بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي أَوْعَد مَن جمع مالًا وعدَّده، الرحمنِ الذي خوَّفنا بالنار الموقَدة، الرحيمِ الذي جعلها على غيرِ المؤمنين مُؤْصَدة.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ويل لكلِّ همزة أعطاه اللَّه عشر حسنات بعددِ مَن استهزأ بمحمد وأصحابه" (^٢).
وهذه السورة مكية، وهي تسع آيات وثلاثٌ وثلاثون كلمةً ومئةٌ وثلاثون حرفًا.
وانتظام السورتين: أنهما في وعيد الكفار بالعذاب والخَسَار.
* * *
(١) - ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾:
الهمزة: الكثيرُ الطعن على غيره بغيرِ حق، العائبُ له بما ليس فيه.
واللمزة: المشير إليه بالاستهزاء والضحك.
_________________
(١) في (ر): "سورة ويل لكل".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٨٥)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٥٢)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ١١٢٢)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٤٧٣ ]
وقال ابن عباس: الهمزة: الطعان، واللمزة: المغتاب (^١).
وقال الكلبي: الهمزة باللسان، واللمزة بالعين.
وقال مجاهد: الهمزة بالعين واليدين، واللمزة باللسان (^٢).
وقال قتادة: الهمزة: الذي يأكل لحوم الناس، واللمزة: الذي يطعن عليهم (^٣).
وقال أبو العالية: الهمزة: الذي يهمز في الوجه، واللمزة: الذي يَلمز من خلفٍ (^٤).
والفُعَلة بضم الفاء وفتح العين هو نعتُ المبالغة للفاعل، وبتسكين العين للمفعول؛ كالضُّحَكة والضُّحْكة، واللُّعَبة واللُّعْبة، والهُزَأة والهُزْأة.
وعن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عباس: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ مَن هؤلاء الذين هدَّدهم اللَّه تعالى بالويل؟ فقال: هم المشَّاؤون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبة، الباغون البُرآءَ العنت (^٥).
وعن ابن عباس: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (^٦) نزلت في الأخنس بن شَرِيقٍ الثَّقَفيِّ، كان يقع في الناس ويغتابهم مقبلين ومدبرين (^٧).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦١٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦١٨) بلفظ: (الهمزة باليد واللمزة باللسان).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦١٨). ووقع في (أ) و(ف): "يلعن عليهم"، وفي (ر): "يعيب عليهم"، والمثبت موافق لما في الطبري، ولفظه: (الطعان عليهم).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦١٨).
(٥) رواه وكيع في "الزهد" (٤٤٧)، وهناد في "الزهد" (١٢١٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦١٦ - ٦١٧). ووقع عند الطبري: (العيب) بدل: "العنت". وروى الإمام أحمد في "المسند" (٢٧٥٩٩)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٢٣)، من حديث أسماء بنت يزيد ﵂ مرفوعا: "شرار عباد اللَّه المشاؤون. . . " الحديث.
(٦) في (أ) و(ف): "وعن ابن عباس أنه قال".
(٧) ذكره عنه السمعاني في "تفسيره" (٦/ ٢٨٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٨٨) (ط: دار =
[ ١٥ / ٤٧٤ ]
وقيل: نزلت في جميل بن عامرٍ الجُحمي (^١).
وقال مجاهد: ليست خاصةً لأحد (^٢).
* * *
(٢) - ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾: قرأ حمزة وابن عامر: ﴿جمَّع﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف (^٣).
قال الفراء: بالتخفيف بمعنى: حفظ، وبالتشديد بمعنى: أحصى (^٤).
وقال أبو معاذ: بالتشديد على معنى: أنه جمعه من هاهنا ومن هاهنا، ولم يجمعه في يوم ولا يومين ولا شهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين.
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾: أي: أحصاه، والتشديد لكثرة المعدود.
وقال السدي: أحصاه (^٥).
وقال محمد بن كعب: يقول: هذا لي وهذا لي.
_________________
(١) = الكتاب العربي)، وصرح ابن الجوزي أنه من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وذكره البغوي في "تفسيره" (٨/ ٥٣٠) عن الكلبي، فتكون رواية ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه. ووردت أيضأ من رواية الضحاك عنه كما في "تفسير القرطبي" (٢٢/ ٤٧٠). ورواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٨/ ٦٢٣) من قول السدي. وقد روى الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٢٠) عن ابن عباس أنها نزلت في مشرك معين لكنه لم يسمه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦١٩) من طريق ابن أبي نجيح عن رجل من أهل الرقة، ومن طريق ورقاء عن يزيد الرقاشي.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٦٢٠).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٧)، و"التيسير" (ص: ٢٢٥). وقرأ الكسائي كحمزة وابن عامر.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٩٠).
(٦) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٨/ ٦٢٤).
[ ١٥ / ٤٧٥ ]
وقيل: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾؛ أي: كثَّره؛ يقال: هذا مال له عددٌ؛ أي: كثرةٌ، و: في بني فلان عدد؛ أي: كثرة.
