بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي حرَّم السِّفَاح، الرحمنِ الذي شرَع (^١) النِّكاح، الرحيمِ الذي وعد على السمع والطاعة الفلاح.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة النور كان له عشرُ حسنات بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي" (^٢).
وعن أبي عطيةَ قال: كَتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁: تعلَّموا سورةَ براءة وعلِّموا نساءكم سورة النور (^٣).
وهذه السورة مدنية، وهي اثنتان وستُّون آية، وقيل: أربع، والاختلاف في اثنين: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
وكلماتها ألف وثلاثُ مئةٍ وستةَ عشر، وحروفُها خمسةُ آلافٍ وستُّ مئة وستةٌ وثلاثون.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أحل".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٦٢)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٨٧٩)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (١٠٠٤ - تفسير)، والبيهقي في "الشعب" (٢٤٣٧).
[ ١١ / ٨١ ]
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه أُمر في آخر تلك السورة بسؤال الرحمة، ونيلُ الرحمة بأداء الطاعة دون فعل المعصية، فقد قال في أول هذه السورة في حقِّ مَن عصَى اللَّه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾.
وانتظام السورتين: أنه بدأ تلك السورة بخلقِ الإنسان، ثم بما أنعم عليه، ثم بالأمر بالتوحيد وعاقبةِ أهله وذكرِ الشرك وعاقبةِ أهله، وختم بالأمر بالدعاء، وبيَّن في هذه السورة المعاملاتِ والجزاءَ على الموافقات والمخالفات، وهو ترتيبٌ معقول يشهد بحُسنه الأصول.
* * *
(١) - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ﴾: أي: هذه سورة؛ أي: قطعةٌ ودرجةٌ من الكتاب الذي وعدْتُ أن أُنزله عليك.
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: أي: أنزلناها إليك من السَّماء.
وقوله تعالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد، والباقون بالتخفيف (^١)، ومعنى التخفيف: فرضُ العمل بها، فأضاف الفرض إليها اختصارًا لوضوح المراد.
قال الضحاك: أوجَبْناها (^٢).
ومعنى التشديد: أنزلنا فيها فرائض مختلفةً وفرضناها عليكم وعلى مَن بعدَكم إلى يوم القيامة، والتفعيلُ في الفعل الثلاثي المتعدِّي يكون للتكثير والتذكير.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٢)، و"التيسير" (ص: ١٦١).
(٢) لم أجده عن الضحاك، وهو قول كثير من المفسرين. انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٤/ ٤٩٣)، و"تفسير الثعلبي" (٧/ ٦٣)، و"البسيط" للواحدي (١٦/ ٦٤).
[ ١١ / ٨٢ ]
وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: ليست بفريضةٍ واحدة، ولكنها فرائض (^١).
وقال غير واحد من المفسرين: بيَّنَّاها (^٢).
وقال مجاهد: بينَّا حلالها وحرامها (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أي: واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لتتَّعظوا (^٤) بها، وأكثرُ هذه السورة ترجع أحكامها إلى التستُّر والتعفُّف وما تَخلَّلها فهو من مقتضياتها.
ومن جلالةِ موقع (^٥) أحكام هذه السورة من جملة أمور الدِّين ما ذُكر عن أبي وائل ﵁ قال: خطبنا عبد اللَّه بن عباس ﵄ وهو على الموسم فافتتح سورة النور وأخذ يفسرها، فقال رجل: ما رأيتُ كاليوم كلامًا خرج من رأس رجل، واللَّه لو سمعتْ بهذا التُّركُ (^٦) لأسلمت (^٧)، وفي بعضها: لو سمعت بهذا الدَّيلمُ لأسلموا (^٨).
* * *
_________________
(١) بعدها في (ف): "مختلفة وفرضناها عليكم".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٣٨) عن ابن عباس ﵄.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٣٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥١٦).
(٤) في (ف): "لتتيقظوا".
(٥) في (ر) (ف): "مواضع".
(٦) في (ف): "القول".
(٧) رواه عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زوائده على "فضائل الصحابة" لأبيه (١٨٤٨)، والطبري في "تهذيب الآثار" مسند ابن عباس (٢٨٨).
(٨) رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٢٦٧)، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" (٧/ ١٠٠).
[ ١١ / ٨٣ ]
(٢) - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ﴾: أي: المرأة التي مكَّنتْ من الزنا، وهو الوطءُ الحرام الخالي عن النكاح وشبهته، ومِلك اليمين وشبهته، ﴿وَالزَّانِي﴾؛ أي: الرجل الذي زنى.
قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾: أي: اضربوا كلَّ واحد منهما مئة ضربةٍ بالسوط ونحوِه، مأخوذ من الجِلْد فإن الضرب يلاقيهِ.
وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ حتى يصل إلى اللحم بالجَرح، والخطابُ لجميع الأمة؛ لأن إقامة الحد من الدِّين وهو على الكلِّ، ثم يقيمون إمامًا ينوب عنهم؛ لأنه لا يمكنهم الاجتماع عليه.
وعمومُ الآية يتناول المحصنَ وغيرَ المحصنِ، ثم خصَّ منه المحصن بحديث الرجم وهو رجم ماعز، ويتناول الأحرار والمماليك، ثم المملوك يحد خمسين جلدة بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: الحد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾: أي: رقَّةٌ تمنحكم عن إقامة الحد عليهما (^١).
﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾: أي: طاعته.
وقيل: أي: في حكمه، وأما الرأفة الطبيعية الإسلامية التي لا تدعو إلى تعطيل الحد فلا إثم به.
_________________
(١) "عليهما" ليست في (أ) و(ف).
[ ١١ / ٨٤ ]
وقيل: هذا أمر بإيجاعهما، ولا يخفف رِقةً عليه (^١) فلا يحصل المقصود.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: فإن الإيمان يوجب الائتمارَ بأمر اللَّه.
وقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾: أي: حدَّهما ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أقلُّه واحدٌ (^٢). وقال مجاهد: اثنان (^٣). وقيل: ثلاثة (^٤).
وقيل: أربعة، وهو عدد شهود الزنا، وقيل: عشرة.
وقال قتادة: أمر اللَّه تعالى أن يشهد ﴿عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليكون ذلك عبرة وموعظةً ونكالًا (^٥).
وقال الحسن: أمر اللَّه تعالى بذلك لتعظيم الحدود.
وقال نصر بن علقمة: أمَا إنَّ ربكم لم يُرِد الفضيحة، ولكن ليُدْعَى لهما بالتوبة والرحمة (^٦).
وقال الحسن ﵀: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني به مجلسَ الحكم، فإنه لا يكون إلا وفيه طائفةٌ من المؤمنين، وهو إشارة إلى أن إقامته إلى الحكام.
_________________
(١) "عليه" ليس من (أ).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢٠).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢٠) عن سعيد بن جبير، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٤٧) عن عطاء وعكرمة. أما مجاهد فروى عنه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٤٥ - ١٤٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢٠) كقول ابن عباس ﵄.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٤٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢١)، عن الزهري.
(٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢١).
(٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢٠).
[ ١١ / ٨٥ ]
وقال القشيري: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ليكون ذلك عليه أشدَّ، وليكون ذلك أشدَّ تخويفًا لمتعاطي ذلك الفعل، ثم من حقِّ الذين يشهدون ذلك الموضع أن يذكروا عظيم نعمة اللَّه عليهم إذ لم يفعلوا مثلَ فعله كيف عصمهم اللَّه تعالى من ذلك، وإن كان قد جرى عليهم شيء من ذلك ذكَروا نعمة اللَّه عليهم إذ لم يَهتك سترَهم ولم يفضحهم ولم يُقمهم في الموضع الذي أقامه فيه، وسبيلُ مَن شهده أن لا يعيِّر صاحبه به، ولا ينسى حكمَ اللَّه في إيذائه على جرمه (^١).
وقال غيره: معنى جلدِ غيرِ المحصَن ورَجْمِ المحصَن: أن الخبث بحُرَم الناس عملُ الحمُر والكلاب ليس عملَ العقلاء المميِّزين، فيُضربُ بالخشب ضربَ الحُمر، ويُرمَى بالحجارة رمي الكلاب.
* * *
(٣) - ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾: روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن المهاجرين أتوا المدينة فضاقت عليهم معيشتُهم في ذات أيديهم لغلاء الأسعار بها، وكان في المدينة نساءٌ فواجرُ زوانٍ غيرُ محصنات متَّسعاتٌ في ذات أيديهن، فقال المهاجرون: لو تزوَّجناهن فأحصناهنَّ، فإذا استغنينا عنهنَّ طلقناهنَّ، فسألوا رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٢).
وفي الآية أقاويلُ كثيرة، وللناس في العمل بها مذاهب مختلفة.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٩٤). وفيه: (. . . في إقدامه على جرمه).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢٢).
[ ١١ / ٨٦ ]
وعن سعيد بن المسيب: أن الآية كانت على ظاهرها في تحريم نكاح الزانية على الزاني وغيره، وأن الأمر كان على ذلك إلى أن نسخ ذلك وأبيح لها أن تنكح مَن شاءت من الزاني وغيره، والنسخُ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (^١).
وأصح الأقاويل فيها: أنها ترهيب في نكاح البغايا.
وتأويل ذلك: أن أهل الإِسلام والإيمان سبيلُهم أن لا يرغبوا إلا في المسلمات العفائف، فالزاني إنما يميل إلى مَن هي على مذهبه في الزنا والتهتُّك، وإلى مَن لا يعتقد الإيمان، فهو لا يفكر في التعفُّف.
والزانية أيضًا إنما تميل إلى أحد رجلين: إما إلى زانٍ مثلِها، وإما إلى مشركٍ شرٍّ منها؛ أي: فالزنا عديلُ الشرك في أنه قبيح، وأهلُ الإيمان بمعزلٍ عنه، فإن الإيمان قَرينُ العفاف والتحصُّن، فأنتم معاشر الراغبين في البغايا إن كنتم مؤمنين حقيقُون بالزهد فيمَن مذهبُها بمعزلٍ عما يوجبه مذهبُكم في الإيمان، وهو نظير قوله في تأويل بعصهم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية [النور: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: حرم الزنا، وقيل: الشركُ، وقيل: نكاحُ البغايا قصدَ التكسب بما يأخذون من الزنا.
* * *
(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
_________________
(١) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٤٢٧)، والشافعي في "أحكام القرآن" (٢/ ٥٥١)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (١٧١)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ١٥٩ - ١٦٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٢٤).
[ ١١ / ٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: أي: يقذفون بالزنا العفائفَ ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ على زنا المقذوفة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾: فأقيموا حد القذف عليهم بهذا، وهو خطاب للأمة، ويتولى الإمام عنهم كما قلنا في الزُّناة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾: أي: لا تقبلوا شهادتهم أبدًا، وهو الحكم في الحد أيضًا، وهو مشروع على التأبيد عندنا لا يُقبل بحال وإن تاب.
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: خارجون عن الطاعة بقذف المحصَنة.
* * *
(٥) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾: أي: بعد الرمي وهو القذف ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: أصلحوا أحوالهم بعد التوبة وأظهروا الأعمال الحسنة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنوبهم ويرحمهم فلا يعذبهم.
والاستثناء لزوال اسم الفاسقين عنهم، لا لبطلان حكم ردِّ الشهادة، فإنه مؤبَّد ومن جملة الحد، وذلك لا يَبطل بالتوبة، وأما الفسق فيزول بالتوبة، ثم النصُّ في قذف المحصنة، وحكمُ قذف المحصَن كذلك.
والإحصان في المقذوف يَثبت بخمسة أشياء: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة، فإذا فات وصف منها لم يكن محصَنًا ولا حدَّ على قاذفه.
وإحصان الزاني الذي يُرجم: بالعقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والنكاح الصحيح، والدخول بالمنكوحة في النكاح الصحيح، ويعرف ذلك في الفقهيات.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الزنا".
[ ١١ / ٨٨ ]
(٦) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾: أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا، ذكر هذا بعد ذكر حكم قذف الأجنبيات.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾: أي: لم يكن لهم شهود أربعة يقيمونهم على دعواهم، واستثنى ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ لأن عليهم اللعان، واللعان شهاداتٌ مؤكَّدة بالأيمان، فكانوا شهودًا باللعان.
وقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿أَرْبَعُ﴾ بالرفع لأنه خبر المبتدأ، وقرأ الباقون بالنصب (^١)؛ لوقوع فعل الشهادة عليه؛ أي: فيشهد أحدهم أربعَ شهادات باللَّه ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ يحلف أربع مرات أنه صادق فيما رماها به من الزنا بعد التكلُّم بلفظة الشهادة: أشهد أني صادق فيما رميتها به من الزنا.
* * *
(٧) - ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: قرأ نافع: ﴿أنْ﴾ مخففةً ﴿لعنةُ اللَّه﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بتشديد ﴿أَنَّ﴾ ونصب اللعنة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: يقول في المرة الخامسة: لعنة اللَّه عليَّ إن كنت كاذبًا فيما رميتُها به من الزنا.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٢)، و"التيسير" (ص: ١٦١).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٣)، و"التيسير" (ص: ١٦١).
[ ١١ / ٨٩ ]
(٨) - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: أي: يدفع عن المرأة الحبسَ والجبرَ على اللعان، فإنها إذا امتنعت عن اللعان (^١) حُبست وأجبرت عليه حقًّا للزوج ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾؛ أي: هذا يدفع عنها الحبس والجبر (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: أي: تقول عند القاضي بعدما لاعن الزوج عند القاضي: أشهد باللَّه أن زوجي هذا كاذب فيما رماني به من الزنا.
* * *
(٩) - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ بالنصب عطفًا على قوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾: وتشهدَ الخامسةَ، والباقون بالرفع (^٣)؛ أي: واللفظةُ الخامسة: أنَّ غضَب اللَّه عليها.
﴿أَنْ﴾ بالتخفيف قراءة نافع وبالتشديد قراءة الباقين (^٤).
قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: تقول في المرة الخامسة: غَضِبَ اللَّه عليَّ إن كان هو صادقًا فيما رماني به من الزنا.
* * *
_________________
(١) "عن اللعان" من (أ).
(٢) في (ر): "والحد".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٣)، و"التيسير" (ص: ١٦١).
(٤) وقراءة نافع: ﴿أَنْ غَضِبَ اللَّهُ﴾ بكسر الضَّاد في ﴿غَضِبَ﴾ ورفع ﴿اللَّهُ﴾. انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٣)، و"التيسير" (ص: ١٦١).
[ ١١ / ٩٠ ]
(١٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾: حذف جواب (لولا) وهو أبلغ؛ لأن النفس تذهب في تقدير جوابه كلَّ مذهب.
وقال الكلبي: جوابه: لأظهر المذنب وفضحه.
وقال الحسن: جوابه (^١): لعاجلكم بالعذاب فأهلكَكم.
وقال ابن عباس ومقاتلٌ: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قرأها النبي -ﷺ- يوم الجمعة على المنبر، فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني اللَّه فداك، إن رأى رجلٌ منا مع امرأته رجلًا فأَخبر بما رأى جُلد ثمانين جلدةً وسمي فاسقًا ولا تقبل شهادته أبدًا، فكيف لنا بالشهداء، ولو التَمسْنا الشهداء لكان الرجل فرغ من حاجته، وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عويمر، وله امرأة يقال لها: خولةُ بنت قيس بن مِحْصَنٍ، فأتى عويمرٌ عاصمًا فقال: لقد رأيتُ شَرِيكَ بن السَّحْماء على بطن امرأتي خولةَ، فاسترجع عاصمٌ وأتى رسول اللَّه -ﷺ- في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول اللَّه، ما أسرع ما ابتُليت بالسؤال الذي سألتُ في الجمعة الماضية في أهل بيتي، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "وما ذاك" فقصَّ عليه القصة، وكان عويمرٌ وخولةُ وشَريكٌ كلُّهم بني عمِّ عاصم، فدعا رسولُ اللَّه -ﷺ- بهم جميعًا فقال لعويمرٍ: "اتَّقِ اللَّه في زوجتك وحليلتِك وابنةِ عمِّك فلا تقذِفْها" فقال: يا رسول اللَّه -ﷺ-، إني أقسم باللَّه أني رأيت شَريكًا على بطنها، وإني ما قربْتُها منذ أربعةِ أشهرٍ، وإنها حُبْلى من غيري، فقال رسول اللَّه -ﷺ- للمرأة: "اتَّقي اللَّه ولا تخبري إلا بما صنَعْتِ" فقالت: يا رسول اللَّه، إن عويمرًا رجل غيور، وإنه رآني وشَرِيكًا نُطيل السهر ونتحدَّث فحملته الغيرةُ على ما قال يا رسول اللَّه، فقال
_________________
(١) "جوابه" من (أ).
[ ١١ / ٩١ ]
رسول اللَّه -ﷺ- لشَريكٍ: "ما تقول؟ " فقال: ليس إلا ما تقوله المرأة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فأمر رسول اللَّه -ﷺ- حتى نودي للصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: "قم" فقام (^١) فقال: أشهد باللَّه إن خولةَ لزانية (^٢) وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد باللَّه إني رأيت شريكًا على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة: أشهد إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة اللَّه على عويمر -يعني: نفسه- إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم أمره بالقعود ثم قال لخولة: "قومي" فقامت فقالت: أشهد باللَّه ما أنا بزانية وإنه -تعني: عويمرًا- لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية: أشهد إنه ما رأى شريكًا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الثالثة: أشهد إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة: أشهد إنه ما رأى قط فاحشة علي وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة: غضب اللَّه على خولة -تعني: نفسها- إن كان -تعني: عويمرًا- من الصادقين، ففرق رسول اللَّه -ﷺ- بينهما وقال: "لولا الأيمان لكان لي في أمرهما رأي" ثم قال: "تحيَّنوا بها الولادة، فإن جاءت به أصيهِبَ (^٣) أُثيبج (^٤) يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق جعْدًا جُمَاليًّا خدلَّج الساقين (^٥) فهو لغير الذي رُميت به".
_________________
(١) "فقام" ليست في (أ).
(٢) بعدها في (ف): "زني بها".
(٣) تصغيرُ أَصْهَبَ، وهو الذي يَضْرِبُ شَعَرُه إلى الحُمْرةِ. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: ثبج).
(٤) تصغيرُ الأَثْبَجِ، وهو النَّاتِئُ الثَّبَجِ، وهو ما بَيْن الكاهِل ووسَطِ الظَّهر. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: ثبج).
(٥) الأورق: الأسمر، والوُرْقة: السمرة، والجُمالي: الضخم الأعضاء التام الأوصال، يقال: ناقةٌ جماليةٌ: مشبهةٌ بالجمل عظمًا وبدانةً. والجَعْدُ في صفات الرِّجال يكونُ مدحا وذمًّا: فالمدح مَعناه أنْ يكونَ =
[ ١١ / ٩٢ ]
وقال ابن عباس ﵄: فجاءت به أشبهَ خلقِ اللَّه بشريكٍ (^١).
ثم كلمات (^٢) اللعانِ شهاداتٌ مؤكَّداتٌ بالأيمان، وإنما يجري بين الزوجين إذا كانا من أهل الشهادة مسلمَين حرَّين عاقلَين بالِغَين غيرَ محدودين في قذفٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ استثنى ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ من جملة الشهداء فسمَّى ذلك شهادةً، ولأنه يشترط لفظة الشهادة ولفظة باللَّه، فدل على أن الشهادة (^٣) مؤكَّدةٌ باليمين.
وقال النبي -ﷺ-: "لا لعانَ بين أهل الكفر وبين أهل الإِسلام، ولا بين العبد وامرأته، ولا بين الحر وامرأته إذا كانت أمَةً" (^٤).
_________________
(١) = شديد الأسْرِ والخَلْق، أو يكونَ جَعْدَ الشَّعَر، وأمَّا الذَّم فهو القصير المتردِّد الخَلْق، وخدلَّج الساقين: العظيم الممتلئ الساق. انظر: "النهاية" كل في بابه.
(٢) ذكره عن ابن عباس ومقاتل الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٧٠)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ١٤ - ١٥)، وهو في "تفسير مقاتل" (٣/ ١٨٤) دون قوله آخر الخبر: "ثم قال: تحيَّنوا بها الولادة. . . " إلى آخره، وهذه العبارة مخالفة للروايات الصحيحة، وفيها: أنها إن جاءت بهِ أُصيْهِبَ أُثيبجَ فهو للزوج، وإن جاءت به أورْقَ جَعْدًا جُماليًّا خدلَّج السَّاقيْنِ فهو للذي رُميَت به. وفي الخبر أعلاه زيادات أيضًا على تلك الروايات. انظر حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود (٢٢٥٦)، وحديثه أيضًا عند البخاري (٥٣١٠) وأطرافه، ومسلم (١٤٩٧)، وحديث سهل بن سعد عند البخاري (٤٧٤٥) و(٥٣٠٩)، ومسلم (١٤٩٢).
