياةُ نفْسِه بالخدمة، وبقاءُ قلبِه بالمحبَّة، وقيامُ رُوحِه بالقُرْبة، وغذاءُ سِرِّه بالمشاهدة، ولو نظَرَتْ نفْسُه إلى الكون لَبَقِيَتْ بلا خِدْمةٍ، ولو نظَرَ قلبُه إلى نفْسِه لَبَقِيَ بلا مَحَبَّةٍ، ولو نظَرَ رُوحُه إلى قلبه لَبَقِيَ بلا قُرْبَةٍ، ولو نظَرَ سِرُّه إلى رُوحه لَبَقِيَ بلا مُشاهدةٍ.
وسُئِلَ أبو الحسين النُّورِيُّ عن هذا المقام، فقال: لم يَسْعَ فيه جبريلُ، فمَن النُّوريُّ؟!
ثم قال: ﴿دَنَا﴾: يكونُ في أفهامنا بَعْدَ البُعْدِ ولا بُعْدَ ثَمَّ، ﴿فَتَدَلَّى﴾: يكونُ في مكانٍ ولا مَكانَ ثَمَّ، ﴿فَكَانَ﴾: عبارةٌ عن زمانٍ ولا عِبارةَ ثَمَّ ولا زمانَ، ﴿قَابَ﴾: إشارةٌ إلى مِقْدارٍ ولا إشارةَ ثمَّ، ﴿قَوْسَيْنِ﴾: مِثالٌ ولا مِثالَ ثَمَّ، ﴿أَوْ﴾: كلمةُ شَكٍّ ولا شَكَّ ثَمَّ، ﴿أَدْنَى﴾: مُبالغةٌ في أنه أدنى مِن دانٍ آخَرَ ولا دانٍ معه ثَمَّةَ، فقد قصُرَتْ عنه العلوم، وطاشَتْ عنده الفُهوم، ولم يكنْ لأهلِ المعرفة أنْ يذكُروا فيه شيئًا إلا أنْ قالوا: معناه: دنا عبدًا فتدلى فَرْدًا، دنا مَكِّيًّا فتدَلَّى مَلَكِيًّا، دنا قُرَشِيًّا فتدَلَّى عَرْشِيًّا، دنا مُجاهِدًا فتدَلَّى مُشاهِدًا، دنا طَالِبًا فتدلَّى واصِلًا، دنا ومعه الزَّحْمَةُ فتدَلَّى ومعه الرَّحْمةُ، دنا افتقارًا فتدلَّى افتخارًا، دنا مُنادِيًا فتدَلَّى مُناجِيًا، دنا مادِحًا فتدَلَّى مَمْدوحًا، دنا شاكِرًا فتدَلَّى مَشْكورًا.
وقيل: أحدُهما صفةُ اللَّهِ تعالى، والآخَرُ صفةُ محمد، ومعناه: كان هو يتقرَّبُ واللَّهُ يُقَرِّبُه، وكان هو يتكلَّمُ واللَّهُ يَسْمَعُه، وكان هو يسألُ اللَّهَ واللَّهُ يُعطِيه، وكان هو يَشْفَعُ واللَّهُ يُشَفِّعُه، وكان هو ينظُرُ في آياتِ اللَّه واللَّهُ ينظُرُ في آدابِ رسولِ اللَّه.
[ ١٤ / ١١٠ ]
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾: قد مَرَّ بعضُ الشَّرحِ فيه، وهو تقريرُ خاصِّيَّةٍ كانت له في تقريبِ المَنْزِلَةِ في الأفهام، وتأكيدُ حُرْمَةٍ وقعَتْ له مُصَوَّرَةً في الأوهام، مُمَثَّلَةً بما يتسارَعُ (^١) إليه عُقولُ الأنام، فكانت عُظَماءُ العرب إذا أرادوا تأكيدَ عهدٍ وتوثيقَ عَقْدٍ لا يُنْقَضُ ولا يُرْفَض، أحضَرَ المتعاقدان قَوْسَيْهِما، فجَمَعا بينهما، وقَبَضا عليهما، ونزَعاهما جميعًا، ورَمَيَا عنهما سَهْمًا واحدًا، يُشِيران بذلك إلى الاتِّحادِ الكُلِّيِّ، والاجتماعِ (^٢) الأصليِّ، فكان بعدَ ذلك رِضا أحدِهما رضا الآخَرِ، وسَخَطُ أحدِهما سَخَطَ الآخَرِ، فكأنَّه قال: أَكَّدْنا المحبَّةَ، وأَبْرَمْنا القُرْبَةَ، فمَقْبُولُه مَقْبولي، ومَرْدُودُه مَرْدودي، وأبانَ ذلك في آياتٍ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١٥]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النور: ٥٢]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨]، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، فما هوَ له فهو لي، وما هو لي فهو له، وهذا مَقامٌ ليس فوقَه مَقامٌ.
وقيل: ﴿فَتَدَلَّى﴾: أي: أرسَلَ نفْسَه في هذا المكان، فقال: أنا لا أرجِعُ عن هذا المكان، فإني لا أَصْبِرُ عنه، فقيل له: إنَّ الذي أحضَرَكَ هذا المقامَ قادِرٌ على أنْ
_________________
(١) في (ف): "لا يتسارع".
(٢) في (أ): "والإجماع".
[ ١٤ / ١١١ ]
يُحْضِرَكَ هذا المكانَ وأنتَ في الدنيا، فارجِعْ فادْعُ إلينا الهاربين، فإذا استَوْحَشْتَ مِن الخَلْقِ، واشتَقْتَ إلى هذا المكان، فتُحْرِمُ للصلاة نُقَرِّبُكَ ونُبَلِّغُكَ هذا المقامَ؛ ولذلك كان يقول: "أَرِحْنا يا بلالُ" (^١)، وكان يقولُ: "وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة" (^٢).
وقال الإمامُ القُشَيريُّ: أدناه حتى لا دُنُوَّ، وأخذَه عنه حتى لا غير، وأَصْحاهُ لَمَّا مَحاهُ عنه، وقال له ما قال، ولم يُطْلِعْ أحدًا على ما بينهما مِن السِّرِّ، وأخبَرَ أنه ما يَنْطِقُ عن الهوى، ومتى يَنْطِقُ عن الهوى مَن هو في مَحَلِّ النَّجْوى، وظاهرُه مَزْمُومٌ بزِمام التَّقوى، وفي السِّرِّ هو في إيواء المولى؟! مُصَفًّى عن كُدُوراتِ البَشَرِيَّةِ، مُرَقًّى إلى شُهودِ الأَحَدِيَّةِ، مُكاشَفٌ بجَلالِ الصَّمَدِيَّةِ، مُخْتَطَفٌ عثه بالكُلِّيَّةِ، لم تَبْقَ فيه إلا للحقِّ بالحقِّ بَقِيَّةٌ، فمَن كان هذا صِفَتُه أنَّى يَنْطِقُ عن الهوى؟! (^٣)
وقولُه تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾: أي: أوحى اللَّهُ في ذلك المقامِ ما أوحى، فأخفى كلَّ شيءٍ نسَبَه إليه؛ إشعارًا بأنه الحبيبُ الأَخَصُّ، فقال في مَقامه: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾، وقال في نثاره: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، وقال فيما رآه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، وقال في الوحيِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" (٩٤٠)، وأبو داود (٤٩٨٥)، والطبراني في "الكبير" (٦٢١٤) من حديث رجل من خزاعة. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢٣٠٨٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٤/ ٣٥٩)، والطبراني في "الكبير" (٦٢١٥) من حديث رجل من أسلم. قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (١/ ٦٢): رواه أبو داود، وسنده رجال الصحيحين، إلا شيخه مسددا، فانفرد عنه البخاري.
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٧٩٣٩)، والإمام أحمد في "مسنده" (١٤٠٣٧)، والبزار في "مسنده" (٦٨٧٩)، والنسائي (٣٩٤٠)، من حديث أنس ﵁.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢).
[ ١٤ / ١١٢ ]
وكذلك أحوالُ الأحبابِ، وتكلَّموا فيه:
فقيل: الأقربُ إلى الأدَبِ السُّكوتُ، فإنه ما أخفاه ليكون لكلِّ أحدٍ إظهارُه.
وقيل: قَدَّرَ ما وقَفَ عليه بخَبَرٍ أو أثَرٍ أو استدلالٍ، فلا بأسَ بِذِكْرِه.
وقيل: أوحى إليه قولَه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخره، كان ذلك وحيًا إليه في ذلك المقامِ بغير واسطة جبريل.
وقال ابن عباس: قال اللَّهُ تعالى له: عَبَدْتَنا في الخَلْوَةِ، فاشْفَعْ لِأُمَّتِكَ في الخَلْوَةِ (^١).
وقالت عائشةُ: سألتُ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن ذلك فقال: "هو قولُ اللَّهِ تعالى: لولا العِتابُ ما كان معَ أُمَّتِكَ الحِسابُ" (^٢).
ورُوِيَ: أنَّ اللَّهَ تعالى قال له: "قل لأُمَّتِكَ: إنْ أَحْبَبْتُم أحدًا لإحسانه إليكم فأنا أولى به منكم لِكَثْرَةِ نِعمتي عليكم، وإنْ أنتم خِفْتُم أحدًا مِن أهل السماء والأرض فأنا أولى بذلك لِكَمال قُدْرتي، وإنْ أنتم رَجَوْتُم أحدًا فأنا أولى بذلك لأنِّي أُحِبُّ عِبادي، وإنْ أنتم استحيَيْتُم مِن أحد لِجَفائِكم إياه فأنا أولى بذلك لأنَّ منكم الجَفاءَ ومني الوَفاء، وإنْ أنتم آثَرْتم أحدًا بأموالكم وأنفسكم فأنا أولى بذلك لأني مَعْبودُكم، وإنْ صَدَّقْتُم أحدًا في وعده فأنا أولى بذلك لأني أنا الصَّادقُ" (^٣).
وقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: أوحى اللَّهُ إليه: ألَمْ أَجِدْكَ يتيمًا فآوَيْتُكَ، ووجدتُكَ ضالًّا
_________________
(١) ذكره الصفوري في "نزهة المجالس" (٢/ ١١٩)، ولعله نقله عنه المصنف.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ١١٣ ]
فهدَيْتُكَ، ووجدتُكَ عائِلًا فأَغْنَيْتُكَ، ألم أشرَحْ لكَ صدرَكَ، ألم أضَعْ عنكَ وِزْرَكَ، ألم أرفَعْ لكَ ذِكْرَكَ (^١)؟!
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: إنَّكَ القاسِمُ بين الجنة والنار.
وقيل: أوحى إليه: إنَّ الجنَّةَ مُحَرَّمَةٌ على الأنبياء حتى تَدْخُلَها أنتَ، وعلى الأُمَمِ حتى تَدْخُلَها أُمَّتُكَ.
وقيل: أوحى إليه: خصَصْتُكَ بحوضِ الكوثر، فكلُّ أهلِ الجنَّةِ أضيافُكَ بالماء، فلهم الخَمْرُ واللَّبَنُ والعَسَلُ.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: إنِّي ضَمِنْت الرزقَ لعبادي وأُمَّتُكَ لا يَثِقون بذلك، وخلقْتُ (^٢) النارَ لأعدائي وهُم يجتهدون أنْ يدخلُوها، وأنا لم أُطالِبْهم بعمَل الغدِ وهُم يَطْلُبون مني رِزْقَ الغدِ، وأنا لا أُعْطِي رِزْقَهم غيرَهم وهُم يُؤَدُّون طاعتي لِرؤية غيري، وأنا المُعِزُّ والمُذِلُّ وهُم يَرْجُون ويخافون غيري، وأنا المُنْعِمُ عليهم وهم يشكُرون لغيري.
يُروى هذا عن فاطمةَ ﵂: أنها سألَتْ رسولَ اللَّه -ﷺ- عن هذا، فقال هو هذا (^٣).
_________________
(١) رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٩٦٦)، والطبراني في "الأوسط" (٣٦٥١)، والحاكم في "المستدرك" (٣٩٤٤)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٢٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥١١)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ٦٣) والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٥٥) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/ ٩٢) عن سعيد بن جبير، والقشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٨٢) من غير نسبة.
(٢) في (أ) و(ر): "وجعلت".
(٣) لم أقف عليه.
[ ١٤ / ١١٤ ]
وقيل: أوحى إليه: وَهَبْتُ لكَ ثُلُثَ أُمَّتِكَ الليلةَ، وأَهَبُ لكَ الثُّلثين يومَ القيامة.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: يا محمدُ، لم أُكْثِرْ مالَ أُمَّتِكَ لئلا يكثُرَ (^١) في القيامة حِسابُهم، ولم أُطِلْ أعمارَهم لِئلَّا تقسوَ قلوبُهم، ولم أُفاجِئْهم بالموت لِئلَّا يكونَ بدون التوحيد خروجُهم مِن الدنيا (^٢)، وأخَّرْتُهم في الدنيا عن الآخرين لِئلَّا يطولَ في القبور حَبْسُهم.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: إنَّ أُمَّتَكَ يُطيعون وَيعْصون، وطاعتُهم برِضَائي، ومعصيتُهم بقضائي، فما كان برضائي أَقْبَلُه فأنا كريمٌ، وما كان بقضائي أغفِرُه فإني رحيمٌ.
وقيل: أوحى اللَّهُ إليه: "عِشْ ما شِئْتَ فإنكَ مَيِّتٌ، وأحبِبْ ما شِئْتَ فإنكَ مُفارِقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنك مَجْزِيٌّ به" (^٣).
وقيل: أوحى إليه: كُنْ آيِسًا مِن الخَلْق فليس بأيديهم شيءٌ، واجعل صُحْبَتَكَ معي فإنَّ مَرْجِعَكَ إليَّ، ولا تجعلْ قلبَكَ مُتَعَلِّقًا (^٤) بالدنيا فما خَلَقْتُكَ لها.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾: أي: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ.
_________________
(١) في (ف): "ليطول" بدل: "لئلا يكثر".
(٢) في (ر): "لئلا يكون بدون التوبة في الدنيا خروجهم"، وفي (ف) مثله لكن تحرفت: "التوبة" إلى: "الموت".
(٣) رواه الطيالسي في "مسنده" (١٨٦٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٠٥٧) من حديث جابر ﵁. والطبراني في "الأوسط" (٤٢٧٨)، والحاكم في "المستدرك" (٧٩٢١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٥٣)، والقضاعي في "مسنده" (٧٤٦) من حديث سهل بن سعد ﵁. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) في (ف): "معلقًا".
[ ١٤ / ١١٥ ]
﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾: قيل: مَرَّةً أخرى، و﴿نَزْلَةً﴾: مَرَّةٌ مِن النزول؛ أي: نزَلَ بسِدْرَةِ المنتهى ليلةَ المعراج، فرآه بها على صورته.
قال -ﷺ-: "رأيتُه عند سِدْرةِ المنتهى، عليه سِتُّ مئةِ جَناحٍ، يتناثَرُ منها الدُّرُّ والياقوتُ" (^١).
وسِدْرَةُ المُنْتَهى: شجرةُ نَبِقٍ، ولها حُسْنُ المَنْظَرِ، وطِيبُ الرائحةِ، وحلاوةُ الثَّمَرِ، وورقُها كآذانِ الفِيَلَةِ في الكِبَر، وثمَرُها كقِلالِ هَجَرٍ (^٢)، وهي مقامُ جبريلَ، وأَمَّ فيها رسولُ اللَّه -ﷺ- ملائكةَ السماء في الوِتْر، فكان إمامَ الأنبياءِ في بيت المَقْدِس، وإمامَ الملائكةِ عند سِدْرَةِ المنتهى، فظهَرَ بذلك فَضْلُه على أهل الأرض والسماء.
وسُمِّيَتْ سِدْرَةَ المنتهى عند كعبٍ؛ لأنَّ رؤيةَ الملائكةِ تنتهي إليها، لا تَرى ملائكةُ السماوات ما فوقَها، وهي في السماء السابعة (^٣).
وقال ابن مسعود والضحاك: ينتهي إليها ما يعرُجُ إلى السماء (^٤).
_________________
(١) رؤيته له عليه سِتُّ مئهِ جَناحٍ متفق عليه، فقد رواه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤) من حديث ابن مسعود ﵁. والحديث بتمامه رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٣٩١٥)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٥٣٦٠)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢/ ٥٠٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٧٨) من حديث ابن مسعود ﵁ أيضًا.
(٢) هَجَر: قرية قريبة من المدينة، كانت تعمل بها القِلال، تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء، سميت قلة لأنها تُقَلُّ؛ أي: ترفع وتحمل. انظر: "النهاية" لابن الأثير (مادة: قلل).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٤٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٩٥)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٣٠٦).
(٤) رواه عن ابن مسعود: مسلمٌ (١٧٣)، والترمذيُّ (٣٢٧٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٤). ورواه عن الضحاك: الطبريُّ في "تفسيره" (٢٤/ ٢٠٩).
[ ١٤ / ١١٦ ]
وقيل: تنتهي إليها أرواحُ الشُّهداءِ.
وقال ابن عباس: إليها ينتهي عِلْمُ العُلَماءِ، ولا يَعْلَمَ ما وراءَها إلا اللَّهُ (^١).
وقيل: إليها ينتهي ما يَهْبِطُ مِن فوقها، وإليها ينتهي ما يَصْعَدُ مِن تحتها.
وقيل: إليها تنتهي كرامةُ اللَّهِ لأوليائه.
وقولُه تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾: وهي جنَّةُ الخُلْدِ.
وقيل: أوى إليها آدمَ وحوَّاء.
وقيل: تأوي إليها أرواحُ الشُّهداءِ.
وقيل: يأوي إليها أهلُها يوم القيامة.
* * *
(١٦) - ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾: أي: يُغَطِّيها.
قيل: النُّورُ والبهاءُ والحُسْنُ والصَّفاءُ الذي يروقُ الأبصارَ.
وقيل: العجائبُ الدَّالَّةُ على قُدْرةِ اللَّه تعالى وعظيمِ سُلْطانِه.
وقيل: غَشِيَها ملائكةُ اللَّهِ الصَّاعدون إليها مِن ملائكة السماوات، والنَّازِلون إليها مِن ملائكة العرش للقاء النبيِّ -ﷺ-.
وقيل: طولُها مَسيرةُ خمسين سنةً، وغَشِيَها مِن الملائكة ما غطَّاها كُلَّها، وهُم على صورة الجراد مِن الذَّهَبِ.
_________________
(١) رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٤٩)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٩٥).
[ ١٤ / ١١٧ ]
وقال قتادة: استأذنوا للقاءِ النَّبيِّ -ﷺ- فأذِنَ لهم، وقيل لهم: لا تأتُوه بغير نِثَارٍ، فجاء كلُّ واحدٍ منهم بطَبَقٍ مِن أطباقِ الجنة عليه مِن اللَّطائفِ ما لا يُحصَى، فنَثَروه بين يديه تَقَرُّبًا إليه.
وقال مُقاتلٌ: فلو أنَّ رجلًا ركِبَ حِقَّةً، وطافَ على ساقِها حتى أدرَكَه الهرَمُ، ما وصَلَ إلى المكان الذي رَكِبَ منه (^١). تَحْمِلُ لأهل الجنة الحُلِيَّ والحُلَلَ وجميعَ ألوانِ الثِّمار.
ويُقالُ: هي عن يمينِ العرشِ تخرُجُ أنهارُ الجنة مِن أَصْلِها.
