بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الهادي بآيات القرآن وإنزالها، الرحمنِ الذي يجيب المضطرَّ إذا دعاه في الشدائد وأهوالها، الرحيمِ الذي يجعل لمن جاء بالحسنة عشرَ أمثالها.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ طس سليمان (^١) كان له من الأجرِ عشرُ حسنات عددَ مَن كذَّب بموسى وصدَّق به، وسليمان وصالحٍ ولوطٍ، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا اللَّه" (^٢).
وسورة النمل مكية، وهي ثلاثٌ وتسعون آيةً، وقيل: أربع، وقيل: خمسٌ، والاختلافُ في آيتين: ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ و﴿مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾.
وكلماتها ألفٌ ومئة (^٣) واثنتان وخمسون، وحروفها أربعة آلاف وستُّ مئة وخمسة وتسعون (^٤).
_________________
(١) في (ف): "النمل".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٨٨)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٨٩٢)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) في (ر) و(ف): "ومئتان". وانظر التعليق الآتي.
(٤) انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ١٩٩) وفيه: وكلمها ألف ومئة وتسع وأربعون كلمة وحروفها أربعة آلاف وسبع مئة وتسعون حرفًا.
[ ١١ / ٣٢١ ]
وانتظام أول هذه السورة بآخر السورة التي قبلها: أنهما جميعًا في بيان أن القرآن منزل من عند اللَّه معجزةً لرسول اللَّه هاديًا الخلق إلى اللَّه.
وانتظام السورتين: أنهما جميعًا في بيان وحدانية اللَّه تعالى، وإبطالِ الشرك باللَّه، وذكرِ قصص الدعاة إلى اللَّه.
* * *
(١) - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿طس﴾ مرت الأقاويل فيه.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: أي: هذه آياتُ القرآن ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو القرآن، وإنما جمع بينهما لاجتماع الوصفين له، فإنه يُقرأ ويُكتب، والواو ليست للمغايرة بل للدلالة على الوصفين.
وقيل: هو للمدح (^١) كما في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩]، وإنما عرِّف الأول ونكِّر الثاني؛ لأن الأول كاسم العلم له، والثاني كالصفة له، ويجوز في صفة العلم التعريف والتنكير: زيد رجل عاقل، وزيد الرجل العاقل.
وقال في سورة الحجر: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] فعرَّف الكتاب ونكَّر القرآن، وهاهنا على قلبه (^٢)؛ لأن كل واحد من الاسمين جُعل اسمًا له (^٣) مطلقًا وفيه معنى الصفة، وأيُّهما جعل اسمًا والآخرُ صفةً صح هذا.
* * *
_________________
(١) "وقيل: هو للمدح" ليس في (أ).
(٢) في (ر) و(ف): "ثلاثة"، ولعلها محرفة عن: "خلافه".
(٣) "له" من (أ).
[ ١١ / ٣٢٢ ]
(٢ - ٣) - ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾: قال الفرَّاء: يجوز أن يكون نصبًا على القطع، ورفعًا على الاستئناف (^١) على تقدير: هو هدًى وبشرى.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: خصَّهم بإضافة الهدى والبشرى إليهم؛ لحصول نفع ذلك لهم على ما مر شرحه في أول سورة البقرة.
وإذا أيقنوا بالآخرة كانوا مشفقين من التقصير؛ كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وكذلك إذا أيقنوا بالجزاء كانوا أنشطَ في الطاعة وأحرصَ عليها؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
* * *
(٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: ذكر الذين لا يؤمنون بالآخرة بعدما ذكر المؤمنين بها، وذكر صفتهم فقال: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: الأعمالَ التي يعملونها بما ركَّبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوا ذلك حسنًا؛ كما قال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]، وهو كالختم والطبع، وفيه إثبات خلقِ اللَّه تعالى أفعالَ العباد.
وفي قوله في أول الآية: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وفي آخرها: ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ إثبات الأفعال، وثبت بذلك صحة مذهب أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٨٦).
[ ١١ / ٣٢٣ ]
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: أي: يترددون في الضلالة متحيِّرين.
* * *
(٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: بما كان منهم من سوء الأعمال، و﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾: اشتداده وامتداده، وقيل: هو قتلُهم يومَ بدر.
قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: تكرار كلمة ﴿هُمُ﴾ للتحقيق والتأكيد، وكذلك في الآية الأولى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
و﴿الْأَخْسَرُونَ﴾؛ أي: الخاسرون، كما في قوله: اللَّه أكبر، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أنه بمعنى الكبير والهين.
وقيل: هو على حقيقته للتفضيل، ومعناه: هم الأخسرون من الخاسرين في الدنيا؛ أي: الأعظمون هلاكًا والأبينون (^١) خسرانًا؛ لأنهم خسروا الجنة ومجاورةَ الأنبياء والأولياء واكتسبوا سوء العذاب ومجاورةَ الشياطين والكفار، فمَن أظهر غبنًا منهم؟
وقيل: قد يكون في النار خاسرين وهذه الطبقة أخسرُهم.
وقال القشيري: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: أغشيناهم فهم لا يبصرون، وعمَّيناهم عن سواء السبيل فهم عنه يعدلون، أولئك الذين في ضلالتهم يعمهون، وهم في حيرتهم يتردَّدون.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو أن يجد الآلام ولا يعرفَ المبتلي فيتسلَّى بمعرفته ويخفَّ عنه البلاء بمشاهدته، وهو للكفار كذلك، وأما المؤمنون فيخفِّف
_________________
(١) في (ر): "والأثبتون"، وفي (ف): "والأسؤون".
[ ١١ / ٣٢٤ ]
عنهم العذابَ في الآخرة حُسنُ رجائهم باللَّه، ثم تضرُّعهم إلى اللَّه، ثم فضلُ اللَّه معهم بالتخفيف، ثم تغييبُه إياهم عن الإحساس به حالةَ التعذيب (^١).
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾: أي: لتُلقَّنُه وتُعلَّمُه (^٢) ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾؛ أي: من عند اللَّه الذي هو مصيب في أفعاله وأقواله ﴿عَلِيمٍ﴾ بكلِّ شيء وأحواله.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾: أي: واذكر إذ قال موسى ﴿لِأَهْلِهِ﴾: لزوجته وولده ومَن كان معه في سفره إذ خرج من مدينَ يقصد الشام:
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾: أي: أبصرتُ؛ أي: امكثوا هاهنا وأنا أذهب إليها.
﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾: أي: بدلالةٍ على الطريق؛ كما قال: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، وكان ضلَّ الطريق مع وجود البرد.
﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿بِشِهَابٍ﴾ منوَّنًا غيرَ مضاف (^٣)، والشهاب: الشُّعلة، والقبس: ما اقتُبس من نارٍ كثيرةٍ على طرفِ خشبة، والتنوين على أن الثانيَ بدل وترجمة عن الأول، وتركُ التنوين على الإضافة، وهو قد يكون إضافةَ الشيء إلى نفسه، كـ ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، و﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]،
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٢٤).
(٢) في (ر) و(ف): "تلقنه وتعلم".
(٣) وقرأ باقي السبعة بغير تنوين. انظر: "السبعة" (ص: ٤٧٨)، و"التيسير" (ص: ١٦٧).
[ ١١ / ٣٢٥ ]
وقد يكون على أن الشهاب اللهبُ، والقبسَ: النار التي في الخشب، فكان إضافةَ الشيء إلى غيره.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: أي: تستدفئون (^١) بالنار من البرد الذي أصابكم.
* * *
(٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾: أي: النارَ ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الفراء والكسائي: تقول العرب: باركك اللَّه، وبارك فيك، وبارك لك، وبارك عليك (^٢)، قال الشاعر:
فبُوركْتَ مولودًا وبُوركْتَ ناشئًا وبُوركْتَ عند الشيبِ إذ أنتَ أَشْيبُ (^٣)
و﴿نُودِيَ﴾؛ أي: جاءه النِّدَاء، وهو الكلام المسموع، والمنادي هو اللَّه تعالى كما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢].
﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: نودي بهذا الكلام: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: الملائكةُ الذين أحضرهم اللَّه تعالى ذلك المكان إكرامًا لموسى ﵇، كالملِك منا إذا أراد إكرام رجل من أوليائه أو إرسالَه في وجهٍ جليلِ الخطر أشهَدَ ذلك الموضعَ خواصَّه وعظماء (^٤) حشَمه.
_________________
(١) في (ر): "تستنفعون تتدفؤون"، وليست في (ف).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٨٦)، وليس فيه: (وبارك لك)، وذكر النحاس في "إعراب القرآن" (٣/ ١٣٦) عن الكسائي: (باركك اللَّه وبارك فيك)، وذكرها كلها دون عزو الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٠).
(٣) البيت للكميت، وهو في "ديوانه" (٢/ ١٨٧) طبعة عالم الكتب، وذكره دون عزو الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٠)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ١٦٤).
(٤) في (ر): "وعظام".
[ ١١ / ٣٢٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: الملائكة أيضًا، بارك اللَّه عليهم؛ أي: تابع لهم الخيرات ليَعلم موسى أنه هُيِّئ (^١) في ذلك المقام لأمر عظيم أحضره المقرَّبين من الملائكة، وكأنه قال: بركاتُ اللَّه على مَن في النار ومَن حولها، على وجه الدعاء، وحقيقتُه راجعة إلى الإخبار من اللَّه تعالى بفعلِ البركات بهم، ولم يكن للنار تأثير فيهم (^٢) كما في خزَنة جهنم، على أن هذه النار لم يكن لها إحراقٌ ولذلك تضرَّمت في الشجرة الخضراء.
وقيل: دخل موسى في هذه البركة معهم أيضًا؛ لأنَّه (^٣) كان مع مَن حولها.
وقيل: يجوز أن يكون أراد بـ ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾: مَن دنا منها وإن لم يكن فيها؛ كما يقال: ورَدْنا البلد، و: صرنا في البلد؛ أي: قربنا منها (^٤)، وهم الملائكة أيضًا الذين بقربها وحولها.
وقيل: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ أي: مَن في طلَب النار وهو موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: الملائكة.
وقيل: يجوز أن تكون (مَنْ) في معنى (ما) كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، ومعناه: بورك ما في النار وما حولها من أمر اللَّه؛ أي: ما دل اللَّه بهذه النار عليه من [أن] (^٥) الأمر الذي جعله علَمًا لموسى على نبوته أمرٌ مبارك؛ لأن
_________________
(١) في (ر) و(ف): "تهيأ".
(٢) في (ر) و(ف): "ولم يكن للتأثير فيهم".
(٣) في (ر) و(ف): "إلا أنه".
(٤) في (أ): "قريبًا منه".
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١١ / ٣٢٧ ]
فيه نجاةً من الجهل وهدًى من الضلالة، وتخليصًا للعباد المستضعفين (^١)، وغيره من جلائل الأمور.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: واللَّهُ منزَّهٌ عن أن يكون له شريك أو يوصفَ بما لا يليق به.
* * *
(٩ - ١٠) - ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾: أي: المنيع فلا أغالَبُ ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالي وأفعالي، فلحكمتي اخترتُك لرسالتي، و﴿إِنَّهُ﴾ الهاءُ للعماد كما في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾: أي: اطرح (^٢) العصا التي بيدك.
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾: أي: فألقاها فرآها تتحرك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حية ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾؛ أي: هرب خوفًا من وثوب الحية عليه ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾؛ أي: لم يرجع ولم يحوِّل عَقِبه متوجِّهًا إلى عصاه.
﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾: أي: قلنا له: يا موسى لا تخف ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: عندي، ومعناه: في (^٣) حال خطابي إياهم، و﴿لَا تَخَفْ﴾؛ أي: لا يخاف ما دوني.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "المستصفين".
(٢) في (ر) و(ف): "أخرج".
(٣) "ومعناه في" ليس في (أ).
[ ١١ / ٣٢٨ ]
(١١) - ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: أي: لكنْ مَن زلَّ من المرسلين فجاء منه غيرُ ما أَذنتُ (^١) له به ﴿ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾؛ أي: أَتبعَ توبةً وندمًا (^٢) ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾؛ أي: زلةٍ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقبل توبته، وأغفر زلَّته، وأرحمه فأحقِّق أمنيتَه. و﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن) على هذا التأويل.
ووجهٌ آخر: ﴿لَا يَخَافُ﴾ عند خطابي أحدٌ من رسلي ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾؛ أي: زلَّ زلةً فإنه يخاف، ثم هاهنا مضمر: ومَن ظلَم ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾؛ أي: تاب بعد زلة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ووجهٌ آخرُ: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ منهم، وتم هذا الكلام، ﴿ثُمَّ بَدَّلَ﴾؛ أي: ثم إنْ ﴿بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ له، فالمضمر فيه كلمة (إنْ).
وقيل: معناه: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ بل غيرُهم الخائف ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ فإنه مع إبداله الحسنَ بعد السوء يخافني، وأنا غفور رحيم أُوْمنُه من خوفه وأرحمه وأغفر له.
قالوا: وهذه إشارة إلى أن موسى إنما خاف في الموضع الذي لا يخاف سائر الأنبياء؛ لِمَا سبق منه من قتل القِبطي وإن كان من غيرِ قصدٍ؛ كما قال: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] إلى قوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦].
قالوا: ولما خاف موسى زلةً واحدة لم يقصدها، وأحسنَ العذر عنها، وعفا اللَّه
_________________
(١) في (ر): "أذن".
(٢) "وندمًا" ليست فى (أ).
[ ١١ / ٣٢٩ ]
عنه ذلك، حضره ذلك بعد سنين كثيرةٍ حتى خاف في الحال التي لا يخاف فيها سائر الرسل، فما حال مَن عصى اللَّه تعالى معاصيَ كثيرةً عمدًا في طول عمره، كيف لا يخاف عند الموت؟ وهو الحالة (^١) يَخاف فيها كل الخلائق.
* * *
(١٢) - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾: أي: في جيب قميصك ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ أي: آفَةٍ من برصٍ وغيره.
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: هما معجزتان: عصاك ويداك في جملةِ تسعٍ معجزات أُوتِيْتَها (^٢)، وقد عدَّدْناها في آخر سورة بني إسرائيل.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾: أي: مبعوثٍ بهن أنت إلى فرعون وأشرافِ قومه، حُذف ذلك لدلالة الكلام عليه؛ كما قال الشاعر:
رأتْني بحَبْلَيها فصَدَّتْ مَخافةً وفي الحبل روعاءُ الفؤادِ فَرُوقُ (^٣)
أي: رأتني مقبلًا بحبليها.
_________________
(١) في (ر): "وهذه حالة"، وفي (ف): "وهذا بحالة".
(٢) في (ف): "أوتيكها".