وقال أبو معاذ: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾؛ أي: هيَّأه للوجود، هذا لكذا وهذا لكذا من العُدة بمعنى: أعدَّه وأَرصده.
وقال الأخفش: وعدَّده للدهور، وأعدَّ وعدَّد واحد، كقولهم: أَجَدَّ وجَدَّدَ، وأَحَدَّ وحدَّد.
وهذا كلُّه دلالةُ الإمساك، كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨].
وقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأخنس بن شريقٍ، كان له أربعةُ آلاف دينار يفتخر بها.
* * *
(٣ - ٧) - ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾.
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾: أي: أيظن (^١) أن ماله هذا قد بقَّاه في الدنيا، وإنما قال: ﴿أَخْلَدَهُ﴾ على الماضي دون المستقبل؛ لأن هذا الجاهلَ كان هذا المالُ عنده للحال موصوفًا بهذا؛ كأن ماله حكم له بالخلود، وكأنه قال: يحسب أن ماله آمنه الموت.
﴿كَلَّا﴾: أي: ليس كما يتوهَّمه.
﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾: أي: ليُطرحَنَّ حقًّا.
﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾: وهي من أسماء جهنم، سُميت بها لأنها تَحْطِمُ كلَّ ما أُلقي فيها؛ أي: تَدقُّه وتكسره.
_________________
(١) في (ف): "يظن".
[ ١٥ / ٤٧٦ ]
وقال الكلبي: ﴿الْحُطَمَةِ﴾: الباب السادس من النار (^١).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾: وهذا تفخيم لشأنها.
﴿نَارُ اللَّهِ﴾: أي: أعدَّها اللَّه تعالى لأهلها ﴿الْمُوقَدَةُ﴾؛ أي: قد أُوقدت منذ سبعة آلاف سنة.
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: أي: تُحرقهم حتى تصل إلى أجوافهم، وتُشرفَ على أفئدتهم وتعلوَ عليها، وينالهم بذلك الألمُ الشديد، ولا يموتون لأنها لا (^٢) تخالط أفئدتهم، ويصيرُ المعذَّب كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤].
وقال الفراء رحمه اللَّه تعالى: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾؛ أي: يبلغ ألمها الأفئدة، ويقال: متى اطَّلعْت أرضنا؛ أي: متى بلَغْتَها (^٣).
فالأول مقارَبة وهذا مخالطةٌ.
ويقال: تحرق كلَّ الأعضاء حتى تقاربَ القلب فلا تحرقه، ثم تعاد الأعضاء، وإنما لا يحترق القلب لئلا (^٤) ينقطِع الألم والعلمُ بالألم، فيدومُ العذاب.
قال أبو سعيد: أي: أنها تعلم مقدار ما يستحِقُّ كلٌّ منهم من العذاب لِمَا كان في قلبه، من قولك: اطَّلع فلان على أمرنا؛ أي: وقف عليه وعلِمه؛ أي: جعلها اللَّه تعالى تُحرق كلَّ أحد على استحقاقه، لا تزيد ولا تَنقص؛ كأنها وقفت على مَبلغ استحقاقه (^٥).
_________________
(١) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٣٦). وذكر الواحدي في "البسيط" (١٤/ ٣١١) عن الكلبي أيضًا: الحطمة اسم من أسماء النار، وهي الدرجة الثانية من درج النار.
(٢) في (ر): "لم".
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٩٠).
(٤) في (ر): "كي لا".
(٥) ذكره بنحوه دون عزو الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٣٣٧). والقرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٤٧٤).
[ ١٥ / ٤٧٧ ]
قال: ولمَّا جاز وصف النار بالتغيُّظ، وبأنها تدعو مَن أدبر وتولَّى، جاز وصفها بهذا.
* * *
(٨ - ٩) - ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: إن هذه النارَ على كلِّ همزةٍ لمزةٍ، أو على أصحاب هذه الأفئدة وهم الكفار، مطبَقةٌ لا تنفرج ولا يدخلها رَوحٌ، وبيان القراءة وذكرُ مآخذها مرَّا في سورة البلد.
قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿في عُمُد﴾ بضمتين، وكذا عاصم في رواية أبي بكر، والباقون بفتحتين (^١)، وهما لغتان في جمع عمادٍ وعَمود، والعماد والعُمُد -بالضم- كالحِمار والحُمُر، وبالفتح كالإهاب والأَهَب، والعمود والعُمُد -بالضم- كالرسول والرسُل، ومعناه: تُطرح العمدُ على أبوابها وتمدُّ عليهم لاستحكام يأسهم.
وقال الحسن: لجهنم سرادقٌ كما قال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] وللسُّرادق عمدٌ، فإذا مُدَّت تلك العُمد أُطْبقت جهنم على أهلها.
وقيل: ﴿فِي عَمَدٍ﴾؛ أي: بعمدٍ؛ كقولك: فعلت (^٢) كذا بموضع كذا وفي موضع كذا؛ أي: أُطبقت بها.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٢٩٧)، و"التيسير" (ص: ٢٢٥).
(٢) في (أ): "قلت".
[ ١٥ / ٤٧٨ ]