* * *
(١٧) - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾: أي: ما مالَ (^٢) بصَرُ محمد عما رأى، وما جاوزَه إلى غيره، يعني: ما عدَلَ عن رؤيتِه قبلَ إحاطةِ عِلْمِه به، وما تعدَّى عن رؤيتِه إلى غيره رَغْبَةً عنه وفي حقِّ النَّظَرِ، فتيَقَّنَ بما أبصرَ؛ كما قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
وقيل: ما زاغَ بصرُه حين عُرضَتْ عليه الدنيا رَغْبَةً فيها، وما طغى حين عرضَتْ عليه الآخرةُ تَعَلُّقًا بها، بل ترَكَ ذلك كلَّه مُكْتَفِيًا بالمولى.
وقيل: ﴿مَا زَاغَ﴾: أي: ما مالَ يمينًا ولا شمالًا، ولا طغى ولا تقدَّمَ؛ أي: وقَفَ حيث وُقِّفَ، وتصَرَّفَ على ما صُرِّفَ.
* * *
(١٨) - ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١٦٠)، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٤٣).
(٢) في (أ): "زاغ".
[ ١٤ / ١١٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: أي: العُظْمى، وهي عظائِمُ (^١) السماوات، وطوائفُ الملائكةِ، وسِدْرَةُ المنتهى، وجنَّةُ المأوى، وما في الجِنان لأهل الإيمان، وما في النِّيران لأهل الطُّغْيان، والحُجُبُ والبحار، والظُّلَمُ والأنوار، وما تعجِزُ عنه الأفكار، وتحارُ فيه الأبصار.
وقال محمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ والرَّبيعُ بنُ أنسٍ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال: "رأيتُه بفؤادي، ولم أرَه بعيني" (^٢).
وقال ابن عباس: رآه ببصَرِه بلا كَيْفٍ. وهو قولُ أنسٍ وكعبٍ وأسماءَ (^٣).
وقالت عائشة: مَن قال: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- رأى ربَّه ليلةَ المعراجِ ببَصَرِه فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، ومَن قال: إنه كان يَعْلَمُ ما في غدٍ فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، ومَن زعَمَ أنه كتَمَ شيئًا مما أنزلَه اللَّهُ تعالى عليه فقد أعظَمَ الفِرْيَةَ، وإنما رآه بقلبه (^٤).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "عجائب".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٤٠) عن محمد بن كعب عن بعض أصحاب النبي -ﷺ-. وذكره عنهما السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٥٩)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٩٤) عن القرظي.
(٣) رواه عن ابن عباس الترمذي (٣٠٦٨) وحسنه، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٤٧٥)، وإسناده صحيح كما قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ٦٠٨). وليس فيه قوله: (بلا كيف). وذكره عن أنس السمعانيُّ في "تفسيره" (٥/ ٢٩٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٠٣)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٨٦). ورواه عن كعب الترمذيُّ (٣٢٧٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣١)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢/ ٤٩٦)، والدارقطني في "رؤية اللَّه" (٢٢٥). وذكره عن أسماء أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣٣٧) نقلا عن محمد بن سعيد القرشي.
(٤) رواه الترمذي (٣٠٦٨)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢/ ٥٥٤)، والنحاس في "إعراب القرآن" =
[ ١٤ / ١١٩ ]
وهو قولُ الحسن (^١)، وأبي صالحٍ، وأبي العاليةِ، وإبراهيمَ التَّيْمِيِّ، ومسروقٍ،
وهو الصَّحيحُ، وتقديرُ قولِه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: لقد رأى آياتٍ مِن آياتِ ربِّه الكبرى.
ووجهٌ آخَرُ: لقد رأى الكبرى مِن آياتِ ربِّه.
وقصَّةُ المعراجِ أورَدْناها بطُرُقِها مُستوفاةً في كتاب: "ما ورَدَ مِن الأخبار في معراجِ النبيِّ المختار"، وهو قريبٌ مِن دَفْتَرٍ.
* * *
(١٩ - ٢٠) - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾: كلمةُ استفهامٍ، ومعناها: أَخْبِروني عن هذه الأصنام التي تعبُدونها وتعتقِدونها آلهةً: هل فَعَلَتْ ما فعَلَ اللَّهُ تعالى مِمَّا مَرَّ ذِكْرُه في هذه السُّورة مِن الإسراء بمحمدٍ -ﷺ- إلى السماء، وإيحائِه إليه؟! فهذا هو المُضْمَرُ.
وقيل: المُضْمَرُ: أَنَفَعَتْكم عبادتُها؟!
وهذه أصنامٌ كانت مِن حجارةٍ، وكانت في جَوْفِ الكعبة.
وقيل: العُزَّى: شجرةٌ كانوا يعبُدونها، وكانت لِغَطَفانَ، بعَثَ إليها رسولُ اللَّه -ﷺ- خالدَ بنَ الوليد فقطَعَها، فخرَجَتْ منها شيطانةٌ ناشِرةٌ شَعْرَها، داعِيَةٌ وَيْلَها، واضِعَةٌ
_________________
(١) = (٤/ ١٨٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٠). وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه بنحوه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧).
(٢) رواه عبد الرزاق في "التفسير" (٣٠٣٣) عن المبارك بنِ فَضَالةَ، قال: كان الحسنُ يَحْلفُ باللَّه ثلاثةً لقد رأى محمدٌ ربَّه.
[ ١٤ / ١٢٠ ]
يدَها على رأسها، فجعَلَ خالدٌ يضرِبُها بالسيف حتى قتَلَها، وهو يقول:
كُفْرانَكِ اليومَ ولا سُبحانَكْ إني رأيتُ اللَّهَ قد أهانَكْ
ثم رجعَ خالدٌ فأخبَرَ النبيَّ -ﷺ- بذلك، فقال: "تلك العُزَّى، ولن تُعْبَدَ أبدًا" (^١).
وكان وضعَها لِغَطَفانَ سعدُ بنُ ظالمٍ الغَطَفانيُّ، وذلك أنَّه قدِمَ مكَّةَ فرأى الصَّفا والمروةَ، ورأى أهلَ مكَّةَ يطوفون بهما، فعاد إلى بَطْنِ نَخْلَةَ، وقال لقومه: إنَّ لأهلِ مكَّةَ الصَّفا والمروةَ وليست لكم، ولهم إلهٌ يعبُدونه وليس لكم ذلك، قالوا: فما تأمرُنا؟ قال: أصنَعُ لكم كذلك، فأخَذَ حجَرًا مِن الصَّفا، وحجَرًا مِن المروة، ونقَلَهما إلى نَخْلَةَ، فوضَعَ الذي أخذَ مِن الصَّفا، فقال: هذا مِن الصَّفا، ووضَعَ الذي أخذَه مِن المروة، وقال: هذا مِن المروة، ثم أخَذَ ثلاثةَ أحجارٍ، فأسنَدَها إلى شجرةٍ، فقال: هذا ربُّكم، فجعَلوا يطوفون بين الحَجَرين، ويعبُدون الحِجارةَ، حتى افتتَحَ رسولُ اللَّهِ مكَّةَ، فأمَرَ برفع (^٢) الحجارة، وبعَثَ خالدَ بنَ الوليدِ إلى العُزَّى فقَطَعَها (^٣).
_________________
(١) رواه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ١٢٧) عن سعيد بن عمرو الهذلي. ورواه الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٩٨) عن ابن عباس ﵄. ورواه ابن إسحاق في "سيرته" (ص: ١٩٣) عن العيزار بن حريث. ورواه النسائي في "الكبرى" (١١٤٨٣)، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (٤٦٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٧٧) عن أبي الطفيل. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٤٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٠٨)، والزمخشري في "الكشاف" (١/ ٣٢٦) عن مجاهد.
(٢) في (أ): "فرفعت".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٤٥)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ٤٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤٠٨) عن الضحاك.
[ ١٤ / ١٢١ ]
وقال مُقاتلٌ: كانت مناة حجَرًا يُعْبَدُ (^١) بأرضِ هُذَيلٍ على الساحل (^٢).
وقال قتادة: اللَّاتُ كانت بالطَّائفِ، والعُزَّى بشِعْبِ بَطْنِ نَخْلَةَ، ومَناةُ بقُدَيد (^٣).
وقيل: كانت العُزَّى لقريشٍ، ومَناةُ للأنصارِ.
و﴿اللَّاتَ﴾ كان الكسائيُّ يقِفُ عليها بالهاء (^٤).
وقال الزَّجَّاجُ: الأجودُ الوقفُ بالتَّاءِ على ﴿اللَّاتَ﴾، أرادوا: (اللَّاهة)، فأسقَطوا الهاءَ تخفيفًا، وبَقِيَتْ هاء التأنيث (^٥).
وكان مُجاهدٌ يقرأ: (اللاتَّ) بتشديد التاء، وقال: كان رجلٌ يَلُتُّ السَّوِيقَ، فمات، فاتُّخِذَ قبرُه مُصَلًّى (^٦).
وعن ابن عباس قال: (اللَّاتُّ): رجلٌ يلُتُّ السَّوِيقَ يَسْقِيه الحاجَّ (^٧).
وقال أبو الجَوْزاءِ: (اللاتُّ): حجَرٌ كان يُلَتُّ عليه السَّوِيقُ، فسُمِّيَ (اللَّاتَّ) (^٨).
_________________
(١) في (ف): "يعبدونها".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٧٠).
(٣) رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٤٣٩)، وابن مردويه فيما عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٥٣) عن ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٥): رواه الطبراني، وفيه أبو شيبة، وهو ضعيف.
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٦٠)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٢).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٧٣).
(٦) انظر القراءة في: "تفسير الطبري" (٢٢/ ٤٧)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ١٤٥) عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح. والأثر رواه عن مجاهد الطبريُّ في "تفسيره" (٢٢/ ٤٧)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٤٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٣٩٧).
(٧) رواه عنه البخاري (٤٨٥٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٨).
(٨) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٥٣).