(٣) البيت لحميد بن ثور كما في "الغريبين" للهروي (١/ ٢٤٠)، ودون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٢٣٠) و(٢/ ٢٨٨)، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ١٣٨)، و"تفسير الطبري" (٥/ ٦٨٤) و(١٨/ ٢١)، و"أساس البلاغة" (مادة: روع). يقول الشاعر في وصف ناقته: رأتني مقبلًا -أو: أقبلتُ- بحبليها، فترك ذكر (مقبلًا) استغناء بمعرفة السامعين معناه في ذلك، إذ قال: (رأتني بحبليها). ويقال: ناقة روعاء الفؤاد؛ أي: حَديدته ذكيَّته. وفَروق: خائفة.
[ ١١ / ٣٣٠ ]
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: أي: هم متقادِمو الفسق، وهو الخروج عن طاعة اللَّه.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾: أي: المعجزاتُ التي آتيناها موسى ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: واضحةً بينة، و(^١) ﴿مُبْصِرَةً﴾: ذاتَ إبصارٍ؛ أي: فيها إبصارٌ لمن نظر إليها.
﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: قالوا لمعجزته: هذا تخييلٌ لا حقيقةَ له، ظاهرٌ لمن تأمَّله.
﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾: أي: أنكروها ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: وقد تيقَّنت بصحتها قلوبُهم ﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ولآيات اللَّه بوضعها غيرَ موضعها ﴿وَعُلُوًّا﴾: تكبُّرًا من اتِّباع موسى، وترؤُّسًا على الناس.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: فانظر يا محمدُ نظرَ اعتبارٍ بالقلب كيف كان ختمُ أمرهم في الدنيا الهلاك، ثم لهم في الآخرة أشدُّ العذاب وذلك حال قومك.
* * *
(١٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾: أَتْبَع قصة موسى قصةَ داود وسليمان، وفي الأولى: البلاء والصبر، وفي الثانية: العطاء والشكر؛ تنبيهًا لمحمدٍ
_________________
(١) كذا وقعت في النسخ بالواو، ولعل الصواب: (أو).
[ ١١ / ٣٣١ ]
-ﷺ- على فضلهما، ودعاءً له إليهما، واقتداءً منه بهما؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ أي: أعطينا ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾؛ أي: بالدِّين والحُكم وغيرِ ذلك، قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]، وقال في سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، وقال في حقهما جميعًا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بما آتانا.
ودلت الآية على خلق أفعال العباد، وعلى فساد القول بالأصلح، فإن الحمد لا يجب على أداء ما عليه، فدل على أنه كان متفضِّلًا بما أعطاهما فاعلًا ما ليس عليه.
* * *
(١٦) - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾: ملكَه وعلمه ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾؛ أي: تفضل اللَّه عليَّ بزيادةٍ على ما ورَّثنيه (^١) من أبي من النبوة والملك والعلم، بأنْ علَّمني منطق الطير؛ أي: فهَّمني (^٢) ما يقول الطير.
قوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: أعطانا اللَّه الكثير من خيرات الدنيا (^٣)
_________________
(١) في (ر): "ورثته".
(٢) في (ر): "وألهمني" بدل: "أي فهمني".
(٣) في (ف): "من جراب الأرض".
[ ١١ / ٣٣٢ ]
ونعمها، وهو للتكثير لا للاستيعاب؛ كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ سألناه أن يؤتيَنا، [أو]: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يؤتاه الأنبياء والملوك مما يحتاجون إليه (^١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾: مبينٌ عن نفسه ولا يخفى على مَن شاهده جلالةُ قَدْرِه.
* * *
(١٧) - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قوله: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أي: جُمع وسِيق في مسير سليمان (^٢) ما سخِّر له من جنود الإنس والجن والطير، فهو يسير فيهم كما يسير الملِك في عسكره.
قال محمد بن كعب القرظي: كان عسكرُه مئةَ فرسخ؛ خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش.
قوله ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أي: فعليهم وَزَعةٌ يَحبسون أولهم على آخرهم إذا تفرَّقوا حتى يجتمعوا في مسيرهم، وذلك أحسنُ في الهيئة (^٣)، وأهيَبُ في الرؤية.
وقال أبو عوسجةَ: ﴿يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يساقون (^٤).
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٠٤).
(٢) في (ر): "في مسيره لسليمان".
(٣) في (ف): "الهيبة".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٠٤).
[ ١١ / ٣٣٣ ]
وقال القُتبي: ﴿يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُدفعون (^١).
والوَزْع: الكفُّ والمنع، والوَزَعة: جمع وازعٍ، وهو الذي يكفُّ الجيش من التفرُّق والانتشار، ويكفُّ العامة عن التظالُم والإفساد، وفي الخبر (^٢): ما يَزَعُ السلطانُ أكثرُ مما يَزَع القرآن (^٣).
* * *
(١٨) - ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: أي: على وادٍ فيه نملٌ كثير، وهو كما يقال: هذا بلدُ الإبل؛ أي: الإبلُ فيه كثيرةٌ، وكذا: هذا بلدُ النمل، وكان النمل يكون في غير ذلك الوادي أيضًا، لكن كانت به كثيرةً.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾: أي: سمع سليمان نملةً تقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾؛ أي لا يَدُقَّنكم ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: خيلُ سليمانَ وجنودِه بأرجلها ولا يكسرنَّكم بذلك ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون بمكانكم، قالت النملة ذلك على وجه العذر، ووصفت سليمان وجنوده بالعدل.
أو (^٤) قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قول اللَّه تعالى، ومعناه: سمع سليمان وعلم
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٢٣).
(٢) في (أ) و(ر): "وقال النبي -ﷺ-" بدل: "وفي الخبر".
(٣) رواه ابن شبة في "أخبار المدينة" (١٧٠٤) من قول عثمان ﵁. والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ١٠٧) من قول عمر ﵁.
(٤) في (ر): "و".
[ ١١ / ٣٣٤ ]
ذلك وجنوده لا يشعرون بذلك، وهو قول ابن عباس (^١).
وقيل: والنمل لا يشعرون أن الجنود تمر في الهواء أم تنزل إلى الأرض فتدقهم.
وجمع ﴿ادْخُلُوا﴾ بالواو، و﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾ بالميم وكذلك ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهو خطاب العقلاء وكنايتهم؛ لأنَّها وصفتهم بصفات العقلاء.
* * *
(١٩) - ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: تعجُّبًا منها وسرورًا بما أعطاه اللَّه مِن فَهم كلامها ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾؛ أي: ألهِمْني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من النبوة والعلم والمُلك وغير ذلك ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ والإنعامُ على الوالدين إنعامٌ على الولد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ في بقية عمري ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: وأدخلني الجنة برحمتك مع عبادك الصالحين، وهم الأنبياء ومن تبعهم من أهل الجنة، وذلك برحمة اللَّه، وهو دعاءٌ بحُسن العاقبة كدعاء يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال مقاتل: نَسجت الشياطين لسليمان عليه الشلام بساطًا فرسخًا في فرسخ ذهبًا في إبريسم، وكان يوضع له منبرٌ من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثةُ آلاف كرسي من ذهب وفضة، تقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس، وحول الناس الجنُّ والشياطين، وتُظلُّه الطير
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٦٨/ ١٦٢).
[ ١١ / ٣٣٥ ]
بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرةَ شهر من الصباح إلى الرَّواح ومن الرَّواح إلى الصباح (^١).
قال ابن عباس: كانت النمل إذ ذاك كالذئاب والكلاب (^٢).
وقال مجاهد: كانت نملًا ذواتِ أجنحةٍ (^٣).
وفي نسخة (^٤) الشيخ أبي القاسم بن حبيب عن وهب قال: قرأتُ في بعض الكتب أن سليمان ركب ذات يوم مركبَ الريح، فلما قرُب من وادي النمل سمع قولَ النمل، وكان يسمع قولها من ثلاثة أيام أو (^٥) أميال فأمر الريح حتى وقفت فقال للنملة: ما قولك: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وكيف أحطمنكم وأنا على الهواء؟ فقالت: إني لم أُرِدْ حَطْم الأرجل، إنما أردتُ حتى لا ينظروا إلى ملكك فيتمنَّوه، فيكون ذلك حطمًا لقلوبهم (^٦).
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٦).
(٢) رواه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٦٠)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٢٨)، عن نوف البكالي قال: (كان نمل سليمان بن داود مثل الذئاب)، وذكره الواحدي في "البسيط" (١٧/ ١٨٨) عن نوف وشقيق بن سلمة، وعن بريدة الأسلمي: أنها كانت كهيئة النعاج، ثم تعقب ذلك بقوله: ولو كانت كالذئاب والنعاج ما حُطِمت بالوطء ولا خافت ذلك. وقال ابن كثير بعد أن ذكر قول نوف البكالي: هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت: (الذياب) وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، واللَّه أعلم.
(٣) لم أجده عن مجاهد، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٥٧) عن الشعبي، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٧)، والسمعاني في "تفسيره" (٤/ ٨٦)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٢٥٣).
(٤) في (أ): "تفسير".
(٥) "أيام أو" من (ف).
(٦) انظر التعليق الآتي.
[ ١١ / ٣٣٦ ]
وفي رواية: خفتُ أن يشتغلوا بالنظر إلى ذلك فيغفلوا عن تسبيح الرب (^١).
ثم قالت: يا سليمان ما سألتَ ربك؟ قال: سألتُه ﴿مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، قالت: فما أعطاك؟ قال: أعطاني خاتمًا جعل ملكي فيه، قالت: إنه يقول: لا تفتخر به فإنه حجر، قالت: وما أعطاك أيضًا؟ قال: أعطاني مركب الريح (^٢)، قال: ركبتُ مركبًا غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهر، قالت: فأين أنت من مركب يوصلُك في ساعة إلى العرش؟ ثم قالت: إن جندي أطوعُ لي من جندِك لك، قال: ولم؟! قالت: لأنهم يريدون منك الرزق ويَعصون ربهم، وجندي مطيعون للَّه ولا يسألون مني الرزق.
ثم قالت: يا نبي اللَّه أتدري لم صار اسم أبيك داودَ واسمُك سليمان؟ قال: لا، قالت: لأن أباك داوى جرحه فوُدَّ، وأنت سُليمُ آن لك أن تلحق بأبيك، فعند ذلك تبسَّم سليمان ضاحكًا من قولها (^٣).
وفي رواية: قالت له: كما سخِّرتْ لك الريح فزوالها من يدك كزوال الريح.
وعن أبي الصدِّيق الناجي (^٤) قال: ركب سليمان يومًا فعدل عن الطريق وأخذ
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٧ - ١٩٨) قال: ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكم سليمان وجنوده؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؟ مع أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنَّيْنَ ما أُعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح.
(٢) في (ر) و(ف): "قالت وما أعطاك أيضًا في مركب الريح".
(٣) ذكره بنحوه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٨)، وحقي في "روح البيان" (٦/ ٣٢٥)، ولفظ الثاني: (لأن أباك داوى قلبه عن جراحة الالتفات الى غير اللَّه فودّ، وأنت سُلَيم -تصغير سليم- آن لك -أي: حان لك- أن تلحق بأبيك).
(٤) في (ف): "وعن أبي بكر الصديق ﵁".
[ ١١ / ٣٣٧ ]
في غيره، فقيل له في ذلك، فقال: جاءت خُطَّافةٌ فقالت: إني قد (^١) أخرجت فراخي أعلِّمها الطيران، وإن أخذت على طريقك حطَمْتَهنَّ، فعدلْتُ عنه لأجلهنَّ.
وحكي أن الناس قُحِطوا على عهد سليمان، فجمع سليمان الناس فخرج بهم للاستسقاء، فلما رجعوا مروا على نملة رافعةٍ يديها تدعو اللَّه وتقول: اللهم لا تحبِسْ عنا رزقَنا بخطايا بني آدم، فأوحى اللَّه تعالى إلى سليمان: إني قد استجبتُ لهذه النملة، فأُمطِرَ الناس، فقالوا: هذه بدعوة نبي اللَّه سليمان، فقال لهم سليمان: إنها ليست بدعوة سليمان، ولكن اللَّه قد استجاب للنملة.
* * *
(٢٠) - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: أي: تعرَّف الطير فلم يجد فيها الهدهد، وكان هذا في مسير سليمان، وظاهرُ نظم هذه الآيات يدل على أنه كان في مسيره إلى وادي النمل.
وقال الخليل: التفقُّد: طلب ما غاب (^٢).
قال ابن عباس ﵄: كان سليمان يوضع له ستُّ مئة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الناس حتى يجلسوا مما يليه، ثم تجيء أشراف الجن حتى يجلسوا مما يلي الإنس، ثم يدعو الطير فتُظلُّهم، ثم يدعو الريح فتحملهم، ثم يسير في الغداة الواحدة مسيرةَ شهر، فبينما هو كذلك في مسيره إذ احتاج إلى الماء وهو في فلاةٍ من الأرض، فيدعو الهدهد فينقر الأرض فيدلهم على موضع الماء، فتجيء الشياطين
_________________
(١) "قد" من (ف).
(٢) انظر: "العين" (٥/ ١٢١).
[ ١١ / ٣٣٨ ]
إلى ذلك المكان، فيسلخونه كما يُسلخ الإهاب فيخرجون منه الماء.
فقال له نافع بن الأزرق: قِفْ يا وقَّاف، أرأيت قولك: ثم يجيء الهدهد فينقر الأرض فيصيب موضع الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر الفخَّ يجيء إليه حتى يقع في عنقه؟! فقال ابن عباس: ويحك إن القدَر حال دون البصر (^١).
وقيل: كان يَرى الماءَ في الأرض كما يُرى الماءُ في الزجاج.
وقيل: بل كان يَعْرض جنوده من الطير وغيرها، فتفقَّد الغائبَ منهم والحاضرَ (^٢)، وإنه كان يأتيه من كلِّ صنفٍ واحدٌ نُوبًا، فلم ير الهدهد (^٣).
وقيل: كانت الطير تظلُّه حتى تسترَه عن الشمس بتقارب أجسامها وأجنحتها، فيقال: إن الشمس سقطت عليه من مكان الهدهد، فنظر إلى الطير فوقه فلم يره وقال ما قال.
وقيل: كان يسلِّم غداءَ كلِّ واحد منهم بنفسه، فنظر إليه فطلبه ليسلِّم إليه غداءه فلم يجده.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: بدأ أولًا بنفسه ثم قال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ قال الكسائي والأخفش: أي: بل كان.
وقيل: هاهنا مضمر فيه ألف الاستفهام ثم عطف عليه ﴿أَمْ﴾، وذلك: أحاد بصري عنه بسببٍ ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.
ولقوله ﴿كَانَ﴾ وجوه:
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣١٨٥٢)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٠).
(٢) في (ف): "الغائب منها من الحاضر".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣١) عن وهب.
[ ١١ / ٣٣٩ ]
أحدها: أنها زائدة، وتقديره: أم هو من الغائبين، كقوله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩].
والثاني: أم صار، كقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣].
والثالث: أم كان قبل هذه الساعة غائبًا فلغيبته لم أره الساعة.