(٣) في (ر) و(ف): "ثم كان".
(٤) في (أ): "على أنها".
(٥) لم أجده بهذا اللفظ، ورواه الدارقطني في "سننه" (٣٣٣٩)، والبيهقي في "سننه" (٧/ ٣٩٦)، من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ رسول اللَّه -ﷺ-، قال: "أَرْبَعٌ من النِّساءِ لا مُلاعَنةَ بينهم: النَّصرانيَّةُ تحتَ المُسْلِمِ، واليهوديَّةُ تحتَ المُسْلِمِ، والمملوكةُ تحتَ الحُرِّ، والحُرَّةُ تحتَ المملوكِ". وضعفه الدارقطني وكذا البيهقي، ثم روياه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده موقوفًا، وضعف =
[ ١١ / ٩٣ ]
وقال الشافعي: هي أيمان، فتجري بينهما إذا كانا من أهل اليمين؛ لأن النبي -ﷺ- قال في هذا الخبر: "لولا الأيمانُ" ولأن الفاسق والأعمى من أهل اللعان بالإجماع، ولا شهادة لهما.
وقلنا: بل فيه معنى اليمين ومعنى الشهادة أيضًا، والفاسق والأعمى لهما شهادة، ولهذا ينعقد بهما النكاح عندنا، لكن في سائر المواضع لا يقبل للتهمة، والتهمة هاهنا غيرُ مانعة؛ لأن العدل يلاعن وهو متهم.
ثم أيُّهما نكَل حُبس وأُجبر عليه حتى يَلتعِن عندنا لأنه حق مقصود.
وعند الشافعي ﵀: أيهما نكَل حُدَّ؛ لأن قذف الرجل موجِبٌ للحد عليه، ويسقطه عنه اللعان، ولعان الزوج موجبٌ للحد عليها ولعانُها يسقطه عنها، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾؛ أي: الحدَّ، كما قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾.
وقلنا: لا معنى لإقامة الحد عليها بقول الزوج ولا بنكولها؛ لأن الحد لا يقام بالنكول، وأما العذابُ فيحتمِل الحبسَ والجبرَ.
ولا تقع الفُرقة عندنا من غيرِ تفريق القاضي، حتى لو مات أحدهما وَرِثه الآخر، ولو أكذب نفسَه فهي امرأته ولا يفرَّق بينهما.
وعن مالك وزُفرَ رحمة اللَّه عليهما: إذا فرغا وقعت الفُرقة.
وعند الشافعي ﵀: تقع الفُرقة بلعان الزوج، ثم لعانُ المرأة لدرءِ الحد عنها، ثم هما لا يجتمعان ما داما متلاعنين.
_________________
(١) = البيهقي الموقوف أيضًا. وورد فيه رواية أخرى مرسلة عند عبد الرزاق في "المصنف" (١٢٤٩٨) عن ابن شهاب قال: من وصية النبي -ﷺ- عتاب بن أسيد: أن لا نكاح بين أربع. . .، فذكره بنحو الحديث السابق.
[ ١١ / ٩٤ ]
فإذا أكذَبَ الزوج نفسه أو بطَلت أهليةُ شهادة أحدهما جاز النكاح بينهما إلا عند أبي يوسف ﵀، والدلائل تعرف في الفقهيات.
* * *
(١١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيةَ: ويتصل بما تقدم من إيجاب حد القذف ونزولِ هذه الآيات في حقِّ عائشةَ الصدِّيقةِ زوجِ النبي -ﷺ- ورضي عنها.
وقصته ما روى الزهري قال: أخبرني عروة وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن عائشة ﵂ حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه تعالى، وكلُّهم حدثني من حديثها طائفة، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، زعموا أن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أراد أن يخرج إلى سفر (^١) أَقْرَعَ بين نسائه أيَّتُهنَّ خرج سهمها خرج بها (^٢) معه، فأَقرع بيننا في غزوة بني المُصْطلِق فخرج سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه -ﷺ- بعدما أُنزل الحجاب، قالت: فأُحمل في هودجي وأُنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه -ﷺ- من غزوته وقفَل ودنَوْنا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فسرت حتى جاوزتُ الجيش، فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رحلي فلمستُ صدري فإذا عِقدٌ لي من جَزْع ظَفَار قد انقطع، فرجعتُ فالتمستُ عِقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرَّهْط الذين كانوا يَرْحَلون لي (^٣) فاحتملوا هودجي
_________________
(١) في (ف) و(أ): "إذا أراد سفرًا".
(٢) في (ر) و(ف): "أخرجها".
(٣) في (ر) و(ف): "يرحلون بي"، وهي موافقة لرواية "مسند أحمد"، والمثبت موافق لرواية مسلم =
[ ١١ / ٩٥ ]
فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركب وهم يحسَبون أني فيه، وكان الناس إذ ذاك خَفافًا فلم يستنكِر القوم ثقلَ الهودج (^١) حين رفعوه وكنت جاريةً حديثةَ [السنِّ] فبعثوا الجمل وساروا، ووجدتُ عِقدي بعدما استمرَّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ، فتيمَّمْتُ منزلي الذي كنتُ فيه وظننتُ أنهم سيفقدونني ويرجعون إليَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبَتْني عيناي فنمتُ، وكان صفوان بن المعطَّلِ [السُّلَميُّ ثم] الذَّكْوانيُّ من وراء الجيش، فأَدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرَفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاسترجع فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرَفني، فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي، وواللَّهِ ما تكلَّمنا بكلمةٍ ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعه، حتى أناخ راحلتَه فركبتُها وانطلق يقودُ بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا في نحرِ الظهيرة، فهلَك مَن هلَك، وكان الذي تولَّى أمرَ الإفك عبدَ اللَّه بن أبيِّ ابنَ سَلُولَ لعنه اللَّه.
فقدمنا المدينة فاشتكيتُ حين قدمتُ المدينة شهرًا والناسُ يُفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُني في وجَعي غيرَ أني لا أعرف من رسول اللَّه -ﷺ- التلطُّف الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسول اللَّه -ﷺ- ثم يقول: "كيف تِيْكم" ثم ينصرف، فذلك يَرِيبني ولا أشعرُ بالشر، حتى خرجتُ بعدما نَقَهْتُ، وخرجت مع أمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المناصع وهو متبرَّزنا، ولا نخرج إلا من
_________________
(١) = وإحدى روايتي البخاري، وفي الرواية الثانية عند البخاري: (يُرحِّلوني).
(٢) كذا في النسخ ورواية أحمد ومسلم: (ثقل الهودج)، وفي رواية البخاري: (خفة الهودج)، وهي أوضح، قال الحافظ: (لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، فكأنها تقول: كأنها لخفة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها. . .) وانظر توجيه الرواية الأولى في "الفتح" (٨/ ٤٦٠).
[ ١١ / ٩٦ ]
الليل إلى الليل، وذلك قبل أن نتَّخذ الكُنُف وهو قريب (^١) من بيوتنا، وأَمْرُنا أمرُ العرب الأُوَل في البرية، وكنا نتأذَّى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمُّ مسطحٍ -وهي بنت أبي رُهْمِ (^٢) بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر (^٣) بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، خالة أبي بكر الصديق ﵁، وأم أبي بكر أمُّ الخير بنتُ صخر بن عامر بن عمرو، وابنُها مِسطح بن أُثاثةَ بنِ عَبَّاد بن المطلب (^٤) - بن عبد منافٍ، فأقبلتُ أنا وأمُّ مسطحٍ قِبَل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثَرتْ أمُّ مسطح في مِرْطِها، فقالت: تَعِسَ مسطحٌ، فقلتُ لها: بئس ما قلت، أتسبِّين رجلًا شهد بدرًا؟! فقالت: أيْ هَنْتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قالت: قلتُ: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازدَدْتُ مرضًا على مرضي، فلما رجعتُ إلى بيتي دخل عليَّ رسول اللَّه -ﷺ- ثم قال: "كيف تيكُم" فقلت له: أتأذنُ لي أنْ آتيَ أبويَّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقِنَ الخبر من قبَلهما، فأذِنَ لي رسول اللَّه -ﷺ-، فجئتُ أبويَّ فقلتُ لأمي: أي أمَّاه! ماذا يتحدَّث الناس؟ فقالت: أي بنيَّةُ هوِّني عليك، فواللَّه ما كانت امرأةٌ قط وضيئةٌ عند رجل يحبُّها لها ضرائرُ إلا أكثرنَ عليها، قلتُ: فقلتُ: سبحان اللَّه! ولقد تحدَّث الناس بهذا؟! قالت: فبكيتُ تلك الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأُ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنوم، قالت: ثم أصبحت أبكي.
ودعا رسول اللَّه -ﷺ- علي بن أبي طالب ﵁ وأسامة بن زيد حين استَلْبَثَ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: أمَّا أسامة فأشار على رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) "وهو قريب" كذا في النسخ، وفي الصحيحين و"المسند" بدلًا منها: (قريبًا).
(٢) في (ر): "زينب ابنة رهم".
(٣) في جميع النسخ: "وأمها أم صخر بنت عامر" والمثبت من الصحيحين و"المسند".
(٤) في (أ): "بن عبد المطلب" في (ف): "بن عباد بن عبد المطلب" بدل: "بن عباد بن المطلب".
[ ١١ / ٩٧ ]
بالذي يَعلم من براءة (^١) أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودِّ، فقال: يا رسول اللَّه، أهلُك ولا نعلم إلا خيرًا، قالت: وأما عليٌّ فقال: يا رسول اللَّه، لم يضيق اللَّه عليك والنساءُ سواها كثير، وأرسل إلى الجارية تَصْدَقْكَ، قالت: فدعا رسول اللَّه -ﷺ- بريرةَ فقال لها: "أي بريرةُ، هل رأيتِ من عائشةَ شيئًا يَرِيبك؟ " قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إنْ رأيتُ عليها أمرًا قط أَغمِصُه عليها، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجينِ أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول اللَّه -ﷺ- من يومه فاستعذر من عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سلول، قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ- وهو على المنبر: "يا معشرَ المسلمين، مَن يَعذِرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، واللَّه ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" قالت: فقام سعد بن معاذ وقال: يا رسول اللَّه، أنا أَعذِرك منه، إن كان من الأوس ضربتُ عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمَرْتَنا ففعلنا أمرَك، قالت: وقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتمَلَتْه (^٢) الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبتَ، لعمرُ اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسَيد بن حُضَير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر اللَّه لنقتلنَّه، فإنك رجل منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه -ﷺ- قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول اللَّه -ﷺ- يخفِّضهم حتى سكتوا وسكت.
قالت: فبكيتُ يومي ذلك كلَّه لا يَرقأ لي دمع ولا أكتحِل بنوم، قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيتُ يومين وليلتين لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع، يظنان
_________________
(١) في (ف): "منزلة".
(٢) في (أ): "أجهلته".
[ ١١ / ٩٨ ]
أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما عندي وأنا أبكي استأذنتْ عليَّ امرأة من الأنصار فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينما نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول اللَّه -ﷺ-، ثم جلس في البيت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث لا يوحى إليه في شأني شيءٌ، فتشهَّد حين جلس ثم قال: "أمَّا بعدُ، يا عائشة، فإنه قد بلَغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيبرِّئك اللَّه، وإن كنتِ ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري اللَّهَ وتوبي إليه".
قالت: فلما قضى رسول اللَّه -ﷺ- مقالته غاض دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرةً، فقلت لأبي: أجِبْ رسول اللَّه -ﷺ- فيما قال، قال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه -ﷺ-، فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه -ﷺ-، فقالت: ما أدري ما أقول لرسول اللَّه -ﷺ-، فقلت وأنا جاريةٌ حديثة السن لا أقرأ (^١) كثيرًا من القرآن: وقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدَّقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة -واللَّه يعلم أني منه (^٢) بريئة- لا تصدِّقونني بذلك، ولئن اعترفتُ لكم بأمر -واللَّه يعلم أني منه بريئة- لتصدِّقُنِّي، وإني واللَّه لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
قالت: ثم تحوَّلْتُ فاضطجَعْتُ على فراشي، قالت: وأنا واللَّه حينئذ أعلم أني بريئة وأن اللَّه سيبرِّئني ببراءتي، ولكن ما كنتُ أظن أن اللَّه يُنزل شيئًا في شأني من الوحي يُتلى، ولَشَأني كان في نفسي أحقرَ من أن يتكلم اللَّه فيَّ بأمرٍ يُتلى، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسول اللَّه في النوم رؤيا يبرِّئني اللَّه (^٣) بها.
_________________
(١) من هنا بداية سقط من النسخة (ر) وسنبين آخره في مكانه.
(٢) "منه" من (ف).
(٣) في (ف): "رؤيا أبرأ بها".
[ ١١ / ٩٩ ]
قالت: واللَّه ما قام رسول اللَّه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء حتى أنه ليتحدَّرُ منه مثلُ الجُمَانِ من العرق في اليوم الشاتي من ثقلِ القول الذي أنزل عليه، قالت: فسرِّي عن رسول اللَّه وهو يضحك، فكانت أول كلمةٍ تكلَّم بها أن قال: "يا عائشة، أما واللَّه لقد برَّأك اللَّه"، قالت أمي: قومي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، قالت: قلت: لا واللَّه لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا اللَّه، وأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ الآياتِ كلَّها.
فلما أنزل اللَّه الآيات في براءتي، وكان أبو بكر الصدِّيق ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره، فقال: واللَّه لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ الآية، فلما أنزلت الآية قال أبو بكر ﵁: بلى واللَّه إني لأحبُّ أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطحٍ بالنفقة التي كان ينفق عليه، وقال: واللَّه لا أنزعُها عنه أبدًا (^١).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُم﴾ أخبر بما كان غيبًا عنهم؛ لأنَّهم ظنوا أن الإفك وقع من الكفار دون مَن كان من المؤمنين، فقال: إن الذين أتوا بالكذب (^٢) في أمر عائشة ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: طائفة منكم معشرَ المسلمين، وهذا تعجيبٌ من استزلال الشيطان أهلَ الإيمان بمثل هذا من العصيان.
قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾: أي: لا تظنُّوه شرًّا أصابكم ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: بل هو لكم خيرٌ ولهم شرٌّ؛ لأن في ذلك أجرًا لكم وتكفيرًا لخطاياكم.
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾: أي: على كلِّ واحد منهم عقوبةُ ما اكتسب من الوِزر على قَدْر سعيه في إشاعةِ ذلك والقولِ به.
_________________
(١) رواه البخاري (٤١٤١) و(٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠)، والإمام أحمد في "المسند" (٢٥٦٢٣).
(٢) في (ف): "بالإفك".
[ ١١ / ١٠٠ ]
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: أي: والذي فعل بنفسه معظَم ذلك ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من العصبة ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أعظم من عذابِ مَن هو دونه.
قيل: هو الذي بدأ به.
وقيل: هو الذي كانوا يجتمعون عنده ويتكلَّمون به ويؤذون (^١) إلى عائشة بذلت، وهو عبد اللَّه بن أُبيٍّ ابنُ سَلُولَ لعنه اللَّه، وكان رأسَ المنافقين، ودخل في قوله تعالى: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ -وهم المؤمنون- لإظهاره الإيمان.
وقيل: والذي تولَّى كبرَه حسان بن ثابت، وابن أبيٍّ، وأَروى، ومسطح بن أثاثة (^٢).
وروي أن النبي ﵇ جلد في هذا رجلين وامرأةً (^٣)، ودخلت في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ لأنه كلمةُ جمع، والأنثى تدخل في جمع الذكور باسمهم.
* * *
(١٢) - ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾: أي: هلَّا إذ سمعتُموه ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾؛ أي: بأمثالهم كما قال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كذب ظاهرٌ ولا يليق بهما، وعائشةُ هي زوجة رسول اللَّه وأحبُّ الناس (^٤) إليه.
_________________
(١) في (ف): "ويودون".
(٢) ذكره البخاري (٤٧٥٧) معلقًا، ومسلم (٢٧٧٠/ ٥٨) متصلًا، من حديث عائشة ﵂، لكن فيه: (حمنة)، مكان كلمة: "أروى".
(٣) رواه أبو داود (٤٤٧٤)، والترمذي (٣١٨١)، من حديث عائشة ﵂.
(٤) في (ف): "نسائه".
[ ١١ / ١٠١ ]
وقال القشيري ﵀: بيَّن اللَّه تعالى بهذه القصة أنه لا يُخْلي أحدًا من المحنة والبلاء في المحبة والولاء، والمحنة من أقوى (^١) أركان المحبة، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يُمتحَنُ الرجل على قَدْر دينه" (^٢) وإن اللَّه ليغار على قلوب خواصِّ عباده، فإذا حصلت مساكنةٌ لبعضٍ إلى بعضٍ أجرى اللَّه ما يردُّ كلًّا عن صاحبه، فيردُّه إلى نفسه، وفي ذلك قالوا:
إذا عَلِقَتْ رُوحي حَبيبًا تعلَّقتْ به غِيَرُ الأيام كي تسلُبَنِّيا (^٣)
وإن النبي ﵇ لمَّا قيل له: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: "عائشة" (^٤).
وقالت عائشة: يا رسول اللَّه، إني لأحبُّك وأحبُّ قربك (^٥).
فأجرى اللَّه حديثَ الإفك حتى انصرف قلبُ رسول اللَّه، فكان لا يزيد على قوله: "كيف تيكم" وانصرف قلبها حتى قالت عند ظهور البراءة: نحمد اللَّه لا نحمدك (^٦).
* * *
(١٣) - ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "أقوى من"، والمثبت من "اللطائف".
(٢) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) في (أ): "غير الأيام تسلبنه"، وسقط البيت من (ف)، والمثبت من "اللطائف".
(٤) رواه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤)، من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٥) رواه ابن حبان في "صحيحه" (٦٢٠) من حديث عائشة ﵂ بلفظ: واللَّه إنِّي لأُحِبُّ قُرْبَكَ، وأُحبُّ ما سَرَّكَ.
(٦) في (ف): "بحمد اللَّه لا بحمدك"، ومثله في مطبوع اللطائف. انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧).
[ ١١ / ١٠٢ ]
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ﴾: اي: العُصْبة ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾: إن كانوا صادقين فهلا أقاموا أربعة شهود (^١).
قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكم اللَّه؛ كما يقال: جوابه عند أبي حنيفة ﵀ كذا وعند الشافعي كذا، وهذا في كلِّ الناس: مَن قذف ولم يُقم عليه بينةً فهو كاذبٌ في حكم الشرع، به يسمى وإليه ينسب وإن كان صادقًا في الباطن، ولو أقام بينةً عُدَّ صادقًا وإن كان كاذبًا في الباطن.
وقيل: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في علم اللَّه، وهذا يكون في حديث عائشة ﵂ على الخصوص؛ لأن اللَّه تعالى علِم كذبَ قذفِها (^٢).
وتأويل الآية على هذا القول: لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فيكونَ لهم حجةٌ في الظاهر على صدقهم، فإذ (^٣) لم يأتوا بالشهداء فاعلموا أنهم عنده (^٤) كاذبون في الباطن كما هم كاذبون عندكم في الظاهر.
وفائدة هذا الكلام: أنهم لو أتوا بأربعة شهداء لكانوا غيرَ كاذبين في الظاهر، وكاذبين في الباطن.
* * *
(١٤) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
_________________
(١) "فهلا أقاموا أربعة شهود" ليس في (ف).
(٢) في (ف): "لأن اللَّه تعالى كذَّب قذَفَتَها".
(٣) في (ف): "وإن".
(٤) في (ف): "عندي".
[ ١١ / ١٠٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: ولولا فضله عليكم ورحمته بأنْ لا يعاجلَكم بالعقوبة وبسَطَ لكم مدةَ التوبة ويقبلُ توبتكم، وهو فضلُه ورحمته في الدنيا، ثم يغفر لكم ويرحمكم يوم القيامة إذا أتيتم تائبين، ولا يعذبُكم ويتفضَّل عليكم فيدخلكم الجنة، وهو فضل ورحمة في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي: لنالكم فيما خُضتم فيه من الإفك عذابٌ عظيم تعاجَلون به.
وقيل: معناه: ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمته لمسَّكم فيما أفضتُم فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة جميعًا، ولكنه تفضَّل عليكم ورحمَكم بأن يسترَ (^١) عليكم في الدنيا وقَبِل توبتكم وأزال عنكم العذاب في الدارين بالتوبة.
* * *
(١٥) - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: يرويه بعضُكم عن بعض.
وقيل: أي: تأخذونه؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات﴾ [البقرة: ٣٧].
وأصله: (تتلقَّونه)، وهي قراءة أبيِّ بن كعبٍ، وقراءة عائشة: (تَلِقُونه) بكسر اللام وتخفيف القاف (^٢) من الوَلَق وهو الكذب.
وقيل: السرعة في الكذب.
_________________
(١) في (ف): "تفضل عليكم بأن ستر".