[ ١٤ / ١٢٢ ]
وقال أبو صالحٍ: (اللاتُّ) رجلٌ كان يقوم على آلهتِهم، وكان يلُتُّ لهم السَّوِيقَ (^١).
و﴿وَمَنَاةَ﴾: قرأ ابنُ كثيرٍ بالمدِّ والهمزِ، والباقون بالقَصْر (^٢).
قيل: سُمِّيَ بها؛ لِمَا يُمْنَى عندها مِن الدِّماء؛ أي: يُهَرَاقُ؛ كما تُسَمَّى (مِنًى)؛ لأنَّه مَذْبَحُ الهدايا والضَّحايا.
﴿وَالْعُزَّى﴾: تأنيثُ الأَعَزِّ.
قولُه تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: قال الخليل: لا يُقالُ للثالثة: الأخرى، إنما يُقالُ ذلك للثانية، ولكنْ تقديرُ الآيةِ: أفرأيتُم اللَّاتَ والعُزَّى الأُخْرى ومَناةَ الثالثةَ، لكنْ أَخَّرَ ﴿الْأُخْرَى﴾ في الذِّكْر؛ لِتَتَّفِقَ الفواصِلُ (^٣).
وقيل: بل هي على نَظْمِها، وسُمِّيَتْ (أخرى)؛ لأنَّهم كانوا يُؤَخِّرُونها في الذِّكْرِ.
وقيل: هذا جائزٌ، ويُرادُ بها الغَيْرِيَّةُ، ألا ترى أنَّ رجلًا لو أعطى رجلًا درهمًا، فقال له: هاتِ آخرَ، فأعطاه، فقال له: هاتِ آخَرَ، جاز وهو ثالثٌ، فكذلك ما بعده.
* * *
(٢١ - ٢٢) - ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾: قيل: كانوا يقولون: الأصنامُ بناتُ اللَّهِ، فرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذا.
وقيل: هذا في قولِهم: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٨).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤).
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٤٠٩).
[ ١٤ / ١٢٣ ]
﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾: أي: جائِرَةٌ، وهي على وزن (فُعْلَى) بضم الفاء، فكُسِرَتِ للياءُ، وقد ضازَ يَضيزُ: إذا جارَ.
ورُوِيَ عن محمد بنِ كعب القُرَظِيِّ أنه قال: جلس رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم في ناد من أندية قريش، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ حتى إذا بلغ هذه الآية: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان في قراءته (^١): تلك الغرانيق العلى منها الشفاعةُ تُرتجى، ثم ختم تلك رسول اللَّه -ﷺ- السورة وسجد وسجد المشركون، وكان الوليد بن المغيرة شيخًا كبيرًا فلم يسجد وأخذ كفًا من تراب ووضع جبهته عليه، وقال: يا محمد، إنَّا لنعلم أن اللَّه يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولكنا نقول: إن آلهتنا شفعاء لنا عنده، فأما إذا جعلتَ لها نصيبًا في الشفاعة فنحن معك (^٢).
وقد ذكرنا القصة وتأويلها في سورة الحج (^٣).
* * *
(٢٣) - ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هِيَ﴾: أي: ما هذه الأصنامُ اللَّاتُ والعُزَّى ومَناةُ.
﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾: مُسَمَّياتٌ ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ﴾: تَقْلِيدًا ﴿وَآبَاؤُكُمْ﴾: جَهْلًا، لا معانيَ لها، ولا حقائِقَ، ولا أُلُوهِيَّةَ للَّاتِ، ولا عِزَّةَ لِلعُزَّى، ولا يُمْنَى لَمَناةَ؛ أي: لا تَقْدِرُ شيئًا.
_________________
(١) في (أ): "أمنيته".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٦٠٤) دون كلام الوليد بن المغيرة. وانظر التعليق الآتي.
(٣) انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وذكرنا هناك أن قصة الغرانيق لا يصح فيها شيء، وقد تكلم المؤلف وغيره من العلماء في توهين ما روي في هذه القصة وردها عقلًا ونقلًا فلتراجع ثمة.
[ ١٤ / ١٢٤ ]
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: مِن حُجَّةٍ.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾: أي: ما يتَّبِعون ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾: أنَّ آباءَهم لم يَعْبُدوها إلَّا لاستحقاقِها، وإلا ظَنًّا أنها تَشْفَعُ لهم وتُقَرِّبُهم إلى اللَّه.
﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾: عَطْفٌ على ﴿الظَّنَّ﴾؛ أي: وما يَتَّبِعون إلَّا ما تهواه أنفسُهم مِن تعظيمِ قَدْرِ الآباء وتصويبِهم.
وقيل: أي: إلَّا ما تهواه أنفسُهم مِن عبادةِ ما يَسْتَحْسِنُونه.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾: أي: البيانُ، ولكنَّهم مُقَلِّدون.
* * *
(٢٤ - ٢٦) - ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾.
﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾: ﴿أَمْ﴾: تَقْتَضِي ألفَ الاستفهامِ قَبْلَه، وتقديرُه: أتفعلون هذا بحُجَّةٍ أم للإنسان أنْ يَتَمَنَّى ما شاءَ، فيعبُدَ ما شاءَ، ويُعْطِيَ العِزَّةَ مَن يشاءُ، ويجعلَ للَّهِ البناتِ، ولنفْسِه البنينَ؟! وللَّه العزة ولرسوله (^١).
﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: أي: فليس للإنسان أنْ يتمنَّى على اللَّه، إنَّما له ما يجعلُه اللَّهُ له؛ إذ له الدنيا والآخرةُ ومَن فيهما وما فيهما.
وقيل: معناه: أَلِلإنسانِ ما تمنَّى مِن شفاعة الأصنام والملائكة؟! ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾: بل للَّه الأمرُ جميعًا، والحُكْمُ في أمرِ (^٢) الدنيا والآخرة.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي﴾: أي: لا تَنْفَعُ.
_________________
(١) "وللَّه العزة ولرسوله" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ف): "أهل".
[ ١٤ / ١٢٥ ]
﴿شَفَاعَتُهُمْ﴾: جُمِعَ مع سَبْقِ ذِكْرِ الملَكِ وهو واحدٌ؛ لأنَّ (كمْ) للتكثير، فصار جَمْعًا، وليس معناه أنهم يَشْفَعون ولا تَنْفَعُ شفاعتُهم، بل معناه: أنهم لا يَشْفَعون؛ لأنَّه لا يُؤْذَنُ لهم.
قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: مِن الملائكة لِتَشْفَعَ.
وقيل: أي: مِن البشَرِ لِتَشْفَعَ الملائكةُ له.
﴿وَيَرْضَى﴾: أي: يرضى بشفاعةٍ مِن الملائكة.
وقيل: يرضى بالشَّفاعةِ له مِن البَشَر.
* * *
(٢٧ - ٢٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: وهُم مُشْركو العربِ.
﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾: أي: يقولون: هُم بناتُ اللَّهِ؛ كما تقول عبَدَةُ الأصنامِ في الأصنام.
﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: مِن جِهَةِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، أو كتابٍ.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: ما يُتَخَيَّلُ في ظُنونِهم، لا عن مُشاهدةٍ وخبَرٍ صحيحٍ.
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: أي: لا ينوبُ الظَّنُّ مَنابَ الحقِّ، ولا ينفَعُ صاحبَه، ولا يُنَزِّلُه مَنْزِلَةَ المُحِقِّ.
﴿فَأَعْرِضْ﴾: يا محمد ﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: عن كتابِنا ووَعْظِنا، فلم يُصَدِّقْه ولم يَقْبَلْه.
[ ١٤ / ١٢٦ ]
﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي: ومالَ إليها.
وقيل: ﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾: عن الثَّناء علينا، والدُّعاء لنا، وذلك مما يُجْتَلَبُ به الثَّوابُ في الآخرة، واقتَصرَ على عَرَضِ الدنيا، ورَضِيَ به ثوابًا لنفْسِه.
* * *
(٣٠) - ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾.
﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: وهو العمَلُ لثواب الدنيا، وهو مَبْلَغٌ خَسِيسٌ لا يرضى به عاقلٌ، وهو مِن طَبْعِ (^١) البهائمِ التي لا تَرْغَبُ إلا في الحاضِرِ التَّافِهِ.
وقيل: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أنْ يقولوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، وهو جَهْلٌ مَحْضٌ تَصَوَّرَ عندهم بصُورةِ العلم.
والأظهَرُ هو الأوَّلُ، فقد كان النبيُّ -ﷺ- يقول: "اللَّهُمَّ لا تجعَلِ الدنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا" (^٢).
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾: فيَجْزِي كُلًّا على وَفْقِ عمَلِه، فأَعْرِضْ أنتَ عنهم.
* * *
(٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.
_________________
(١) في (ر): "ظن".
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٤٣١)، وابن أبي الدنيا في "اليقين" (٢)، والترمذي (٣٥٠٢)، وقال: حسن غريب، والبزار في "مسنده" (٥٩٨٩)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٤٠١)، والدينوري في "المجالسة" (٧٢٥)، والطبراني في "الدعاء" (١٩١١)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٤٦)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١٤ / ١٢٧ ]
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: مُلْكًا ومِلْكًا وخَلْقًا خَلَقَهم وتعبَّدَهم.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾: فيُمَيِّزَ بين الضَّالِّ والمُهْتَدي، والمُسِيءِ والمُحْسِنِ، فيَجْزِيَ المُسِيءَ المُشْرِكَ في الدنيا بالسَّبْيِ والقتلِ والهَوان، وفي الآخرة بالخُلود في النِّيران، ويَجْزِيَ المؤمنَ المُحْسِنَ في الدنيا بالنَّصْر والظَّفَر والإِمْكان، وفي الآخرة بالخُلودِ في الجِنان.
* * *
(٣٢) - ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾: هو نَعْتٌ لـ ﴿الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾.