* * *
(٢١) - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قيل: أي: لأنتفنَّ ريشه ولأطرحنَّه في الشمس، وهو قول ابن عباس ومقاتل بن سليمان (^١).
وقال مقاتل بن حيان: لأَطْليِنَّه بالقَطِران ولأشمِّسنَّه (^٢).
وقيل: لأمنعنَّه من خِدمتي.
وقيل: لأفرِّقن بينه وبين إلفه.
وقيل لأغيِّبنَّه عن وطنه.
وقيل: أي: لأضُمَّنه إلى خلافِ جنسه.
﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، ثم جعل لنفسه مخرجًا مما توعَّده به فقال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجةٍ ظاهرة له فيها عذرٌ ظاهر في غيبته.
وقيل: إنَّ جبريل ﵇ قال له وبقي شيء لم يقله: أو لأعفون عنه، وهو
_________________
(١) رواه عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٣٣)، وهو في "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٠٠).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٨).
[ ١١ / ٣٤٠ ]
الأليقُ بالكرم (^١) والأقرب إلى التقوى، هذا في حق طيرٍ غاب عن خدمة سليمان ساعةً فكيف بالعصاة الهِرَاب من الباب.
* * *
(٢٢) - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: أي: لبث الهدهد زمانًا قليلًا.
وقيل: لبث سليمان وجاء الهدهد ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم تعلم، وقيل: رأيتُ ما لم ترَ.
وقيل: أدركتُ ما لم تدركْ.
وقيل: أي: شهدتُ ما لم تشهدْ.
ثم فسره فقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾: وهي قرية بلقيس ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾؛ أي: بخبرٍ متيقَّن، والباء للتعدية، و(سبأ) ينوَّن ويكون مذكَّرًا لأنه اسم رجل وهو أصل القبيلة أو اسم المكان، ولا ينوَّن ويكون مؤنَّثًا ويكون اسمًا للقبيلة أو للقرية (^٢).
* * *
(٢٣) - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾: أي: تملك أهلَ سبأ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: مما تحتاج إليه الملوك: من الرجال والأموال والآلات وصنوف النِّعم.
_________________
(١) في (ر): "بالكرام".
(٢) في (ر) و(ف): "للعرب".
[ ١١ / ٣٤١ ]
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: أي: سريرٌ عظيم تجلس عليه كما تجلس الملوك على الأسرَّة تعظُّمًا.
قال ابن عباس ﵄: كان عرشها ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا، طولُه في الهواء ثلاثون ذراعًا (^١)، معمول من ذهب قوائمه من لؤلؤ وجوهر (^٢).
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعًا في ثمانين ذراعًا، وطوله في الهواء ثمانين ذراعًا، مكلَّل بالجواهر والدرِّ واليواقيت (^٣).
وعن وهبٍ شرحُه على ما يتبيَّن من بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ غير مصروف (^٤)، والباقون مصروفًا.
وقال الزجَّاج: (سبأ) مدينة تُعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فإذا صُرف فعلى البلد، وإذا لم يُصرف فعلى المدينة (^٥).
* * *
(٢٤) - ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾: أي: يعبدونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ثمانون ذراعًا"، والمثبت من (أ)، وكذا ذكره عن ابن عباس الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٠٣).
(٢) روى هذه القطعة عن ابن عباس الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٠).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣٠١).
(٤) وهي رواية البزي عن ابن كثير. انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٦٧).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ١١٤).
[ ١١ / ٣٤٢ ]
أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: حبَّب إليهم كفرهم ومعاصيهم ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: فعدل (^١) بهم عن الطريقة المستقيمة، وهي التوحيد وإخلاص العبادة للَّه.
وأطلق ﴿السَّبِيلِ﴾ لأن السبيل الذي لا يجوز سلوكها ممنوعٌ منه فكأنه ليس بسبيل.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾: لذلك لسبيل الرشد.
* * *
(٢٥) - ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: قرأ الكسائي وأبو جعفر ورويسٌ عن يعقوب بالتخفيف (^٢)، ومعناه: (ألَا) كلمة تنبيهٍ، و﴿يَسْجُدُوا﴾ بمعنى: يا اسجدوا، (يا) نداء والمنادى مضمر؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا للَّه، قال ذو الرُّمَّة:
ألَا يا اسْلَمي يا دارَ مَيَّ على البِلَى ولا زالَ مُنْهَلًّا بجَرْعائكِ القَطْرُ (^٣)
وقرأ الباقون بالتشديد، وله وجوه:
أحدها: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ألَّا يسجدوا.
والثاني: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أعمالهم لئلا يسجدوا.
والثالث: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ لئلا يسجدوا.
_________________
(١) في (ر): "فضل"، وفي (ف): "قعد".
(٢) ويقف هؤلاء على (يا)، ويبتدئون: (اسجدوا) على الأمر. انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٦٧ - ١٦٨)، و"النشر" (٢/ ٣٣٧).
(٣) انظر: "ديوان ذي الرمة" (١/ ٥٥٩).
[ ١١ / ٣٤٣ ]
والرابع: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أن لا يسجدوا، ومعناه: أن يسجدوا، و(لا) زائدة، كما في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: أن تسجد.
والخامس: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ لقُبْحِ أن لا يسجدوا للَّه، كما قالوا في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: كراهة أن تضلوا على الإضمار.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ينزل المخبوء؛ أي: المستور المكنون الذي في السماوات والأرض، مصدر بمعنى المفعول.
وخَبْءُ السماوات: المطر والريح، وخَبْءُ الأرض: الشجر والنبات.
وقيل: يدخل في ذلك معادن الأرض.
وحقيقته: يُنزل من السماء الغيثَ ويُخرج من الأرض النبات بعد أن كانا مستورين غيرَ ظاهرين؛ أي: خلق ذلك وأوجده بعد أن كان معدومًا إقامةً لأسباب معاش العباد وعمارةِ البلاد.
قوله تعالى ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: قرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص بتاء الخطاب بناء على قوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾، والباقون بياء الغائبة (^١)، بناء على أن الياء في: ﴿يَسْجُدُوا﴾ للمغايَبة.
* * *
(٢٦) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: فهو المستحِقُّ للعبادة دون الشمس.
قال ابن زيد: إلى هاهنا كلام الهدهد (^٢).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٠ - ٤٨١)، و"التيسير" (ص: ١٦٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٤٤).
[ ١١ / ٣٤٤ ]
وقيل: من قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ كلامُ سليمان بعد تمام كلام الهدهد.
وقيل: هو خطاب اللَّه للمشركين بعد تمام (^١) كلام الهدهد (^٢)، وهو كلام معترِض.
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.
ثم اتصل به قوله: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: قال سليمان للهدهد سنعرف حقيقة ما أخبرتَ به عن سبأ وملكها وأهلها، هل أخبرتَ بالصدق فتُعذرَ في غيبتك، أو أخبرت بالكذب فتؤدَّبَ على فعلتك؟ وذلك قوله تعالى:
﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: و﴿كُنْتَ﴾ بمعنى أنت.
وقيل: معنى ذلك: أم كذبتَ، على الماضي.
قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾: أي: فكتب سليمان كتابًا إلى ملكة سبأ وقال للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وهو ما ذكر بعده.
قوله: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾: أي: اطرحه إليهم؛ لأن الطائر لا يمنكه تبليغ الكتاب مناولةً.
قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: تنحَّ عنهم لئلا تؤخذ، وكن قريبًا منهم بحيث تسمع كلامهم ماذا يجيبون، وهو قوله تعالى:
﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾: أي: يردُّون من الجواب.
_________________
(١) "تمام" ليست في (أ).
(٢) بعدها في (أ): "لم يردوا الجواب".
[ ١١ / ٣٤٥ ]
وقيل: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: أسرع الرجوع منهم إلينا، وعلى هذا فيه تقديم وتأخير: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم أسرع الانصراف عنهم إلينا.
وقيل: ﴿فَانْظُرْ﴾؛ أي: فانتظر، وقوله: ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: يتراجعون بينهم الكلام؛ كما قال: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [سبأ: ٣١].
* * *
(٢٩) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾.
ثم هاهنا مضمر: فذهب الهدهد بالكتاب فألقاه إليها ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: أي: قالت ملكة سبأ لأشراف قومها: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وهو هذا الكتاب، خلت (^١) بوزرائها فقالت لهم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: شريف فاضل.
وقيل: الكريم: الحقيق بأن يؤمَّل فيه كلُّ خير، ورأت آثار ذلك في هذا الكتاب فلذلك قالت ما قالت.
وقيل: سمَّته كريمًا لأنه كان مختومًا.
وقيل: كان مكتوبًا بالذهب.
وقيل: كان مِن ملكٍ تُطيعه الجنُّ والإنس والطير والوحش.
وقيل: سمَّته كريمًا لحُسْن ما فيه: من افتتاحه بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والدعاءِ فيه إلى الإسلام، ومن وَجازة الخطاب فيه مع إتيانه على المراد.
وقيل: لمَّا وصل إليها الكتاب على خلافِ العادة مع طائرٍ قد اخترق إليها البيوت والأبواب توهَّمَت أنه من السماء فسمَّته كريمًا لذلك.
* * *
_________________
(١) في (ر): "فدعت".
[ ١١ / ٣٤٦ ]
(٣٠ - ٣١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾: قيل: كان هذا عنوانَ الكتاب ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ هذا مضمونه.
وقيل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ كان في أول السطر في الداخل، وإنما بدأ به لأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ كان لا يأمن أن تستخِفَّ به بلقيس، فقال: لو ستخَفَّت به بلقيس كان باسمي لا باسم اللَّه، وكان ذلك تعظيمًا لاسم اللَّه لا تقديمًا لاسمه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾؛ أي: لا تتكبَّروا عليَّ ولا تخالفوني ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ خاضعين للَّه منقادين له متديِّنين له (^١) بالدِّين الحق.
ويحتمل: مستسلِمين منقادين لأمري.
قال وهب بن منبه في قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: كانت غيبةُ الهدهد: أنه ذهب في طلب موضع الماء، فلقيه هدهدٌ من أرض سبأ فقال له: أيَّ شيء تَطلبُ؟ قال: أَطلب الماء لسليمان نبيِّ اللَّه فإني مسخَّر له، فسأله عن سليمان وجنوده، فأخبره الهدهد بخبر سليمان وما سخِّر له من الريح والشياطين والجن والإنس والطير، فأخبره عند ذلك هدهد سبأ عن ملكة سبأ وعن ملكها وجنودها، وكان الهدهد يومئذ مثلَ البطة العظيمة، فانطلق الهدهد حتى أتى أرض سبأ، فنظر إلى بلقيس وملكها ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ثم رجع إلى سليمان فقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وساق ما ذكرنا على نظم الآيات (^٢).
_________________
(١) "له" ليست في (أ).
(٢) في (أ): "السياق".
[ ١١ / ٣٤٧ ]
وكان لملكة سبأ اسمان: مقة (^١) بنت شراحيل، وبلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملكًا من ملوك اليمن إلى أربعين أبًا كلهم ملوك، وكانت هي امرأة لها نسب في الجن، وكان رغب شراحيل عن أن يتزوج في الإنس تعظُّمًا، وزعم أنه ليس له كفؤ لمكان آبائه الملوك، فخطب إلى الجن فزوَّجوه ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس، فكان الجن أخوالَها.
فلما انقرض آباؤها دعت الناس إلى بيعتها فاختلفوا في أمرها، فتركتهم فملَّكوا ملكًا فلعب بنسائهم، فلما أكثر من ذلك وعجزوا عنه أدركتها الغيرة والحمية (^٢)، فارسلت إليه تخطبه لنفسها تختدعُه لتستمكن منه فتقتلَه، فأجابها ثم قال (^٣): لم يمنعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأسُ منك، وكنت أبصر شرفك (^٤) وموضعك، ولكن خشيتُ أن تردِّيني فتُسقِطي قَدْري، فأرسلَتْ إليه: ما عنك رغبةٌ، هانك لكفؤ كريم، فإذا أصبحتَ فاجمع رجال قومك واخطبني إليهم فإني فاعلةٌ ما يَسرُّك.
فلما أصبح فعَل ما أمرته، فقال له القوم: ما هي فاعلة ما تريد، فقال لهم: إنها ابتدأتني بزواجها (^٥)، فجاؤوها فقالوا: فعلتِ ما ذكر الملك؟ قالت: نعم، طالت عليَّ الأَيْمة وانقرض أهل بيتي، وأحببتُ الولد والذرية ولم أجد أحدًا أشرفَ منه، فقالوا: قد رضينا، فتزوَّجها.
_________________
(١) في (أ): "معتة". ولم أقف عليه، لكن أخرج ابن عساكر كما في "الدر المنثور" (٦/ ٣٥١) عن الحسن أن اسمها ليلى.
(٢) "والحمية" ليست في (أ).
(٣) "ثم قال" ليست في (ف).
(٤) في (ر): "لعلمي بشرفك"، بدل: "وكنت أبصر شرفك".
(٥) "بزواجها" ليست في (أ) و(ف).
[ ١١ / ٣٤٨ ]
فلما زُفَّت إليه خرجت في بشرٍ (^١) كثير من خدم وحشم حتى مَلَؤوا منزله من كثرتهم، فلما خلا بها سقته الخمر حتى إذا أسكرَتْه قطعت رأسه، فلما انصرف حشمُها ومَن كان معها خرجت في غمارهم لا يُفطن لها ولا يَظن الناس إلا أنها قد تخلَّفت عند زوجها، فأصبح الملك قتيلًا وأصبح رأسه منصوبًا على باب دارها، فلما نظر إليه الناس عرفوا أن فعلتَها كانت حيلةً منها ومكيدة، فأعجبهم ذلك فمالوا إليها وقالوا: ما نعلم اليوم لك مِثلًا، إنك عمَدْتِ إلى ملك الأرض الذي كان يزني وأفسد نساءنا فقتلتيه بأهون أمركِ (^٢)، وقد عجز عنه جميع مَن ترَينَ! فلا أحد أحقُّ بهذا الملك منك للَّذي سلف من آبائك، قالت: لولا ما خشيتُ عليَّ وعليكم من العار ما فعلتُ ذلك، ولا كان لي إلى ما في يديه حاجة.
فملَّكوها عليهم، فأمرتهم أن يصنعوا لها منزلًا فاخرًا لم يُصنع مثله لملك قط، فوصفت لهم عمله، فعمدوا إلى تلٍّ مشرِف (^٣) من صفاءٍ صَلْد، فغرزوا على ظهره خمسَ مئة اسطوانة من رخام، نقروها حتى رسخت (^٤) في الصفاء، طولُ كلِّ اسطوانة ثلاثون ذراعًا، وبين كلِّ اسطوانتين خمسة أذرع، ثم جعلوا من فوق الأسطوانة (^٥) سطحًا من ألواح الرخام، وضموا بعضَه إلى بعضٍ حتى صارت كأنها لوحٌ واحد، ثم بنوا في السطح بيوتًا من رخام، وقبابًا من ذهب وفضةٍ مبوبةً بأبوابٍ مرصَّعة بالجوهر الملوَّن، ثم أحاطوا على السطح بحائطٍ باطنه من رخام وظاهره من نحاس، وله أربع
_________________
(١) في (أ): "سير".