(٢) القراءتان في "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٠٢).
[ ١١ / ١٠٤ ]
ومعنى التلقي بالألسنة: أن التلقِّيَ قد يكون بغيرِ الكلام، قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧]، وذلك أخذ وكتابة من غير اختصاصٍ بالقول.
وكان تلقيهم بالألسنة: أن بعضهم كان يقول لبعض: هل بلغك حديث عائشة؟ حتى فاض ذلك فيما بينهم.
قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: والتقييد بالأفواه أيضًا: أنه لا حقيقة له فهو مقتصِر على وجودها بالأفواه لا غير، وهو كقوله تعالى في الظهار: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].
﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾: يسيرًا لا إثم فيه ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ تستحقُّون به العقوبة لإيذائكم رسول اللَّه -ﷺ- وزوجةَ رسوله، وإشاعةِ الفاحشة في المنزَّهة عنها.
ومعنى ﴿عَظِيمٌ﴾: منكَرٌ شنيع، وإطلاقه في ذلك متعارفٌ.
* * *
(١٦) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾: أي: هلا إذ سمعتُم هذا الأفك قلتُم: ما يحلُّ لنا في دين اللَّه أن نتكلَّم بهذا الإفك.
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ كلمة تعجُّبٍ؛ أي: العجب ممن يتكلم بهذا قال الأعشى:
أقولُ لمَّا جاءني فخرُه سبحان من علقمةَ الفاخرِ (^١)
وقيل: أي: ننزِّهك عن أن نعصيَك نحن بالقذف.
_________________
(١) انظر: "ديوانه" (ص: ٩٤)، و"الكتاب" (١/ ٣٢٤)، وعلقمة هو ابن علاثة، والبيت في هجائه.
[ ١١ / ١٠٥ ]
﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: كذبٌ شنيع، وذكر في الآية المتقدمة: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ فيجوز أن يكونوا أُمروا بأن يتكلَّموا بالكلامين جميعًا مبالغةً في التبرُّؤ عن قبوله واعتقاده.
ويجوز أن يكون الثاني تكلُّمًا باللسان، فقد ذكره بعد التصريح بالكلام: ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ والأول في القول في النفس، فقد ذكره في الظن (^١): ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ فلا يكون تكرارًا، ويكون مجموعهما: يقولون في أنفسهم: لا نعتقد هذا، ويقولون بألسنتهم: نتبرأ (^٢) من تجويز هذا.
* * *
(١٧) - ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: يحذركم اللَّه أن تعودوا إلى مثل ما فعلتُم من القول به وسماعه وتلقِّيه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فإن الإيمان يوجب الاتِّعاظ بوعظِ اللَّه تعالى.
* * *
(١٨) - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي: علاماتِ الدِّين التي يجب أن يُتديَّنَ بها.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بكم وبأعمالكم ﴿حَكِيمٌ﴾ يجزي على وَفْق العمل (^٣).
* * *
_________________
(١) في (ف): "بعد" بدل: "في الظن".
(٢) في (ف): "نبرأ".
(٣) في (ف): " ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قلتم ﴿حَكِيمٌ﴾ بالمجازاة".
[ ١١ / ١٠٦ ]
(١٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: تُنشَر المقالة السيئة الشنيعة القبيحة في المؤمنين كهذا الإفكِ من غيرِ صحةٍ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ و(في المؤمنين) على هذا له وجهان:
أحدهما: أنهم هم المقذوفون؛ أي: يسيئون القول فيهم.
والثاني: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: بين (^١) الذين آمنوا وهم السامعون؛ أي: يقذفون إنسانًا ويظهرونه فيما بين المؤمنين.
والعذاب في الدنيا: حدُّ القذف، وذاك بالقذف.
وفي الآية ذكر ﴿يُحِبُّونَ﴾ لكنْ لمَّا قال: ﴿أَنْ تَشِيعَ﴾ عُلم أنهم (^٢) هم الذين أظهروا ما أَحَبُّوا بلسانهم بالتكلُّم بكلمة القذف.
وعذاب الآخرة: النار وسائرُ العقوبات إن لم يتوبوا.
وقال قتادة: ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾؛ أي: يظهر الزنا (^٣).
ومعناه: أنهم إذا أشاعوا عن عائشة ﵂ أنها فعلت كذا قالت النساء: إذا ارتكبت عائشة -وهي زوجةُ النبي ﵇- هذا فكيف بنا؟ فيقعن في الزنا ويظهرُ ذلك مخهن، فيكون المتكلِّم بهذا على الإفك مسبِّبًا ظهور الزنى في النساء، وله عذاب الدنيا والآخرة.
_________________
(١) في (أ): "من".
(٢) في (ف): "أي قلوبهم لأنهم" بدل: "علم أنهم".
(٣) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" (٦/ ١٦١).
[ ١١ / ١٠٧ ]
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: مقاديرَ الجنايات والعقوبات.
وقيل: واللَّه يعلم مَن الذي يحب أن تشيع الفاحشة، قالوا: وكان ذلك عبدَ اللَّه بن أبيٍّ ابنَ سلولَ لعنه اللَّه، وهو كقوله تعالى: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].
* * *
(٢٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: أي: لعاجلكم بالعقوبة على ما فعلتُم.
وقيل: معناه: ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمتُه بإنزال الوعيد (^١) على إشاعةِ الفاحشة لشاعت.
* * *
(٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: أي: لا تسلكوا مسالكه، ولا تتَّبعوا أثاره -وهي وساوسُه- بالإصغاء إلى الإفك والقولِ به.
﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: أي: مَن اتَّبع ذلك ارتكب الفحشاء والمنكر، فإن الشيطان لا يأمر إلا بهما، وهذا بيانٌ أنه إذا كان كذلك لم يجز طاعتُه ولم يَصلح اتِّباعه.
_________________
(١) في (ف): "العذاب".
[ ١١ / ١٠٨ ]
والفحشاء: ما فيه حدٌّ، والمنكر: ما لا حدَّ فيه (^١).
وقيل: الفحشاء: القبيح، والمنكر: ما هو في نهاية القبح.
ومعنى الفحشاء لغةً: الفعلة المفرِطةُ القبحِ، ومعنى المنكر: ما لا يعرفه العقل والشرع.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾: أي: ولولا توفيقُ اللَّه وعصمتُه ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾؛ أي: ما طهُر أحد منكم من دنَس الذنوب أبدًا، بل وقعتم فيها لأهواء النفوس وإغواء الشيطان.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يطهِّر، ودلَّ هذا على أن اللَّه خالقُ الأفعال، وهو حجَّتُنا على أهل الضلال.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: أي: للأصوات ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: بالأسرار، لا يَخْفَى عليه متَّبعُ الشيطان من غيره، والزكيُّ مِن غيره، وهو ترغيبٌ وترهيب.
* * *
(٢٢) - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾: قيل: أي: لا يحلفْ، وفيه لغتان: آلى يؤلي إيلاء، قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وائتلى يأتلِي ائتلاءً، قال زهير:
إنْ تَصْرِميني فإني مُؤْتَلٍ قسَمًا باللَّه ليس على مَن قالها زورُ (^٢)
_________________
(١) في (ف): "له".
(٢) لم أقف عليه.
[ ١١ / ١٠٩ ]
وقال أبو عبيدةَ وقطربٌ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾؛ أي: لا يقصِّر، وقد أَلَى يألُو أَلْوًا (^١)؛ أي: قصر، قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ أي: لا يقصِّرون في إفساد أمركم، وائتلَى كذلك؛ قال امرؤ القيس:
ألَا رُبَّ خصمٍ فيكِ أَلْوَى ردَدْتُه نصيحٍ على تَعْذالهِ غيرِ مؤتَلِ (^٢)
﴿أُولُو الْفَضْلِ﴾؛ أي: أولو الفضيلة في الدين والسَّعة؛ أي: الغنى في المال، والواسع: الغني.
وقيل: ﴿أُولُو الْفَضْلِ﴾؛ أي: أولوا لإفضال؛ أي: المشهورون بذلك.
ثم المنكرون فضلَ أبي بكر يحملون هذا الفضلَ على فضل المال، لكن لا معنى له لأنه مستفاد من قوله: ﴿وَالسَّعَةِ﴾، فعُرف أن الفضل ليس بذلك لأنه مُعادٌ محضٌ، بل هو الفضل في الدين.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يعطوا أقرباءهم المساكين المهاجرين، وإدخالُ الواو لاختلاف الصفات، والموصوفون طائفةٌ واحدة.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٦٥)، و"غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٠٢)، و"تهذيب اللغة" (١٥/ ٣١٠)، و"الغريبين" للهروي (مادة: ألو)، وقد غلَّط ابن عرفة هذا القول كما ذكر الهروي، قال: لأن الآية نزلت في حَلف أبي بكر ألا ينفق على مسطح، فالمعنى: لا تحلفوا. ولفظ "مجاز القرآن": (مجازه: ولا يفتعل، من "آليت": أقسمت، وله موضع آخر من ألوت بالواو).
(٢) انظر: "الديوان" (ص: ٤٧)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني (ص: ٥٨)، وفيه: يقول: ألا ربّ خصمٍ شديد الخصومة كان ينصحني على فرطِ لومه إياي على هواكِ غيرَ مقصِّر في النصيحة واللوم، ردَدْته ولم أنزجر عن هواك بعذله ونصحه. وتحرير المعنى: أنه يخبرها ببلوغ حبه إياها الغاية القصوى، حتى إنه لا يرتدع عنه بردع ناصح ولا ينجع فيه لوم لائم.
[ ١١ / ١١٠ ]
وقيل: هم جمعٌ أريد بهم الواحد، وهو مسطحُ بن أُثَاثةَ الذي ذكرناه في القصة، وقع في الإفك بشؤم صحبةِ ابن أُبيٍّ، وكان جلس تلك الساعة عنده، وحلف أبو بكر الصدِّيقُ ﵁ أن لا ينفق عليه بعد هذا، وكان في نفقته، فنزلت فيهما هذه الآية.
وفيه بيانُ فضل الصدِّيق من وجوه:
أحدها: أنه نهاه مغايبةً وهو تشريفٌ.
وسماه (أولي الفضل) فدل على فضله من وجهين: من جهة الجمع، ومن جهة التنصيص على الفضل.
وحثَّه على إيتاء أولي القُربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللَّه، وكان مسطحٌ قريبَه ابنَ بنت خالته، وكان مسكينًا، وكان مهاجرًا، وفيه بيان فضل مسطحٍ أيضًا.
قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا﴾: أي: وليتجاوزوا عن الجفاء ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾؛ أي: وليُعْرِضوا عن العقوبة، وهما أمران مغايبة أيضًا (^١).
قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: وهذا غايةُ تلطُّفٍ في الخطاب؛ أي: فإذ أحببتُم مغفرة اللَّه لكم فاغفروا لغيركم.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: فتأدَّبوا بإذن اللَّه واغفروا وارحموا.
ولما نزل: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو بكر: بلى رب، ثم عاد لمسطح إلى ما كان وكفَّر يمينه (^٢).
_________________
(١) "مغايبة أيضًا" ليس في (ف).
(٢) قطعة من حديث الإفك الطويل عن عائشة ﵂، وقد تقدم تخريجه قريبًا.
[ ١١ / ١١١ ]
ثم السبب وإن كان خاصًّا فاللفظ عامٌّ، وهو جمعٌ، فكان خطابًا لكلِّ مَن كان ذا فضل وسعة في حق كلِّ ذي قربى ومسكينٍ ومهاجر.
وقال الضحاك: ولما نزل عذرها من السماء قال أبو بكر ﵁ وآخرون من المسلمين: واللَّه لا نَصِلُ رجلًا تكلَّم بشيء من أمر عائشة، ولا نتصدَّق عليه، ولا يكون بيننا وبينه خيرٌ أبدًا، فنزلت الآية (^١).
وقال القشيري: تحرَّك في الصدِّيق ﵁ عرقٌ من البشرية حتى همَّ بقطع الرِّفق من مسطحٍ، فأبى اللَّه تعالى له ذلك وأنزل هذه الآية، فلم يرض من الصدِّيق أن يتحرك فيه عرقٌ من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية، فعاد لِمَا كان يفعله من الإحسان إليه، والإحسانُ إلى المحسن مكافأةٌ، وإلى مَن لا يسيء ولا يحسِنُ فضل، وإلى الجاني (^٢) فتوةٌ وكرم.
وقال في قوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾: العفو: أن يتجاوز عن الجاني، والصفح: أن يتناسى جُرمه.
وقيل: العفو بالفعل، والصفح بالقلب فلا يبقى فيه كراهة، وأنشدوا:
ربَّ رامٍ لي بأحجارِ الأذى لم أجد بدًّا من العطف عليه
فعسى يطَّلعُ اللَّه على فرح (^٣) القوم فيدنيني إليه (^٤)
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٢٥).
(٢) في (ف): "الخاطئ".
(٣) في (ف): "فرج"، وفي مطبوع "اللطائف": (قدح).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٠١ - ٦٠٢). والبيت الأول نسب مع بيتين آخرين للبهلول بن عمرو المجنون كما رواه البيهقي في "الشعب" (٨٠٩٥).
[ ١١ / ١١٢ ]
(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: أي: يقذفون العفائف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾؛ أي: عن الفواحش؛ أي: لا يفكِّرن فيها ولا يتعرَّضن (^١) لها ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بكلِّ ما يجب الإيمان به، وفيه إثبات هذه الصفات لعائشة ﵂.
قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾: أي هؤلاء القذَفةُ أُبعدوا في الدنيا عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين ﴿وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: وفي الآخرة عن رحمة اللَّه، ويتكلَّم المؤمنون في الدنيا بلعنهم، والملائكةُ في الآخرة، وكذلك أهل الموقف، وكذلك أهل النار، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقال: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
والآية في عبد اللَّه بن أبيٍّ المنافقِ وأصحابه، وكان اللَّه تعالى علِم منهم الموتَ على النفاق فألزمهم اللعنة (^٢) في الدارين.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في حقِّهم أيضًا.
وبهذا التأويل ينقضي سؤال مَن قال: ذكر في أول هذه السورة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥]، فجعل لهم توبةً والتائبُ لا يكون له لعنةُ الآخرة، لكن نقول: هذه الآية الثانية في حق المنافقين، ولا توبةَ لهؤلاء المنافقين المخصوصين.
وقيل: إن اللَّه ينتقم لأوليائه بأبلغَ مما ينتقم في حقِّ نفسه، قال في حق اليهود
_________________
(١) في (أ): "يعترضن".
(٢) في (أ): "النقمة".
[ ١١ / ١١٣ ]
الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ولا كلامَ أشنعُ منه: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] فأطلق ولم يقل: في الدنيا والآخرة.
وقال في حقِّ قذَفةِ المحصَنات خصوصًا زوجةَ رسوله عائشة ﵂: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
* * *
(٢٤) - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿يَشْهَد﴾ بياء التذكير لتقدُّم الفعل الحائل، والباقون بالتاء لأنها فعلُ الألسنة وهي جمعٌ (^١)؛ أي: ولهم عذابٌ عظيم يومَ تشهد عليهم ألسنتهم بالإفك الذي جاؤوا به، فتعترِف، فيُقذفون بذلك في النار.
﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: ثم تشهد الأيدي والأرجلُ بسائر المعاصي التي عملوا بها، ولا يعارض هذا قولَه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] وشهادةُ الألسنة مع الختم على الأفواه لا تتحقق = لأن ذلك يكون في حال وهذا في حال، ولأن هذا في حق القَذَفة وذاك في حق (^٢) الكفار الذين يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيُختم على أفواه أولئك.
وقال النبي ﵇: "إذا كان يومُ القيامة يقول الكافر: إنك وعَدْتني أنْ لا تَظْلِمني، وإني لا أقبل اليومَ عليَّ إلا شاهدًا من نفسي، فيَختم اللَّه على لسانه ويُشهِد
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٤)، و"التيسير" (ص: ١٦١).
(٢) "حق" ليس من (ف).
[ ١١ / ١١٤ ]
عليه جوارحَه بما عمل بها من المعاصي، ثم يُنطق اللَّه لسانه فيقول لجوارحه: أفٍّ لكنَّ فعنكنَّ كنتُ (^١) أناضل" (^٢).
وقال القشيري: كما يشهد على قومٍ يشهد لقومٍ: العينُ بالبكاء، واليد بالعطاء، وكذا سائر الأعضاء، وتشهد في الدنيا أيضًا على المحبة بآثارها: من صُفرة الوجوه، وشُحوب اللون، ونحافة الجسم، وجَرْي الدمع (^٣).
* * *
(٢٥) - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾: أي: حسابَهم؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: الحساب المستقيم، وإيفاء الحساب إيفاءُ الجزاء؛ قال تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩].
وقيل: الدِّين هو الجزاء؛ يقال: كما تَدِين تُدَان (^٤)؛ أي: كما تفعل تجازَى به.
و﴿الْحَقُّ﴾ صفة له؛ أي: هو حقٌّ مستحَقٌّ ولا جورَ فيه بزيادةِ عذاب على غيرِ ذنب ونقصانِ ثوابٍ على طاعةٍ.
_________________
(١) في (ف): "ففيكن" بدل: "فعنكن كنت".
(٢) رواه مسلم (٢٩٦٩) من حديث أنس ﵁.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٠٢ - ٦٠٣).
(٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٢٦٢) من طريق أبي قلابة عن النبي -ﷺ- مرسلًا. ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد في "الزهد" (ص: ١٤٢) لكن عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قوله. وله شاهد موصول من حديث ابن عمر ﵁ رواه ابن عدي في ترجمة محمد بن عبد الملك وضعفه. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" لابن حجر (ص: ٣).
[ ١١ / ١١٥ ]
وقال أبو عبيد (^١): هو كقوله: دينَهم حقًا؛ أي: صدقًا، ثم عرَّفه باللام.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: على الحقيقة ﴿الْمُبِينُ﴾ ذلك بالبراهين.
* * *
(٢٦) - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: أي: الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين؛ أي: كلمات القذف إنما تليق بالفسَّاق.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾: أي: الفساق هم الذين يليق بهم الكلام الخبيث.
وقيل: الخبيثات من الكلام إنما تُلصق بالخبيثين لا بالطيبين، وعائشة طيبةٌ اختارها اللَّه لصحبة نبيِّه فلا يُلصق بها هذا.
قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾: أي: الكلمات الطيِّبة للرجال الطيبين ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ كذلك.
وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]، فدلَّ أن الكلمة توصف بالخبيث والطيب، والخبيثون والطيبون يتناول الذكورَ والإناث جميعًا.
وقيل: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من القول والعمل ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وعلى هذا بقيَّتُه.
وقيل: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وكذا بقيَّتُه، وفيه
_________________
(١) في (ف): "عبيدة". ولم أقف عليه عن أي منهما.
[ ١١ / ١١٦ ]
تبرئةُ (^١) عائشةَ ﵂ لِمَا أنها زوحةُ رسول اللَّه -ﷺ-، فهي طيبةٌ لزوجٍ طيبٍ، وامرأةُ المنافق القاذف (^٢) خبيثةٌ لزوجٍ خبيث.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾: قال بعض المفسرين: هي عائشة.
وقيل: عائشةُ وصفوانُ. وهو جمعٌ أريد به الواحد أو الاثنان.
وقيل: أي: الطيباتُ والطيبون مبرَّؤون مما يقول الخبيثاتُ والخبيثون، واندرج في ذلك عائشة وصفوان ﵄.
وقيل: هذا يعم الصِّنفين؛ أي: الطيبات والطيبون مبرَّؤون عن كلام خبيثٍ (^٣) يقال فيهم، والخبيثات والخبيثون مبرَّؤون عن كلامٍ طيب يقال فيهم.
قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي: في الجنة، وهذا لعائشةَ ﵂ وصفوانَ، أو لكلِّ الطيبين والطيبات.
والقشيريُّ ﵀ أجرى الخبيثات والطيبات في الأقوال والأفعال والأحوال والأموال، والطيبين والخبيثين على الرجال والنساء، فأطال وأطاب (^٤)، وحمل الكلَّ أيضًا على الأشخاص.
وقرَّر من وجهٍ آخر فقال: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من الأشخاص وهنَّ المبرَّآت من وهج الخطر، المتنقِّيات عن سَفْساف أخلاق البشرية، أو، من التعريج في أوطان الشهوات ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال الذين هم قائمون بحقِّ الحقِّ لا يصحبون الخلق
_________________
(١) في (ف): "تنزيه".
(٢) "القاذف" ليست في (ف).
(٣) في (أ): "عن خبث".
(٤) "فأطال وأطاب" ليست في (ف).
[ ١١ / ١١٧ ]
إلا للتعفُّف دون استجلابِ الشهوات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ في المآل ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الحال، وهو ما ينالون من غيرِ استشرافٍ وطمعٍ وتعب (^١).
* * *
(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾: وهو تأديبٌ بما يرجع إلى السَّتر والتحرُّز عن الاطِّلاع على عورة.