وقرأ ابنُ كثيرٍ: ﴿كَبِيرَ الإثمِ﴾: وهو الكفرُ، وقرأ الباقون: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ (^١): وهي عَظائِمُ الذُّنوبِ، ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: القبائحُ.
وقيل: ﴿كَبَائِرَ﴾: ما أوعَدَ اللَّهُ عليها بالنار، ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: ما شرَعَ فيه الحُدودَ، وقد ذَكَرْنا الأقاويلَ في الكبائر في سورة النساء.
قولُه تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: هو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لأنَّه ليس مِن الكبائر والفواحش.
قال ابن عباس وابن زيد (^٢): معناه: لكنِ الذين ألَمُّوا به قبلَ الإسلامِ قد غفَرَ اللَّهُ لهم ذلك (^٣).
وقيل: اللَّممُ: أنْ لا يُصِرَّ على ما ارتكَبَه، بل يُبادِرُ بالتوبة عنه، مِن قولهم: (ما
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، عن حمزة والكسائي، أما ابن كثير فقد وافق باقي السبعة في قراءة: ﴿كَبَائِرَ﴾.
(٢) في (أ): "وابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم".
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٠)، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٠٤).
[ ١٤ / ١٢٨ ]
يأتينا فُلانٌ إلا لِمامًا)؛ أي: في الحِين بعد الحِين، واللَّمَمُ: ما يقَعُ فيه حِينًا بعد حِينٍ، لا يدومُ عليه، ولا يعتادُه.
وقيل: اللَّمَمُ: الصَّغائِرُ.
وقيل: اللَّمَمُ: ما يُقارِبُ الإثمَ.
وقيل: اللَّمَمُ: الهَمُّ بالخَطيئةِ، وحديثُ النَّفْسِ بها مِن غير مُواقَعَةٍ (^١).
وقال الحسن: هو اللَّمَّةُ مِن الزِّنا والسَّرقةِ وشُربِ الخمر، ثم لا يعودُ (^٢).
وقال قتادة: وهو أنْ يقعَ الوَقْعَةَ ثم ينتهي (^٣).
وقال أبو سعيدٍ الخُدْريُّ: هي النَّظْرَةُ والغَمْزةُ (^٤) والقُبْلةُ (^٥)، فإذا مسَّ الخِتانُ الختانَ فقد زنى (^٦).
وقال أبو الجَوْزاءِ: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ عن اللَّمَمِ، فقال: لم أرَ شيئًا أشبَهَ به مِن قولِ أبي هريرة: "كُتِبَ على ابنِ آدمَ حَظُّه مِن الزِّنا، أدرَكَ ذلك لا محالةَ، وزنا العَين النَّظَرُ، وزنا اليدِ البَطْشُ، وزنا اللِّسانِ النُّطْقُ، وزنا الرِّجْلِ المشيُ، وتصديقُ ذلك كلِّه الفَرْجُ" (^٧).
_________________
(١) في (ف): "موافقة".
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" (١٠٩٥)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٥٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٦٦) عن قتادة عن الحسن.
(٤) في (ر): "واللمزة".
(٥) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٢٦) عن الخدري، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٤٨) من غير نسبة.
(٦) رواه الطبري بتمامه في "تفسيره" (٢٢/ ٦٣) عن أبي هريرة ﵁.
(٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٠٣٧)، والبخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧) عن طاوس عن ابن =
[ ١٤ / ١٢٩ ]
ثم هذا ليس بتَرْخِيصٍ في هذه الأشياء، ولكنْ بيانُ أنها ليست مِن الكبائر والفواحش إذا لم يَتَهاوَنْ بها.
وقد روى أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا صغيرةَ مع الإصرار، ولا كبيرةَ مع الاستغفار" (^١).
وقيل: نزلت الآيةُ في نَبْهانَ التَّمَّارِ، وذلك أنَّ امرأةً أتَتْه تريدُ تمرًا، فقال لها: ادْخُلي الحانوتَ، فإنَّ فيه تَمْرًا جَيِّدًا، فدخلَتْ، فراودَها عن نفْسِها، فأبَتْ، فضرَبَ عَجِيزَتَها بيده، فقالت المرأةُ: واللَّهِ ما نِلْتَ مِنِّي حَظًّا، وما حَفِظْتَ غَيْبَ أخيكَ، فنَدِمَ نَبْهانُ، فأتى النبيَّ -ﷺ- فأخبرَه، فقال: ويحكَ، فلعلَّها امرأةُ غازٍ في سبيل اللَّه، ثم لَقِيَ عمرَ فأخبرَه، فصَرَعه عمرُ، ووَطِئَه برِجْلِه، ثم أتى النبيَّ -ﷺ-، فقال: إخوانُنا غُزاةُ في سبيل اللَّه تُكْسَرُ الرِّماحُ في صُدورهم، يَخْلُفُ هذا ونحوُه في أهاليهم، دعني يا رسولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَه، فضَحِكَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، وقال: أَرْسِلْه يا عمرُ فليَتُبْ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى قولَه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: يعني: ضَرْبَه بيدِه عَجِيزَتَها (^٢).
_________________
(١) = عباس، عن أبي هريرة ﵁ يرفعه.
(٢) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٣٦٠٦)، وابن شاهين في "الترغيب" (١٨٧)، والشهاب القضاعي في "مسنده" (١١٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه. ورواه ابن أبي الدنيا في "التوبة" (١٧٣)، والشهاب القضاعي في "مسنده" (٨٥٣) من حديث ابن عباس ﵄ يرفعه. ورواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٥١)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (١٩١٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩/ ٤٠٦) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا. وقد ضعف رفعه ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص: ٤٤٩).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ١٦٤)، ورواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦٤٧٣) في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾، وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ عن ابن عباس ﵄.
[ ١٤ / ١٣٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: فلِسَعَةِ مغفِرَتِه يغفِرُ ما تِيبَ عنه، ويغفِرُ اللَّمَمَ، ويغفِرُ ما سلَفَ في الجاهلية، ويغفِرُ ما شاءَ مِن الذُّنوب مِن غير توبةٍ.
وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: اللَّمَمُ: الذي تُحَدِّثُ به نفْسَكَ مِن الشَّرِّ أنْ تفعلَه، ثم يصرِفُكَ اللَّهُ عنه، فلا تفعلُه (^١).
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾: أي: بضَعْفِكم وغلَبَةِ الهوى عليكم.
﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: أنشَأَ أباكم مِن الأرض آدمَ، عَلِمَ حينئذٍ أحوالَكم مِن الضَّعْفِ، واستيلاءِ الشَّهْوةِ عليكم.
﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾: جَمْعُ جَنينٍ، وهو الولدُ المُجْتَنُّ في البُطون في أرحام الأُمَّهاتِ، وهو قولُه تعالى:
﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: فلا تَرْفَعوها فوق قَدْرِها وحالُكم هذه في استيلاءِ الهوى عليكم، حتى لا يَخْلُوْ أحدُكم عن اللَّمَمِ.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾: منكم مِمَّن لم يَتَّقِ، فلا حاجةَ بكم إلى تَزْكِيَةِ أنفسكم؛ لأنكم تَعْمَلون له، وعِلْمُه كافٍ لكم.
وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، وما بعده مُبْتَدَأٌ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾: بسرائرِكم وظواهرِكم وأوائلِكم وأواخرِكم، وأنتم تَنْسَون وتخفى عليكم الحقائقُ، واللَّهُ لا ينسى ولا يخفى عليه شيء ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾: بما ليس فيها، أو بما تفعلونه بما لا تَقِفون على حقيقته عند اللَّه تعالى، فهو أعلمُ بمَنِ اتَّقى، فاكتفُوا بعِلْمِه عن عِلْمِ الناس، وبجزائِه عن ثَناء الناس.
نزلَتْ في ناسٍ كانوا يعملون أعمالًا حسنةً ثم يذكُرونها.
_________________
(١) ذكره عنه السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٩٨).
[ ١٤ / ١٣١ ]
وقيل: بل نزلَتْ في قومٍ يُخْبِرون عن أنفسِهم بخلافِ ما هم فيه.
وعن عائشة ﵂ قالت: كانت اليهودُ إذا هلَكَ لهم صبيٌّ قالوا: هذا (^١) صِدِّيقٌ، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ -ﷺ- فقال: "كذَبوا، ما مِن نَسَمةٍ يخلُقُها اللَّهُ في بَطْنِ أُمِّها إلا شَقِيٌّ أو سعيدٌ"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (^٢).
ورُوِيَ عن عبد اللَّه بنِ مسعودٍ أنه قال لأصحابه: السَّعيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّه، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّه، فأنكَروا عليه، فقال: أين تذهبون عن عِلْمِ اللَّه تعالى، ثم تلا قولَه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (^٣).
* * *
(٣٣) - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: ذكَرَ اللَّهُ تعالى جَهْلَ المشركين بأمور الآخرة، ثم عيَّنَ جَهْلَ واحدٍ منهم، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: وهذا تعجيبٌ مِن حاله.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "هو".
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" (١٣٦٨)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٣٦٢)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٨) من حديث ثابت بن الحارث الأنصاري.
(٣) رواه أبو عوانة في "مستخرجه" (١١٥٨٠)، والطبراني في "الأوسط" (٢٦٣١). وروى القطعة الأولى منه الطبرانيُّ في "الأوسط" (٨٤٦٥)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص: ١٣٩) مرفوعا من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه بتمامه من حديثه مرفوعًا: ابن بطة في "الإبانة" (١٤١٣)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٤/ ٦٥٨). وليس في جميع هذه الروايات أن الراوي تلا الآية المذكورة.
[ ١٤ / ١٣٢ ]
رُوِيَ: أنَّ الوليدَ بنَ المُغيرة كان أرادَ الدُّخولَ في الإسلام، فعاتبَه بعضُ المشركين، وقال له: إنْ أعطَيْتَني شيئًا مِن مالكَ، ورجَعْتَ إلى شِرْكِكَ ودينِ آبائِكَ، ضَمِنْتُ لكَ أنْ أتحمَّلَ خطاياكَ وعذابَ الآخرةِ على شركِكَ، فأجابَه الوليدُ إلى ذلك، وأعطاه بعضَ ما كان ضَمِنَ له به، ومنَعَه البعضَ (^١).
