بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الَّذي أوعدَ أصحابَ المشأمةِ بالنِّيران، الرَّحمنِ الَّذي وعدَ أصحابَ الميمنةِ بالجنان، الرَّحيمِ الَّذي بشَّر المقرَّبين برَوْحٍ ورَيحان.
وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ الواقعةِ لم يُكْتَبْ مِنَ الغافلِيْن" (^١).
وروى ابنُ مسعودٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قالَ: "مَنْ قرأَ سُورةَ الواقعةِ في كلِّ ليلةٍ لم تصبْهُ فاقةٌ أبدًا"، وكانَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ ﵁ يأمرُ بناتِه حتَّى يقرأَنها كلَّ ليلةٍ (^٢).
_________________
(١) رواه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٢٣١). قالما ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وقال ابن كثير في "تفسيره": حديث منكر من سائر طرقه. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٢) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٥٧)، والإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٢٤٧)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٨٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٧٠). قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ٤١٣ - ٤١٤): قد تبين ضعف هذا الحديث من وجوه: أحدهما: الانقطاع، كما ذكره الدارقطني وابن أبي حاتم في "علله" نقلًا عن أبيه. والثاني: نكارة متنه، كما قال أحمد. والثالث: ضعف رواته، كما ذكره ابن الجوزي. والرابع: الاضطراب، فمنهم من يقول: أبو طيبة بالطاء المهملة بعدها ياء آخر الحروف كما ذكره =
[ ١٤ / ٢٣١ ]
وهي مكيَّةٌ غيرَ قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣]، وقوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١]، فإنَّهما نزلَتَا في سفرِه إلى المدينة.
وهي سِتٌّ وتسعون آية، وقيل: سبع، وقيل: تسع.
وكلماتُها ثلاثُ مئةٍ وتسعٌ وخمسونَ كلمةً، وحروفُها ألفٌ وسبعُ مئة واثنا عشر حرفًا.
وانتظام آخر تلك السُّورة بأوَّل هذه السُّورة: أنَّه ختمَ تلكَ السُّورةَ بما يعطي المؤمنين من الكرامة، وبدأ بهذه السُّورة بذِكْرِ ذلك اليوم، وهو يوم القيامة.
وانتظامُ السُّورتين: أنَّهما في ذِكْرِ أهلِ الجنَّة والنَّار، وهم المؤمنون والكفَّار.
* * *
(١ - ٣) - ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾: أي: واذكرْ إذا قامتِ القيامةُ، والواقعةُ مِن أسماء القيامة.
قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾: أي: ليس لوقوعِها كذبٌ، مصدرٌ على وزن الفاعِلَة، كالجاثية والطَّاغية، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٥ - ٦].
وقيل: ﴿إذَا﴾ زائدة، وتقديرُه: وقعَتِ الواقعةُ، كقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، و﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وهو بيانُ قربِها.
_________________
(١) = الدارقطني، ومنهم من يقول بظاء معجمه بعدها باء موحدة، ومنهم من يقول: أبو فاطمة كما ذكرهما البيهقي، ومنهم من يقول: شجاع، ومنهم من يقول: عن أبي شجاع، وقد اجتمع على ضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم وابنه والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي تلويحًا وتصريحًا.
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
﴿خَافِضَةٌ﴾: أي: هي خافضةٌ قومًا كانوا أعزَّة في الدُّنيا، فجعلَهم في أسفلِ السَّافلِيْن.
﴿رَافِعَةٌ﴾: أي: هي رافعةٌ قومًا كانوا أذلَّةً في الدُّنيا، فتجعلُهم في أعلى عليِّين.
وقيل: الواقعةُ: صيحةُ القيامةِ، وهي ﴿خَافِضَةٌ﴾؛ أي: مخفوضةٌ تُسْمِعُ الأدنى، ﴿رَافِعَةٌ﴾؛ أي: مرفوعة تُسْمِعُ الأقصى؛ أي: تعمُّ الجميع.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀:
﴿خَافِضَةٌ﴾ لأهلِ الشِّقاق ﴿رَافِعَةٌ﴾ لأهل الوِفاق.
﴿خَافِضَةٌ﴾ لأهل الدَّعاوي ﴿رَافِعَةٌ﴾ لأهل المعاني.
﴿خَافِضَةٌ﴾ للنُّفوسِ ﴿رَافِعَةٌ﴾ للقلوب.
﴿خَافِضَةٌ﴾ لأهل الشَّهوة ﴿رَافِعَةٌ﴾ لأهل الصَّفوة.
﴿خَافِضَةٌ﴾ لمن جحد ﴿رَافِعَةٌ﴾ لمن وحَّد (^١).
* * *
(٤ - ٦) - ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾: قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ: أي: زُلْزِلَتْ زِلزالًا (^٢).
والرَّجُّ: التَّحريكُ باضْطِرابٍ؛ أي: يكون الخفضُ والرَّفع إذا رُجَّتِ (^٣) الأرضُ وزُلْزِلَتْ، فلم يبقَ عليها بِناءٌ، أو يكون وقوع الواقعة حينئذ.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٥١٧).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٨٢).