يقول: لا يدخلنَّ أحدُكم بيتَ غيره (^٢) مغافصةً (^٣) حتى يستأنس؛ أي: يبصرَ هل في البيت إنسان؟ فإن كان، قال: السلام عليكم أدخل؟ فإنْ أُذن فليدخل، وأضمر في آخره: وتسلموا على أهلها مستأذِنين فيؤذن لكم، وصحَّ هذا الإضمار لأن الكلام سيق له فعرف (^٤) ذلك فيه، وبما بعده أيضًا وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية.
قال الفرَّاء: الاستئناس: النظر، يقال: اذهب فاستأنِسْ: هل ترى أحدًا (^٥)؟ وقال تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦].
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٠٤).
(٢) في (ف): "بيتًا غير بيته" بدل: "بيت غيره".
(٣) من غافصه: فاجأه، وأخذه على حين غرة. انظر: "القاموس" (مادة: غفص).
(٤) في (ف): "يعرف".
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٤٩).
[ ١١ / ١١٨ ]
وقال القتيبي: الاستئناس: الاستئذان والاستعلام، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]؛ أي: عَلمتُم (^١).
وقيل: هو طلب الأُنس وسؤالُه، ومَن استأذَن فأُذن له وقع له به الأُنس.
وروي أنهم كانوا لا يستأذن الواحد منهم قبل الدخول، لكن يفتح ويدخل ويقول: قد دخلت، فربما شقَّ ذلك على الرجل، فنزلت الآية (^٢).
وقال السُّدِّي: الاستئناس: التنَحْنُح والتنخُّع (^٣).
وقال عكرمة: التسبيح والتكبير (^٤).
قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: أنفعُ لكم في دينكم ودنياكم، أما في الدِّين فإحرازُ الثواب بالائتمار (^٥)، وأما في الدنيا فلأن مَن دخل بغيرِ إذنٍ فلعله يهجم على ما يسوءه أو يسوء المدخولَ عليه.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: تتَّعظون بمواعظ اللَّه فتُؤْجَرون به، فذلك هو الخير.
* * *
(٢٨) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٠٣).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٦٥) عن مقاتل بن حيان.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٨٤) وتنخع: رمى نُخامته، والنُّخامة: النُّخاعة. وفي الثعلبي: (والتنخم)، ومعنى تنخم: ألقى بشيء من صدره أو أنفه. انظر: "القاموس" (مادة: نخع ونخم).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٨٤).
(٥) في (ف): "فبإحراز أبواب الائتمار".
[ ١١ / ١١٩ ]
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ يأذن لكم ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ وقال المبرد: أي: فإن لم تعلموا، يقال: وجدت زيدًا كريمًا؛ أي: علمتُه كذلك، ولو حُمل على حقيقة الوجود فذاك يكون بعد الدخول وهو غير مطلَق قبل الإذن.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾: أي: إن قيل لكم بعد الاستئذان: ﴿ارْجِعُوا﴾ فلا تدخلوا بغير إذن، ولا تقعدوا على الباب أيضًا، بل ارجعوا ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾؛ أي: أطهر لكم وأبعدُ عن التدنُّس بالإثم.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: من طاعة ومعصية في هذا الأمر وغيره، لا يخفى عليه ذلك ولا يعجز عن جزائه، وهو ترغيب وترهيب.
* * *
(٢٩) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
وقال مقاتل: ولما نزلت هذه الآية قال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه، أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن، فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (^١): وهي الخانات الموقوفة والرِّبَاطات، والخَرِبات التي يدخلها الإنسان لقضاء الحاجة، وهي كالأسواق (^٢) وُضعت لمنافع العامة، والحاجةُ إلى الأذن كانت لحقِّ المالك أو الساكن فيه بحقِّ مِلكٍ أو إجارةٍ، فإذا انعدم ذلك سقط الاستئذان.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٧٠) عن مقاتل بن حيان، وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان" (٣/ ١٩٥).
(٢) في (أ): "وهي من الأسواق".
[ ١١ / ١٢٠ ]
وقوله: ﴿أَنْ تَدْخُلُوا﴾؛ أي: في أن تدخلوا.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾: أي: منفعةٌ وتمتُّع، وقيل: أي: ثوبٌ ونحوُه.
قال مجاهد: وكانت الطرق والمساكن إذ ذاك آمنةً، فكان الرجل يضع حرَّ متاعه في رباطٍ أو بيتٍ ويغلق بابه ويمرُّ، فإذا جاء وجد متاعه بعينه، فذلك قوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (^١).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: من قولٍ وعملٍ، وهو عامٌّ.
وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ في الاستئذان: هل تقصدون به الطاعة أو غيرَ ذلك؟ وفيه تنبيهٌ على إصلاح النية في كلِّ شيء.
* * *
(٣٠) - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾: وهذا يتَّصل بالستر أيضًا كالذي سبق؛ أي: قل يا محمد للرجال المؤمنين يغضُّوا (^٢) أبصارهم عما لا يحلُّ النظر إليه ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾؛ أي: يستروها عن أن يراها (^٣) مَن لا يحلُّ له رؤيتُها.
وقيل: أي: يحفظوها عن أن يواقعوا بها محرَّمًا.
والأول أشبه؛ لأن الآية فيما يحلُّ النظر إليه وما لا يحل.
_________________
(١) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٤٣٩)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٤٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٦٩).
(٢) بعدها في (ف): "من".
(٣) "أن يراها" ليس في (ف).
[ ١١ / ١٢١ ]
ثم زاد كلمةَ ﴿مِنْ﴾ في الأبصار دون الفروج، ولذلك وجهان:
أحدهما: أن ﴿مِنْ﴾ صلة كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ أَحَدٍ﴾ [الحاقة: ٤٧]؛ أي: أحدٌ، وكان يجوز حذفها منهما وإدخالها فيهما، فجاز حذفها من أحدهما والإدخال في الآخر.
وقيل -وهو الوجه الثاني-: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وليس كلُّ نظرٍ محرَّمًا، فأَمر بالغضِّ من الأبصار ليكون مقصورًا على ما حرِّم منه دون ما حلَّ، ووجوه الحلِّ فيه أكثر فذكر حرف التبعيض، والفروج كذلك لكن (^١) وجوه الحرمة فيها أكثر فأطلق الأمر لحفظها دلالةً على الشمول.
وقيل: ﴿مِنْ﴾ ليس للتبعيض، بل فعلُ الغضِّ يستعمل مع هذه الصلة؛ يقال: فلان يغض من بصره؛ أي: ينقص من بصره (^٢).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾: أي: أطهرُ وأبعدُ عن دَنَس الإثم و﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ترغيبٌ وترهيب كما قلنا.
* * *
(٣١) - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "لأن".
(٢) في (ف): "نظره".
[ ١١ / ١٢٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾: ولعِظَم هذا الأمر خصَّ النساء وأفردَهن بهذين الأمرين (^١).
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أي: ولا يُظهِرْن مواضعَ الزينة، فهذا مضمر، وهذا لأن إظهار عينِ الزينة -وهي الحليُّ وغيرُها- غيرُ منهيٍّ عنه، بل أريد بها مواضعُها، أو إظهارُها وهي في مواضعها؛ لإظهار مواضعها لا لإظهار أعيانها.
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: وشَقَّ سَترُه، واختُلف في تفسير هذا المستثنى الذي لا يَحرُم كشفُه على المحارم والأجانب جميعًا:
قيل: الزينة: الثياب؛ كما في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ أي: لباسكم، فقد كانوا يتعرَّون، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو الملاءة والبُرقع والخفاف، فعلى قول القائلين بهذا: لا يحل النظر إلى شيء منها ومن ثيابها إلا إلى ملاءتها وبرقعها وخُفِّها الظاهرةِ عليها، ولا يحل لها إظهارُ شيء منها إلا هذا، وهو قول ابن مسعود ﵁.
وقيل: الزينة: الحليُّ، ومواضعها: الأعضاء المخصوصة بها، ومواضع الزينة المطلقة منها هذه الأشياء:
الرأس: لأنه موضع الإكليل.
والشعر: لأنه موضع العِقاص والدُّرَيهمات.
والأذن: لأنها موضع القُرط.
والعنق: لأنه موضع القِلَادة.
_________________
(١) في (ف): "الذكرين". وهنا نهاية السقط من النسخة (أ).
[ ١١ / ١٢٣ ]
والصدر: لأنه موضع الوشاح.
والعضدين: لأنهما موضعا الدُّمْلوجين.
والذراعين: لأنهما موضعا السوار.
والساقين: لأنهما موضعا الخلخال.
ويحلُّ النظر إليها للمحارم، لِمَا ذكر في هذه الآية بعد هذا القسم.
وأما مواضع الزينة الظاهرة التي يحلُّ النظر إليها للأجانب إذا لم يكن شهوةٌ بهذا الاستثناء -وهو قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ - فالوجه والكفان عند عامة العلماء.
وقال جماعة من الصحابة ﵃: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الكحل والخاتم والخِضَاب، فالكحل زينة الوجه، والخاتم زينة الإصبع، والخضاب زينة الكفين (^١).
وقال بعض الناس: الكحل للعين خاصةً، والخاتم للإصبع خاصةً، ولا يباح غيرهما.
وقالت عائشة ﵂: هي مضطرةٌ إلى كشف عينٍ واحدة للمشي، ولا ضرورة في غير ذلك، ولا يباح لها الإبداء ولا لغيرها النظر إلا في عين واحدة.
وقلنا: إنها قد تضطرُّ إلى الخروج للبيع والشراء، وتحتاج إلى الأخذ والعطاء، وتحتاج إلى كشف العينين للمشي، وفي كشفهما كشفُ بعض الوجه، وفي المناولات كشفُ الكفين.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: أي: ولْيُلْقينَ أغطية رؤوسهن على مواضع جيوب دُروعهن؛ أي: قُمُصِهن.
_________________
(١) انظر ما روي فيه في "تفسير الطبري" (١٧/ ٢٥٨ - ٢٦١) عن ابن عباس والمسور وبعض التابعين.
[ ١١ / ١٢٤ ]
وكنَّ في الجاهلية يَسْدُلنَ خُمرهنَّ من خلفهنَّ، فكانت تنكشف صدورهنَّ وآذانُهنَّ، فأمرن أن يُلقين أطراف خمرهنَّ على جيوبهنَّ، وهي في مواضع صدورهنَّ؛ لتغطي بذلك أعناقَهنَّ وشعورهنَّ وآذانهنَّ وصدورهنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: أي: مواضعَ الزينة الباطنة ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾؛ أي: أزواجهن ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيهم الأجداد ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا (^١) ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيهم النوافل.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾: فقد صاروا محارم أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾: ويدخل فيهم (^٢) نوافل الإخوة والأخوات أيضًا، وإذا ثبت في هؤلاء المحارمِ ثبت في سائر المحارم من الأعمام والأخوال، وفي المحارم بالرضاع؛ لأن ذكر بعضهم تنبيهٌ على سائرهم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾: أي: الحرائرِ المسلمات.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: أي: إماؤهن، ولا يحلُّ لعبدها أن ينظر إلى هذه المواضع، ومِن الناس مَن أحلَّ ذلك بهذه الآية، وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يتناول الغلامَ والجارية جميعًا.
وقلنا: قال سَمُرةُ بن جُندبٍ: لا يغرَّنكم هذه الآية، فإنها نزلت في الإماء (^٣).
وقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: قرأ ابن عامر وعاصم
_________________
(١) "أيضًا" من (أ).
(٢) في (أ): "فيه".
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٦٩١٠) و(١٧٢٧٤)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٢٣٥)، كلاهما عن سعيد بن المسيب، ولم أجده عن سمرة. قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح؛ لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصيا كان أو فحلًا. انظر: "الكشاف" (٣/ ٢٣٢).
[ ١١ / ١٢٥ ]
في رواية أبي بكر ﴿غيرَ﴾ بالنصب على الاستثناء، والباقون بالخفض على النعت (^١).
والإربةُ: الحاجة، ومعناه: الرجال الذين هم أتباعُ هذا البيت ممن لا يشتهِي النساء ولا يَحتاج إليهن، وليس هذا بواقعٍ على الخصيِّ والمجبوبِ والمخنَّث لأنهم يَشْتَهُون ويُشْتَهَون.
وقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾: أي: الأطفال؛ لأنه جنسٌ فصلح (^٢) للجمع.
﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾: قال القُتَبيُّ: أي: لم يَفهموا ذلك ولم يقفوا عليه (^٣)، من قوله: ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠].
وقال الفرَّاء: أي: لم يَبلغوا أن يُطيقوا النساء، يقال: صارع فلانٌ [فلانًا] وظهَر عليه (^٤)، وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أي: على الأرض بشدة.
وقوله تعالى: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾: وهي الخلاخيل، وقال جابر بن زيد: هو الحَلَقُ الصغار (^٥)؛ لأن في ذلك فتنة.
وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: التزموا هذه الأوامر والنواهيَ، ثم توبوا إلى اللَّه؛ لأنكم لا تخلُون من سهوٍ وإغفال (^٦) وتقصير فيها فلا تتركوا التوبة في كل حال.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٥)، و"التيسير" (ص: ١٦١).
(٢) في (ر) و(ف): "يصلح".
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٠٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٥٠) وما بين معكوفتين منه.
(٥) في (أ): "الخف الصرار" بدل: "الحلق الصغار".
(٦) في (ر) و(ف): "واعتقاد".
[ ١١ / ١٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتُفلحوا.
وقال محمد بن جرير: أي: ارجعوا إلى (^١) طاعة اللَّه فيما أمركم به ونهاكم عنه؛ من غضِّ البصر، وحفظِ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بإذنه، وغير ذلك (^٢).
وقال القشيري ﵀: التوبة: الرجوع عن المذمومات من الأفعال إلى أضدادها، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة، فتوبة عن الزلة وهي توبة العوام، وتوبة عن الغفلة وهي توبة الخواص، وتوبة على محاذرة العقوبة، وتوبة على ملاحظة الأمر.
وقيل: أمر الكافة بالتوبة: العاصينَ بالرجوع إلى الطاعة عن المعصية، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق، وخاصَّ الخاصِّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة (^٣) الموفِّق.
وقيل: أمر الكافة بالتوبة كيلا يخجل العاصي من الرجوع على الانفراد.
وقيل: مساعدة الأقوياء مع الضعفاء رفقًا بهم من أمارات الكرم.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بيانٌ أنه أمرهم بالتوبة لينتفِعوا هم بذلك، لا أن يكون للحق ﷾ بها تجمُّل (^٤).
وقيل: أحوج الناس إلى التوبة مَن توهَّم أنه ليس له حاجةٌ إلى التوبة (^٥).
* * *
_________________
(١) في النسخ: "راجعوا" بدل: "ارجعوا إلى"، والمثبت من "تفسير الطبري".
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ٢٧٣).
(٣) في (ر): "رؤية".
(٤) في (ر) "حاجة بذلك" بدل "بها تجمل". وفي "اللطائف": (بتوبتهم وطاعتهم تجمل).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦٠٨).
[ ١١ / ١٢٧ ]
(٣٢) - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾: وهو تحصيلُ التَّستُّر (^١) والعفَّة أيضًا.
والأيِّم: كلُّ ذكر لا أنثى معه، وكلُّ أنثى لا ذكر معها، ولهذا سُميت الحية أيِّما بالتشديد والتخفيف كالميِّت والميْت؛ لأنَّها لا تكاد تكون في جُحرها إلا وحدها.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾؛ أي: زوِّجوا مَن لا زوج له منكم، ويدخل فيه الرجال والنساء، فيزوِّج الرجل وليَّته بالولاية، ويزوِّج مَن خطبها إليه من الرجال، كما روي: "أَنْكِحوا أبا هند وانكِحوا إليه" (^٢)؛ أي: زوِّجوه واخطِبوا إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾: بولاية المِلك، وهو أمرٌ بتحصين المماليك، وذكرُ الصلاح للترغيب في تحصين مَن همتُه التحصُّن (^٣)، وليس بشرط لصحة العقد، وذلك كما ذكر بعده: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وهذا للترغيب في تحصين (^٤) أهل الخير عن مشقَّة الرق، وليس بشرطٍ في (^٥) صحة الكتابة.
_________________
(١) في (ر): "للستر"، وفي (ف): "الستر".
(٢) رواه أبو داود (٢١٠٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٤٠٦٧) و(٦٠٧٨)، والحاكم في "المستدرك" (٢٦٩٣) وصححه، من حديث أبي هريرة ﵁، وأبو هند كان حجامًا، كما جاء في الحديث نفسه. وللحديث شاهد من حديث عائشة عند الطبراني في "الأوسط" (٦٥٤٤)، والدارقطني في "سننه" (٣٧٩٣) و(٣٧٩٥). وإسناده حسن.
(٣) في (ر) و(ف): "التحصين".
(٤) في (أ): "تخليص".
(٥) "في" ليست في (أ) و(ف).
[ ١١ / ١٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: لا تنظروا إلى فقر الخاطب أو فقرِ المخطوبة، ففي فضل اللَّه ما يغنيهم، والمال غادٍ ورائحٌ، وقد يقع الغنى، فليس الفقرُ بمانع من الرغبة في الإنكاح، وليس المراد به الوعدَ والغنى على وجهٍ يكون (^١) لا محالة.
ومنهم مَن قال: هو وعدٌ به؛ قال عمر ﵁: ابتَغوا الغنى في النكاح (^٢)، ما رأيتُ مثل مَن قعد أيمًا بعد هذه الآية (^٣).
وقد تكون المرأة فقيرة فتستغني بالنكاح بالمهر والنفقة.
وقد يتناكحان ويتعاونان على المعاش فيستغنيان.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: أي: غنيٌّ قادر على إغنائكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده فيُغني إذا رأى الصلاح في الغنى.
وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكم في إنكاح (^٤) عبيدكم وإمائكم، أنه للإعفاف أو غيرِ ذلك، فيجزيكم على نياتكم.
ويروَى عن بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم: أنه كان منكاحًا مطلاقًا، فقيل له في ذلك، فقال: إن اللَّه تعالى وعد الغنى فيهما (^٥)، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ
_________________
(١) "يكون" ليست في (أ).
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٠٣٨٥) و(١٠٣٩٣).
(٣) ذكر هذه القطعة عن عمرَ ﵁ أبو أحمد القصاب في "النكت الدالة على البيان" (٢/ ٤٧٥). وفي "الوسيط" للواحدي (٣/ ٣١٨) نحوه، ولفظه: وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: ما رأيت مثل رجل لم يلتمس الغنى في الباءة، واللَّه يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
(٤) في (ف): "نكاح".
(٥) في (ر) و(ف): "في ذلك".
[ ١١ / ١٢٩ ]
فَضْلِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] (^١).
* * *
(٣٣) - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: لا يقدرون عليه؛ كقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، يقول: ومَن لم يجد سعةً للنكاح فلْيَصبر وليَصُن فرجَه عن الحرام، فإن نيَّته إذا حسُنت (^٢) في الكف عن الحرام أغناه اللَّه تعالى من فضله بأنْ يرزقه اللَّه مالًا يتزوَّج به، أو يقيضَ له امرأة ترغب فيه مع فقره باليسير من الصَّداق، أو بأن يعصمه ويزيل عنه شدة الشهوة، وما عند اللَّه خيرٌ (^٣)، ومَن ترَك شيئًا للَّه عوَّضه اللَّه ما هو خير منه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: والمماليكُ الذين يطلبون الكتابَة، وهي العَقد للعِتق على مالٍ منجَّم على العبد يؤدِّيه على النجوم فيَعْتِقُ إذا أدَّى الجميع.
وقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾: أي: أجيبوهم إلى ذلك ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وقد بينَّا معنى كلمة الشرط في أول هذه الآية.
_________________
(١) لم أقف عليه، وفي استنباط معنى الغنى بالطلاق من الآية دون ضرورة تدعو إليه نظر، واللَّه أعلم.
(٢) في (ر): "احتسبت".
(٣) في (أ): "واسع".
[ ١١ / ١٣٠ ]
وقيل: معناه (^١): إن علمتُم فيهم قوةً على اكتسابٍ وأمانةٍ بحفظِ ما يكتسبون فيؤدُّونه فيَعْتِقون، وسمي هذا العقدُ كتابةً لأن بدلها (^٢) منجَّم، والمالُ المنجَّم (^٣) يُكتب فيه كتابٌ على مَن عليه المال غالبًا، فاختُصَّ هذا العقد بهذا الاسم لاختصاصه بهذا الوصف، وهذا أمرُ ندبٍ لا حتمٍ.
واتِّصال هذا بالأول: أنه إذا كان فيه خيرٌ فإنما يَطلب الكتابةَ ليجتهد فيكتسبَ فيؤديَ فيَعْتِقَ فيصيرَ أقدرَ على تحصيل ما يتزوَّج به فيصلَ إلى التعفُّف له (^٤) إن لم يزوِّجه المولى.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾: أي: أعطوهم، قال الشافعي: أي: حُطُّوا من بدل الكتابة شيئًا قلَّ أو كثُر، وهو واجبٌ، ويُحطُّ ذلك من آخر نجومه.