(٢) بعدها في (ر): "منك".
(٣) في (أ): "إلى تلعة مشرفة".
(٤) في (ف) و(أ): "رسخن".
(٥) في (ف): "فوقها".
[ ١١ / ٣٤٩ ]
زوايا على كل زاوية قبةٌ من ذهب على رأس قبتها ياقوتةٌ حمراء تلتهب، فإذا طلعت الشمس سطع ضوء الياقوتة على القبة فبرَقت، ثم جُعل للقصر حين فرُغ منه أربعُ مَرَاقٍ عن يمينٍ وشمالٍ وشرقيٍّ وغربيٍّ، في كل مرقاةٍ مئةُ درجة من فضة، في أعلاها بابٌ مفضَّضٌ، وفي أسفلها بابٌ من نحاس، ثم جوِّف الصفاء فجُعل جوفه خزائنُ، وجوِّف بعض الأسطوانات حتى أفضى إلى السطح، فكان طريقًا إلى الخزائن التي تحت الصفاء، ثم بُني تحت كلِّ أسطوانةٍ مجلسٌ من رخام للحراس والقوَّاد.
ولم يكن في الأرض مَلِك بعد سليمانَ وذي القرنين وفرعونِ وموسى أكثرَ منها جنودًا، كان لها اثنا عشر قائدًا، يقودُ كلُّ واحد منهم اثني عشر ألفَ مقاتل، وكان تحت يدها أربعُ مئةِ ملك من أشراف اليمن، أمَّرت كلَّ واحد منهم على كُورة معلومة، وشرطت عليه أربعةَ آلاف مقاتل متى ما احتاجت.
فلما فرغوا من عمل قصرها -وهو عرشها العظيم- أمرت بالمدينة والحيطان والأرباض (^١) فبُني ذلك كلُّه حول قصرها حتى صارت في وسط ذلك، فأشرف قصرُها على ما حوله (^٢) حتى كان يُرى من مسيرة يوم، وكانت تكلِّم الناس من وراء الحجاب لا يُرى وجهها، فإذا وقعت حربٌ حسَرت لهم عن ذراعها.
قال وهب: فلما جاء الهدهد إلى سليمان بخبرهم كَتب إليها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من سليمان بن داود نبي اللَّه إلى بلقيس، أما بعد: فإن كنتِ من الإنس فقد عُبدت لي، وإن كنتِ من الجن فقد سخِّرتِ لي، فأَقْبِلي إليَّ أنت وقومُك و﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "والرياض". والأرباض: جمع ربض، وهو سور المدينة.
(٢) في (أ): "على تلها على ما حولها" بدل: "قصرها على ما حوله".
[ ١١ / ٣٥٠ ]
فأخذ الهدهد هذا الكتاب برجله فانطلق يهوي به حتى اقتحم عليها من كوة البيت، فوضع الكتاب في يمينها وهي قاعدة على عرشها، فمُلئت من ذلك عجبًا، ثم ارتفع الهدهد فوقع (^١) فوق الحائط، فلما وجدت في الكتاب اسم سليمان خرجت إلى الهدهد فقالت: مَن أرسلك إليَّ؟ فأنطقه اللَّه قال: أرسلني إليك ملكُ الجن والإنس والطير والريح والشياطين، قالت: ما أُراك كذبتَ، لولا أنه كما تقول ما طعتَ له بالرسالة، ثم جمعت قومًا من قوَّادها وأهلِ مشورتها وأسفرت عن وجهها والهدهدُ مكانَه، فقالت لهم: ما كنتُ أحسب أن فوق ملككم ملكًا حتى جاءني رسول ملك الجن والإنس والشياطين والطير والريح، قالوا لها: فأين هو الرسول الذي جاءك قالت: هو هذا، وأشارت إلى الهدهد فأقبلوا عليه يكلمونه فلم يُجبهم، وقرأت عليهم كتاب سليمان، وسألتهم عن الرأي، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾: أي: أشيروا عليَّ فيما حدث لي من هذا الأمر: ماذا أصنع؟
﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾: أي: منفِّذةً عزمًا ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أنتم؛ أي: تحضرون فأشاورَكم وأمضيَه على اتِّفاق منكم، استعطفَتْهم وراعَتْهم فاحترموها، وذلك قوله تعالى:
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "فوضع"، ولعل الصواب: فوقف.
[ ١١ / ٣٥١ ]
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: قادرون على القتال إن احتيج إليه؛ لوفور عَدَدِنا وعُدَدِنا ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في الانقياد لصاحب الكتاب أو محاربته ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ به من الأمرين، فلا نكلِّفك ما لا تريدين ولا نخالفك فيما تأمرين.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾: أي: استولَوا على مدينةٍ بالقهر (^١) ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ وسعَوا فيها بالفساد والتخريب ليزول تحرُّز (^٢) أهلها بها ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بسلبِ نعمهم وأموالهم وأعوانهم ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: سليمانُ وقومه بكم إن دخلوا مدينتكم، فكان أولُ الآية على عموم الملوك وآخرُ الآية على خصوص هؤلاء.
وقيل: هذا قول اللَّه ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: كذلك تفعل الملوك كما قالت هي.
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: أي: من رأيي أن لا أعجل بالقتال الذي قد يكون علينا، ولكنْ أتعرفُ الحال، فأُرسل هديةً فأنظرُ ما يكون منهم، وبماذا يرجعون من عندهم رسلي؟ فإن رجعوا بردِّ الهدية فالقوم طالِبو دِينٍ لا يكفُّهم عنا إلا الاتِّباع، ولا طاقةَ لنا بقتالهم.
وقال الفراء: ذكروا أنها أرسلت واحدًا، ولذلك قال بعده: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾ (^٣).
_________________
(١) "بالقهر" من (أ).
(٢) في (أ): "لنزوله عذر"، وفي (ف): "لنزول تحرز"، وفي (ر): "ليزول تحرر"، والصواب المثبت.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٩٣).
[ ١١ / ٣٥٢ ]
وإنما قالت: ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ تعظيمًا للرسول، أو هذا من متعارَفِ اللسان؛ يقول الملك: أرسلْ إلى فلان رسلًا، وهو يريد الواحد، ويَجمع للتعظيم، أو لأنه يكون معه أتباع، ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ وقال: ﴿ارْجِعْ﴾ خطابًا لرأسهم وإخبارًا عن كبيرهم.
قال وهب: قالت لهم: لا آمَنُ إنْ هو ظفر بكم أن يُذلَّكم ويتعبَّدَكم ويبيحَ جنوده قراكم وحريمَكم، وسأختبره أيعمل للَّه أم للدنيا؟ قالوا: بماذا؟ قالت: أعرضُ عليه الدنيا، فإنْ قَبِلها فهو لها وإن حقَرها فهو للَّه ولا سبيل إليه، فإنْ قَبِل الدنيا قاتلناه عن ملكنا، فكتبت إلى سليمان: إني قد سمعتُ كتابك، وأنا ناظرةٌ في أمرك ومعجِّلة إليك رسلي ليَعلموا عِلمك.
وأهدت إليه ألفَ فرس عربيٍّ سابق ليس فيها إلا ما أَحرز الحلبة، وهي كلُّها على شِيَةٍ واحدة ليس منها إلا أدهمُ أزرقُ أغرُّ محجَّل، مع كلِّ فرس عبدٌ يسوقه، في رأس كلِّ فرسٍ حَكَمةٌ من ذهب، عِذارها مفصَّصٌ بالجوهر، ومِقْوَدها سلسلةٌ من حَلَق الذهب والفضة، حَلْقةٌ من ذهب وحَلْقةٌ من فضة، وعليه سَرجٌ من جَزْعٍ ملبَّسٌ أرجوانًا أحمرَ مرصًّعًا باللؤلؤ، نصفُها ذكور ونصفُها إناث.
وأهدت له خمسَ مئة وصيفٍ وخمس مئة وصيفة عربية (^١)، في يمين كلِّ وصيفة سوارٌ من ذهب فيه ياقوتة، وفي عنقِ كلِّ وصيفةٍ طوقٌ من ذهب فيه ياقوتة، وفي أذنها قرطان في كلِّ قرط درةٌ، وعلى كل وصيفٍ منطقةٌ منظومة باللؤلؤ، وعهدت إلى رسلها إذا هم عرضوا على سليمان هديتَها أن يحملوا الوصفاء على ذكور الخيل والجواري على إناثها.
وقال زيد بن أسلم: وجَّهت مع هذا كلِّه لَبِنًا من ذهب، فأُخبر سليمان بذلك،
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ووصيفة"، بدل: "وخمس مئة وصيفة عربية".
[ ١١ / ٣٥٣ ]
فقال للشياطين: مهدوا لهم الأرض ذهبًا إلا موضع لبنة في الطريق، فلما قربوا من بلد (^١) سليمان ظنوا أن الأرض مفروشةٌ بلَبِنِ ذهب، فرأوا في الطريق موضعَ لبنةٍ خاليًا، فقال رئيسهم: حملنا إلى هذا الرجل لَبِنًا من ذهب فإذا أرضه ذهبٌ كلُّها إلا موضعَ لبنة، فسبيلُنا أن نلقيَ (^٢) هذه اللبنة في هذا الموضع وإلا نسبنا (^٣) إلى السرقة (^٤).
وقال ابن عباس ﵄: إنها وجهت غلمانًا وجواري، وجعلت الغلمان على زيِّ الجواري في اللباس والشعر، والجواريَ على زيِّ الغلمان في اللباس والشعر (^٥)، وقالت للغلمان: إذا كلَّمكم فألينوا الكلام، وقالت للجواري: إذا كلَّمكن فأغلِظن الكلام، وبعثت بحُقَّة فيها جواهرُ فأمَّرت عليهم رجلًا يقال له: المنذر بن عمرو.
وقال أبو القاسم بن حبيب: رأيتُ في بعض التفاسير: كانت في الحقة ثلاثةُ جواهر، أحدها مثقوب والثاني غير مثقوب والثالث ثُقب نصفه ولم ينفذ، وقالت: إن كان نبيًّا ميَّز بين الوصفاء والوصائف، ويخبركم بما في الحُقة، وإن كان غيرَ نبي الْتَبَس أمركم عليه، فميَّز بين الوصفاء والوصائف بالوضوء، وذلك أنه أمرهم أن يتوضؤوا، فجعل الغلمانُ يَحدرون الماء على اليد والرجل حَدْرًا، وجعلت الجواري يصبُبْن من اليد اليسرى على اليد اليمنى ومن اليمنى على اليسرى، فميَّز ذلك بينهم، وأخبرهم أن
_________________
(١) في (ف): "موضع".
(٢) في (ر): "أن تبقى".
(٣) في (أ): "ولا ينسبونا" بدل: "وإلا نسبنا".
(٤) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٥٩)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٤)، عن ثابت البناني.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٣)، ولفظه: (بعثت إليه بوصائف ووصفَاء، وألبستهم لباسًا واحدًا حتى لا يُعرف ذكر من أنثى، فقالت: إن زيَل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى ثم ردّ الهدية فإنه نبيّ، وينبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتبع دينه، ونلحق به). وإسناده ضعيف جدًّا.
[ ١١ / ٣٥٤ ]
الجواهر ثلاثةٌ: أحدها مثقوب، والثاني (^١) صحيح، والثالث مثقوبُ النصف.
* * *
(٣٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾: أي: جاء الرسولُ، وقيل: جاء ما أَهدت.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾: استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: أتبعثون إليَّ ما لا تقدرون (^٢) به الزيادة في مالي ونعمي.
﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾: أي: فالذي أعطاني اللَّه من الملك والنبوة وسخَّر لي الطير والوحش والجن والإنس ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾؛ أي: أفضلُ وأكثر مما أعطاكم، فلا أفرح به ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.
قيل: بل أنتم بهذا المال أهدَيْتُموه إليَّ تفرحون إعظامًا منكم له.
وقيل: معناه: بل أنتم بما يُهْدَى إليكم تفرحون؛ لأنكم أهلُ تفاخُرٍ وتكاثُرٍ بالدنيا.
* * *
(٣٧) - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾: أيها الرسول بهذه الهدية فلا حاجة لي فيها، ولا أمتنعُ عن دعوتكم إلى الإسلام، فإنْ لم تفعلوا ولم تأتوني طائعين ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾؛ أي: لا طاقة لهم بها؛ أي: ولا يمكنُهم دفعُها ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾؛ أي:
_________________
(١) في (أ): "والآخر".
(٢) في (أ): "تعدون".
[ ١١ / ٣٥٥ ]
من قريتهم، وقد سبق ذكر القرية: ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ ﴿أَذِلَّةً﴾؛ أي: قد سلبتُهم العز بالاستيلاء على أموالهم وعيالهم، وقهر أنصارهم.
وقيل: مغلولةً أيديهم إلى أعناقهم.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: مُهَانون.
* * *
(٣٨) - ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: قال وهب: يعني: ملأَ الجن ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: قبل أن يرجع إليهم رسلُهم فينذروهم فيأتوني مسلمين، فإذا أسلموا فليس عليهم سبيل، ولا يحلُّ لي حينئذ أن أُجْليَهم (^١) من بلادهم.
قال ابن عباس ﵄: قال سليمان هذا حين جاء الهدهد، فامتَحن ذلك، وجاء آصف بالعرش ثم كتب إليه الكتاب، ولولا ذلك لم يَكتب إليها بقول الهدهد من غير ثبوت (^٢).
وقال وهب بن منبِّهٍ: قال ذلك عند مجيء الرسل بالهدية (^٣).
وقيل: قال ذلك حين لم يبق بينها وبين سليمان إلا قَدْرُ فرسَخٍ.
وقيل: إنما طلب ذلك ليختبِر عقلها إذا أتته ورأته: أتُثْبِتُه أم تُنْكرُه؟ وهذا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٤).
_________________
(١) في (أ): "أجيبهم" وفي (ر): "أخليهم". ولعل الصواب: (أجلبه)؛ أي: العرش. فقد روى عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٥٥)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٤) عن قتادة خبرًا فيه: (. . . فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تحلّ لهم أموالهم، فقال للجنّ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٠ - ٦١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٢).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٦٤).
[ ١١ / ٣٥٦ ]
وقيل: فعل ذلك ليثبتَ عندها أنه رسولٌ وملكُه سماويٌّ، فتُضطرَّ هي وقومُها إلى الإسلام (^١).
* * *
(٣٩) - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾: قيل: داهيةٌ.
وقيل -وهو قول الفراء-: هو القوي النافذ (^٢).
وقال القتبي: هو الشديد الوثيق (^٣).
وقيل: هو المارد.