وقيل: إنَّ هذا رجلٌ أسلَمَ، فلَقِيَه بعضُ مَن عيَّرَه فقال: ترَكْتَ دِينَ الأشياخ وضلَّلْتَهم، وزعَمْتَ أنهم في النار، وكان ينبغي لكَ أنْ تنصُرَهم، فكيف تفعلُ بآبائكَ؟! فقال: إني خشِيتُ عذابَ اللَّهِ، فقال: أَعْطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليكَ عنكَ، فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْنا، فتعاسَرا حتى أعطاه شيئًا، وكتَبَ له كتابًا، وأشهَدَ له بذلك، فذلك قولُه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ (^٢): أي: أعرَضَ عن الإيمان باللَّه ورسوله.
* * *
(٣٤) - ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾.
﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾: مِن المال على أنْ يتحَمَّلَ عنه ما يَسْتَحِقُّه مِن العذاب بكفره وتَوَلِّيه، ثم قطَعَ إعطاءَه، فلم تَسْنَحْ نفْسُه ببَذْلِ مالِه على تحمُّلِ العذاب عنه، فجمَعَ جَهْلًا وبُخْلًا، وذلك قولُه:
_________________
(١) ذكره الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٧١)، ومكي بن أبي طالب في "الهداية" (١١/ ٧١٦٧)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٠٥) من غير نسبة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٧٢) عن ابن زيد. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٥١)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٩١) عن مجاهد وابن زيد.
[ ١٤ / ١٣٣ ]
﴿وَأَكْدَى﴾: قال الكسائيُّ: يُقالُ: (أكدى)؛ أي: بلَغَ المكانَ الذي لا يستطيعُ أنْ يَحْفِرَ، وهو الكُدْيَةُ، فامتنَعَ (^١).
وقال الأخفشُ: (أكدى)؛ أي: قطَعَ (^٢)، اشْتُقَّتْ مِن كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ (^٣).
وقال الفرَّاءُ: (أكدى)؛ أي: أمسَكَ عن العَطِيَّةِ وقطَعَ (^٤).
وقال قُطْرُبٌ: الكُدْيَةُ: الصَّفاةُ الغَليظةُ (^٥)، ﴿وَأَكْدَى﴾: أي: بلَغَ مجهودَه، فلم يَحْصُلْ على شيءٍ (^٦).
وقال القُتَبِيُّ: الكُدْيَةُ: صلابةُ الرَّكِيَّةِ (^٧)، فإذا بلَغَها الحافرُ يَئِسَ، فقيل لكُلِّ مَن طلَبَ شيئًا فلم يَبْلُغْ آخِرَه أو أعطى فلم يُتِمَّ: أكدى (^٨).
وقيل: معناه: وأعطى قليلًا مِن الإيمان بما عزَمَ عليه منه (^٩)، ثم لَحِقَه الخُذْلانُ فأكدى؛ أي: قطَعَ به فيه.
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ١٥١).
(٢) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٠٣).
(٣) كُدْيَة الرَّكِيَّة: هو أن يحفر حتى ييأس من الماء. انظر: "تفسير الطبري" (٢٢/ ٧١).
(٤) انظر: "معاني القرآن" (٣/ ١٠١). وذكره عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" (١٠/ ١٧٧)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٠٣).
(٥) ذكره ابن سيده في "المحكم" (٧/ ١٠٣) من غير نسبة. والصَّفاة: هي الصخرة الملساء. انظر: "الصحاح" (مادة: صفا).
(٦) ذكر الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٠٣) عن قطرب أنه فسر قوله تعالى: ﴿وَأَكْدَى﴾ بقوله: منَعَ.
(٧) في (ر): "الكدية".
(٨) انظر: "غريب القرآن" (ص: ٤٢٩).
(٩) في (ف): "بما عزم فيه".
[ ١٤ / ١٣٤ ]
وقال مُجاهدٌ: كان الوليدُ بنُ المُغيرة يأتي النبيَّ -ﷺ- وأبا بكرٍ فيَسْمَعُ ما يقولان، فذلك ما أعطى مِن نفْسِه؛ أي: أعطى الاستماعَ، ﴿وَأَكْدَى﴾: انقطَعَ عطاؤُه ذلك (^١) وترَكَه.
* * *
(٣٥) - ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾.
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾: أي: أَعِنْدَ هذا المُعْطي المُكْدِي عِلْمَ الغيبِ ﴿فَهُوَ يَرَى﴾: أي: يَعْلَمُ عِلْمَ الآخرةِ وما غابَ عنه مِن أمرِه، فيَعْلَمُ أنَّ مَن ضَمِنَ له يَحْمِلُ أوزارَه عنه.
وهذا العِلْمُ يكون على أحد وجهين:
أحدُهما: أنه يَفِي له به، فيُخَلِّصَه عنه (^٢).
والثاني: أنْ يجعَلَ نفْسَه فِداءً عنه.
فليس عنده عِلْمٌ بواحد مِن هذين، فما اعتمادُه عليه إلا غايةُ جَهْلٍ منه.
وقال ابن عباس: كان رجلٌ مِن قريشٍ له أموالٌ يتصدَّقُ بها، فقال له عبدُ اللَّهِ بنُ سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ: ما هذا الذي تصنَعُ؟ يوشِكُ ألا يبقى لكَ شيءٌ، فقال له الرجلُ: إنَّ لي ذُنوبًا وخطايا، وإني أطلُبُ بما أصنَعُ رضى اللَّهِ تعالى، فقال له عبدُ اللَّهِ: أَعْطِني ناقتَكَ هذه بزِمامِها، وأنا أتحمَّلُ عنكَ ذُنوبَكَ وخطاياكَ، ففعَلَ، ثم أقْصَرَ عن النَّفَقَةِ والصَّدَقة، فنزلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ (^٣): يعني: عن الحقِّ والصَّدَقةِ.
_________________
(١) رواه عنه مختصرًا الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٧٣)، وعزاه السيوطي بتمامه في "الدر المنثور" (٧/ ٦٥٩) إلى الفريابي وعبد بن حميد والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) في (ر): "فيتحمله".
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٥٠)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٩٨) عن ابن عباس، والسدي، والكلبي، والمسيب بن شريك من غير إسناد، والمتصدق في هذا الخبر هو عثمان بن عفان ﵁. ولا يصح مثل هذا، فإن مقام الصحابة ينزه عن مثل هذا السخف، فكيف =
[ ١٤ / ١٣٥ ]
وقال عطاءُ بنُ يسارٍ: نزلت في رجلٍ قال لأهله: جَهِّزوني أَنْطَلِقْ إلى هذا الرجل، يعني: إلى النَّبيِّ -ﷺ-، فتجهَّزَ وخرَجَ، فلَقِيَه رجلٌ مِن الكفار، فقال له: أين تُريدُ؟ فقال محمدًا: لعلِّي أُصِيبُ مِن خيرِه، فقال له الرجل: أعطِني جَهازَكَ، وأَحْمِلُ عنكَ إِثْمَكَ، وفيه أنزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ (^١).
وقال محمدُ بنُ كعبٍ: نزلت في أبي جهلٍ، وذلك أنه قال: واللَّهِ ما يأمُرُنا محمَّدٌ إلا بمَكارمِ الأخلاقِ، وذلك قولُه: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾: أي: لم يؤمنْ به (^٢).
وروى عليُّ بنُ إسحاقَ في "المُشافَهات" عن الكلبيِّ أنها نزلت في عثمانَ، عاتبَه ربُّه فيه كما عاتَبَ أكرَمَ البَرِيَّةِ عليه في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، وكان عثمان مُعْطِيًا جَوادًا، فقال له مولاه عبدُ اللَّهِ بنُ سعدِ بنِ أبي سَرْحٍ، وقيل: كان أخاه مِن الرَّضاعة: أراكَ قد أسرَعْتَ في مالِكَ، ولا تدري على ما أنتَ عليه مِن أمرِ هذا الرجل أَيُتِمُّ أَمْرَه أم لا؟ فهل لكَ أنْ تُعْطِيَني هذه الرَّاحِلَةَ بما عليها، وأتحمَّلُ عنكَ كلَّ خطيئةٍ عَمِلْتَها؟ فقال: هي لكَ، وكَفَّ عن بعضِ عطاياه، فنزلَتْ فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾: عمَّا كان يُعْطِي، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾: يقول: فلو أنَّ رجلًا أعطى اللَّهَ الدنيا وما فيها كان قليلًا فيما يرجو، ﴿وَأَكْدَى﴾: أي: قطَعَ عطاياه (^٣).
_________________
(١) = بصحابي جليل من العشرة المبشرين، وثالث الخلفاء الراشدين؟ وسيأتي مزيد كلام عليه قريبًا.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٥١) من رواية موسى بن عبيدة عن عطاء بن يسار.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٥١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤١٤)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٩١).
(٤) تقدم تخريجه قريبًا من الثعلبي والواحدي عن الكلبي وغيره من غير إسناد. وتعقبه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٠٥) بقوله: ذلك عندي باطل، وعثمان ﵁ منزه عن مثله. قلت: بل هو من أبطل الباطل، ولا شك أنه من وضع الزنادقة للطعن على الصحابة، فكيف يظن بعثمان أن يشك بدعوة النبي -ﷺ- وبنصر اللَّه له لكلمة سمعها من ابن أبي سرح، وحتى لو صحت =
[ ١٤ / ١٣٦ ]
وقال السُّدِّيُّ: نزلَتِ الآيةُ في العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْمِيِّ (^١)، وهو الذي أنزَلَ اللَّهُ فيه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
قولُه تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ هو كقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] وهو فيه.