(٣) في (أ) و(ف): "حركت".
[ ١٤ / ٢٣٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وأبو صالحٍ والسُّدِّيُّ: أي: فُتِّتَتْ فتًّا، وصارَتْ كالدَّقيقِ المَبْسُوسِ -أي: المبلول- والسَّوِيق كذلك (^١).
﴿فَكَانَتْ هَبَاءً﴾: أي: غبارًا يدخل في الكوَّة مِن شُعاع الشَّمس، ﴿مُنْبَثًّا﴾؛ أي: متفرِّقًا، وذلك ممَّا لا يمكنُ أنْ يُحَسَّ أو يُمَسَّ باليد.
وقال الخليلُ: هو غبار ساطع في الهواءِ كأنَّه دخانٌ (^٢).
وقال القتبيُّ: الهباءُ المنبثُّ: ما يسطعُ مِن سنابكِ الخيل (^٣).
ثَمَّ مِن آثارِ القيامةِ في الجبالِ: النَّسْفُ أوَّلًا، ثمَّ الدَّكُّ، ثمَّ تصير كثيبًا مهيلًا، ثمَّ هباءً منبثًّا، ثمَّ كالعِهْنِ المنفوشِ (^٤)، ثمَّ تمرُّ مَرَّ السَّحاب.
فإذا أثَّرَ في الجبالِ الصُّمِّ الشَّواهِقِ هذا، وليس لها خطابٌ وعتابٌ (^٥)، فكيفَ حالُ الضُّعفاءِ الذين لهم الخطابُ، ولهم الثَّواب والعقاب؟
وقرأ إبراهيمُ النَّخعي ﵀: (منبتًّا) بتاءٍ معجمة فوقها بنقطتين (^٦)، ومعناه: منقطعًا.
* * *
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٢) انظر: "العين" للخليل (٤/ ٨٩ و٩٧).
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٤٥)، والسنابك: جمع سنبك، وهو طرف مقدم الحافر. انظر: "الصحاح" (مادة: سبك).
(٤) في (ر): "كالفراش المبثوث".
(٥) في (ر): "ولا عقاب".
(٦) وهي قراءة شاذة، ذكرها الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٣٩).
[ ١٤ / ٢٣٤ ]
(٧ - ٩) - ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾: أي: أصنافًا ثلاثة.
﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: أحدُ الأصنافِ الثَّلاثة هؤلاء ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ أصحابُ الميمنةِ، ويُذْكَرُ هذا للتَّعجيب مِن حالهم؛ أي: ما أعظمَ شأنِهم! وهو كقولك: زيد، وما زيدٌ!
﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: هم الصِّنفُ الثَّاني ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾: تهويلٌ بحالِهم، وهؤلاء أهلُ النَّار، والأوَّلون أهلُ الجنَّة.
و﴿الْمَيْمَنَةِ﴾: مِن اليُمْنِ، و﴿الْمَشْأَمَةِ﴾: مِن الشُّؤمِ، أولئكَ في يُمْنِ الإيمانِ والطَّاعةِ، وهؤلاء في شُؤْمِ الكُفْرِ والمعصية.
وقيل: هو مِن اليمين التي هي اليد اليُمنى، و﴿الْمَشْأَمَةِ﴾: هي اليُسرى، واليَمنُ عن يمينِ القِبْلَةِ، والشَّأمُ عن يسارِها، فأولئك أصحابُ اليمين، وهؤلاء أصحابُ الشِّمال، ولذلك سُمُّوا في هذه السُّورة.
واختلف في معناه؛ قيل: كان أولئك عن يمين آدمَ في أخذِ الميثاقِ، وهم نورٌ، وهؤلاءِ عن شمالِه وهم ظُلْمَة.
وقيل: أولئك يُعْطَون كُتُبُهم (^١) في القيامةِ بأيمانِهم، وهؤلاءِ عن شمائِلِهم.
وقيل: أولئك يُسَارُ بهم عن يمين الطَّريق إلى الجنَّة، وهؤلاء يُسَارُ بهم عن
_________________
(١) في (أ): "كتابهم".
[ ١٤ / ٢٣٥ ]
الشِّمال إلى النَّارِ عندَ مَفرَقِ الطَّريق، وامتيازِ (^١) الفريقُ مِنَ الفريقِ (^٢)؛ قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
* * *
(١٠ - ١١) - ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: هم الصِّنْفُ الثَّالثُ، وهم أشرافُ أصحابِ الميمنةِ، وعُظماءُ أهلِ الجنَّةِ.
ومعنى التَّكرير: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾؛ أي: السَّابقون في الدُّنيا إلى الإيمان والطَّاعة هم السَّابقون في الآخرة إلى الجنَّة والكرامة.
﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾: أي: على كرامةِ اللَّهِ تعالى وتخصيصه، وهو قُرْبُ المنزلَةِ لا المنزلِ، وقُرْبُ المكانةِ لا المكان.
* * *
(١٢ - ١٤) - ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: قال الخليل: أي: جماعة عظيمة (^٣).