قيل: كان اسمه صخرًا. وقيل: كان عَمْرًا.
قوله تعالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾: أي: مجلسِ قضائك، سماه مقامًا لأنه يقوم فيه بالقضاء بين الناس؛ كالمقامات التي تكون للخطباء والرؤساء.
وقيل: أي: من مجلسك، وسماه مقامًا لأن عاقبته القيامُ عنه.
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾: أي: قادر (^٤) ﴿أَمِينٌ﴾ على ما فيه من ذهب وجوهر، لا أخون في ذلك.
* * *
_________________
(١) في (أ): "فستبصر هي وقومها في الإسلام"، وفي (ف): "فتستنصر هي وقومها بالإسلام"، بدل: "فتضطر هي وقومها إلى الإسلام".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٩٤).
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٢٤).
(٤) "أي: قادر" ليست في (أ).
[ ١١ / ٣٥٧ ]
(٤٠) - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾: هو آصفُ بن بَرَخيا، وقيل: آصف بن يوسف، وقيل: ضبَّة والدُ بني ضبة من العرب، وقد ادَّعى ذلك بعض بني ضبَّة، وكان آصفُ وزير سليمان.
وقوله: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من الكتب المنزلة.
وقيل: كان يعلم اسمَ اللَّه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وكان مستجابَ الدعوة.
وفي "تفسير الصنعاني": ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ جبريل ﵇.
قال: لما رجع رسلُ بلقيس إليها، وعلمت أنها لا قبَل لها بجنود سليمان، أقبلت إليه، فأعلمه جبريل بذلك، وأحب سليمان أن يوتَى إليه بعرشها، وقال عفريت من الجن ما قال، قال جبريل: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بأسرع من ذلك، وصفةُ جبريل بأن عنده علم من الكتاب هو علم إنزال الكتب على الأنبياء.
وقيل: هو علم الكتاب الذي هو أمُّ الكتاب.
قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: قيل: قبل أن يرجع إليك طرفك ببصرك، كأنك تفتح بصرك لتنظر إلى شيء، فتنظر إليه ثم تردُّ بصرك عن النظر.
وقال أبو عبد اللَّه الأزديُّ -وهو في معنى هذا-: أي: إذا مدَدْتَ طرفك ناظرًا إلى أن تردَّ جفنك ردَدْتَه بين هذين.
[ ١١ / ٣٥٨ ]
وقال قتادة والكلبي والفراء: يريد: قبل أن يأتيك الشيء من مدِّ بصرك (^١)، ومجازه: من قبل أن يرجع إليك مَن تنظر إليه منتهَى بصرِك.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾: قيل: فدعا اللَّهَ آصف، فرفع سليمان طَرْفه ثم ردَّه فإذا هو عنده.
وقال مجاهد: دعا اللَّه فأُخرج له من نفق في الأرض (^٢) حتى وضع بين يديه.
وقال ابن عباس ﵄: قال: يا حيُّ يا قيوم.
وقال عبد اللَّه بن سلَام: قال: اللهم إني أسألك بأنك أنت اللَّه الذي لا إله إلا أنت، الحيُّ القيوم الطاهرُ المطهَّر، نورُ السماوات والأرض، عالمُ الغيب والشهادة الكبيرُ المتعال.
وروي عن جابر أنه قال في الدعاء: يا اللَّهُ يا اللَّهُ يا اللَّه.
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٩٤)، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٦٣) عن معمر عن الكلبي بلفظ: (قبل أن يأتيك الشخص. .). أما قتادة فذكر هذا القول عنه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١١)، لكن لعل في نسبته لقتادة وهم، فقد روى الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٧٢) عن معمر قال: (قال غير قتادة. . .) فذكره مثل رواية معمر عن الكلبي بالحرف، فغير قتادة هو الكلبي على الأظهر كما يظهر من رواية عبد الرزاق عن معمر، فلعل من نسبه لقتادة سقطت عنده كلمة (غير) التي في رواية الطبري، أو تحرفت إلى (عن)، وقد وقعت كذلك في بعض نسخ الطبري كما ذكر في حواشيه. ويؤيد ما ذكرناه أنه قد روي عن قتادة غيره كما ذكر الواحدي وغيره، قال الواحدي في "البسيط" (١٧/ ٢٤٤): وعلى هذا التفسير (يعني تفسير الكلبي والفراء) يجب أن يكون التقدير: قبل أن يرتد إليك مَن على منتهى طَرْفك؛ وهذا التقدير بعيد، ثم إتيانُ الشخص إليه من مدِّ البصر لا يسمى ارتدادًا إلا أن يكون قد خرج من عنده. . . ولهذا قال قتادة: هو أن يبعث رسولًا إلى منتهى طرفه، فلا يرجع حتى يؤتى به)، وهذا القول الذي ذكره عن قتادة أورده أيضًا الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١٢).
(٢) في (ف): "من شق الأرض".
[ ١١ / ٣٥٩ ]
وقال عمرو بن عديٍّ: دعا فقال: يا ذا الجلال والإكرام والفضلِ العظيم والعزِّ الذي لا يُرام.
وقيل: قال: أَهيا شَرَاهيا (^١).
وكان ذلك من كرامة آصف، وكرامةُ الأولياء حقٌّ عند أهل السنَّة والجماعة، وهو في الحقيقة معجزة لذلك الرسول الذي هذا من أمته.
وقال وهب: كان آصف من الجنِّ، وجمعَ عفاريتَ من الجن حتى اقتلعوا منزلها الأعلى الذي فوق الأسطوانات بمساكنه وجميع ما فيه، وهي فيه على فرُشها لم تقدر أن تتحوَّل عنها (^٢) حتى وُضعت بين يدي سليمان (^٣)، وكان حليُّها وثيابها وطيبُها مخزونًا معها في منزلها، فأتي بذلك كله، فلما رآه مستقرًا عنده ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾؛ أي: إن ما فعله ربي من إلقاء الرعب في قلبها حتى أقبلت إليَّ مع قومها في تلك الرواية، ومن إحضار عرشها في هذه المدة من مسيرة شهرين على هذه الرواية ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾؛ أي: من إفضاله عليَّ من غير استحقاقٍ
_________________
(١) ذكره الثعلبي ومكي بن أبي طالب وابن عطية والرازي في تفاسيرهم في تفسير قوله تعالى في سورة يونس: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وذكره في هذه الآية القرطبي في "تفسيره" (١٦/ ١٦٨) قال: وقالت عائشهُ ﵂ قال النبيُّ -ﷺ-: "إنَّ اسم اللَّه الأعظمَ الذي دعا به آصفُ بنُ بَرخيا يا حيُّ يا قيُّومُ"، قيل: وهو بلسانهم، أَهيا شَرَاهيَا. وحديث عائشة المذكور ذكره أيضًا الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١١)، ولم أجده مسندًا.
(٢) في (ف): "عنه".
(٣) كذا جاء في هذا الخبر، وهو مخالف لنص القرآن الذي قال: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾، وهذا واضح لا لبس فيه أن العرش وصل قبلها، والعجب من بعض المفسرين كيف يوردون أمثال هده الأخبار دون التبصر بمعناها؟! وسيأتي للمؤلف كلام في تضعيف هذه الرواية.
[ ١١ / ٣٦٠ ]
مني ليمتحنني ﴿أَأَشْكُرُ﴾؛ أي: إنعامَه (^١) ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ لم يفعل ذلك بي لأستعين به على معاصيه ولا لأفاخر به.
وقيل: خطر بباله أنه ظهر هذا لآصف، ثم رد الخاطر وقال: إنه من فضل اللَّه عليَّ حيث جعل في أمتي مَن له هذه المنزلةُ، وهو كشكر الأب بما يظهر لابنه من كرامةٍ ينفرد بها ولا يكون ذلك للأب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾: لأن المزيد يحصل له به، وحقُّ النعمة يقضي (^٢) به.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ النعمة ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ﴾ لا يعجِّل بعقوبةِ مَن كفر نعمه (^٣).
* * *
(٤١) - ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: أي: غيِّروا، والتنكير: التغيير، والتنكُّر: التغيُّر.
قوله: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: أتعرفُ ذلك وتعقله أم لا تعقله ولا تعرفه؟
وقيل: ﴿أَتَهْتَدِي﴾ إلى الإسلام بهذه الآية وهو حملُها إليَّ في هذه المدة اليسيرة، أم لا تهتدي إليه؟ والتغيير يكون بالزيادة والنقصان أو العكس.
_________________
(١) "أي: إنعامه" ليس في (أ).
(٢) في (ر): "يفضي".
(٣) في (أ): "النعمة".
[ ١١ / ٣٦١ ]
قال وهب: قال للجن: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ فنكِّس، وبنت الشياطين فوقه قبابًا أخرى هي أعجب من تلك القباب وهو مقلوب قد جُعل أسفلُه أعلاه، وإنما أراد سليمان أن يعلِّمها صغر ملكها عند ملكه.
ونظمُ هذه الآيات يضعف قول وهب: حملوا عرشها وهي عليه؛ لأن التنكير والمجيء والنظر إليه يخالف كونها عليه.
* * *
(٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾: لما رأته محمولًا على الريح مقلوبًا وهو في الهواء لا يقع على الأرض، وقد صُنع فيه ما هو أعجب وأفخر ما كان فيه، أنكرته، فعند ذلك ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾.
قالوا: إن الشياطين خافت أن يتزوجها فيولَدَ له منها ولدٌ وهي جنية (^١)، فتطيع الجنُّ ولده منها، فيدوم له الملك ويبقَوا مسخَّرين لآل (^٢) سليمان أبدًا، فقالوا له: إنها ضعيفة العقل حمقاء، وإن رِجْلها كرِجْل حمار، فأمر بتنكير عرشها ليَمتحن عقلها فقال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ففعلوا وقالوا لها: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لم تعرف ولم تنكر ذلك لمَّا بَعُدَ عندها أن يكون هو هو (^٣)؛ لأنَّها خلَّفته في منزلها، ثم وكَّلت به مَن وكَّلت، فلم تقل: هو، ولما رأت فيه من التغيير ولم تقطع أيضًا على أنه ليس هو لِمَا رأت فيه من المشابهة فقالت قولًا بين النفي والإثبات تحرُّزًا عن الكذب بالقطع على أحدهما من غير ثبت.
_________________
(١) في (ف): "حسنة".
(٢) في (ر) و(ف): "لابن".
(٣) "هو" ليست في (ف).
[ ١١ / ٣٦٢ ]
وأمر بإدخالها الصرح لتكشف عن ساقها لِمَا تتوهم أنه لجَّة فيظهرَ حالُها، ففعلت وانكشف عن أحسن ساق وقدم، فزال تلبيس الشياطين.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾: قيل: أي: قالت: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ باللَّه (^١) ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾: من قبلِ صحبة سليمان (^٢) ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: أسلمنا قبل أن نجيء.
وقيل: هذا قول سليمان على وجه الشكر آتيناه العلم به من قبل هذه المرأة ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: منقادين للَّه.
* * *
(٤٣) - ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
﴿وَصَدَّهَا﴾: أي: ومنع المرأة ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في موضع الرفع أي: عبادتها الشمس من دون اللَّه عبادة اللَّه وهو مفعول ثاني.
وقيل: صدها عن العلم والاهتداء.
قوله: ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: أي: فإنها كانت كذلك.
قيل: هذه الآية قول سليمان.
وقيل: هو قول اللَّه تعالى.
وقيل: ﴿وَصَدَّهَا﴾؛ أي: ومنعها سليمان.
وقيل: ومنعها اللَّه ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: من عبادة غير اللَّه، وهو في موضع المفعول.
* * *
_________________
(١) "باللَّه" من (أ).
(٢) في (ف): "صحبته".
[ ١١ / ٣٦٣ ]
(٤٤) - ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾: قال أبو عبيدة وقطرب: أي: القصر (^١).
وقيل: هو عَرصةُ الدار، وهو قول الزجَّاج (^٢).
وقيل: هو البنيان (^٣) المرتفع.
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾: هي موضع الماء.
وقال وهب: وأمر سليمان الشياطين فصنعت له منزلًا من قارورةٍ بيضاء يترجرج كأنه (^٤) الماء، وجعل فيها تماثيلَ سَمَك تسبح فيها، ومرِّدت حتى اشتدَّ بريقها (^٥)، فجعلت تنظر الى مثالها (^٦) فى الزجاجة كأنها المرآة المصقولة (^٧)، وعليها حلةٌ من حريرٍ أبيض مُلحمةٌ من الذهب الأحمر، فجعلت تنظر إلى نفسها ولباسها وكلِّ شيء عليها في أرض (^٨) تلك القارورة، ثم: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ وهو منزلُك، فظنت أنها مخاضةٌ من ماء حين نظرت إلى تماثيل السمك تسبح فيها، فلما كشفت
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٠٥).
(٢) في (ر) و(ف): "وقال الزجاج: أي: عرصة الدار". ولفظ الزجاج في "معاني القرآن" (٤/ ١٢٢): و(الصَّرْحُ: في اللغة القصرُ، والصَّحْن، يقال: هذه ساحةُ الدار وصحنة الدار وباحة الدار وقاعةُ الدار وقارِعة الدار، هذا كله في معنى الصَّحْن).
(٣) في (أ): "البناء".
(٤) في (أ): "تتزحزح كأنها".
(٥) في (ف): "اشتدت بريقا".
(٦) في (ر) و(ف): "تمثالها".
(٧) في (ف): "الصقيلة".
(٨) في (أ): "عرض".
[ ١١ / ٣٦٤ ]
عن ساقيها وهو قوله: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ قيل لها: إنه ليس بماء، ولكنه: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾؛ أي: مملَّسٌ من قوارير، فأسلمت عند ذلك و﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بالشرك.
وقيل: ظنت أن سليمان مكر بها ليقتلها.
وقال محمد بن كعب القرظي: لما بصُرت بالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابًا يقتلني به إلا الغرق (^١)، فلما وقفت على الحقيقة قالت: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بما أسأت به الظن.
وقيل: أمرُ سليمان بتنكير العرش واتخاذِ الصرح كان لتنظر إلى ذلك فتعلمَ فضلَ ملكه على ملكها، وأن اللَّه هو الذي سخرهم له وهيَّأ ذلك كلَّه له، فإن ذلك لا يكون إلا آيةً لنبوته ورسالته، فتهتدي بذلك إلى الإسلام، ولذلك أسلمت.
وقيل: كان هذا معارضةً (^٢) له إياها فيما فعلت من أمر الوصفاء والوصائف، وتنكيرِها إياهم، وكذا حال الجواهر، ففعل بها كذلك، فاهتدى هو إليها لنبوته ولم تهتدِ هي إليه، فاستبان لها حاله فأطاعته وأسلمت.
وقيل: الحكمةُ في كتمان حالِ (^٣) هذه الملكة على سليمان مع قُرب ولايتها منه، ومع أن الدنيا كلَّها كانت مملكةً له؛ ليكون ذلك عند ظهور عذرِ الهدهد عن جنايته، وما ذَكر سليمان في حقه: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ كان تأديبًا وتهذيبًا لا
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٨٢).