وعن بعض السلف: حُطُّوا (^٥) ثلثًا أو ربعًا (^٦).
وقال سفيان: يَحُطُّ ربعًا أو أقلَّ منه (^٧)، وهو ندبٌ لا حَتْمٌ.
_________________
(١) "معناه" من (أ).
(٢) في (ف): "كتابًا لأن بدلها"، وفي (ر): "كتابًا لأن بدل الكتابة".
(٣) في (أ): "المؤجل".
(٤) "له" من (أ).
(٥) في (ر): "يحط عنه".
(٦) استحسن علي ﵁ الربع، كما رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٥٥٩٠)، والنسائي في "الكبرى" (٥٠١٩). ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٥٥٨٩)، والنسائي في "الكبرى" (٥٠١٧)، عن علي مرفوعًا، ورفعه منكر كما ذكر ابن كثير عند هذه الآية، قال: (والأشبه أنه موقوف على علي). واستحسن ابن مسعود والحسن الثلث. انظر: "تفسير القرطبي" (١٥/ ٢٤٩).
(٧) "أو أقل منه" ليس من (أ).
[ ١١ / ١٣١ ]
وعندنا هو (^١) أمر لسائر الناس أن يعطوهم من الزكاة؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهم المكاتبون، وهو الصحيح؛ لأن الإيتاء هو التمليك فلا يقع على الحط.
وقال الإمام القشيري ﵀: وإذا كنا مأمورين بكلِّ هذا الرفق حتى يصل المملوك المسكين إلى العتق، فبالحريِّ (^٢) أن يقوى الرجاءُ للعبد بالعتق من النار من فضل اللَّه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: أي: لا تُجبروا إماءكم على الزنا بالأجرة إن أردن تعفُّفًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: يعني: أجرهن وأولادهن.
وقيل: إن الزاني كان يفدي ولده من المزنيِّ بها بمئةٍ من الإبل يدفعُها إلى سيدها.
وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس على أن ذلك مباحٌ إذا طاوَعْن، لكنْ على معنى: أن الإماء إذا رغبن في التحصُّن فأنتم أحق بذلك.
وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير، وتقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إنْ أردن تحصُّنًا، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء لتبتغوا عرض الحياة الدنيا.
_________________
(١) في (ر): "هذا"، وفي (أ): "هو هذا".
(٢) في (ر) و(ف): "فبالأحرى".
(٣) في (أ): "من فضل الحق"، وفي (ف): "فضل من الحق"، وفي (ر): "فضل من اللَّه". وانظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦١٠)، والعبارة فيه: (. . . فبالحريّ أن يسمو الرجاء إلى اللَّه بجميل الظنّ أن يعتق العبد من النار. . .).
(٤) في (ر) و(ف): "تحصنًا".
[ ١١ / ١٣٢ ]
وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في مُعاذةَ ومُسيكةَ وأُميمةَ وعَمْرةَ وقُتَيلةَ وأروى؛ كنَّ إماءَ عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سَلُولَ المنافقِ لعنه اللَّه، لمَّا نزل تحريم الزنا أتينَ النبيَّ -ﷺ- فشكَينَ إليه فنزلت (^١).
وفي رواية: قالت معاذة لمسيكة: إن كان هذا الأمر منا خيرًا فقد استكثرنا منه، وإن كان شرًا فقد آن لنا أن نتوب، فنزلت (^٢).
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: قال الحسن: لهنَّ واللَّه، لهنَّ واللَّه (^٣).
وقال عكرمة وغيره: كان هذا الإكراهُ بالضرب والتعذيب (^٤)، ودلَّ أن الإكراه يتحقَّق في الزنا، والانتشار لا يدلُّ على الطواعية.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وابن عامر وعاصم في رواية حفصٍ بالكسر؛ أي: مرشداتٍ هاديات، وقرأ الباقون: بالفتح (^٥)؛ أي: قد بينَّاها.
يقول: قد أوحينا إليكم في هذه السورة وغيرها قرآنا في إعلام شرائعنا، فقد قال في أول السورة: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٩٩).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٤٢) عن عكرمة.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٩٩).
(٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٨٩) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٢٢٩)، و"التيسير" (ص: ١٦٢).
[ ١١ / ١٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أي: ما أحلَلْنا بالماضين فجعلناه مثلًا لمن بعدَهم يعلمون أنهم إذا فعلوا فعلَهم عُوقبوا عقوبتَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: هم المنتفِعون بها وإن كانت الموعظةُ للكل.
* * *
(٣٥) - ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ذكر إنزالَ الآيات البينات، وإقامةَ الدلالات الواضحات، وضربَ الأمثال بالذين خلَوا من قبلنا، ثم بيَّن وضوح الدلالات وجلاءَ البينات وأنَّ مَن ضلَّ عن الحق فليس لخفاءِ الدليل واشتباهِ السبيل، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال الكلبي: اللَّه هادي أهلِ السماوات وأهلِ الأرض إلى ما بهم الحاجةُ إليه في مصالح دينهم ودنياهم، وهي كلمة مطلقة في هذا المعنى، يقال: فلانٌ نورُ بلده؛ أي: به يهتدون إلى أمورهم، وعن رأيه يصدرون إلى مصالحهم.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: أي: صفةُ دلائله التي يَهدي بها عباده، فسمَّى دلائله نورًا؛ لأن الناس يسلكون بها طريق النجاة.
وقد سمَّى اللَّه تعالى كتابه نورًا بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]؛ لأنه يهدي إلى الحق.
[ ١١ / ١٣٤ ]
وسمى نبيه ﵊ نورًا بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]؛ لأنَّه يهدي إلى الحق.
فاللَّهُ هادٍ، وكتابُه هادٍ، ونبيُّه هادٍ، وما ركَّب في العباد من العقول حتى ميَّزوا ما (^١) بين الأشياء هاد، وكلُّ ذلك نورٌ، وإضافتُه إلى اللَّه على معنى أنه هو الواضعُ له والهادي به، ولأن الأمور (^٢) كلَّها للَّه، فأضاف أشرفَها إلى نفسه كما أضاف بعضَ الشهور وبعضَ الأيام وبعضَ البيوت وبعضَ الأموال إلى نفسه تشريفًا لها.
وقوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾: أي: صفةُ نوره ككوَّةٍ غيرِ نافذة وُضع فيها مصباحٌ في قنديلٍ مِن أصفَى زجاجٍ يكون، قد أُوقد بأصفَى زيتٍ يكون، فاجتمع في المشكاة ضوءُ المصباح إلى ضوء الزجاجة إلى ضوء الزيت، فصار ذلك نورًا على نور، فاجتمعت في المشكاة هذه الأنوارُ فصارت كأنوَرِ ما يكون، وكذلك براهينُ اللَّه تعالى في وضوحها ومنافعها (^٣) هي على غاية ما يكون عليه مثلُها، فليس ظلام الضلالِ من جهةِ قصور البيان وضعفِ البرهان، بل بتعاميهم وتماديهم في معاصيهم.
وقال الهيثم بن عدي: المشكاة حبشيةٌ (^٤).
_________________
(١) "ما" ليست من (ف).
(٢) في (أ): "الأنوار".
(٣) في (أ): "وتتابعها"، وفي (ف): "وينائعها".
(٤) رواه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٦/ ١٩٩) عن ابن عباس ﵄، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٩٥) عن مجاهد، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٩٦٧) عن سعيد بن عياض، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ١٠٣) عن الكلبي. وزاد الواحدي في "البسيط" (١٦/ ٢٦١) السدي وعكرمة.
[ ١١ / ١٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص بضم الدال وتشديد الياء، وهو منسوب إلى الدر، شبِّه به في صفائه وبياضه.
وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال والمدِّ والهمز، وهو فِعِّيلٌ من الدَّرء؛ أي: يُدفع به الشيطان، والنجومُ التي يُرجم بها الشياطين هي دراريُّ.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر بضم الدال والمد والهمز (^١).
وقيل: لا وجه لذلك، فليس في اللغة فُعِّيلٌ بضم الفاء وتشديد العين (^٢).
وقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح التاء والدال على أنه فعلٌ ماضٍ من التوقُّد وهو التلهُّب، والفعل للمصباح.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر بضم التاء والدال (^٣)، وهو فعلٌ مستقبَل لم يسمَّ فاعله من الاتقاد، وتاء التأنيث راجعة إلى الزجاجة.
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٦)، و"التيسير" (ص: ١٦٢).
(٢) وقد أثبته بعض العلماء على قلة فيه، ولخص الآلوسي ما قيل فيه فقال: (ولا يخفى على المتتبِّع أن فُعِّيلًا قليل في كلامهم، ففي "اللباب": فُعِّيلٌ غريب لا نظيرَ له إلا مُرِّيق -لحب العصفُر أو ما سمن من الخيل- وعُلِّيَّة وسُرِّيَّة وذُرِّيَّة، قاله أبو عليٍّ. وفي "البحر": سمع أيضًا "مُرِّيخ" للذي في داخل القرن اليابس، وفيه لغتان: ضم الميم وكسرها. وقال الفراء: لم يسمع إلا مُرِّيق وهو أعجمي. وسيبويه عد ذلك من أبنية العرب، ولم يثبت بعضهم هذا الوزن أصلًا، وقال أبو عبيد: أصل "دُرِّيء" دُرُّوء كسبوح، فجعلت الضمةُ كسرةً للاستثقال، والواوُ ياءً لانكسار ما قبلها، كما قالوا في عتوٍّ: عُتِيٌّ، فوزنه: فعُّول). انظر: "روح المعاني" (١٨/ ٣٦٦)، و"الحجة" للفارسي (٥/ ٣٢٣)، و"الكتاب" (٤/ ٢٦٨).
(٣) وهي قراءة الكسائي أيضًا.
[ ١١ / ١٣٦ ]
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿يُوقَدُ﴾ بياء التذكير مضمومةَ الياء والدالُ، مخففةً من الإيقاد فعلًا للمصباح على ما لم يسمَّ فاعله مستقبلًا (^١).
وقرأ الباقون بتاء التأنيث مفتوحةً وتشديدِ القاف وضمةِ الدال (^٢)، وأصله: تتوقَّدُ فعلًا للزجاجة، وحذفت إحدى التاءين تخفيفًا كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨].
وقول: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدلٌ من ﴿شَجَرَةٍ﴾ وترجمةٌ لها، هي مباركةٌ لكثرتها وكثرةِ انتفاعِ أهل الشام بها، ولكونها في أرض الأنبياء والأولياء.
وقوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: قال الكسائي: أي: ليست شرقيةً وحدها ولا غربيةً وحدها، بل هي شرقيةٌ غربيةٌ، وهو كقولك: مررتُ برجل لا ظالمٍ ولا مظلومٍ، على هذا المعنى.
وكذلك قال الفراء، قال: وهو كقولك: فلان لا مسافرٌ ولا مقيمٌ، على هذا المعنى.
قال: وهي تنبت على تلعةٍ (^٣) من الأرض لا يسترها من الشمس شيء وهو أجودُ لزيتها (^٤).
قال أبو عبيدة: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ تَضْحى للشمس ولا تصيب ظلًا ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تكون في الظل ولا تصيبها الشمس، بل هي شرقية غربية، تكون في الشمس وتكون في الظل، وهو أحسن الشجر (^٥).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٦)، و"التيسير" (ص: ١٦٢).
(٢) هي رواية عن عاصم كما في "السبعة" (ص: ٤٥٦).
(٣) هي ما ارتفع من الأرض.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٥٣).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٦٦).
[ ١١ / ١٣٧ ]
وصار حاصل جواب أهل اللغة والتفسير فيها على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها بين الشجر بحيث لا تُصيبها الشمس بالغداة والعشيِّ، لالتفافِ الشجر حولها، وتغطيته إياها.
والثاني: أنها بارزة للشمس في وقتٍ خافيةٌ عنها في وقت، فقد أخذت من الشمس والظل حظًّا كاملًا (^١).
والثالث: أنها بارزة للشمس كلَّ النهار، فتزكو ويَكثر زيتونها، ويصفو زيتُها حتى يكادُ لضيائه يضيء عن النار، وهو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.
وقال الحسن: هذه ليست من شجر الدنيا بل هي من شجر الجنة، فلا تكون شرقية ولا غربية (^٢).
وجملتُه: أن ذكر هذه الأشياء جميعًا بيانُ قوةِ حُجج اللَّه تعالى، واكتنافِ النور لها من جوانبها، وتتابُعِها من جهات العقل والتوفيق (^٣)، والوعدِ والوعيد، وتكرارِ المواعظ، وضرب الأمثال، وذكرُ المشكاة -وهي الكوةُ التي لا منفذَ لها كما فسَّره ابن عباس ﵁ وابن جريجٍ وأهلُ اللغة (^٤) - على معاني استجماع النور؛ لأن المصباح إذا كان في موضعٍ نافذ انتشر ضياؤه.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾؛ أي: أن حُجج اللَّه في
_________________
(١) "كاملًا" ليست في (أ).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٤٩)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣١٢).
(٣) في (ر) و(ف): "من جهة العقل فيه التوفيق".
(٤) رواه عن ابن جريج الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٠٥). وذكره عن ابن عباس الواحدي في "البسيط" (١٦/ ٢٦٠).
[ ١١ / ١٣٨ ]
وضوحها بحيث تتجلَّى لمن أعرض عنها وإن لم ينبِّهْ عليها منبِّهٌ ولم ينزل بها كتاب.
وقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: أي: برهانٌ بعد برهانٍ، ودلالةٌ على أثر دلالةٍ، يريد به تضاعُفَ الأنوار وكثرتَها لا الاقتصارَ على نورين، كما يقال: فلان يضعُ درهمًا على درهم، لا يراد به درهمان، وكما يقال: فعلتُ هذا مرةً بعد مرةٍ، لا يراد به مرتين.
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾: أي: يوفِّق اللَّه ﷿ لاتِّباع دلائله وإصابةِ الحق بالتدبُّر لها ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: مَن عَلِم منه اختيارَ ذلك.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾: كما ضربها لكم في هذه الآية، يعرِّف بذلك (^١) مواقع حججه، ويحركهم على تأمُّلها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: بما به يهتدي الخلق إلى مراشدهم، وبكل شيء.
* * *
(٣٦) - ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: فهذا المصباح في مساجدَ عظَّمها اللَّه وأمر بتعظيمها فائتمَرَ بذلك، ثم ذكر صفتَها وصفةَ أهلها، والمهتدين بالدلائل والضالِّين عنها في آيات.
قال أبيُّ بن كعب والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾؛ أي: مَثَلُ النور الذي في قلب المؤمن بهدايةِ اللَّه تعالى (^٢)، فعلى هذا الهاءُ كنايةٌ عن المؤمن، ولم يسبق ذكره لكنْ
_________________
(١) في (ر) و(ف): "يعرفكم بها".
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٩٨).
[ ١١ / ١٣٩ ]
عُرف بمعناه، فهو كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١] وقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتَ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
وقال ابن عباس ﵄: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾؛ أي: نورِ اللَّه الذي هدَى به المؤمنَ (^١).
وقال الحسن: اللَّه هادي أهل السماوات والأرض بنوره الذي هو القرآن ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾؛ أي: مثلُ هذا القرآن في القلب، ومثل هذا القلب ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى آخره (^٢).
وقيل: هو مثَلُ قلب المؤمن، والمشكاةُ صدره، والمصباح القرآن، والزجاجة قلبه، قاله أبي بن كعب (^٣).
وقيل: ﴿المشكاة﴾ نفس المؤمن، و﴿الزُّجَاجَةُ﴾ قلبه، و﴿الْمِصْبَاحُ﴾ المعرفة في القلب، فكما أن المشكاة نور والزجاجةَ أنورُ منها، والزجاجةَ نورٌ والمصباحَ أنورُ منها، فكذلك نَفْس المؤمن نور وقلبه أنورُ منها، وقلبُه نورُ والمعرفةُ أنورُ منه، قال: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقيل: هذا مَثَلُ النبيِّ -ﷺ-، يعني: كما أُخذ دهنُ هذا المصباحِ من شجرة مباركةٍ وهي الزيتون، فكذلك حصل لهذا المؤمن هذا الاهتداءُ ببركة دعوة النبيِّ -ﷺ- المباركةِ التي هي كشجرةِ الزيتونة لا دخانَ لزيتها بخلافِ سائر الأدهان، فكذا النبيُّ -ﷺ- لا شبهةَ في صدقه ولا ريبةَ في دِينه.
وقيل: المشكاة مَثَلٌ لفمه، والمصباح مثَلٌ للسانه، والزجاجة مثلٌ لصدره،
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٩٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٩٤).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٠٢).
[ ١١ / ١٤٠ ]
والكوكبُ الدرِّي مثل لقلبه، والشجرةُ المباركةُ هي إبراهيم ﵇ ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: لم يكن إبراهيم مصلِّيًا إلى المشرق كالنصارى لقوله تعالى: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦]، ولا إلى المغرب كاليهود لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
وقيل: ﴿المشكاة﴾ مَثَلُ جوف محمد -ﷺ-، و﴿الزُّجَاجَةُ﴾ مثلٌ لقلبه، و﴿والمِصْبَاحُ﴾ مثل للنور الذي فيه.
وقيل: الشجرة هي النبيُّ -ﷺ- ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: ليست بشجرةٍ نابتةٍ على الأرض لتكون شرقيةً أو غربيةً.
وقيل: معناه: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ وحدها ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ وحدها، بل هي شرقيةٌ غربية، يَظهرُ دينُه في الدنيا كلِّها، وينتشر نورُ دعوته في الآفاق كلها.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾؛ أي: يكاد منظره -ﷺ- يدلُّ على نبوته وإن لم يَتْلُ قرآنا ولم يُقِمْ برهانًا، قال عبد اللَّه بن رواحة ﵁:
لو لم تكن فيه آياتٌ مبيِّنةٌ كانت بديهتُه تُنْبِيكَ بالخبرِ (^١)
* * *
(٣٦) - ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الآية: وهذا في صفة الصحابة رضوان اللَّه عليهم وعبادتِهم وتلاوتهم في المساجد، وكذا مَن بعدهم من العلماء وأهل القرآن في كل عصر.
_________________
(١) انظر: "الإصابة" لابن حجر (٤/ ٨٥)، و"الفاضل" للمبرد (ص: ١٠) وعزاه لحسان.
[ ١١ / ١٤١ ]
وإن حُملت (^١) الآية الأولى على مَثَل القرآن فذكرُ المساجد أيضًا لذكر أهل القرآن القائمين به في المساجد، وإن حُملت على نور المعرفة فهي عَلَمُ أهل (^٢) الإيمان القائمين بالشرائع في بيوت اللَّه ﷿ وغير ذلك.
وإن حمل قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على معنى أنه مزيِّن السماوات والأرض، فزينة السماوات بالملائكة وزينةُ الأرض بأهل المساجد.
وأما ألفاظ المفسرين في هذه الآية:
فقد قال ابن عباس ﵄: اللَّه هادي أهلِ السماوات وأهلِ الأرض (^٣).
وقال الضحاك: اللَّه منوِّر السماوات والأرض (^٤).
وقال أبي بن كعب ﵁: مرسِلُ رسلِ أهل السماوات والأرض (^٥).
وقال مجاهد وعبد العزيز بن يحيى: ﴿اللَّهُ﴾ مزيِّنُ السماوات بثلاثٍ: بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بثلاثة أشياء: بالأنبياء والعلماء والمؤمنين (^٦)، فأنوار السماء متفاوتةٌ وكذلك أنوار الأرض، وأنوار السماء نافعةٌ وبعضُها أنفع من بعضٍ، وكذلك أنوار الأرض، وأنوار السماء بعضُها للنفع وبعضها (^٧) للدفع وهي رجوم الشياطين، وكذلك أنوار الأرض قال النبي -ﷺ-: "إن المؤمنَ ليُنْضي شيطانَه
_________________
(١) في (ر) و(ف): "دلت".
(٢) في (أ): "على أهل" وفي (ر): "علم".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٠٠).
(٥) لم أجده، وانظر التعليق الآتي.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٠٠) عن أبي بن كعب وأبي العالية والحسن.
(٧) "للنفع وبعضها" ليس في (أ).
[ ١١ / ١٤٢ ]
كما يُنْضي أحدُكم بعيرَه في السفر" (^١)، والكواكب تضيء لأهل الأرض، وقلوبُ المؤمنين تضيء لأهل السماوات.
وقيل: نوَّر السماوات بالعرش والكرسي واللوح والقلم وسدرةِ المنتهى وجنةِ المأوى والبيت المعمور والمقامات (^٢)، ونوَّر الأرضَ بالكعبة وبيت المقدس ومسجد المدينة ومسجد الكوفة وطُور سيناء والمساجد والمتعبَّدات.