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أي: ألم يُنَبَّأْ هذا المَضْمونُ له (^٢) -وهو استفهامٌ بمعنى التَّقْرير- بما سبَقَ مِن حُكْمِ اللَّهِ تعالى على أَلْسِنة أنبيائِه المتقدِّمين أنه لا يُقْبَلُ أحدٌ بَدَلًا عن غيره فيما يستحِقُّه مِن العذاب على ذَنْبِه، ولا يَحْمِلُ عن أحدٍ عقابًا يستحِقُّه غيرُه؟
وقولُه تعالى: ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾؛ أي: وفي صُحُفِ إبراهيم الذي وفَّى؛ أي: وفَّى بعُهودِ اللَّه تعالى.
وقيل: أي: أتمَّ كلَّ ما أُمِرَ به؛ كما قال: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقيل: أي: أدَّى جميعَ ما أُرْسِلَ به، وهو التَّبْلِيغُ.
وعن النبي -ﷺ- أنه قال: " ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أي: وفَّى عمَلَ يومِه بأربعِ ركَعاتٍ مِن أول النهار" (^٣).
_________________
(١) = نسبته للكلبي فهو كذاب متروك لا تصح أخباره، وإنما العجب من هؤلاء المفسرين الذين همهم التقاط أي خبر دون التمعن في حقيقته أو معرفة بسنده!
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٥١)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٠٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤١٤)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ١٩١). ورواه ابن مردويه فيما عزاه إليه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٥٩) عن ابن عباس ﵄.
(٣) في (أ): "أي لم ينبأ هذا المضمون الذي له".
(٤) رواه حفصُ بن عمر في "قراءات النبي" (١٠٩)، والطبري في "تفسيره" (٢/ ٥٠٧)، والثعلبي في =
[ ١٤ / ١٣٧ ]
(٣٨ - ٣٩) - ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: لا تحمِلُ نفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ نفْسٍ أخرى.
وبهذه الآيةُ رَدَّت عائشةُ ﵂ على مَن روى أنَّ الميِّتَ يُعَذَّبُ ببُكاءِ أهلِه عليه (^١).
فأما ما رُوِيَ عن النبي -ﷺ-: "مَن سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فعليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عمِلَ بها بعدَه إلى يوم القيامة" (^٢)، وقوله -ﷺ-: "ما سَفَكَ أحدٌ دمًا حرامًا إلا كان على ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن ذلك" (^٣)، فليس في ذلك حَمْلُ ذنْبِ غيرِه عليه، بل الأوَّلُ استوجَبَ ذلك بفعل نفْسِه، لا أنه حُمِلَ عليه ذنْبُ غيرِه.
فأما تحمُّلُ العاقلةِ الدِّيَةَ عن القاتل خطَأً، فذلك مُواساةٌ منهم له، وتخفيفٌ عنه.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾: أي: ثوابُ طاعتِه، وعِقابُ معصيتِه.
* * *
_________________
(١) = "تفسيره" (٩/ ١٥٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٤١٥)، من حديث أبي أمامة ﵁، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٦٠) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والشيرازي في "الألقاب" وضعفه. قال الطبري: لو صح عن رسول اللَّه -ﷺ- لم نَعْدُ القول به إلى غيره، ولكن في إسناده نظر يجب التثبت من أجله.
(٢) رواه البخاري (١٢٨٨)، ومسلم (٩٢٩).
(٣) رواه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁.
(٤) رواه البخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧) من حديث ابن مسعود ﵁ بلفظ: "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنَّه أول من سن القتل".
[ ١٤ / ١٣٨ ]
(٤٠ - ٤٢) - ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾.
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾: أي: هو يراه في الآخرة؛ أي: يرى جزاءَه؛ كما قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، ويراه أهلُ الموقِفِ أيضًا والملائكةُ، وهو تشريفٌ للمُطيعِ، وإِخْزاءٌ للعاصي.
﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾: الهاءُ راجِعٌ (^١) على السَّعْيِ، وهو خبَرُ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ويُقالُ: (جزاه عملَه) كما يُقالُ: (جزاه بعَمِله) و(على عمَلِه).
و﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾: الأَتَمُّ.
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾: أي: إلى جزاء اللَّهِ مَرْجِعُ الخَلْقِ.
* * *
(٤٣) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾: وهو دليلُ خَلْقِ اللَّهِ تعالى أفعالَ العِبادِ.
قيل: أضحَكَ المسرورين، وأبكى المحزونين.
وقيل: أضحَكَ الرَّاجين، وأبكى الخائفين (^٢).
وقيل: أضحَكَ اللَّوْحَ بما أثبَتَ فيه مِن أحكامِه في العِباد، وأبكى القلَمَ بما أجرى على سِنِّه مِن المِداد.
وقيل: أضحَكَ العرشَ بإضافته إليه، وأبكاه لافتراء المُجَسِّمَةِ عليه.
وقيل: أضحَكَ الجنَّةَ بالنَّعيم، وأبكى النَّارَ بالحَميم.
_________________
(١) في (ف): "واقع".
(٢) في (ر): "أضحك الناجين وأبكى الجاهلين".
[ ١٤ / ١٣٩ ]
وقيل: أضحَكَ أهلَ الجنَّةِ بتمام الحُبور، وأبكى أهلَ النار بدوام الثُّبور، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤]، وقال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٧].
وقيل: أضحَكَ السَّماءَ (^١) بعُروج النبيِّ -ﷺ- إليها، وأبكاها بنُزولِه عنها.
وقيل: أضحَكَ الملائكةَ حيث شغَلَهم بخِدْمَتِه، وأبكاهم حين أصابَ إبليسَ منهم بلَعْنَتِه.
وقيل: أضحَكَ الأرضَ بالأنوار، وأبكى السَّماءَ بالأمطار.
وقيل: أضحَكَ الأرضَ بولادة الرسول، وأبكاها بوفاة الرسول.
وقيل: أضحَكَ الأرضَ بما يُعْمَلُ عليها مِن الحسنات، وأبكاها بما يُرْتَكَبُ عليها مِن السيئات.
وقيل: أضحَكَ آدمَ بإدخالِه دارَ الجنَّةِ، وأبكاه بإِهْباطِه إلى دار المِحْنَة.
وقيل: أضحَكَ آدمَ بالرَّحمة، وأبكى إبليسَ باللَّعْنة.
وقيل: أضحَكَ نوحًا بإجابة دعوتِه، وأبكاه بإهلاكِ بعضِ ذُرِّيَّتِه.
وقيل: أضحَكَ سارَةَ حين بشَّرَها بإسحاقَ، وأبكاها حين أوقَعَ بينها وبين إبراهيمَ بوفاته الفِراقَ.
وقيل: أضحَكَ يعقوبَ بولادة يوسفَ، وأبكاه بغَيْبَةِ يوسفَ.
وقيل: أضحَكَ موسى بإعطاء الكلام والقُرْبَة، وأبكاه بمَنْعِ اللِّقاء والرُّؤية.
وقيل: أضحَكَ عيسى، وأبكى يحيى (^٢).
_________________
(١) في (ف): "أصحاب السماء".
(٢) في (ف): "أضحك يحيى وأبكى عيسى".
[ ١٤ / ١٤٠ ]
وقيل: أضحَكَ الوالدين عند ولادةِ الولدِ، وأبكى الولدَ.
وقيل: أبكى أصحابَ السَّعادةِ الذين لا يُؤَدُّون زكاةَ أموالِهم في الدنيا، وأضحَكَ الذين يُؤَدُّون الزَّكاةَ في العُقْبى.
وقيل: أضحَكَ المُفْسِدَ في الدنيا وأبكاه في العُقْبى، قال -ﷺ-: "مَن أذنَبَ وهو يضحَكُ، دخَلَ النَّارَ وهو يبكي" (^١).
وقيل: أضحَكَ المُذْنِبَ، وأبكى التَّائِبَ.
وقيل: أضحَكَ قومًا عند الموت بإسماع: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]، وأبكى قومًا بإسماع: ﴿لَا بُشْرَى﴾ [الفرقان: ٢٢].
وقيل: أضحَكَ المُتَوفَّى على السَّعادة، وأبكى أهلَه بالمُصِيبة.
* * *
(٤٤ - ٤٧) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾: أي: أماتَ الأحياءَ وأحيى الأمواتَ، وأماتَ الكفارَ وأحيى المؤمنين، وأماتَ الجُهَّالَ وأحيى العالِمين (^٢).
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾: أي: مِن أولادِ آدمَ.
_________________
(١) رواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٩٦)، والديلمي في "الفردوس" (٥٨١٠) من حديث ابن عباس ﵁. قال المناوي في "فيض القدير" (٦/ ٤٨): فيه عمر بن أيوب، قال الذهبي في "الضعفاء": جرحه ابن حبان. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٨٥) مقطوعا من كلام بكر بن عبد اللَّه المزني.
(٢) في (ر): "العلماء".
[ ١٤ / ١٤١ ]
﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: أي: مَنِيٍّ.
﴿إِذَا تُمْنَى﴾: أي يُمْنِيها الرَّجُلُ والمرأةُ؛ أي: يُريِقانِها، وهو فِعْلُ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه؛ مِن الإمناء.
وقيل: هو مِن (مَنى يَمْنِي)، و(مَنا يَمْنو)؛ أي: قَدَّر؛ أي: يُقَدَّرُ أنْ يكون منها الولدُ.
قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾: وفي قراءةِ ابنِ كثيرٍ وأبي عمرو بالمَدِّ على ميزان (الفَعالَة) كـ (البَراءةَ)، والباقون على (الفَعْلَة) (^١)، وهما بمعنًى واحدٍ؛ مِن الإنشاء.
والنَّشْأَةُ الأولى مِن النُّطْفة، والنَّشْأَةُ الأخرى البعثُ بعد ما ماتوا وصاروا رُفاتًا ورَمِيمًا.