(٢) في (أ): "معاوضة".
(٣) "حال" من (أ).
[ ١١ / ٣٦٥ ]
عقوبةً وتعذيبًا، وذاك جائز كرياضة الدوابّ وضربها عند الحراب، وضرب الكلاب ونحوها للتعليم، وهو التفصِّي (^١) عن اعتراضِ مَن قال: كيف استجاز (^٢) ذلك فيما لا يخاطَب ولا يعاتَب ولا يعاقَب؟!
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾: وهذه قصةٌ أخرى في معنى ما مضى ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ليقول لهم: وحِّدوا اللَّه.
﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾: فصدَّقه بعضهم وكذَّبه بعضهم فصاروا فريقين.
وقال: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ على الجمع لأن الفريقين جمعان، معناه: يخاصم كلُّ فريقٍ الآخرَ في مخالفته ومحاجَّته في إثبات قول نفسه، وهو ما قال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [الأعراف: ٧٥] الآيات.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: وكان من عادة الأمم المكذِّبة استعجالُ العذاب كقولهم: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٧] ونحوِ ذلك.
وقيل: معناه: لمَ تفعلون ما تستحقُّون به أن تعاجَلوا بالعذاب من الكفر والمعاصي، ولم يُرد به السؤال.
_________________
(١) في (أ): "التعصي"، وفي (ر) و(ف): "التقضي". والصواب المثبت، والتفصِّي: التخلص.
(٢) في (أ): "استحار"، وفي (ر) و(ف): "استحال". والصواب المثبت.
[ ١١ / ٣٦٦ ]
﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: أي: هلا تتوبون إلى اللَّه من الكفر، فيكونَ ذلك سؤالَ المغفرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: راجين رحمة اللَّه.
* * *
(٤٧) - ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾: أي: تشاءمنا بكم فلا نتَّبعكم لئلا تصيبَنا المكارهُ في أنفسنا وأولادنا وأهالينا وأموالنا، آيَسوه عن إيمانهم.
وقيل: قُحِطوا فقالوا: هذا بشؤمكم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: ما أصابكم من مكروهٍ أو محبوب فمن اللَّه لا مني.
وكان الكفار إذا أصابتهم شدة في زمن النبي -ﷺ- قالوا: هذه من شؤمه، وإذا أصابتهم نعمة قالوا: هذه باستحقاقنا، كما ذكر اللَّه ذلك عن قوم موسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقال المشركون لنبينا ﵇ ما ذكر عنهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: ما ينزل بكم من العذاب في الآخرة إنما يصيبكم بتكذيبكم إياي في الدنيا.
وقيل: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: جزاء تطيُّركم عند اللَّه، هو يجزيكم به بعذاب الدنيا والآخرة.
قوله تعالى ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: أي: تُمتحنون مرةً بالشدة ومرةً بالرخاء.
وقيل: أي: بل الكفار يَفتنونكم بالدعوة إلى الثبات على الكفر والتطيُّر فيَّ (^١).
_________________
(١) "فيَّ" ليست في (أ) و(ف).
[ ١١ / ٣٦٧ ]
وقيل: معناه: بل أنتم قوم تعذَّبون بذلك في الآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]؛ أي: يعذَّبون.
* * *
(٤٨) - ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: كانوا من أولاد الأشراف وكانوا فسَّاقًا (^١).
وقيل: هم قُدَار بن سالفٍ، ومِصْدعُ بن دهر (^٢)، وأسلم، ورهمي ورُهيم، ورعمي ورعيم، وقبال وصداف (^٣)، عقروا الناقة (^٤) يوم الأربعاء فأهلكهم اللَّه يوم السبت.
* * *
(٤٩) - ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٢٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٢١٩).
(٢) في (أ): "زهر". وقد تقدم في قصة صالح في سورة الأعراف ان اسمه: مصدع بن مَهْرَج.
(٣) في (أ): "ورغمي ورغيم وقبال وصداق". وقد وقع في أسمائهم اختلاف كثير في النسخ والمصادر، ولا ينضبط ذلك بضابط، قال السهيلي في "التعريف والإعلام" (ص: ١٢٩): (ذكر النقاش التسعة وسماهم بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية، غير أني أذكره على وجه الاجتهاد والتخمين. . .) إلى آخر ما قال. وانظر أسماءهم على الاختلاف فيها في "المحبر" لابن حبيب (ص: ٣٥٧)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٢١٦)، و"النكت والعيون" (٤/ ٢١٩)، و"الكشاف" (٣/ ٣٧٢)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١٨٣). وانظر كذلك ما رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٠٠) عن ابن عباس في تعداد أسمائهم.
(٤) في (ر) و(ف): "قتلوا الناقة أي: عقروها".
[ ١١ / ٣٦٨ ]
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب على الجمع (^١)؛ أي: قال بعضهم: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على الأمر؛ أي: احلِفوا لتأتُنَّه ليلًا فتقتلوه، و﴿ولتقولُن لوليِّه﴾؛ أي: لأوليائه وهو جنس يصلح للجمع، وهو كقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقرأ الباقون بالنون إخبارًا عن أنفسهم؛ أي: احلفوا فقولوا كذا. ويجوز أن يكون ﴿تَقَاسَمُوا﴾ فعلًا ماضيًا، ويكون تفسيرًا لقوله: ﴿قَالُوا﴾، ويكون بمعنى الحال؛ أي: متقاسمين.
﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾: وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ﴿مَهْلَكَ﴾ بفتح الميم واللام، ومعناه: الهلاك؛ أي: موضع الهلاك.
وفي رواية حفصٍ بفتح الميم وكسر اللام وهو كذلك.
وقرأ الباقون بضم الميم وفتح اللام، وهو الإهلاك وموضع الإهلاك (^٢).
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: فيما قلنا.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾: قصدوا قتلَ صالح وأهله في خفيةٍ ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾: جازيناهم جزاء مكرهم وأهلكناهم في خفيةٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم حين قصدوا ذلك أنه يعود قصدهم عليه (^٣).
_________________
(١) أي: ﴿لتُبيِّتُنَّه وأهلَه ثم لتَقولُنَّ﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٣)، و"التيسير" (ص: ١٦٨).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٣)، و"التيسير" (ص: ١٤٤).
(٣) في (ف) و(أ): "عليه".
[ ١١ / ٣٦٩ ]
﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي [وعاصم]: ﴿أنا﴾ بالفتح؛ أي: كان عاقبةُ مكرهم تدميرَهم، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف وتمامِ الأول (^١).
﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾؛ أي: أهلكناهم؛ أي: التسعة ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: سائرَ قوم صالح.
واختلفت الآثار في كيفية هلاك هؤلاء:
قال ابن عباس ﵄: أرسل اللَّه ملائكة ليلًا فامتلأت بهم دار صالح، فأتى (^٢) التسعةُ الدارَ شاهرينَ سيوفهم ليقتلوا صالحًا، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث لا يَرَون الملائكة فقتلتْهم (^٣).
وقيل: خرجوا نهارًا من المدينة يُظهرون أنهم يسافرون وعادوا ليلًا خفيةً ونقَبوا الجدران ليدخلوا داره فيقتلوه، فرمتهم الملائكة من السطح فقتلوهم.
وقال مقاتل: نزلوا في سفح من الجبل ينتظر بعضهم بعضًا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم (^٤).
وقال السدِّي: خرجوا ليأتوا دار صالح فنزلوا خرقًا من الأرض ليكتمنوا فيه فانهار عليهم (^٥).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٣ - ٤٨٤)، و"التيسير" (ص: ١٦٨)، وما بين معكوفتين منهما.
(٢) في (أ): "فأتت".
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ١٢٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١٧)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ٢٦٥)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٧٠).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١٧)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ٢٦٥)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٧٠).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢١٧)، والواحدي في "البسيط" (١٧/ ٢٦٥)، والقرطبي في =
[ ١١ / ٣٧٠ ]
وقال قتادة: خرجوا مسرعين إلى صالح، فسلط اللَّه عليهم صخرةً (^١) فقتلتهم (^٢).
وفيهم يقول الشاعر:
كما بتسعةِ رَهْطٍ في مَساكنهِمْ قد نكَّل اللَّه إذ أغواهُمُ رجلُ
يدعَى قدارٌ فلمَّا أن هُمُ عقروا لربِّهم ناقةً والدِّينَ (^٣) ما قبِلوا (^٤)
أتاهمُ ربُّهم من حيث ما عمِلوا يجزيهمُ (^٥) فأراهمْ غبَّ ما عملوا
* * *
(٥٢ - ٥٣) - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: أي: خاليةً، وقيل: ساقطةً، وهي نصبٌ على القطع لأنه نعتٌ نكرةٌ لاسمٍ معرفةٍ.
﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾: أي: بظلمهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يتأمَّلون فيعرفون فيتَّعظون.
_________________
(١) = "تفسيره" (١٦/ ١٨٥). وقوله: "خرقًا" كذا في النسخ و"تفسير الثعلبي"، وفي "البسيط": (جرف)، ومثله عند القرطبي: (على جرف). والجُرُف: ما ينجرف بالسيول من الأودية.
(٢) في (ف): "قرودًا" وفي (ر): "قرودًا صخرًا". والمثبت من (أ) والمصادر.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٧٠)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ٩٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٠٢).
(٤) في (أ) و(ر): "والذين".
(٥) في (ر): "قتلوا".
(٦) في (ف): "يخزيهم".
[ ١١ / ٣٧١ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: فميَّزنا بين المحسنين والمسيئين.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾: عطف على ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: وأرسلنا لوطًا إلى قومه.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: أي: الفعلةَ القبيحةَ، وهي إتيان الذكران.
﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؛ أي: ترون قبحها بقلوبكم وهو العلم.
وقيل: يبصر (^١) بعضكم بعضًا على ذلك.
وقيل: ﴿تُبْصِرُونَ﴾ آياتي، وتعلمون صدقي، ولا تنتهون بنهيي.
قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾: استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ، وكذلك الأول وهو قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: أي: ليس ذلك منكم لوجود الشهوة في الرجال وعدَمِها في النساء، بل لفرط جهالتكم تفعلون ذلك.
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: أي: لوطًا ومتَّبِعِيه ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "ينظر".
[ ١١ / ٣٧٢ ]
وقيل: أرادوا به الاستهزاء؛ كما في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧].
وقيل: أي: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ عند أنفسهم وفي زعمهم.
وقيل: أي: يتنزَّهون عن مثلِ عملنا ويخالفوننا.
قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بالتخفيف، والباقون بالتشديد (^١)، وهما بمعنًى واحدٍ، قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣].
و﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: الباقين في الهلاك.
* * *
(٥٨ - ٥٩) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾: أي حجارةً من سجِّيلٍ من السماء (^٢) ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: ﴿قُلِ﴾ يا محمدُ: الشكرُ للَّه على إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء.
وقيل: أي: على بيان آيات (^٣) الوحدانية وإبطالِ الكُفر والكَفرة.
﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: أي: الأنبياءِ والمؤمنين.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٤)، و"التيسير" (ص: ١٣٦).
(٢) "من السماء" ليس في (أ) و(ف).
(٣) "آيات" ليس من (أ).
[ ١١ / ٣٧٣ ]
وقيل: أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وعلى هذا أمَره بالحمد على إعطاء الرسالة، والسلامِ على الصحابة، ثم علمه محاجة المشركين فقال:
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: استفهامٌ للتقرير؛ أي: آللَّه القادر على الإهلاك والإنجاء وعلى كلِّ شيء خيرٌ، أم الأصنام التي تشركونها باللَّه وهي عاجزة جماد؛ أي: بل (^١) اللَّه هو المستحق للعبادة دونها.
* * *
(٦٠) - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: له وجهان:
أحدهما: ابتداء سؤال على معنى التقرير؛ كما في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ فإنهم إذا سئلوا عن هذا اعترفوا فلزمهم (^٢) وجوب العبادة له دون غيره.
والثاني: بإضمار آخر الآية الأولى: أمَا تشركون خير أمَّن خلق السماوات والأرض.
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾: صرف الكلام عن المغايبة وهو قوله: ﴿وَأَنْزَلَ﴾ إلى الإخبار عن نفسه، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وهو من أقسام البلاغة.
﴿حَدَائِقَ﴾: بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: أي: حُسن وزينة.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: أي: ليس من صفتكم القدرةُ على إنباتها.
_________________
(١) في (أ): "قل".
(٢) في (ر): "بلزمهم"، وفي (ف): "يلزمهم".
[ ١١ / ٣٧٤ ]
وقيل: ما يمكنكم أن تنبتوها إلا بالماء، وأنزلنا الماء لقضاء حوائجكم.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا إله مع اللَّه، وهو المنفرد بالألوهية والربوبية وكمال القدرة.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: أي: الكفار يميلون عن الحق.
وقيل: أي: يَعدِلون باللَّه غيرَه؛ أي: ينسبون الأصنام به بالإشراك (^١).
* * *
(٦١) - ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: مستقرًّا للخلق، وله وجهان كالأول.
﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾: أي: أوساطَها ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت لتسكينها عن الاضطراب ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذبِ والمِلْحِ ﴿حَاجِزًا﴾؛ أي مانعًا عن الاختلاط، وقد فسرناه في سورة الفرقان.
قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفعل كذلك، وهو بمعنى النفي.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الكناية عن قوم النبي -ﷺ-، وأقلُّهم علموا وآمنوا، وأكثرهم لم يعلموا بترك التأمُّل في الدلائل فأصرُّوا على الكفر.
* * *
(٦٢) - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ): "أي يسرون الأصنام بالإشراك". والمثبت من باقي النسخ، والمعنى واللَّه أعلم: يشركون باللَّه الأصنام ويجعلونها مثله في استحقاق العبادة.
[ ١١ / ٣٧٥ ]
قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: له وجهان أيضًا كما مر.
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾: أي: ساكنيها بعد ذهاب السَّلَف، وكانوا مُقِرِّين بذلك كلِّه، فكانوا إذا اضطُروا وأصابهم سوءٌ لا يفزعون في إزالة ذلك إلا إليه.
وقال القشيري: الإجابة بالقول وكشف السوء بالطَّول، الإجابة بالكلام والكشف بالإنعام، وما دام العبد يتوهَّم من نفسه شيئًا من الحول والقوة، أو شيئًا (^١) [من الأسباب] يعتمد عليه أو يستند إليه، فليس بمضطرٍّ، إلى أن يرى نفسه كالغريق في البحر، والضالةِ في المتاهة، والميتِ في يد الغاسل، لا يرى لنفسه استحقاقًا للإجابة (^٢).
قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: فسَّرناه ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: ما يتَّعظون بمواعظ اللَّه.
* * *
(٦٣) - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾: أي: يرشدكم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ للطرق إلى المقاصد، وله وجهان كما مر.