وقيل: زيَّن السماء بالبروج الاثني عشر، والأرضَ بالشهور الاثني عشر.
وقيل: زيَّن السماء بالكَرُوبيين وبالروحانيين والصافِّين والحافِّين، وزيَّن الأرض بالأنبياء والمرسلين والعلماء والمتعلمين.
وقيل: زيَّن السماوات بالملائكة وعبادتهم، وزيَّن الأرض بالمؤمنين وطاعتهم.
وقيل: زيَّن السماوات بجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل صلوات اللَّه عليهم، وزيَّن الأرض بأبي بكر وعمر وعثمان وعليِّ رضوان اللَّه عليهم.
وقيل: زيَّن السماوات بتسبيح المسبِّحين وتقديس المقدِّسين وركوعِ الراكعين وسجود الساجدين وتلاوة التالِين، وزيَّن الأرض بتلبية الحجاج والمعتمِرين، وتكبيرِ الغزاة والمرابطين، وضجيجِ القانتين والمستغفرين، وحنين العارفين المشتاقين (^٣)، وبكاء العاصين النادمين.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٨٩٤٠) من حديث أبي هريرة ﵁. قوله: "إن المؤمن لينضي"، قال السندي كما في حواشي "المسند": من: أنضاه؛ أي: أهزله، والنضوُ: دابة أهزلتَها، وأذهبتَ لحمها، والمراد: أن من شأن المؤمن مخالفة الشياطين وتصغيرهم، وفي التشبيه تنبيهٌ على أن حق المؤمن أن يغلب على الشيطان حتى يكون الشيطان تحته مطيعًا له كالدابة، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) "والمقامات" ليس في (ف).
(٣) في (أ): "السابقين".
[ ١١ / ١٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال السدِّي: هو أحد الكواكب الخمسة: زُحَلُ والمشتري والمريخُ والزُّهَرة وعُطارِدٌ (^١).
وقال محمد بن كعب: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يعني: محمدًا -ﷺ- في صُلب آبائه ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ وهي إبراهيم ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ عني: إسماعيل، فيها مصباح وهو النبيُّ -ﷺ-، سماه مصباحًا كما سماه سراجًا في قوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني: نور إبراهيم ونور إسماعيل ونور (^٢) محمد -ﷺ- (^٣).
وقال الضحاك: شبَّه عبد المطلب بالكوَّة، وشبَّه عبدَ اللَّه بالزجاجة، وشبَّه النبيَّ -ﷺ- بالمصباح.
وقال القشيري ﵀: زيَّن السماءَ بنور الشمس ونور القمر، وزيَّن القلوب بنور العقل ونور الفهم ونور العلم ونور اليقين ونور المعرفة ونور التوحيد، ولكلِّ شيء من هذه الأنوار مطرحُ شعاعٍ بقَدْره في الزيادة والنقصان.
وقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [نُورٌ] اكتسبوه بجهدهم بنظرهم واستدلالهم، ونورٌ وجدوه بفضل اللَّه لا بأفعالهم وأقوالهم، قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال: نور المطالبة يحصل في القلب ابتداءً فيَحمل صاحبه على المحاسبة، فإذا نظر في ديوانه وما أسلف من عصيانه حصل له نور المعاتبة (^٤)، فيعود على نفسه
_________________
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٧/ ٥٦٩) عن ابن عباس.
(٢) "ونور إسماعيل ونور" من (أ).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٠٥) بنحوه.
(٤) في مطبوع "اللطائف": (المعاينة).
[ ١١ / ١٤٤ ]
بالملامة، ويتجرَّع كاسات الندامة، فيرتقي عن هذأ باستدامة قصده، والتنقِّي (^١) عما كان عليه في أوقات جهله، فإذا استقام فيه كوشف بنور المراقبة، فيعلم دائمًا أنه سبحانه مطَّلع عليه، ثم بعد هذا نورُ المحاضرة، وهي لوائح تبدو في السرائر، ثم بعد ذلك نورُ المكاشفة، وذلك بتجلِّي الصفات، ثم بعده أنوار المشاهدة، فيصير ليله نهارًا ونجومُه أقمارًا وأقماره بدورًا وبدوره شموسًا، ثم بعد هذا نور التوحيد، وعند ذلك تحقيق التجريد بخصائص التفريد، ثم (^٢) [ما] لا تتناوله عبارة ولا تدركه إشارة، فالألسنة عند ذلك خُرْس، والشواهد طُمْس، وشهودُ الغير عند ذلك مُحال، فعند ذلك: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿انْفَطَرَتْ﴾ وما ظهر لهم من القِدَم صار إلى العدم، جلَّت الأَحَديَّة، وعزَّتِ الصَّمَديَّة، وتقدَّستِ الرُّبوبيَّة، وتنزَّهتِ الأُلوهية (^٣).
ثم إنما شبَّه المعرفة بالمصباح وهو سريعُ الانطفاء، وقلبَ المؤمن بالزُّجاج وهو سريع الانكسار، ولم يشبِّهْها بالشمس التي لا تُطفأ، ولا قلبَ المؤمن بالأشياء الصُّلبة التي لا تُكسر؛ تنبيهًا أنه على خطر وجديرٌ بحذر (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: ذكرنا لها وجوهًا في النَّظم، ووجهٌ آخر: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهم ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ إلى آخره، وهو (^٥) ﴿فِي
_________________
(١) في (ف): "والتبقي".
(٢) في (ر): "مما"، وفي (ف): "لمن".
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦١١ - ٦١٤)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) في (ر) و(ف): "وجدير أن يحذر".
(٥) في (أ): "وهم".
[ ١١ / ١٤٥ ]
بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾؛ أي: أمَر اللَّه أن تعظَّم، وهو كقولك: أرفعك (^١) إن أنبسط إليك؛ أي: أجلُّك وأعظِّمك.
ويجوز أن يراد به رفعُ البناء وإعلاؤه تعظيمًا له، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: قيل: هو التوحيد، وقيل: هو الثناء والدعاء.
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾: قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بفتح الباء على ما لم يسمَّ فاعله، وقرأ الباقون بكسرها على الفعل الظاهر (^٢)، وفاعله قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، وعلى الأول ﴿رِجَالٌ﴾ خبر قوله: ﴿فِي بُيُوُتٍ﴾ (^٣)؛ أي: في المساجد رجالٌ صفاتهم كذا، والتسبيح هو الصلاة.
وقيل: هو تنزيهُ اللَّه تعالى عن كلِّ سوء بذكر كلمات التسبيح.
وقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: قيل: هو الذكر بعد الفجر وبعد العصر؛ كما قال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
وقيل: هي الصلوات الخمس بالنهار والليل، والغدوُّ عبارةٌ عن كلِّ النهار، والآصال عبارة عن كلِّ الليل.
وقيل: هو الذكرُ على الدوام، يقال: مَبارُّ فلان متصلةٌ لنا بالغدو والآصال؛ أي: على الدوام.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "إن أرفعك".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٦)، و"التيسير" (ص: ١٦٢).
(٣) كذا قال، والمعروف في مثله العكس؛ أي: الجار والمجرور هو الخبر، والاسم الظاهر المتأخر مبتدأ.
[ ١١ / ١٤٦ ]
(٣٧) - ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾: وصَف بالرجولية ثلاثَ فرق: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، و: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، و: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾؛ أي: لا تَشغلُهم تجارة؛ أي: بالأسفار في الأمصار (^١) ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾؛ أي: في الأسواق في الحوانيت، وحملناهما على هذين لتكون لزيادة إفادةٍ لا لمجرَّد إعادة.
﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: أي: خارج الصلاة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: وعن إقامة الصلاة في وقت الصلاة، حذف الهاء للإضافة، إذا كانت الهاء عوضًا عن الواو إذ كان أصله: (إقوام) صارت الهاء عوضًا عن الواو، قال الشاعر:
إنَّ الخليط أَجَدُّوا البَينَ فانجردوا وأخلَفوكَ عِدَ الأمرِ الذي وَعَدوا (^٢)
أي: عِدَةَ الأمر، وكانت الهاء عوضًا عن الواو في أوله: وَعَد، فصارت الإضافة عوضًا عن الهاء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾: أي: وعن إيتاء الزكاة، بيَّن أنهم ليسوا بزَمْنَى لا أبدانَ لهم، ولا فقراءَ لا أموالَ لهم؛ ليكون لهجُهم بالذكر لعجزهم وفقرهم، بل قال: لهم أبدان يقيمون الصلاة بها، وأموال يؤدون الزكاة عنها، ثم لا يشغلُهم ذلك عن خدمة اللَّه تعالى وذكره.
وقيل: معناه: لا يشتغلون بتجارةٍ وبيعٍ فيَشغلُهم ذلك عن إقام الصلاة وإيتاء
_________________
(١) في (ر) و(ف): "في الأمصار بالأسفار".
(٢) البيت في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٥٤).
[ ١١ / ١٤٧ ]
الزكاة، وأكثرهم على أنهم يتَّجرون ويبيعون ولا يشغلهم ذلك عن خدمة اللَّه تعالى.
قال الحسن: يبيعون، ولكن إذا حضر حق اللَّه تعالى بدؤوا بحق (^١) اللَّه تعالى (^٢).
وقال سعيد بن [أبي] الحسن: هم قومٌ في بياعاتهم وتجاراتهم يقومون للصلاة في أوقاتها (^٣).
وقال الكلبيُّ وعطاء بن أبي رباحٍ: يبيعون ويشترون، ولا يلهيهم ذلك (^٤) عن الصلاة في أوقاتها (^٥)، وعن مواضع حقوق اللَّه أن يؤدُّوها في أوقاتها (^٦).
وعن ابن مسعود ﵁: أنه رأى قومًا من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا بياعاتهم وقاموا إلى الصلاة، قال: هؤلاء من الذين قال اللَّه تعالى فيهم (^٧): ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ (^٨).
وقيل: أراد به كلَّ الشرائع، وخَصَّ الصلاة والزكاة بالذكر لأنهما من أعظم الشرائع.
_________________
(١) في (ف): "انتدبوا لحق".
(٢) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤)، والسمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٥١٥). وروى نحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٠٨) عن مطر الوراق.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٢١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٠٨)، وما بين معكوفتين منهما.
(٤) في (أ): ولا تلهيهم تجارة".
(٥) "في أوقاتها" ليس في (أ).
(٦) رواه بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٠٨) عن مطر الوراق.
(٧) في (ف): "في حقهم".
(٨) رواه الطبراني في "الكبير" (٩٠٧٩).
[ ١١ / ١٤٨ ]
وقيل: لأن في الصلاة حقَّ اللَّه تعالى، وفي الزكاة حقَّ العباد، فنبَّه على أنهم يكونون مؤدين حقوقَ اللَّه تعالى وحقوقَ عباده.
وقال بعض أهل المعرفة: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ وهذا إشارة إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] يقول: لا يركَنون إلى هذا البيع ووجودِ الجنة بهذا العقد، بل يخافون العاقبة، ولا يمنعهم سبق هذا البيع عن المجاهدة في الأعمال الصالحة.
وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾: أي: الحاملُ لهم على إقامة هذه الأشياء وإدامتِها خوفُ القيامة.
وقوله تعالى: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: أي: لهيبة ذلك اليوم كما قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] وقال: ﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال محمد بن جرير: تتقلَّب يمنةً ويسرةً: من أين يُؤتى كتابَه، وأين يُذهب به (^١).
وقيل: إلى الكتب والموازين والخصماء.
وقيل: من الخوف إلى الرجاء، ومن الرجاء إلى الخوف.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ٣٢٥) عن مطر الوراق.
[ ١١ / ١٤٩ ]
(٣٨) - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾: وهاهنا مضمرٌ: يقيم ذلك اليومَ ليجزيهم أحسنَ ما عملوا.
قيل: معناه: أي: يجزيهم بكلِّ عملٍ من أعمالهم جزاءَ أحسن أعمالهم (^١)؛ أي: يجزي على الأدنى جزاء الأعلى.
قوله تعالى ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: على الجزاء الموعود على العمل.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: يُثيب مَن يشاء ثوابًا لا يدخل في حساب الخلق.
هذه صفات المهتدين بنور اللَّه تعالى، وأما الذين ضلوا عنه فالمذكورون بعده، وهو قوله:
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾: السراب: شعاعٌ يُتخيَّل ماءً يجري على الأرض في المفازة نصفَ النهار عند شدة الحر. وأما الآلُ: فهو شعاع يرتفع بين السماء والأرض كالماء (^٢) ضحوةَ النهار.
وسمي سرابًا لأنه ينسرب؛ أي: يجري جريان الماء.
والقِيعة: جمع قاع، وهو المنبسط الواسع من الأرض، والقيعان جمعه أيضًا، يقال: قاع، وجمعه قيعة وقيعان، كما يقال: جار وجِيرةٌ وجيران.
_________________
(١) في (ف): "جزاء الحسن".
(٢) في (أ): "كالملاء".
[ ١١ / ١٥٠ ]
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾: أي: يظنُّه العطشان ماء ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؛ أي: إذا تكلَّف المسير إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: شيئًا نافعًا؛ كما يقال: ما علمتُ شيئًا، و: هذا ليس بشيء، يراد به نفيُ نَفْعِه، وهذا إذا حُمل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ (^١) على أنه جاء السراب، وقولُه: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يجد السراب شيئًا؛ أي: شيئًا (^٢) نافعًا.
وإنْ حُمل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؛ أي: جاء الموضع الذي تراءى له فيه السراب، فمعنى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يجد في ذلك الموضع شيئًا كان يتراءى له؛ لأنه لا يرى ذلك إذا حضَره.
كذلك الكافرُ إذا قدِم على أعماله التي هي خيراتٌ عنده يومَ القيامة لم يجد لها نفعًا ولا يراها فقد صارت هباءً منثورًا ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾: وهو كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، وتقديره: ووجد عقابَ اللَّه لكفره وسيئاته عنده؛ أي: يُبطل حسناته ويُبقي عقابَ سيئاته معدًّا له عند قدومه.
وقوله تعالى: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾: أي: أتمَّ حسابه على ما عمله، وأعطاه جزاءه على وَفق ما فعله.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: لا يَطول الزمانُ في حسابه؛ إذ هي كلُّها محصَّلة مجموعةٌ لا حاجة إلى جمع تفاريقها، ولا إلى إقامة الحجة عليها (^٣)، ولا يتهيأ للعبد جحدُه (^٤)، ولا يشغله حسابٌ عن حساب.
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "أي: جاء الموضع"، ولعله سهو من الناسخ أو سبق قلم.
(٢) "أي شيئًا" من (أ).
(٣) "عليها" ليست في (أ).
(٤) في (أ): "جحوده".
[ ١١ / ١٥١ ]
وقيل: هو وعيدٌ بقرب وقته؛ كما قال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
* * *
(٤٠) - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾: وهو مَثَلٌ آخر لأعمال الكفار، وللتخيير في ضرب المثَل بأيِّهما شئتَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيبٍ﴾ [البقرة: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾: أي: عميق واسعِ اللجَّة، وهو معظمُ الماء ووسطُه وموضع العمق منه، وتكون الظلمة فيه أكثر.
وقوله تعالى: ﴿يَغْشَاهُ﴾: أي: يغطِّي هذا البحرَ ﴿مَوْجٌ﴾ وهو ماءٌ يضطرب من معظم الماء.
﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾: أي: موجٌ آخرُ أعلى منه وأهولُ.
﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾: أي: من فوق الموج غمامٌ.
وقوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: أي: هذه الظلمات.
وفي التفسير: أن قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾؛ أي: ظلمةِ الليل، وظلمةِ عمقِ البحر، وظلمةِ الموجين، وظلمةِ السحاب، فلا يُرى فيها شيء، فكذا الكافر في تحيُّره وخَبْطه في كفره كالخابط (^١) في هذه الظلمات، وهو مَثَل الكافر في الدنيا في عمَهه (^٢) في طغيانه، وكذلك في الآخرة في حيرته وخسرانه.
_________________
(١) في (ر): "وخبطه وكفره كالخائض".
(٢) في (ر) و(ف): "غمه".
[ ١١ / ١٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: أي: لا يكاد يرى يدَه إذا أخرجها من شدة هذه الظلمات، فيضيق صدره وتشتدُّ حيرته (^١).
وقيل: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يطمع في أنْ يراها.
وقيل: كاد يفعلُ كذا؛ أي: قارَبَ أن يفعل كذا، فقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يقارِبْ ذلك، وهو أبلغ من النفي أصلًا؛ أي: لم يرها ولم يقارِبْ رؤيتها.
وقيل: تقديره التقديم والتأخير: إذا أخرج يده يراها لم يكَدْ؛ أي: إذا أخرج يده ليراها لم يقارِب ذلك.
وقال الفرَّاء: قيل: هو مثَلٌ، ومعناه: يراها ولكن لا يراها إلا بطيئًا؛ كما يقال: ما كدْتُ أبلغ إليك، وأنت قد بلغتَه مجهودًا (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾: أي: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فمَن لم يجعل له نورًا يهتدي به إلى الإيمان لم يهتدِ إليه، ومَن لم يجعل اللَّه له يومَ القيامة نورًا يمشي به إلى الجنة لم يَصل إليها.
وقال مقاتل: نزلت الآية في عُتبة بن ربيعة بن أميةَ بن عبد شمسِ بن عبدِ مَناف، كان يلتمس الدِّين في الجاهلية، ولبس المِدرعةَ والمُسوح، ثم كفر بعد مجيء الدعوة إلى الإسلام (^٣).
وقال القشيري ﵀: ظلماتُ الحسبان، وغيوم التفرقة، وليالي الجحدِ، وحنادسُ الشك، إذا اجتمعت فلا سراج لصاحبها، ولا نجوم ولا أقمار ولا شموس
_________________
(١) في (ف): "حسرته".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٥٥).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١١١).
[ ١١ / ١٥٣ ]
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ إذا لم يسبق لعبدٍ نورُ القسمة، ولم يساعده روحُ الرحمة (^١)، فجهدُه وكدُّه وسعيُه وجدُّه عقيم من ثمراته مُؤْيس من نيل بركاته، والبدايات غالبة للنهايات، فالقبولُ لأهله غيرُ مجتلَب، والردُّ لأهله غير مكتسَب (^٢).
* * *
(٤١) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ألم تعلم يا محمد العلمَ الذي يقوم مقامَ العِيَان في الإيقان أنه يسبح مَن في السموات والأرض لمَن هو هادي أهلِ السماوات والأرض، و﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هم الملائكة والجنُّ (^٣)، وتسبيحهم: تنزيه اللَّه ﷻ عما لا يليق به نطقًا.
وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾: هي عطفٌ على الأول، و﴿صَافَّاتٍ﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: في حال بسطِها أجنحتَها؛ أي: وهي تسبح اللَّه؛ أي: تنزِّهُه بأصواتها.
وقيل: بما فيها من أمارات الحدوث (^٤) الشاهدةِ على حاجتها إلى مُحْدِث أحدَثها وخلقها على ما هي عليه.
ويجوز أن يضاف التسبيح إلى الكلِّ وتختلفُ معانيها في التفصيل؛ كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦].
_________________
(١) في (أ): "روح الروحة"، وفي (ر): "نور الرحمة". وعبارة "اللطائف": (ولم يساعده تعلق).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦١٦).
(٣) بعدها في (ر) و(ف): "والآدميين".
(٤) في (ف) و(أ): "الحدث"، وفي (ر): "الحديث". والصواب المثبت.
[ ١١ / ١٥٤ ]
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾: أي: كلُّ واحدٍ من هؤلاء ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ اللَّه ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾؛ أي: عبادته فعلًا وتنزيهَه قولًا، والهاءُ على هذا القول (^١) راجعةٌ إلى ﴿كُلٌّ﴾.
وقيل: أي: كلُّ جنسٍ قد علم عبادةَ اللَّه وتنزيهَه.
وقيل: أي: كلُّ جنس علِم عبادةَ نفسه وتنزيهَ نفسه للَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: أي: لا يَعْزُب عنه شيءٌ منهم، وجُمع بالواو والنون وإن كان فيهم الطيور وهي لا تعقل؛ لأنَّه جمَع بينها وبين ما يَعقل، ولأنه وصفَها بوصف العقلاء: وهو التسبيح والصلاة.
وفي حديثٍ مسندٍ عن أبي ذرٍّ الغِفَاريِّ ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- (^٢): أنه لمَّا حضر آدمَ الوفاة دعا بابنه شيث فعَهِدَ إليه عَهْدَه، وعلَّمه ساعاتِ الليل والنهار، وعبادةَ الخلق في كلِّ ساعة منهن، وأن لكلِّ ساعة صنفًا من الخلق:
فالساعة الأولى من النهار: حين يسجد بنو آدم من الضحى.
والثانية: صلاة الملائكة.
والثالثة: صلاة الطير.
والرابعة: صلاة الهوامِّ.
والخامسة: صلاة الحيوان.
والسادسة: صلاة الملائكة المقرَّبين حين يستغفرون لبني آدم.