ومعنى ﴿عَلَيْهِ﴾: أنه فاعِلُه لا محالةَ بما وعَدَ ذلك مِن نفْسِه وَعْدًا حَتْمًا.
* * *
(٤٨) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى﴾: أي: أغنى مَن شاءَ مِن خَلْقِه.
﴿وَأَقْنَى﴾: أي: أعطى ما يُقْتَنى؛ أي: يُتَّخَذُ أصلَ مالٍ يُسْتَثْمَرُ ويُسْتَنْمَى.
وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: أعطى المالَ، ﴿وَأَقْنَى﴾: أعطى الخَدَمَ.
وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: مَوَّلَ، ﴿وَأَقْنَى﴾: قَنَّعَ.
وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: بالذهب والفضة، والملابس والمساكِنِ، ﴿وَأَقْنَى﴾: بالإبل والبقر والغنم.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٣).
[ ١٤ / ١٤٢ ]
وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: أكثَرَ، ﴿وَأَقْنَى﴾: أقَلَّ.
وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: أعطى ما يَكْفِي ويُغْنِي عن الغَير، ﴿وَأَقْنَى﴾؛ أي: جعَلَ بعد الغِنى زيادةً على الكِفايةِ مالًا يَبْقى أَصْلُه ويَنْمِي فَرْعُه.
وقيل: ﴿أَغْنَى﴾: بالمال، ﴿وَأَقْنَى﴾: بالقَناعة.
* * *
(٤٩) - ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: هُما شِعْرَيان نَجْمَان أحدُهما يُسَمَّى: الغُمَيْصَاء، والآخر: العَبُور، يعبُرُ المَجَرَّة وحدَه مِن بين الكواكب.
وكان بعضُ أهلِ الجاهليَّةِ يعبُدها -وقيل: هو أبو كَبْشَةَ الخُزَاعِيُّ- ويقول: له ما ليس لسائر النُّجوم مِن عُبورِه المَجَرَّةَ.
وفي الشِّعْرَيَيْنِ يقولُ الفَرَزْدَقُ:
إذا اغْرَوْرَقَتْ عينايَ أسبَلَ منهما إلى أنْ تَغِيبَ الشِّعْرَيانِ بُكَائِيا (^١)
واتَّبَعَتْ خُزاعةُ وبنو مُلَيْحٍ أبا كَبْشَةَ في عِبادة الشِّعْرى، ولَمَّا خرَجَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- على خِلاف العربِ ونابَذَهم، شبَّهَتْه العربُ في خِلافِه إيَّاهم بأبي كَبْشَةَ، فقالتْ: ما لَقِينا مِن ابنِ أبي كَبْشةَ! فسَمَّوه بذلكَ لِخلافِه إياهم كخِلاف أبي كَبْشَةَ العربَ في عِبادةِ الشِّعْرى.
* * *
_________________
(١) انظر: "ديوان الفرزدق" (ص: ٦٥٤). وذكره أبو عبيدة في "شرح نقائض جرير والفرزدق" (١/ ٣٤١)، وأبو الفرج الأصبهاني في "الأغاني" (١١/ ٢٧٧).
[ ١٤ / ١٤٣ ]
(٥٠) - ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾.
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾: قرأ أبو عمرو ونافعٌ: ﴿عَادًا لُّولا﴾ بتشديد اللام الأولى، وحَذْفِ الهمزة، وإدغامِ التَّنوين في اللام (^١).
و﴿عَادًا الْأُولَى﴾: هُم عادُ بنُ إِرَمَ بنِ عَوْصِ بنِ سامِ بنِ نُوحٍ قومُ هُودٍ، أهلَكَهم اللَّهُ برِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ.
وعادًا الآخرة: بنو لُقَيْمِ بنِ هزَّال بن هزيل بن عُتَيل بن صُدِّ بن عادٍ الأَكْبر، لم يكونوا مع الأوَّلين، وكانوا بحَضْرَمَوْتَ، وتفانَوا بالقَتْلِ.
وقيل: الآخرةُ كانت في زمَنِ فارسَ الأولى.
ومِن أهل العلم مَن قالَ: إنَّ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ يَتِمُّ عند قوله: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، وما بعدَه في حُكْمِ المبتدأ، وما فيه مِن إعادة: (وأنَّ) و(أنَّ)، و(أنَّ) بالفتح للإِتْباعِ نَظْمًا، لا للوَصْلِ معنًى؛ كما في سورة الجنِّ: فتَحَ الكُلَّ بعضُ القُرَّاء، وبعضُها ليس مِن كلام الجِنِّ، وكذا قولُه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، يتِمُّ عند قوله: ﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾، وما بعدَه ليس في الصُّحُفِ، وذَكَرَ (أنَّ) و(أنَّ) لإيقاع قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ عليها، وهو إِنْباءٌ آخَرُ سِوى ما في الصُّحُفِ.
ومنهم مَن قال: يجوزُ أنْ يكون إلى قولِه: ﴿النُّذُرِ الْأُولَى﴾ في مُحاجَّةِ الوليد؛ لأنه كان يُنْكِرُ البعثَ، ويقولُ بكلِّ أقاويل المشركين.
ويجوز أنْ يكون كلُّ ذلك في الصُّحُفِ أيضًا، وهو الإخبارُ بإهلاكِ مَن مضى، وإهلاكِ مَن يجيءُ.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤).
[ ١٤ / ١٤٤ ]
(٥١ - ٥٣) - ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾: أي: وأهلَكَ ثمودًا فما أبقى منهم أحدًا.
وقرأ حمزةُ وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ: ﴿وَثَمُودَ﴾ بغير تنوين، والباقون: ﴿وثمودًا﴾ بالتنوين (^١).
وقال أبو عبيد: تُقْرَأُ بالتَّنوين لِمَكان الألفِ الثانية في المصحف.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: عطفٌ على الأوَّلِ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: مِن قبلِ عادٍ وثمودَ.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: مِن عادٍ وثمودَ؛ لأنَّهم أصَرُّوا على الكفر وإيذاءِ نوحٍ ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ولم يَسْلَمْ منهم إلا نفَرٌ يسيرٌ.
﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾: أي: وأهلَكَ قريَّاتِ لوطٍ المُنْقَلِبَةِ بأهلها.
﴿أَهْوَى﴾: أي: أسْقَطَها في النار.
وقيل: أي: أسْقَطَها مِن السماء.
وقيل: خسَفَ بها في الأرض.
* * *
(٥٤ - ٥٦) - ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾.
﴿فَغَشَّاهَا﴾: أي: المُؤْتَفِكَةَ.
﴿مَا غَشَّى﴾: أي: الحِجارة، وغشَّاها: جلَّلَها.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٥).
[ ١٤ / ١٤٥ ]
وقيل: هو في حَقِّ كلِّ مَن تقدَّم ذِكْرُه، وأَبْهَمَ لأنهم أُهْلِكوا بأنواعٍ مُخْتَلِفَةٍ.
قولُه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾: أي: بأيِّ نِعَمِ ربِّكَ تشُكُّ أيها الإنسانُ؟
وقيل: أي: تَجْحَدُ.
وقيل: أي: تُجادِلُ مع وُضوحِها.
والنِّعَمُ: هي الحُجَجُ الباهِرَةُ، والمواعِظُ الزَّاهِرَةُ.
وقيل: الخِطابُ للنَّبيِّ -ﷺ-، والمرادُ غيرُه؛ كما عُرِفَ في قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧].
قولُه تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ﴾: أي: محمدٌ رسولُ اللَّهِ مُنْذِرٌ مِن النُّذُر ﴿الْأُولَى﴾؛ أي: المرسلين الأوَّلين.
وقيل: ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾؛ أي: اقتصاصُ هذه القِصَصِ تخويفٌ مِن التَّخْوِيفات الماضية.
* * *
(٥٧ - ٦٠) - ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: أي: قرُبَتِ القيامةُ، والأُزوفُ: الدُّنُوُّ، و﴿الْآزِفَةُ﴾: مِن أسماء القيامة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾: أي: ليس لها من غير (^١) اللَّه كشفٌ؛ أي: بيانُ الوقت، وهو (^٢) كقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وقال الفرّاء والكسائي رحمهما اللَّه: هي مصدر كالباقية واللاغية (^٣).
_________________
(١) في (ر): "دون".
(٢) في (ر): "وهذا".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٠٣).
[ ١٤ / ١٤٦ ]
وقال قطربٌ: هي نعتٌ والهاءُ للمبالغة، أو هي صفةٌ للنفس أو للجماعة.
﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾: أي: من القرآن، استفهامٌ بمعنى التوبيخ.
﴿تَعْجَبُونَ﴾: إنكارًا ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾: استهزاء ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾: تدبُّرًا (^١) بوعيده.
* * *
(٦١ - ٦٢) - ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾.
﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾: قال الخليل: أي: ساهون غافلون (^٢).
وقال قطربٌ: لاعبون.
وقيل: مغنُّون، وكانوا يعارضون القرآن بالغناء.
وقيل: أي: قائمون حيَارى.
وقيل: معرِضون طامحون بأبصاركم ناكسون رؤوسكم.
وقيل: السامد: المطرِق الحزين، ويكون صلةً لقوله: ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾؛ أي: لا تبكون مطرِقين محزونين.
﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: قيل: هي سجدة تلاوة، وقيل: هي سجدة الصلاة.
﴿وَاعْبُدُوا﴾: أي: وحِّدوه، وقيل: وأطيعوه.
وقال الشعبي ﵁: سجَد رسول اللَّه -ﷺ- في النجم وسجَد معه المؤمنون والمشركون والجنُّ والإنس (^٣).
واللَّه الموفِّق
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تذكرًا".
(٢) انظر: "العين" (٧/ ٢٣٥).
(٣) ذكره عن الشعبي السمرقندي "تفسيره" (٣/ ٣٦٨). ورواه البخاري (١٠٧١) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٤ / ١٤٧ ]