ومعناه: هو الذي يهديكم إليها بالنجوم والعلامات المجعولة لها والاستدلال بالدلائل.
قوله: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: بينَّا معناه والقراءةَ فيه في سورة الفرقان.
_________________
(١) في (أ): "سببًا"، والمثبت من باقي النسخ، ومثله في مطبوع "اللطائف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٤٤ - ٤٥)، وما بين معكوفتين منه.
[ ١١ / ٣٧٦ ]
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: وهذا ظاهر.
* * *
(٦٤) - ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: كانوا مقرِّين بأن اللَّه تعالى هو الذي يبدأ الخلق، فأما قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فهم وإن جحدوه فهم محجوجون بالنشأة الأولى، فلزمهم الأمران، و﴿الْخَلْقَ﴾ بمعنى المخلوق، وهو واحدٌ، فلذلك قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي: المطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: من الأرض بالنبات.
قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: فسَّرناه ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: حُجَّتكم على ما تقولون من أن الأصنام شركاءُ للَّه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في هذه الدعوى، فإنا قد أقمنا البرهان على قدرة اللَّه وربوبيته وإلاهيته (^١) ووحدانيته.
وقيل: قل لهم إن قالوا: إنه يفعل ذلك معه غيره: هاتوا حجتكم على ذلك، ولا يجدون فيلزمهم الانقياد للحق.
* * *
(٦٥ - ٦٦) - ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: سأل هؤلاء المشركون رسول اللَّه -ﷺ- عن القيامة: متى هي؟ فكان يُوْعدهم بذلك، فقال اللَّه
_________________
(١) في (أ): "وألوهيته".
[ ١١ / ٣٧٧ ]
تعالى له: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: لا تعلم ملائكة السماء ولا الجنُّ والإنس في الأرض غيبًا، وهو مما استأثر اللَّه بعلمه، وهذا من الغيب.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: ما تعلم أهل السماء والأرض ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى يحشرون.
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (^١): قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿بل أَدْرَكَ عِلْمُهم في الآخرة﴾، والباقون: ﴿ادَّارَكَ﴾ (^٢)، ومعناه: تدارَك، وأُدغمت التاء في الدال وسكِّنت فأُدخلت في أولها الألف ليُبتدأ بها (^٣).
فمَن قرأ: ﴿أَدْرَكَ﴾ فمعناه عند بعضهم: بَلَغ علمهم في الآخرة؛ أي: خطر على قلوبهم أن البعث كائن ثم الْتبَس وقته.
قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾: أنه يكون أو لا يكون ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾: جاهلون لا يعلمون كونَها ولا يعتقدون ذلك.
وقيل: هذه الصفات الثلاث لفرقٍ ثلاث (^٤): منهم فرقة علمت بها، وفرقة شكَّت، وفرقة أنكرت.
ومَن قرأ ﴿ادَّارَكَ﴾ فمعناه: تتابع واجتمع (^٥)، ثم له وجوه:
_________________
(١) في (ف): "بل أدرك. . . ".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٥)، و"التيسير" (ص: ١٦٨).
(٣) في (ف): "لابتدائها" بدل: "ليبتدأ بها".
(٤) في (أ): "بل".
(٥) "واجتمع" ليست في (ف)، وهذا المعنى ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٢٠) في معاني قراءة: (ادَّارك) فقال: ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكٍّ من وقتها. وقد تقدم عند المؤلف نحوه في القراءة المذكورة، لكنها مرادة له هنا في هذه القراءة كما سيأتي في بعض معانيها.
[ ١١ / ٣٧٨ ]
أحدها: تتابع زعمُهم الذي هو علمٌ عندهم في الآخرة أنها لا تكون، وهذا في ابتداء القول ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾: أنها تكون أو لا تكون، بعد التأمُّل (^١) ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾: باقون على الجهالة غيرُ مُمْعِنين (^٢) النظرَ حتى يعرفوا كونها.
وقيل: ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾؛ أي: تتابع علمُ المؤمنين على كونها، ﴿بَلْ هُمْ﴾؛ أي: المنافقون ﴿فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ﴾؛ أي: المشركون ﴿مِنْهَا عَمُونَ﴾.
وقيل: ﴿ادَّارَكَ﴾ ماضٍ بمعنى المستقبل كسائرِ ما ذكر من أحوال القيامة: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٨]، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٤٧]، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩]؛ أي: يدَّارك (^٣) علمُهم في الآخرة، يعني: يتتابع (^٤) يومئذ علمهم (^٥) ويجتمع على التيقُّن بها وهم في شك وعمًى في الدنيا، وهو كقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨].
وبعضهم قالوا: ألف الاستفهام في أوله مقدَّرة، فتكون بمعنى النفي مع أن ظاهره إثبات، وألفاظ السلف على هذه الأقاويل دالة.
وقال السدي: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (^٦)؛ أي: ما عَمِي عليهم من ذلك في الدنيا علِموه في الآخرة (^٧).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "التأويل".
(٢) في (ف) و(أ): "منعمين".
(٣) في النسخ: "تدارك"، والصواب المثبت.
(٤) في النسخ: "تتابع"، والصواب المثبت.
(٥) في (ف) و(أ): "عليهم".
(٦) في (ف): "بل أدرك. . . "، وانظر التعليق الآتي.
(٧) في رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩١٥) بلفظ: (﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: اجتَمَع عليهم =
[ ١١ / ٣٧٩ ]
وقال مجاهد: يدرك علمهم في الآخرة إذا عاينوها (^١).
وفي (^٢) رواية: لم يدرك علمهم في الآخرة (^٣).
وقال القتبي: ﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: ظنٌّ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ يقولون تارةً: يكون، وتارةً: لا يكون (^٤).
* * *
(٦٧ - ٧٠) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾: أي: من القبور أحياءً.
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قبل هذا ﴿إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أكاذيبُ سطرها الأولون.
﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: في البلاد ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: المكذِّبين.
_________________
(١) = يومَ القيامةِ ﴿بَلْ هُمْ﴾ منها اليومَ ﴿فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾). وذكره الأزهري في "معاني القراءات" (٢/ ٢٤٣) في معنى قراءة: (ادَّارك) بلفظ: (اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يَشُكوا ولم يختلفوا).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢٠/ ٣١٣) (ط: دار التفسير) بلفظ: (يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنَّهم كانوا في الدنيا مكذِّبين). ورواه ابن وهب كما في "تفسير القرآن من الجامع" (٩٩) بلفظ: (ما جهلوه في الدنيا علموه في الآخرة).
(٣) في (ر) و(ف): "وقال مجاهد في".
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩١٥).
(٥) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة (ص: ٢١٠).
[ ١١ / ٣٨٠ ]
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ يا محمد أن يهلكوا فإنهم مستحِقُّون لذلك ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾؛ أي: لا يَضيقنَّ عليك أمرُك ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: من مكرهم؛ أي: لا تظنَّ ظفرهم بك، فإن اللَّه ناصرُك ومهلكُهم.
* * *
(٧١ - ٧٣) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: أي: العذاب الموعود ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في إخباركم عنه، يخاطبون به النبيَّ -ﷺ- وأصحابَه.
﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾؛ أي: دنا منكم، فهو آتيكم من ورائكم، وهذا فعلٌ يُعدَّى باللام وغيرِ اللام، وما رَدِفَ الشيءَ فقد قَرُبَ منه.
﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ من العذاب في الدنيا: الأسرِ والقتل، وقيل: القحط.
وقيل: عذاب القبر وباقيه (^١) في الآخرة من عذاب النار.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: على الكفار بتأخير العذاب عنهم، وقيل: ببعث الرسول.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لا يؤدون شكر نعمه بالإيمان.
* * *
(٧٤ - ٧٦) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وما فيه".
[ ١١ / ٣٨١ ]
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: أي: تُسرُّ (^١) وتكتُم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يظهرون بالقول والفعل، فليس تأخيرُ العذاب لخفاءِ ما يُضمرونه ويُظهرونه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾: أي: خصلةٍ غائبةٍ عن رؤيتكم أو علمكم ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: مُثْبتةٌ في اللوح المحفوظ.
وقيل: معلومةٌ عند اللَّه محفوظة.
قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: اختلفوا فصاروا أحزابًا، فأُنزل القرآن ببيان ذلك (^٢).
واختلفوا أيضًا في النَّسخ، وفي صفة عيسى، وفي تعيين المبشَّرِ به في الكتاب أنه نبيُّ آخِرِ الزمان، وأشياءَ كثيرةٍ.
وإنما قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ لأنَّه بقي اختلافٌ كثير لم يبيِّنه اللَّه تعالى، وإنما بيَّن كثيرًا من ذلك، وهذا تحريكٌ للمشركين على اتِّباع القرآن، فإنه لمَّا كان فيه بيانٌ لأهل الكتاب، وأنتم ترجعون إليهم في كثير من أموركم، فلمَ تركتم أنتم هذا الكتاب وهو منزلٌ على نبيَكم بيانًا لكم؟
* * *
(٧٧ - ٧٩) - ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
﴿وَإِنَّهُ﴾: أي: القرآن ﴿لَهُدًى﴾؛ أي: إرشاد ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بما اتَّبعوه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختلفوا فيه ﴿بِحُكْمِهِ﴾ الحقِّ في الآخرة،
_________________
(١) في (ر): "تستر".
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٧/ ٢٩٥) من رواية الكلبي عن ابن عباس.
[ ١١ / ٣٨٢ ]
بمجازاةِ كلِّ أحدٍ على وَفق عمله، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ (^١) فلا يُعارَض حكمُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ فلا يخفى عليه المطيعُ من العاصي.
وقيل: يقضي بينهم في الدنيا بحكمه فيما حرَّفوه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يردُّ بأسه عمَّن خالف حكمَه ﴿الْعَلِيمُ﴾ فلا يخفَى عليه الصواب.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يا محمد فإنه ناصرُك على مَن خالفك ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾؛ أي: الظاهرِ لمن نظَر إليه بعينِ قلبه.
* * *
(٨٠ - ٨١) - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: أي: ليس (^٢) في طاقتك إدخالُ الإيمان في قلبِ من لا يتدبر القرآن (^٣).
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: الذين تصامُّوا (^٤) عن سماع الحق وولَّوا عنه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: وقرأ حمزة: ﴿تَهْدي العُمْيَ﴾ خطابًا له بالفعل (^٥)، و﴿والعُمْيَ﴾ نصب لأنه مفعول.
_________________
(١) في جميع النسخ: "إنه هو العزيز"، والمثبت موافق للفظ الآية.
(٢) في (ر): "ما".
(٣) في (أ): "الإيمان".
(٤) في (ف): "صموا".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٦)، و"التيسير" (ص: ١٦٩).
[ ١١ / ٣٨٣ ]
﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾: أي: ما تُسمع ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: يصدِّق بها ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون للحق، فالميت هو الكافر، والأصم والأعمى: هو المعرِض عن رؤية الحق وسماعِه.
وليس في وسع النبي ﵇ هدايةُ الكافر، وهو إثبات فعل الاهتداء له، واللَّه تعالى هو معطي الاهتداءِ وموصلُ العبدِ إلى سماع الحق ورؤيته، وإنما يعطيه مَن عَلِم منه اختيارَ الحق، فأما مَن علم منه اختيارَه الباطل فإنه يخذله ويدَعه وما يختاره.
* * *
(٨٢) - ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: وجب العقابُ عليهم ونزولُ العذابِ الموعودِ بهم، ومعناه: قرُب قيامُ الساعة، وظهرت الأيام التي لا يُقبل معها الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: علَمًا من أعلام الساعة ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾؛ أي: تخبرهم وتقول: ﴿إن الناس﴾ على قراءة الكسر، ومَن فتَح فعلى وقوع الفعل عليه (^١).
﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾: أي: الكفار الذين حقَّ عليهم القول كانوا بآياتنا لا يصدِّقون ويشكُّون، فقد أتى ما أزال الشكوك عنهم، وأَشرفوا على العقاب الذي كانوا يُوعدون.
وقال مقاتل: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكة، وهي دابة لها زغبٌ وريشٌ وجَناح (^٢).
_________________
(١) قرأ الكوفيون بفتح الهمزة والباقون بكسرها. انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٦ - ٤٨٧)، و"التيسير" (ص: ١٦٩).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣١٧).
[ ١١ / ٣٨٤ ]
وقال قتادة: تخرج من وادٍ من أودية تِهَامة (^١).
وقال علي: تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون إليها (^٢) فلا يخرج إلا ثلثُها (^٣).
وقال مقاتل بن حيان: لا يخرج إلا رأسها، ورأسُها يبلغ عنان السماء (^٤).
وقال الحسن: لا يتمُّ خروجها إلا بعد ثلاثة أيام والناس ينظرون، وهي تسير سيرَ الشمس.
وقال السدِّي: ثم تعود إلى ما كانت عليه قبل خروجها.
قال عبد اللَّه بن عمرٍو: لو شئتُ لتنعَّلْتُ بنعلي هذه ثم قصتُ فأَرَيْتُكم الموضعَ الذي تخرج منه الدابة، وهو يومئذ بمكة (^٥).
وقيل: تخرج من بين الصفا والمروة.
وقال وهب: تخرج ومعها عصا موسى وخاتمُ سليمان، فتمسح وجه المؤمن
_________________
(١) رواه عن قتادة الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٦). ورواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٥٦٥)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٧٦)، ونعيم بن حماد في "الفتن" (١٨٦٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٥)، من طريق قتادة عن ابن عباس ﵄.
(٢) "إليها" من (أ).
(٣) ذكره عن علي ﵁ الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٣٨٤). ورواه نعيم بن حماد في "الفتن" (١٨٥٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٧٢٨٧)، والفاكهي في "أخبار مكة" (٢٣٥٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥٧٠٣)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢١ - ١٢٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٢٥)، عن ابن عمر ﵄.
(٤) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٦) عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ موقوفًا، وانظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣١٧)، وليس فيه سوى قوله: (فإذا خرجت بلغ رأسها السحاب).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٤).
[ ١١ / ٣٨٥ ]
بعصا موسى فيَبْيضُّ، وتختم بين عيني الكافر بخاتم سليمان فيَسْودُّ وجهه، فلا يبقى إلا مسودُّ الوجه ومبيضُّه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: تنكُت في وجه المؤمن فيبيضُّ وجهه، وفي وجه الكافر فيسودُّ وجهه (^٢).
ولا يكون حينئذ إلا كافر ومؤمن، فيقول المؤمن: يا كافر اقْضِنى حقِّى، ويقول الكافر للمؤمن: يا مؤمن اقض حقِّي (^٣).