_________________
(١) "القول" ليست في (ف).
(٢) لم أجده عن أبي ذر مرفوعًا، لكن رواه الطبري في "تاريخه" (١/ ٩٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٧١٦)، عن محمد بن إسحاق، ورواية الطبري مقتصرة على أوله دون تعداد الساعات.
[ ١١ / ١٥٥ ]
والسابعة: صلاة الملائكة حين يلجئون العباد إلى الصلوات كلها (^١).
والثامنة: صلاة السماوات والأرضين.
والتاسعة: صلاة الذين حول العرش.
والعاشرة: حين ينزل الريح على الماء، وتفرُّ الجن من حول الماء، ولولا ذلك لأفسدت الشياطين على بني آدم الماء.
والحادية عشر: حين تعرج أرواح النبيين والصدِّيقين إلى اللَّه تعالى.
والثانية عشر: عند غروب الشمس التي يصلُّون (^٢).
والساعة الأولى من الليل: صلاة الجن.
والثانية: صلاة كلِّ دابة في البحر.
والثالثة: صلاة مَن تحت الأرض من الخلق.
والرابعة: صلاة الصابرين.
والخامسة: صلاة الذين فوق السماء من الخلق.
والسادسة: صلاة الغمام.
والسابعة: حين تثقل العين ويهدأ (^٣) الخلق.
والثامنة: صلاة الشجر.
والتاسعة: صلاة الملائكة الذين هم في السماء.
_________________
(١) في "العظمة": (والساعة السابعة حين تلج الملائكة ويلجون في الصلاة كلها بأسمائه).
(٢) "التي يصلون" ليست في "العظمة". وجاء بعدها: (فتلك ساعات النهار وهي اثنتا عشرة ساعة).
(٣) في (ر): "بهذا".
[ ١١ / ١٥٦ ]
والعاشرة: حين تفتح أبواب السماء، وتنفض الملائكة أجنحتها، ويصيح الدجاج في الأرض، وحينئذ مَن سأل اللَّه تعالى شيئًا آتاه إياه.
والحادية عشر: حين يخرج ما في الأرض من أهلها.
والثانية عشر: عند صلاة الصبح (^١).
وقال آدم صلوات اللَّه عليه لشيث: كذلك كنتُ أسمع وأبصر وأنا في الجنة، وذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية.
* * *
(٤٢ - ٤٣) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: هذا ظاهر.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾: وهذه دلالةٌ أخرى يهدي اللَّه بها مَن في السماوات والأرض، وهو وجهُ انتظام هذه الآية بالأولى.
وقوله: ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾؛ أي: يسوقه إلى حيث يريده ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾؛ أي: بين بعضه ببعضٍ، ويجمَع متفرِّقَه.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾: أي: متراكمًا بعضُه على بعضٍ، وقد ركمَه، وهو سحابٌ مركوم.
_________________
(١) هنا نهاية الخبر في "العظمة".
[ ١١ / ١٥٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: جمع خَلَل، وقرأ أبو عمرو في رواية: (مِن خَلَله) على الواحد (^١)؛ أي: من بينه، والأول: من أثنائه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾: ذكَر (مِن) ثلاثَ مرات، والأول ابتداء الغاية، والثاني للتبعيض، والثالث للجنس.
قال بعضهم: خلق اللَّه جبالًا في السَّماء من بردٍ فيُنزل منها بردًا، فذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: بَرَدًا (^٢) ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾؛ أي: في السماء (^٣) ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾؛ أي: الجبال مجموعةٌ من برد.
وقيل: ذكرُ الجبال للتشبيه، وتقديره: من السَّماء بَرَدًا كثيرًا مجتمعًا أمثالَ جبال من هذا الجنس (^٤).
قوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾: فيعذِّب بالبرَد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من الناس في نفسه أو زرعه فيُهلك ذلك.
وقوله: ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يدفع ضررَه عمَّن يشاء فلا يصيبُه.
وقيل: فيصيب بالوَدْقِ مَن يشاء فينفعُه، ويَصرفُه عمَّن يشاء فلا ينفعُه.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾: أي: ضوءُ برق السحاب ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ عدِّي الفعلُ بالباء؛ أي: يقارِبُ البرق أن يزيلَ أبصار العيون.
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ١١٢)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ١٩٠). وهي خلاف المشهور عن أبي عمرو.
(٢) "أي بردًا" من (ف).
(٣) "أي في السماء" من (ف).
(٤) في (ف): "من للجنس" بدل: "من هذا الجنس".
[ ١١ / ١٥٨ ]
(٤٤) - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: قيل (^١): يذهب بهذا ويجيء بهذا.
وقيل: يقلب أحوال الناس بالظُّلمة والضياء فيهما، فجعل ذلك تقليبًا لهما توسُّعًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: أي: إن في إزجاء السحاب وإنزالِ الودْق والبرَد وتقليب الليل والنهار ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ أي: دليلًا يُستدلُّ بها على وحدانية اللَّه تعالى وقدرته وعظمته وعلمه (^٢).
وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: أىِ: لذوي البصائر والعقول.
* * *
(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ثم بيَّن دلالةً أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾: أي: كلَّ حيوانٍ يَدِبُّ على وجه الأرض، قال الحسن: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ (^٣)؛ أي: من ماء الذكر والأنثى (^٤).
وقيل: أي: من الطين، والطينُ من الماء؛ لأن أصلَ الأرض ماءٌ.
وقيل: كلُّ حيوان لا يخلو عن رطوبةٍ فيه، ولأن حياة الحيوانات بالماء.
وقيل: أي: خلق أكثر الدوابِّ من ماء، واسم الكلِّ قد يطلق على الأكثر، قال
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أي".
(٢) "وعظمته وعلمه" ليس في (أ).
(٣) "من ماء" زيادة من (ف).
(٤) في (ف): "وهو المني" بدل: "والأنثى".
[ ١١ / ١٥٩ ]
تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾: قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ ولم يقل: منها، وقال: ﴿مَنْ﴾ ولم يقل: ما؛ لأن قوله: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ يتناول مَن يَعقِلُ ومَن لا يَعقل فغلِّب مَن يَعقل في الكناية.
قوله: ﴿يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيات والحيتان والديدان.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾: كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾: كالبهائم والأنعام والسباع، ولم يذكر مَن يمشي على أكثرَ من أربعٍ في الحيوانات، ذلك لأن الأكثر ما ذكر، ولأنه ليس فيه نفيُ الزيادة، ولأن ما يمشي على أكثرَ من أربعٍ إذا مشى اعتمد على أربع جهاتٍ لا أكثر (^١)، فكأنه يمشي على أربع.
وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: وهو قادرٌ على ما يشاء، وعالمٌ بما يشاء، لا يتعذَّر (^٢) عليه شيء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: من هذا وغيرِه، ذكر أنه خلَق كلَّ هذا من ماء ثم هو مختلفٌ هذا الاختلافَ، فدل أن للجميع خالقًا مدبِّرًا أنشأها على الاختلاف كما شاء، وإلا لم يختلف بل كان يتَّفق لاتِّفاق (^٣) الأصل، وهو كقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [الرعد: ٤].
* * *
_________________
(١) في (أ): "اعتمد في أربع جهات لا في أكثر".
(٢) في (ر) و(ف): "لا يبعد"، وقوله: "وعالم بما يشاء" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "بل كان متفق".
[ ١١ / ١٦٠ ]
(٤٦) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: أي: نورًا للناس وبيانًا ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو هادي أهلِ السماوات والأرض، وهو إعادةُ ما قدَّمه مرة: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا﴾ الآية [النور: ٣٤] لينتظِم هذا بذاك.
* * *
(٤٧) - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾: ذكرَ إنزال الآيات، وبعد نزولها صار الناس ثلاثَ فرقٍ:
فرقةً صدَّقتْ ظاهرًا وكذبت باطنًا وهم المنافقون.
وفرقة صدَّقت ظاهرًا وباطنًا وهم المخلصون.
وفرقة كذَّبت ظاهرًا وباطنًا وهم الكافرون.
فذكرهم جميعًا هاهنا على الترتيب، وبدأ بالمنافقين فقال: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾؛ أي: بألسنتهم ﴿وَأَطَعْنَا﴾ كذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾: أي: يُعرض عن الانقياد لحكم اللَّه وحكمِ رسوله ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ كان الإعراض من بعضهم والرضا بإعراضه من كلِّهم، فصاروا جميعًا مذمومين.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: وما المعرِضون بالمؤمنين.
وقيل: وما كلُّهم بمؤمنين؛ لاعتقادهم جميعًا ما يعتقد هؤلاء.
[ ١١ / ١٦١ ]
والآية نزلت في المنافق واليهودي اللَّذين اختصما إلى كعب بن الأشرف (^١)، وقد ذكرنا القصة عند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
* * *
(٤٨) - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: الرسول، وذكر الدعاءَ إلى اللَّه ورسوله لأن الدعاء إلى الرسول دعاءٌ إلى اللَّه؛ لأنَّه يحكم بينهم بأمره.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي: ممتنِعون من المحاكمة إلى رسوله (^٢).
* * *
(٤٩) - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: أي: إنْ علموا أن الحق يكون لهم دائمًا (^٣) إذا تحاكموا ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الرسول ﴿مُذْعِنِينَ﴾؛ أي: مسرعين منقادِين طلبًا منهم لحقِّهم، لا رضًا بحكم رسول اللَّه -ﷺ-.
* * *
_________________
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٣٢٧)، و"الكشاف" (٣/ ٢٤٨). ورواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤) عن مجاهد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠]، وكذا رواه الواحديُّ في أسباب النزول (ص: ١٦١)، عن قتادة والشعبي، وعن ابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه.
(٢) في (ف): "ممتنعون عن المحاكمة إلى ربه وله".
(٣) "دائما" ليست في (أ).
[ ١١ / ١٦٢ ]
(٥٠) - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: نفاقٌ ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾؛ أي: شكُّوا، وهو استفهام بمعنى التقرير ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: يَجورَ، وهاهنا مضمر: أفي قلوبهم مرض أو ريبة أو (^١) ليسوا كذلك بل هم مخلصون غير أنهم يخافون أن يجور عليهم رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا لا يكون لأنه معصوم بعصمة اللَّه.
قوله ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: أولئك المتولُّون (^٢) هم الكافرون.
وقيل: هو محاجَّةٌ لهم، وكأنه أُمر أن يقول لهم: أفي قلوبكم نفاقٌ فلا ترضون بحكمي، أم تشكُّون في صحة حكمي فلا تقبلونه، أم تخافون جَوري فتَحْذَروني؟ فإذا قالوا: لا شيء من ذلك، قيل لهم: فأنتم الظالمون خصومَكم بترك التحاكُم إليَّ من غير مانعٍ.
* * *
(٥١) - ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: كلمة (كان) زائدة.
وقيل: معناه: إن هؤلاء لو كانوا مؤمنين كما يزعمون لكان قولَهم ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: أي: سمعنا قولك وأطَعْنا أمرك (^٣) ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
_________________
(١) في (ر): "أم ريبة أم".
(٢) في (ف): "أولئك المرتابون"، وليست في (ر).
(٣) قوله: "أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك" ليس في (أ) و(ف).
[ ١١ / ١٦٣ ]
(٥٢ - ٥٣) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ﴾: أي: يخاف أن يخالفه حذرًا من عقابه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾؛ أي: يتحرَّز عن معصيته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾؛ أي: الناجون.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾: أي: هؤلاء المنافقون ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: مبالِغينَ في تأكيد حَلِفهم ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾؛ أي: تخلَّفوا عنك في غزوة تبوك ويحلفون: لو كنتَ أمرتَهم بالخروج لخرجوا معك، وبعد هذا (^١) إذا أمرتهم خرجوا.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾: أي: لا تحلفوا كاذبين منافقين ففي قلوبكم غيرُ ما على ألسنتكم.
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾: قيل: هو ردٌّ عليهم دعواهم الطاعةَ؛ كقولك -لمن قال لك: أنا منقادٌ لك مطيعٌ لأمرك-: أنا عارف بطاعتك وانقيادك، وتقديره هاهنا: ما هو طاعة عندكم لنا في دعواكم معروفةٌ عندنا أنه خلافٌ ونفاق.
وقيل: معناه: وليكن منكم طاعة معروفة؛ أي: عرَفها الشرع والعقل طاعةً.
أو: طاعة معروفة منكم خيرٌ من يمينكم الباطل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: عالمٌ بأعمالكم.
* * *
(٥٤) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
_________________
(١) قوله: "تخلفوا عنك في غزوة تبوك ويحلفون لو كنت أمرتهم بالخروج لخرجوا معك وبعد هذا" من (أ).
[ ١١ / ١٦٤ ]
قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: أي: أخلِصوا طاعة اللَّه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: واتركوا هذا النفاق ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن تتولَّوا، حُذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: فإن تُعْرِضوا عن طاعة الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾: أي: على الرسول ﴿مَا حُمِّلَ﴾؛ أي: ما أُلزم -أي: الرسول (^١) - من تبليغ الرسالة ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾؛ أي: أُلزمتم من طاعته؛ أي: لا ضرر عليه في خلافكم فإنه لا يُؤخذ بذنوبكم.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾: ترشُدوا ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي: التبليغ الظاهر، ليس إليه الهداية والإضلال.
* * *
(٥٥) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
ثم ذكر المخلصين فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ليجعلنهم خلفاءَ الأرض؛ أي: سكانَها والمسلَّطين (^٢) عليها.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ على ما لم يسمَّ فاعله، والباقون على الفعل الظاهر (^٣)؛ أي: بني إسرائيل، قال لهم: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]؛ أي: أرضِ الشام، وفعَل كذلك.
_________________
(١) "أي الرسول" من (أ).
(٢) في (أ): "والمتسلطين".
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٨)، و"التيسير" (ص: ١٦٣).
[ ١١ / ١٦٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾: أي: وليُعِزَّنَّهم وليُعْليَنَّهم (^١) على أعدائهم فيُظهروا دينَهم الإِسلام الذي ارتضاه لهم؛ أي: متمكِّنين في الأرض مستولينَ عليها.
قوله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾: أي: وليجعلنَّ لهم بدلَ خوفهم أمنًا، وهو الخوف من الأعداء، والأمنُ منهم بغلبتهم عليهم.
وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ مخفَّفًا، والباقون مشدَّدًا (^٢)، والإبدال والتبديل لغتان.
وقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾: أي: بعد أمنهم يُظهِرون دينهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: أي: بعد تحقيق هذا الوعد ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الطاعة، وعن هذه الأسماء الصالحة.
وقيل: أي: الخارجون إلى أفحش (^٣) الكفر.
وقيل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هو من كفران النعمة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون (^٤) بسبب الكفران.
ودلت الآية على صحةِ دعوى النبوَّة من النبي -ﷺ-، فإنه أخبر عما هو كائنٌ فكان كما قال، وعلى خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، فإن اللَّه تعالى وعد أن يستخلفهم في الأرض، ولم يُستخلف فيها بعدَ رسول اللَّه -ﷺ- من الذين كانوا مؤمنين في وقت نزول هذه الآية إلا هؤلاء الأربعةُ ﵃ أجمعين.
_________________
(١) في (ف): "وليقربنهم وليغلبنهم".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٩)، و"التيسير" (ص: ١٦٣).
(٣) في (ر) و(ف): "محشر".
(٤) في (ف): "خارجون"، وليست في (أ).
[ ١١ / ١٦٦ ]
وقال مقاتل: إن النبيَّ -ﷺ- لمَّا رجع من الحديبيَة حزن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-؛ إذ كانوا موقِنين بدخولهم مكة لرؤيا رسول اللَّه -ﷺ-، فلما رجعوا محزونين أَطعَمَهم اللَّه تعالى نخيل خيبر (^١)، ووعدهم أن يدخلوا مكة في العام القابل، وأنزل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية (^٢).
* * *
(٥٦ - ٥٧) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي: لتُرحموا.
ثم ذكر الكافرين وذلك قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: فائتين حتى يعجزونني عن أخذهم، وهاهنا مضمر تقديره (^٣): بل هم مقدورٌ عليهم ومحاسبون ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: ولبئس المرجعُ النار.
* * *
(٥٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُون عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
_________________
(١) في (ر): "أطمعهم اللَّه بكل خير".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٢٠٦).
(٣) "تقديره" ليست في (أ) و(ف).
[ ١١ / ١٦٧ ]
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: عاد الكلام إلى ذكر أسباب التستُّر والتعفُّف، وتخلَّلها شرح الآيات، يقول: الْزَموا ومُرُوا عبيدكم وإماءكم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾: أي: والصبيان الذين لم يحتلِموا ولم يُنزلوا ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من الأحرار.
أي: ليستأذنوكم للدخول عليكم فلا يدخلوا عليكم من غير إذنٍ منكم ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾؛ أي: في ثلاثة أوقات من الليل والنهار ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ هذا واحد ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾؛ أي: حين تتجرَّدون فتنزعون ثيابكم في وقت شدة الحر وهو وقت القيلولة، وهذا ثان ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾؛ أي: العتمة، وهذا ثالث.
ثم نبَّه على المعنى فقال تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ بالنصب ردًّا على ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، وقرأ الباقون بالرفع على إضمار: هذه (^١)، يقول: هذه أوقاتُ التجرُّد وظهور العورة؛ لأن ما قبل صلاة الفجر وقتُ انتهاء النوم في الأغلب والأكثر، ووقتُ الخروج من ثياب النوم ولبسِ ثياب النهار، ووقتَ الظهيرة وقتُ التجرد للقائلة، وبعد صلاة العشاء وقتَ ابتداء النوم والتجرُّد من ثياب النهار والتغشِّي بثياب النوم، ولأن اللَّه تعالى جعل الليل سكنًا ولباسًا.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾: أي: لا إثم عليكم ولا عليهم بعد هذه الأوقات الثلاثة في الدخول عليكم بغير إذنٍ (^٢).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٤٥٩)، و"التيسير" (ص: ١٦٣).
(٢) في (ف): "بعد الإذن" بدل: "بغير إذن".
[ ١١ / ١٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾: أي: هم خدمُكم؛ أي: المماليك والصبيان ومَن يَشُقُّ الاحتراز عن التبذُّل عندهم (^١)؛ فالحرج مدفوع عنكم وعنهم في دخولهم بغير إذن في غير هذه الأوقات الثلاثة؛ لارتفاع الحشمة، ولأن الغالب في ذلك التغطِّي، وإنما نفَى الحرج عن الطرفين لأن الحرمة في وقت الحرمة من الطرفين.
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: يطوف بعضكم على بعضٍ للخدمة، والخادمُ قد يحتاج (^٢) إلى الطواف في الجهات.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي: كالذي يبيِّن اللَّه لكم من حُكم الاستئذان يبيِّن لكم غيره من الآيات التي بكم إلى بيانها حاجةٌ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأمور مواضعها.
* * *
(٥٩) - ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾: أي: من الأحرار ﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في كل الأوقات للدخول ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: الكبار الأحرار.
وقيل: هم الداخلون في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
وقيل: يرجع هذا إلى أول هذه الآية؛ أي: ليستأذنكم الأطفال إذا بلغوا في كلِّ الأوقات كما استأذن المماليك والأطفال في الأوقات الثلاثة.
_________________
(١) في (ف): "عندكم".
(٢) في (ر) و(ف): "محتاج" بدل: "قد يحتاج".
[ ١١ / ١٦٩ ]
قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: قد فسرناه.
قال ابن عباس ﵄: وجَّه رسول اللَّه -ﷺ- غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو، إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقتَ الظهيرة (^١) ليدعوَه، فدخل فرأى عمرَ بحال كره عمرُ رؤيتَه ذلك، فقال: يا رسول اللَّه، ودِدْتُ لو أن اللَّه تعالى أمرنا ونهانا في حالة الاستئذان، فنزلت (^٢).
وعن عمر أنه قال: وافقني ربي في ثلاث: في الاستئذان، وفي الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وفي الاتِّخاذ من مقام إبراهيم مصلًّى (^٣).
وقال مقاتل بن حيان: نزلت في أسماءَ بنتِ مرشدةَ، كان لها غلامٌ كبير، فدخل عليها في وقتٍ كرهَتْه، فأتت رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: إنَّ خدَمَنا وغلماننا يدخلون علينا في حالٍ نكرهها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٤).
_________________
(١) "وقت الظهيرة" من (أ).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١١٦) عن ابن عباس ﵄ دون سند، ورواه ابن منده كما في "الإصابة" لابن حجر (٦/ ٥٠) من طريق السديّ الصغير، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والسدي الصغير هو محمد بن مروان: كذاب، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٧/ ٥٨٨) بلفظ: (وافقت ربي. . .) ولم أجده مسندًا هكذا، لكن رواه البخاري (٤٠٢) من طريق أنس عن عمر فذكر بدل الاستئذان قوله: (واجْتَمَع نساءُ النبي -ﷺ- في الغَيرةِ عليه، فقُلتُ لهنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، فنزلت هذه الآيةُ). ورواه مسلم (٢٣٩٩) من طريق ابن عمر عن عمر فذكر بدل الاستئذان أسارى بدر.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١١٦)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٢٩)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٦٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٢٥٣)، والرازي في "تفسيره" (٢٤/ ٤١٦)، والبيضاوي في "تفسيره" (٤/ ١١٣). ورواه عن مقاتل بنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣٣).
