بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي من عنده النصرُ والفتح، الرحمنِ الذي له يحقُّ الحمدُ والمدح، الرحيمِ الذي للمستغفرين منه العفوُ والصفح.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أُعطي من الأجر كمَن شهد مع محمد -ﷺ- يومَ فتح مكة" (^٢).
وهذه السورة مدنية، وهي ثلاث آيات، وتسعَ عشرةَ كلمة، وسبعٌ (^٣) وسبعون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنه آيَسه في تلك عن إيمان قوم من الكافرين ووعده في هذه إيمانَ أفواجٍ كثيرة من المؤمنين.
* * *
_________________
(١) في (ر): "سورة إذا جاء نصر اللَّه والفتح".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣١٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٦٦)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٣٣)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) في (أ) و(ف): "وتسعة". والمثبت من (ر) وهو الموافق لما في "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢٩٤)، وزاد: كحروف المسد.
[ ١٥ / ٥١٥ ]
(١ - ٣) - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾: أي: إذا أتاك نصرُ اللَّه إياك على قومك.
﴿وَالْفَتْحُ﴾: وهو فتح مكة.
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾: وهم قبائل العرب من نزار واليمن.
﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾: وهو (^١) الإسلام.
﴿أَفْوَاجًا﴾: أي: زمرًا زمرًا لا واحدًا واحدًا.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فاذكر اللَّه شاكرًا له بما آتاك.
﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: واسأل مغفرتَه وعفوه عن تقصيرٍ عسى وقع منك.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: كثيرَ قبول التوبة عن عباده، لم تَزَلْ تلك صفةً له.
وكانت هذه السورةُ نعيًا له إلى نفسه، يقول: إذا جاء نصر اللَّه والفتحُ، ودخولُ الناس أفواجًا في دينك، فقد تقارَبَ أجلُك، وإلى دار الكرامة انتقالُك، فاستعدَّ للقاءِ اللَّه تعالى بالمواظَبة على الصلاة والتسبيح والاستغفار حتى تلقَى اللَّه تعالى على غايةِ الطهارة.
قال سعيد بن جبير: إن عمر ﵁ سألهم (^٢) عن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقالوا: أُمر نبينا إذ رأى مسارعةَ الناس في الإسلام ودخولَهم فيه أن يَحمد اللَّه ويستغفرَه، فقال عمر ﵁: يا ابن عباس! ما لك لا تكلَّمُ؟ قال:
_________________
(١) في (أ): "أي".
(٢) في (ف): "سأل الصحابة".
[ ١٥ / ٥١٦ ]
أعلمَه متى يموت، ثم قرأ السورة، فقال عمر: صدق والذي نفسي بيده، ما أعلمُ منها إلا ما علمتَ (^١).
وقالت عائشة ﵂: لما نزلتْ هذه السورة ما رأيتُ رسول اللَّه -ﷺ- صلى صلاةً إلا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي" (^٢).
وعن أبي العالية قال: لمَّا نزلت هذه السورة ونُعيت إلى رسول اللَّه -ﷺ- نفسُه كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى (^٣) يقول: "سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك" (^٤).
وذكر بعض المفسرين أن هذه السورةَ نزلت قبل فتح مكة، فإن قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يدل عليه؛ لأن (إذا) للمستقبل.
والصحيح: أنها نزلت بعده، على ما نبيِّن من الأحاديث، فـ ﴿إِذَا﴾ هاهنا للماضي؛ كما في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقال الشاعر:
وإذا تكون كريهةٌ أُدعى لها وإذا يُحاسُ الحيسُ يُدْعَى جُندبُ (^٥)
_________________
(١) رواه بنحوه البخاري (٤٢٩٤).
(٢) رواه البخاري (٤٩٦٧)، ومسلم (٤٨٤).
(٣) في (ر): "إلا".
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٠١).
(٥) اختلف فيه، فنسب لهني بن أحمر من بني الحارث بن مرة بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة شاعر جاهلي كما في "المؤتلف والمختلف" (ص: ٤٥)، وللزرافة الكاهلي كما في "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي (١/ ١٥٩)، ولعمرو بن الغوث بن طيئ كما في "فرحة الأديب" للغندجاني (ص: ٢٥)، وللفرعل الطائي كما في "الحماسة البصرية" (١/ ١٤)، ولضمرة بن ضَمرَة بن جَابر بن قطن بن نهشل بن دارم شَاعِر جاهلي كما في "خزانة الأدب" للبغدادي (٢/ ٣). =
[ ١٥ / ٥١٧ ]
وقال ابن عمر ﵁: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق، فقام رسول اللَّه -ﷺ- فخطب خطبةَ الوداع (^١).
وعن ابن عباس أنه قال: آخرُ سورة نزلت جملة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (^٢).
وقال الحسن: لمَّا فتح رسول اللَّه -ﷺ- مكة أقبلتِ العرب (^٣) بعضُها على بعض فقالوا: أمَا إذا ظفر محمد -ﷺ- بأهل الحرم وقد كان اللَّه أجارهم من أصحاب الفيل ومَن أرادهم فليس لكم به يدَان، فكانوا يدخلون في دين اللَّه أفواجًا (^٤).