وقال النبيُّ -ﷺ-: "لها ثلاث خرجات، تخرج أولًا من أقصى اليمن، فيفشو ذكرُها في أهل البوادي ولا يدخل ذكرُها مكة، ثم تكمُن دهرًا طويلًا (^٤) فبينا الناس في أعظم المساجد حرمةً وأكرمها عند اللَّه -يعني: المسجدِ الحرام- فما يَهولُهم إلا
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وأبيضه". وهذا الخبر رواه بنحوه الإمام أحمد في "المسند" (٧٩٣٧)، والترمذي (٣١٧)، وابن ماجه (٤٠٦٦)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٥)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جُدْعان. وقال الترمذي: حسن غريب!
(٢) جزء من خبر رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢١٧٦)، وعنه نعيم بن حماد في "الفتن" (١٨٦٢)، من طريق قتادة عن ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو ﵃، والقطعة المذكورة هي من قول ابن عمرو. ورواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٦) ووقع فيه: قتادة عن عبد اللَّه بن عمر.
(٣) هذه قطعة من حديث رواه الطيالسي في "مسنده" (١٠٦٩)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٣)، عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد ﵁ مرفوعًا. وللحديث فيهما إسنادان: الأول فيه إبهام الراوي عن حذيفة، والثاني فيه طلحة بن عمرو وهو متروك. ورواه بالإسناد الثاني الطبراني في "الكبير" (٣٠٣٥)، والحاكم في "المستدرك" (٨٤٩٠) وقال: صحيح الإسناد! وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٧): فيه طلحة بن عمرو وهو متروك.
(٤) بعدها في (ر): "ثم تخرج في البادية فيفشو ذكرها في مكة ثم تكمن دهرًا طويلًا"، وليس في (أ) و(ف).
[ ١١ / ٣٨٦ ]
خروجها من بين الركن الأسود حذاءَ دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فيتفرَّق الناس، فقوم يهربون وقوم يبقون للنظارة. . . " (^١).
وقال أبو الجوزاء: سألتُ عبد اللَّه بن عباس ﵄: تكلِّمهم أو تَكْلِمهم؟ فقال: كل ذلك تفعل تكلِّم المؤمن وتَكْلِم الكافر (^٢).
وقال كعب: صورتُها صورة الحمار.
وقال وهب (^٣): وجهُها وجهُ رجلٍ، وسائرُ خَلْقِها كخَلْقِ الطير، فتُخبر مَن رآها أن أهل مكة كانوا بمحمدٍ والقرآنِ لا يوقنون (^٤).
_________________
(١) قطعة من حديث حذيفة بن أسيد السابق وإسناده ضعيف كما تقدم. ورواه بنحوه عبد الرزاق في "التفسير" (٢١٧٥)، ونعيم في "الفتن" (١٨٦٨)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٢ - ١٢٣)، والحاكم في "المستدرك" (٨٤٩١) وصححه، عن حذيفة ﵁ موقوفًا.
(٢) ذكره عن أبي الجوزاء الثعلبيُّ في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٧٧)، وأبو الجوزاء هو أوس بن عبد اللَّه الربعي. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٦) لكن السائل فيه أبو داود نفيع الأعمى، وهو متروك كما في "التقريب".
(٣) "وهب" من (أ)، وفي (ف): "وقيل".
(٤) ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" (٧/ ٢٢٥)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٨٠). وهذا وما سبقه وأمثالهما من الأخبار كله من الإسرائيليات، وفيها اختلاف وتناقض، حتى قال أبو حيان في "البحر" (١٦/ ٤٨٦): (اختلفوا في ماهيتها وشكلها ومحلِّ خروجها وعددِ خروجها ومقدارِ ما يخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به، اختلافا مضطربًا معارِضًا بعضه بعضًا، ويكذِّب بعضه بعضًا، فاطَّرحنا ذكره لأن نقله تسويدٌ للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله). ووافقه الآلوسي في "روح المعاني" (٢٠/ ٦٦) فقال تعقيبًا على كلام أبي حيان: (وهو كلام حق، وأنا إنما نقلت بعض ذلك دفعًا لشهوة مَن يحب الاطلاع على شيء من أخبارها صدقًا كان أو كذبًا، وقد تصدى السفاريني في كتابه "البحور الزاخرة" للجمع بين بعض هذه الأخبار المتعارضة ولا أظنه أتى بشيء، ثم إن الأخبار المذكورة أقربها للقبول الخبر الذي حسنه الترمذي، ومن الأخبار في =
[ ١١ / ٣٨٧ ]
(٨٣) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾: ثم ذكر قيام الساعة بعد ذكر هذه الأعلام فقال: واذكر يوم نجمعُ من كلِّ أمة من أمم الأنبياء زمرةً ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ المنزلةِ على أنبيائنا (^١)، وبالآيات الدالة على وحدانيتنا في الآفاق ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يُحبس أولُهم على آخرهم ليجتمعوا، ثم يساقون إلى موضع الحساب، وهي تقاربُ قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩].
* * *
(٨٤) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾: أي: اجتمعوا وتلاحَقوا ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾؛ أي: قال اللَّه ﷿ موبخًا: أكذَّبتم بآياتي المنزلةِ على رسلي ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ الألف المذكورة في الأول مقدَّرةٌ في الثاني، منقولةٌ عن الأول معنًى: أكذَّبتم بآياتي ألم (^٢) تحيطوا بها علمًا أنها من عندي، وهو كقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، الألف مقدَّرة في الثاني منقولةٌ عن الأول معنًى.
﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في تكذيب آياتي.
وقيل: معناه: لمَ عملتُم ما عملتُم من الكفر والمعاصي.
_________________
(١) = هذا الباب ما صححه الحاكم، وتصحيحه محكوم عليه بين المحدثين بعدم الاعتبار، وقصارى ما أقول في هذه الدابة: إنها دابة عظيمة ذات قوائم ليست من نوع الإنسان أصلًا يخرجها اللَّه تعالى آخر الزمان من الأرض. . .).
(٢) في (ر) و(ف): "الأنبياء".
(٣) في (أ): "كذبتم بأياتي ألم"، وفي (ف): "كذبتم بآياتي أي لم"، وفي (ر): "أكذبتم بآياتي أي لم". والصواب المثبت.
[ ١١ / ٣٨٨ ]
(٨٥ - ٨٦) - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: حقَّ وعيدُ العذاب عليهم ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أشركوا ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ولا يؤذَن لهم في التكلُّم بالعذر.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: وهذه الآية ظاهرة بيِّنة (^١) لا يتهيَّأ لهم جحدُها والاختلافُ فيها والتكذيبُ بها، فكيف كذبوا بآياتي وهي بهذه الحالة؟
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لمن كان همُّه الإيمان.
وقيل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي: ألم يعلموا العلمَ والفهمَ (^٢) الذي يقوم مقام العِيَان ﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ قِوامًا لمعاشهم في الدنيا ليعلموا أن ذلك لم نجعله (^٣) عبثًا بل محنة وابتلاء، ولا بد عند ذلك من ثوابٍ وعقاب، فإذا لم يكن في هذه الدار فلا بدَّ من دارٍ أخرى، وفي ذلك صحة البعث.
* * *
(٨٧) - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: قيل: النفخةُ الأولى ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فزعًا يموتون منه؛ كما قال: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].
_________________
(١) "بينة" ليست في (أ).
(٢) "والفهم" ليست في (أ).
(٣) في (ف) و(أ): "يجعل".
[ ١١ / ٣٨٩ ]
وفي تفسير ابن حبيب: يُنفخ ثلاث نفخات: الأولى نفخةُ الفزع، ثم بعده بأربعين يومًا نفخةُ الصَّعق، ثم نفخة البعث.
وقال: ﴿فَفَزِعَ﴾ بعد قوله: ﴿يُنْفَخُ﴾، والأول مستقبل وهذا ماضي لأن تقديره: فإذا نفخ في الصور.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: هم الشهداء لأنهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون.
وقيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
وقيل: هو إدريس النبيُّ ﵇.
وقيل: هم الحور العين في الجنة، وخزَنتُها وخزنةُ أهل النار في النار.
وقيل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: هو يومُ القيامة، وهي النفخة الثانية، وقوله: ﴿فَفَزِعَ﴾ هو من هيبتهم من أهوالها، كما قال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الآية [الحج: ٢] ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هم المؤمنون المطيعون؛ كما قال في آخر هذه السورة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
وقيل: هم الشهداء.
وفي "تأويلات" الإمام أبي منصور عن النبي -ﷺ-: "ما أعطي آدميٌّ بعد النبوة أفضلَ من الشهادة، لا يسمع الشهداء الفزعَ يوم القيامة إلا كرجلٍ قال لصاحبه: أتسمع؟ قال: أسمع كتأذين الصلاة" (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾: قرأ حمزة وعاصمٌ في رواية حفصٍ مقصورًا على أنه فعل، والباقون ممدودًا على أنه نعتُ الفاعل (^٢)، وإنما جمع لأنه أراد به الجمع.
_________________
(١) في (ف): "وتأويلات أهل السنة" (٨/ ١٤١).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٧)، و"التيسير" (ص: ١٦٩).
[ ١١ / ٣٩٠ ]
وقال في ﴿كهيعص﴾: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥] على الانفراد؛ لأنَّه أراد به: وكلُّ واحدٍ منهم، فإن الكلمة عامةٌ عمومَ الانفراد.
﴿دَاخِرِينَ﴾: أي: صاغرين منقادين، والفعلُ من بابِ صنع.
* * *
(٨٨) - ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾: أي: واقفةً (^١) في مرأى العين لكبرها (^٢) ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾: تسيرُ سيرها، فقد (^٣) قال تعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] وقال تعالى: ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧].
وكلُّ كبير متكاثفٍ إذا تحرَّك لم تتبيَّن حركتُه، قال الشاعر يصف جيشًا:
بأرعَنَ مِثْلِ الطَّودِ تَحْسَبُ أنهم وقوفٌ لحاجٍ والرِّكاب تُهَمْلِجُ (^٤)
وقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي﴾: أي: هذا من صنع اللَّه، وهو ما حدَث بالجبال ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾: أي: أحكم.
_________________
(١) في (ر): "واقعة".
(٢) في (ف) و(أ): "لكثرتها".
(٣) في (ر): "بعدما"، وليست في (ف).
(٤) البيت للنابغة الجعدي، وهو في "ديوانه" (ص: ١٨٧)، و"المعاني الكبير" لابن قتيبة (٢/ ٨٩١). قال ابن قتيبة: أرعن: جيش كثير مثل رعن الجبل، والرعن: أنف يتقدم من الجبل فينسلُّ في الأرض، والطَّود: الجبل؛ أي: من كثرتهم تحسب أنهم وقوف وركابهم تسير.
[ ١١ / ٣٩١ ]
يقول: هو اللَّه الذي (^١) خلق الأشياء فأَحْكم خَلْقها على ما ينبغي، ويبقيها إلى الوقت الذي شاء ثم يفنيها ويزيلها عن هيأتها، فيفعل في كلِّ حين بكلِّ شيء ما يشاء.
﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾: أي: عالم بما يفعله مَن في السموات ومَن في الأرض.
* * *
(٨٩) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: أي: مَن جاء يوم القيامة بالحسنة، أكثر المفسرين على (^٢) أن الحسنة هنا: كلمة الإخلاص، والسيئةَ ضدُّها وهو الشرك؛ لأنَّه قال في حقها: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: قال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير: فله منها خير (^٣)؛ أي: لا يريد به التفضيل، فلا شيء أفضلُ من الإيمان، لكن المراد به: له منها (^٤) نفعٌ وخير؛ أي: ثوابٌ وكرامة، بخلافِ قوله ﷿: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [القصص: ٨٤]، هناك معناه: فله أفضل منها؛ أي: التضعيفُ بالعشر والزيادة؛ كما قال: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقيل: الحسنة عامة الحسنات، ورأسها كلمةُ الإخلاص؛ أي: مَن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة فله من ثواب اللَّه أفضل من عمله، فإن الثواب فعلُ اللَّه، والإيمانَ والعملَ الصالح فعلُ العبد، وهو سبحانه يُثيب العبد بأفضل من عمله تفضُّلًا منه.
_________________
(١) في (أ): "هذا هو الذي".
(٢) في (أ): "قال اكثر المفسرين" بدل: "أكثر المفسرين على".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٣١٨).
(٤) في (ر): "المراد به له منها" بدل: "لكن أراد به له فيها".
[ ١١ / ٣٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ بالتنوين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بفتح الميم، وقرأ الباقون بغيرِ التنوين وخفضِ الميم على الإضافة (^١).
وهذا الوعدُ في حقِّ المؤمن المطيع على الإطلاق، وفي حقِّ المؤمن العاصي: هو الأمن من الفزع الأكبر، وهو نداء القطيعة والإخبارُ بالتخليد في النار.
* * *
(٩٠ - ٩١) - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: أي: بالشرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨].
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: تقول لهم الملائكة يومئذ هذا.
وقيل: هو خطاب اللَّه لهم في الدنيا؛ أي: هل تُجزون يومئذ إلا على وَفق عملكم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾: أي: قل يا محمد: إنما أمرني اللَّه ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾؛ أي: مالكَ هذه البلدة، وهي مكةُ التي بها تفخَر العرب على سائر الناس، وبها يسمَّون أهلَ اللَّه وسكانَ بيته، فأنتم أولى بموافقته على ذلك.
وقوله: ﴿الَّذِي﴾: صفة الرب ﴿حَرَّمَهَا﴾: جعل لها حرمةً ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾: هو مالك كلِّ شيء غيرِ البلدة، فإنه مالك الدنيا والآخرة وربُّ العالمين.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادين له والمتديِّنين بدينه الحقِّ.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٧)، و"التيسير" (ص: ١٧٠). وقراءة نافع المشهورة عنه بفتح الميم في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾.
[ ١١ / ٣٩٣ ]
(٩٢ - ٩٣) - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾: لأعرفَ الحلالَ والحرام، وسائرَ الأحكام، وما يقتضيه الإسلام، وأعرِّفَكم ذلك.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾: إلى الحق ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فله نفعُه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الحق ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾: ما عندي إلا النذارةُ (^١)، وليس لي إكراهُه على الحق وإجباره.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: على هدايتنا ونصبِ الدلالات على الحقِّ في حقِّ الكل ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ في المستقبل مع ما أراكم (^٢) منها في الماضي.
وقيل: هي الآيات التي هي أشراط الساعة.
وقيل: أي: سيُريكم أعلامَه الدالةَ على سخطه عليكم ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ وتعلمون صدقي فيما كنت أَعِدُكم منها.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٣): قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء المغايبة، والباقون بتاء المخاطبة (^٤)، وهي لأهل مكة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
* * *
_________________
(١) في (أ): "إنذاره".
(٢) في (ف): "أريتكم".
(٣) في (ف): "يعملون".
(٤) القراءة بتاء المخاطبة هي قراءة نافع وابن عامر وحفص، والباقون بياء المغايبة. انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٨)، و"التيسير" (ص: ١٢٦).
[ ١١ / ٣٩٤ ]
سورة القصص
[ ١١ / ٣٩٥ ]