[ ١١ / ١٧٠ ]
وقال ابن عباس ﵄: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الإماء (^١).
وقال مجاهد: العبيد والإماء (^٢).
وقال زيد بن أسلم: ولمَّا نزلت آية الاستئذان قال فتًى: يا رسول اللَّه، إن أمي عجوزٌ كبيرة أفأستأذِنُ عليها؟ قال: "نعم"، قال: فقال: إنه ليس لها أحدٌ غيري، قال: "استأذِنْ عليها"، فقال: إنه ليس لها زوجٌ ولا خادم، قال: "أتحبُّ أن تراها عريانة؟ "، قال: لا، قال: "فاستأذن عليها" (^٣).
_________________
(١) = ووقع في اسم صاحبة القصة اختلاف في المصادر، فما ذكره المؤلف موافق لما رواه ابن أبي حاتم، وكذا ذكر ابن سعد في "الطبقات" (٨/ ٣٣٥) وابن الأثير في "أسد الغابة" (٧/ ١٩) أسماء بنت مرشدة في الصحابيات، لكن لم يوردا لها هذا الحديث. وجاء الاسم عند الثعلبي والواحدي والبغوي: (أسماء بنت مرثد). ومثله في "الإصابة" (٨/ ١٨) لكن لم يذكر لها هذا الحديث. وفي "الكشاف": (أسماء بنت أبي مرشد)، وعند الرازي والبيضاوي: (أسماء بن أبي مرثد). قال الشهاب الخفاجي في حاشيته على "تفسير البيضاوي" المسماة: "عناية القاضي وكفاية القاضي" (٦/ ٣٩٨): بنت أبي مرشد بالشين المعجمة أو الثاء المثلثة، قيل: وهو بفتح الميم فيهما.
(٢) لم أجده عن ابن عباس ﵄، ورواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٠٢) عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال: (هي خاصة للنساء لا للرجال، يستأذنون على كل حال بالليل والنهار). قال أبو عبيد: (يعني أن الإماء ينبغي لهن أن يستأذن على مواليهن في هذه الحالات الثلاث المسماة هاهنا. . . فأما ذكور المماليك فإن عليهم الاستئذان في الأحوال كلها).
(٣) لم أجده بهذا اللفظ، وروى الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٥٢) عنه قوله: عبيدكم المملوكون.
(٤) رواه عن زيد بن أسلم ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧٦٠٠) مختصرًا. ورواه بتمامه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٦٣)، وأبو داود في "المراسيل" (٤٨٨)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٢٤٤)، عن عطاء بن يسار مرسلًا. قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٢٢٩): هذا الحديث لا أعلم يستند من وجه صحيح بهذا اللفظ، وهو مرسل صحيح مجتمع على صحة معناه.
[ ١١ / ١٧١ ]
وقال سعيد بن المسيب: ثلاث آيات ترك الناس العمل بها وهو واجب: آيةُ الاستئذان، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية [النساء: ٨] (^١).
* * *
(٦٠) - ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي: العجائزُ اللاتي قعدْنَ عن الْتِماس النكاح لكِبَرهن، جمع قاعِدٍ لأنها من صفات النساء على الخصوص كطالقٍ وحائض.
وقيل: قعَدن عن الحيض والولد.
وقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: أي: لا مَطمع لهن في الأزواج.
وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنّ﴾: أي: جلابيبَهن وأَرْدِيَتَهن ومَقانِعَهن التي فوق رؤوسهنَّ وفوق (^٢) الدروع والخُمُر عند الأجانب؛ كما يحل ذلك للشوابِّ (^٣) عند المحارم.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: أي: من غيرِ أن يُرِدْنَ بوضع ذلك عنهنَّ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٣٤)، وابن المنذر في "تفسيره" (١٧١٣)، كلاهما من طريق قتادة عن يحيى بن يعمر. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٥٤) من طريق قتادة عن ابن عباس ولم يذكر آية النساء، وكذا رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٠٣) من طريق عطاء عن ابن عباس، وفيه التصريح بنسيان الثالثة، ولفظه: قال: حفظت آيتين ونسيت واحدة، ورواه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٥٩٤) وفيه بيان أن القائل: (حفظت. . .) هو عطاء.
(٢) "رؤوسهن وفوق" ليس في (أ).
(٣) في (ف): "للنسوان".
[ ١١ / ١٧٢ ]
أن يُبْدِينَ ما عليهن من الزينة للرجال ويتكشَّفْنَ لهم، وإنما يفعَلْنَ ذلك للتخفيف عن أنفسهنَّ.
والمتبرِّجات: المتكشِّفات.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾: أي: يستَتِرْن فلا يَضَعْنَ جلابيبَهن وأردِيَتَهن ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وأفضلُ لهن، وأَدْفعُ للرِّيبة عنهنَّ.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: لا يخفَى عليه ما يَقُلْن بألسنتهنَّ ويفعلن بأنفسهنَّ، وهو أبلغُ تحذير.
* * *
(٦١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ الآية: قال سعيد بن المسيب: كان المسلمون يخرجون مع رسول اللَّه -ﷺ- فيعطون مفاتحهم الأعمى والأعرجَ والأقارب، ويقولون لهم: أحلَلْنا لكم ما تأكلون مما في بيوتنا، فيقولون: واللَّه لا يحلُّ لنا مما في بيوتهم شيءٌ وإنْ أحلُّوه لنا حتى يرجعوا إلينا، وإنها لأمانةٌ اؤتُمِنَّا عليها، فلم يزالوا على ذلك حتى أنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فطابت أنفسهم لِمَا أحل اللَّه لهم (^١).
_________________
(١) رواه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٦٠٠)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٣٠)، =
[ ١١ / ١٧٣ ]
وعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة قال: كانوا يؤون المريض والأعرج والأعمى في بيوتهم (^١)، فنزلت هذه الآية (^٢).
يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ في أكلهم من بيوت الذين أَذنوا لهم بذلك بالمعروف من غير إسرافٍ.
﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُم﴾: قيل: هو على ظاهره، ومعناه: أنه لا بأس بأكله من بيوت أقربائه هؤلاء كما لو أكل من بيتِ نفسه من مالِ نفسه.
وقيل: معناه: أن تأكلوا من بيوت أزواجكم؛ لأن الزوجين صارا كنفسٍ واحدة، والإذن ثابتٌ دلالةً.
وقيل: معناه: أن تأكلوا من بيوت أولادكم، لقوله: "أنت ومالُك لأبيك" (^٣).
_________________
(١) = وروى نحوه البزار (٢٢٤١ - كشف) من حديث عائشة ﵂، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٨٤).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "فلما نزل ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم أخرجوهم من بيوتهم" وليست هذه العبارة في مصادر التخريج.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٦٤)، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٤٥)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٦٨)، والجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٤٣١)، جميعهم عن معمر قال: قلت للزهري: ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هاهنا؟ قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلَّفوا زمناهم في بيوتهم ودفعوا إليهم المفاتيح، وقالوا: قد أحللنا لكم أن تأكلوا منها، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيَّب، فنزلت هذه الآية رخصة لهم.
(٤) رواه ابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر ﵁، وإسناده صحيح على شرط البخاري كما قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٣/ ٣٧). وصححه البزار فيما نقله عنه ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٧/ ٤٨١)، وصححه أيضًا ابن التركماني، وابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ١٠٢ - ١٠٣). =
[ ١١ / ١٧٤ ]
وقال -ﷺ-: "إنَّ أطيبَ ما يأكل الرجل من كَسْبه، وإن ولده من كسبه" (^١).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾: والإذن ثابتٌ من هؤلاء دلالةً.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: هو الوكيل (^٢) يدفع الرجل إليه ضيعتَه، فله أن يأكل من طعامها ويشربَ من ألبانها (^٣).
وقيل: بيوت العبيد والإماء، والعبد وما في يده لمولاه.
وقال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة: هو الغازي يدفع بيته إلى غيره ويسلِّطه عليه ويأذنُ له في الأكل من بيته (^٤).
وقيل: هي بيوت الإجارة والعاريَّة.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: أي: أصدقائكم، قال الشاعر:
إذا قلَّ مالُ المرءِ قلَّ صديقُه وضاق به عمَّا يريد طريقُه (^٥)
قال قتادة: هو الرجل يأتي منزلَ الرجل فيقول: أهاهنا فلان؟ فيقول أهله: لا،
_________________
(١) = ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٤١٠) من حديث عائشة ﵂، وإسناده صحيح كذلك. ورواه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، وإسناده حسن.
(٢) رواه أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، والنسائي (٤٤٥١)، وابن ماجه (٢٢٩١)، من حديث عائشة ﵂. قال الترمذي: حديث حسن.
(٣) في (أ): "الرجل".
(٤) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٤/ ١٢٤). ورواه بنحوه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٤٨).
(٥) تقدم قريبًا.
(٦) ذكره دون نسبة مع بيت آخر ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (٤٥٩).
[ ١١ / ١٧٥ ]
فيقول: غدُّونا، عشُّونا، أسرِجوا لي دابته، أعطُوني ثوبه، فيفعلون ذلك، فيجيءُ الرجل فيقول له أهله: جاء أخوك فلان فغدَّيناه وعشَّيناه، وأسرَجْنا له دابَّتك، وأعطيناه ثوبك، فلا يقع في قلبه إلا كما لو قيل له: جاء أبوك أو أخوك أو عمك ففعلنا به ذلك، فذلكم الصديق (^١).
وجاء فتحٌ الموصليُّ إلى صديقٍ له فوجده غائبًا من منزله، فقال لجاريته: هل (^٢) كيسه في البيت؟ فقالت: نعم، فاستدعى بكيسه فأخذ منه درهمين وردَّ الباقي عليها، فلما جاء سيدها أخبرته بذلك، فقال لها: إن كنت صادقةً فأنت حرةٌ لوجه اللَّه.
كذا كان الصالحون فيما سلف، وأما الآن فقد غلَب الشحُّ على القلوب فلا يأكل إلا بإذن.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾: قال قتادة: كان بنو كنانة بنِ خُزيمةَ يرى أحدهم عارًا في الجاهلية أن يأكل وحده، حتى كان أحدهم يمتنعُ وهو جائعٌ حتى يجدَ مَن يؤاكلُه ويشاربه (^٣).
وعن أبي صالح وعكرمة قال: كانت الأنصار يشدِّدون في هذا، فكان إذا أضاف أحدهم ضيفًا لم يأكل إلا وضيفُه معه، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (^٤).
وقال سعيد بن جبير: كان العُرجان والعُميان والمرضَى يتنزَّهون عن مؤاكلةِ
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخه" (٢٤/ ٣٩).
(٢) في (ف): "هذا"، وفي (ر): "ها".
(٣) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (١/ ٤٦٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٤٩). وبنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٠٧٠)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٧٦).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٧٧).
[ ١١ / ١٧٦ ]
غيرهم خوفًا من الاستيثان وتضييقِ (^١) المكان على الناس، فنزلت الآية (^٢).
وعن مجاهد قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إذا دعي إلى وليمةٍ أن يستتبعَ قائده معه (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في الحارث بن عمرو، خرج مع رسول اللَّه -ﷺ- غازيًا فخلَّف مالكَ بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودًا، فسأله عن حاله، فقال: تحرَّجت أن آكل من طعامك إلا بإذن منك، فنزلت هذه الآية (^٤).
وقيل: لمَّا نزل قوله ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، توقَّوا الأكل من بيت هؤلاء، وتوقَّوا الاجتماع على الطعام؛ لاختلاف أحوال الآكلين في القلة والكثرة، وتفاوتِ أخلاق أهل البيوت (^٥)، فنزلت الآية (^٦).
ودل قوله تعالى: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ على جواز التناهد (^٧) في الأسفار.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وضيق".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١١٨)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٣٣٠)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٦٣).
(٣) لم أقف عليه عن مجاهد، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٤٤) عن عبد الكريم الجزري، وكذا ذكره السمعاني في "تفسيره" (٣/ ٥٥٠)، وذكره دون عزو ابن العربي في "أحكام القرآن" (٣/ ٤٢١).
(٤) ذكره عن ابن عباس دون سند الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١١٩)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٦٥). ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٤٨) عن مقاتل بن حيان قال: (بلغنا واللَّه أعلم. . .) وذكره.
(٥) في (ر) و(ف): "وتفاوت اختلاف أهل البيت".
(٦) رواه بنحوه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤٤٣)، وأبو داود (٣٧٥٣)، والطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٦٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٢٧٤)، عن ابن عباس ﵄.
(٧) في هامش (أ): "التناهد: إخراج كل واحد من الرفقة في السفر نفقة على قدر نفقة صاحبه".
[ ١١ / ١٧٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾: قيل: بيوت هؤلاء للأكل. وقيل: كلّ بيت. وقيل: هي المساجد.
وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: على جنسكم ممن كان فيها، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فإن لم يكن في البيت أحد ولا في المسجد فليقل: السلام علينا من ربنا، أو ليقل: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أو ليقل: السلام على مَن اتَّبع الهدى.
وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾: قيل: يتكلَّم بهذا متصلًا بالسلام (^١).
وعن بعض السلف: أنه كان إذا دخل المسجد ولا إنسانَ فيه يقول: السلام علينا من ربِّنا تحيةً من عند اللَّه مباركة طيبة.
وقيل: هي بيانُ صفة السلام ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً﴾ فهو مصدرٌ للأول من غير لفظه؛ كقول الراجز:
يعجبُه السَّحورُ والثَّريدُ والتمرُ حبًّا ما له مزيدُ (^٢)
وقوله تعالى: ﴿مُبَارَكَةً﴾: أي: كثيرةَ الخيرِ طيبةً؛ أي: يستطيبه المحيَّى.
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "علينا من ربنا".
(٢) الرجز ذكره الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٩٨)، وابن الأنباري في "شرح القصائد السبع الجاهليات" (ص: ٣١)، و"الصحاح" (مادة: سخن)، والأول عندهم: (يعجبه السَّخُونُ والعصيدُ) وذكره ابن جني في "اللمع" (ص: ٥٠)، وابن الشجري في "الأمالي" (٢/ ٣٩٦)، برواية: (يُعجبهُ السَّخون والبَرود) السخون: ما يسخن من الطعام، والبرود منه: البارد. انظر: "توجيه اللمع" لابن الخباز (ص: ١٧٢).
[ ١١ / ١٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي: كما بيَّن هاتين يبين سائر الآيات.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: لتعقلوا أمره ونهيَه فتعملوا بذلك فتؤجَروا عليه.
* * *
(٦٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: وينتظِم هذا بما قبله من الاستئذان ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾؛ أي: مع الرسول ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾؛ أي: على شأنٍ جمَعهم كالغزو والجمعة والعيد ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ من عنده ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فيأذنَ لهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾: رجع من المغايَبة إلى المخاطبة، وهو من وجوه الكلام ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيَأتمِرون بأمر الشرع.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾: أي: لبعض أمورهم التي وراءهم ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾.
قيل: جعل المشيئةَ إليه في ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٥١]، وفيه (^١) رفعُ شألْه.
وقيل: أي: فأذن لمن رأيتَ المصلحةَ في ذلك فلا يكون في رجوعه ضررٌ على
_________________
(١) في (أ): "وقيل"، وفي (ف): "وقيل فيه".
[ ١١ / ١٧٩ ]
الناس، دون مَن كان في رجوعه خطرُ ضررٍ؛ لأنَّا نعلم أنه لا يأذن إلا لمن هذا وصفُه فحملناه على هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾: أي: وادْعُ لهم بالمغفرة لسالفِ ذنوبهم وتقصيرهم جزاءً لهم على إجابتهم لك، كما قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ثم قال ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفر لمن استغفرتَ له ويرحمُه.
نزلت الآية يوم الخندق، وكان المنافقون يرجعون إلى منازلهم من غيرِ استئذان، فنزلت الآية (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁؛ استأذن النبيَّ -ﷺ- في الرجوع إلى أهله في غزوةٍ، فأَذِن (^٢) له وقال: "ارجع فلستَ بمنافقٍ" فعيَّره المنافقون، فنزلت الآية (^٣).
وهذا خلافُ قوله في سورة براءة: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٥]، ذاك في حقِّ المنافقين، وكان استئذانهم نفاقًا من غيرِ عذرٍ.
* * *
_________________
(١) رواه البيهقي في "الدلائل" (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩) من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، وعن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب، وهو في "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٢١٦).
(٢) في (ر) و(ف): "فما أذن"، وهو خطأ مخالف للخبر.
(٣) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٢١٠)، والماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٢٧)، والواحدي في "البسيط" (١٦/ ٣٨٦). وقوله: "فعيره المنافقون" الضمير للنبي -ﷺ-، وفي المصادر بدلًا منه: (وكان المنافقون إذا استأذنوا نظر إليهم ولم يأذن لهم، فكان بعضهم يقول لبعض: محمدٌ يزعم أنه بُعِث بالعدل وهكذا يصنع بنا).
[ ١١ / ١٨٠ ]
(٦٣) - ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾: أي: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء واحدٍ منكم غيرَه إلى أمرٍ، فتستجيزوا التخلُّفَ عنه أو الانصرافَ بعد المجيء بغيرِ إذن، فإنه أمرٌ حَتْمٌ ولا يجوز خلافُه.
وقال ابن عباس ﵄: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتُموه (^١) كدعاء غيره؛ لأن دعاءه مستجابٌ لا محالة (^٢).
وقال جماعة من المفسرين: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ كدعاء بعضِكم بعضًا، فتدعوه باسمه: يا محمد، أو ترفعوا عليه الصوت، بل ادْعُوه بتعظيمٍ وخفضِ صوتٍ ولِينٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤]، والقصة تذكرُ في سورة الحجرات إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾: أي: ينتزِعون (^٣) ويُخرجون أنفسهم ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من بينكم أيها المؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿لِوَاذًا﴾: أي: مُلاوَذةً، وهي التستُّر بشيءٍ مخافة أن يراه أحد، وقيل: نفارًا (^٤)، وقيل: تباعُدًا، وقيل: رَوَغانا.
_________________
(١) في (ر): "استخصمتموه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٣٨٨).
(٣) في (ر) و(ف): "يسرعون".
(٤) في (ر) و(ف): "ويقال نفاذًا".
[ ١١ / ١٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: قيل: ﴿عَنْ﴾ زائدة (^١).
وقيل: معناه: يُعْرِضون عن أمره.
وقيل: أي: يخالفونه بعد أمره، و﴿عَنْ﴾ بمعنى: بعد، وقال الشاعر:
مازلتُ أرحَلُ مَنْهَلًا عن مَنْهَلٍ حتى أَنخْتُ ببابِ عبدِ الواحدِ (^٢)
أي: بعدَ منهلٍ.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: قيل عقوبةٌ في الدنيا ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في العقبى.
وقيل: ﴿فِتْنَةٌ﴾؛ أي: كفر؛ كما قال ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، ودلَّ على أن أمرَ النبي -ﷺ- للفَرْض حتى كان خلافُه كفرًا.
* * *
(٦٤) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ملكًا وخَلْقًا وتصرُّفًا، لا يَمتنِعُ أحد عن عقابه.
﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾: من المعصية والطاعة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾: قرأ أبو عمرو في روايةٍ بفتح الياء وكسر
_________________
(١) في (ر): "قيل عن رأيه".
(٢) ذكره الرازي في "تفسيره" (٣١/ ١٠٣).
(٣) "والطاعة" من (أ).
[ ١١ / ١٨٢ ]
الجيم على الفاعل الظاهر (^١)، والباقون بضم الياء وفتح الجيم على ما لم يسمَّ فاعله؛ أي: ويعلمُ يوم تردُّون إلى جزائه وثوابه (^٢) وهو يومُ القيامة؛ كما قال تعالى (^٣):
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾: يعدِّدُ عليهم ذنوبهم تقريعًا، ويعذِّبهم عليها عذابًا وجيعًا.
قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: من أعمالهم وأعمالِ غيرهم جميعًا.
تمت والحمدُ للَّه رب العالمين
* * *
_________________
(١) ذكر هذه الرواية عن أبي عمرو ابن مجاهد في "السبعة" (ص: ٤٥٩)، وهي خلاف المشهور عنه، ولم يذكرها الداني في "التيسير" ولا صاحب "النشر"، لكن قرأ بها من العشرة يعقوب. انظر: "النشر" (٢/ ٢٠٨).
(٢) قوله: "وثوابه" ليس في (أ).
(٣) قوله: "كما قال تعالى" ليس في (أ).
[ ١١ / ١٨٣ ]
سورة الفرقان
[ ١١ / ١٨٥ ]