_________________
(١) = وقال العيني في "المقاصد النحوية" (٢/ ٧٩٧): قائله هو رجل من مذحج؛ كذا قاله سيبويه في "كتابه" [(٢/ ٢٩٢)]، وذكر أبو رياش أن قائله هو همام بنُ مرة أخو جساس بن مرة قاتل كليب، وزعم ابن الأعرابي أنه لرجل من بني عبد مناف قبل الإِسلام بخمس مئة عام، وقال الأصفهاني: هو لضمرة بن ضمرة، ويُشكل عليه نداؤه ضمرةَ في أول بيت من القصيدة كما يأتي الآن، وقال بعضهم: إنه من الشعر القديم جدًّا، وكان لقائل هذا الشعر أخ يسمى جُنْدُبًا، وكان أبواه وأهله يؤثرونه عليه ويفضلونه، فأنف من ذلك وقال هذا، وهو من قصيدة بائية، وأولها هو قوله: يا ضَمْرَ أخبرنِي ولسْتَ بكاذِبٍ وأخُوك نَافِعُك الذي لا يَكْذِبُ والبيت دون نسبة في "العين" (٣/ ٢٧٣)، و"معاني القرآن" للفراء (١/ ١٢٢)، و"الأمثال" لأبي عبيد (ص: ٢٩٦)، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة (٣/ ٢٤).
(٢) رواه عبد بن حميد في "مسنده" (٨٥٨)، والبزار (١١٤١ - كشف)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ١٥٢). قال ابن رجب: إسناده ضعيف جدًّا، وموسى بن عبيدة [أحد رواته] قال أحمد: لا تحل الرواية عنه، وعليه إن صح يكون نزولها قريبًا جدًّا من زمان وفاته -ﷺ-، فإن ما بين حجة الوداع وإجابته ﵊ داعيَ الحق ثلاثة أشهر ونيف. انظر: "روح المعاني" (٢٩/ ٣٩١).
(٣) رواه مسلم (٣٠٢٤).
(٤) في (ر) و(ف): "القرى".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٠)، والواحدي في "البسيط" (٢٤/ ٤٠٠)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٥٧٦).
[ ١٥ / ٥١٨ ]
وقال مقاتل: نزلت هذه السورة بعد فتح الطائف، ﴿وَالْفَتْحُ﴾: فتح مكة، و﴿النَّاسَ﴾: أهل اليمن ﴿أَفْوَاجًا﴾؛ أي: زمرًا من كل وجهٍ، القبيلةَ بأسرها والقومَ بأجمعهم، ليسوا بالواحد والاثنين والثلاثة، فكانت هذه السورة آيةَ موته، فقرأها النبي -ﷺ- على أبي بكر وعمر ﵄ ففرحا، وسمعها العباس ﵁ فبكى، فقال له النبي -ﷺ-: "ما يبكيك يا عم؟ " فقال: نُعيت إليك نفسك، قال: "إنه لكَما تقول" (^١).
وذُكر أنه لما نزلت هذه السورة قام رسول اللَّه -ﷺ- خطيبًا فقال: "إنَّ عبدًا خيَّره اللَّه تعالى بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللَّه" فقال أبو بكر ﵁: فديناك بأنفسنا وآبائنا وأولادنا وأموالنا (^٢).
وعاش رسول اللَّه -ﷺ- بعدها (^٣) حولًا أو حولين، ثم حج من قابل فنزل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فعاش بعدها ثمانين يومًا ثم نزلت آية الكلالة وهي آية الصيف، فعاش بعدها خمسين يومًا ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
_________________
(١) انظر: تفسير مقاتل" (٤/ ٩٠٥)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ٣٢١) واللفظ له، ولفظه في "تفسير مقاتل": (. . . فقرأها على أبي بكر وعمر ففرحا، وسمعها عبد اللَّه بن عباس فبكى، فقال له النبي -ﷺ-: "صدقت" فعاش النبي -ﷺ- بعدها ثمانين يومًا. . . .). وعلى كل ففيه نظر، فقد صح كما تقدم أن عمر ﵁ فهم منها ما فهمه ابن عباس، وليس الظن بأبي بكر ﵁ بأقل من هذا، وليس الشيخان بأقل فهمًا لكتاب اللَّه واستنباطًا من ابن عباس أو من أبيه، ﵃ جميعًا.
(٢) رواه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢)، من حديث أبي سعيد ﵁. وليس فيه ذكر نزول السورة.
(٣) في (ف): "بعد ذلك".
[ ١٥ / ٥١٩ ]
مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا ثم نزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وعن مقاتل ﵀: أنه عاش بعدها سبعة أيام (^١).
وقال أنس ﵁: لما نزلت دعا النبيُّ -ﷺ- فاطمةَ ﵂ وقال: "يا بنتاه أنه نُعي إليَّ نفسي"، فبَكَتْ فقال: "لا تبكي فإنك أولُ أهلي لحوقًا بي" (^٢).
حشرنا اللَّه في زرمتِهما آمين والحمدُ للَّه ربِّ العالمين (^٣)
* * *
_________________
(١) انظر: "النكت والعيون" (٦/ ٣٦٢)، و"تفسير الرازي" (٣٢/ ٣٤٧)، و"تفسير القرطبي" (٢٢/ ٥٤٣). وجاء في "تفسير مقاتل" (١/ ٢٢٨): (ثُمَّ تُوُفّي النَّبِيّ -ﷺ- بعدها بتسع ليال).
(٢) رواه ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ١٩٣)، والدارمي في "سننه" (٧٩)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ١٦٧)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) "حشرنا اللَّه في زمرتهما آمين والحمد للَّه رب العالمين" من (ف).
[ ١٥ / ٥٢٠ ]