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: أي: مِن السَّابقِيْن.
عددٌ كثيرٌ مِنَ الماضِيْنَ؛ لأنَّ الأنبياءَ المتقدِّمِيْن لكثرتهم كَثُرَ السَّابقون إلى الإيمان بهم وإجابة دعوتهم، فزادوا على عدد السَّابقين مِن هذه الأمَّة إلى التَّصديق لنبيِّنا محمَّدٍ -ﷺ-.
_________________
(١) في (ر): "وامتاز".
(٢) "من الفريق" ليس في (أ).
(٣) انظر: "العين" للخليل (٨/ ٢١٦).
[ ١٤ / ٢٣٦ ]
ورُوِيَ أنَّه لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ شَقَّ ذلكَ على أصحابِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، فنزلَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (^١).
وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: لَمَّا نزلَ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ما زالَ رسولُ اللَّه -ﷺ- يراجِعُ ربَّهُ حتَّى نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، فجعل السَّابقين مِن هذه الأمَّة كالسَّابقين مِن الأممِ الماضيةِ في العدد.
وقيل: بل قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ في حقِّ هذه الأمَّة، و﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: جماعة مِن السَّابقِيْن الأوَّليْن مِن هذه الأمَّة ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: يلحقون بهم بالسَّبق إلى الطَّاعات، فأمَّا ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فهما في حقِّ أصحاب اليمين، وهم كثير من الأوَّلين والآخرين.
وتكلَّموا في السَّابقين:
قال أبو موسى الأشعري وغيره: ﴿السَّابِقُونَ﴾: المهاجرون الأوَّلون، ومَن صلَّى إلى القِبْلَتَيْن، ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: هم التَّابعون لهم ممَّن لم تتقدَّم هجرتُهم (^٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٩٠٨٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣٠)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٥٧) عن أبي هريرة ﵁. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٤٠٨): رواه أحمد من حديث محمد بياع الملاء عن أبيه، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. انتهى. قلت: أما محمد بياع الملاء فهو أبو عمرو، محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة، روى له النسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات". انظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٢٥/ ٦٠٩). وأبوه عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة، قال عنه الذهبي: تابعي ما روى عنه إلا ابنه محمد، مجهول. انظر: "المغني في الضعفاء" (٣٥٥٧)، و"ديوان الضعفاء" (٢٤٤٠) كلاهما للذهبي.
(٢) قول أبي موسى في السابقين رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٦٣٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ورواه (٢٢/ ٢٩٠) عن ابن سيرين في تفسير هذه الآية.
[ ١٤ / ٢٣٧ ]
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾؛ أي: السَّابقون إلى الهجرة هم السَّابقون في الآخرة (^١).
وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾؛ أي: إلى الغزو والجهاد (^٢).
وقال عليٌّ ﵁: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ إلى الصَّلوات الخمس.
وقال عكرمةُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ إلى الإسلام.
وقال محمَّد بن كعب: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾؛ أي: إلى كل خير (^٣).
وقال محمَّد بن كعب أيضًا في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: هم الذين كانوا على عهد رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: هم الذين قال فيهم: "أتدرون من إخواني" الحديث.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: قال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، ولم يقل: المتقرِّبون؛ ليُعلمَ أنَّهم وجدوا ذلك بتقريبِ اللَّهِ تعالى إيَّاهم، لا بتقريبِهم بأنفسِهم (^٤).
* * *
(١٥ - ١٦) - ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾: ﴿سُرُرٍ﴾: جمعُ سريرٍ، ﴿مَوْضُونَةٍ﴾؛ أي: منسوجة متداخلة بعضُها في بعضٍ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ: مَرمولةٍ بالذَّهب.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٢)، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٤٥٣).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٩).
(٣) ذكر الأخبار الثلاثة الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٢)، والواحدي في "البسيط" (٢١/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٤) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٥١٨).
[ ١٤ / ٢٣٨ ]
وقال عكرمةُ: مشبَّكةٍ بالدُّرِّ والياقوت.
وقال ابنُ عبَّاس في روايةٍ: مصفوفةٍ.
وقال قتادة: المرمولةُ أوثر الأسِرَّة (^١).
وقال الخليل: الموضونةُ بالسُّيور والدُّرِّ والجوهر ألينُ وأوطأُ مِن المعمول مِن الخشبِ ونحوه (^٢).
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا﴾: نصب على الحال ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ كذلك.
قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهدٌ ﵀: أي: مُتواجِهِيْنَ، لا ينظرُ بعضُهم إلى قفا بعض (^٣).
* * *
(١٧) - ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: في الخدمة ﴿وِلْدَانٌ﴾ روى يزيدُ الرَّقاشيُّ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "الأطفالُ خَدمُ أهلِ الجنَّةِ" (^٤).
_________________
(١) في (أ) و(ر): "أوثق الأسرة". وروى هذه لأقوال الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٩٢ - ٢٩٤).
(٢) انظر: "العين" للخليل (٧/ ٦١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٩٤) عن مجاهد. ورواه ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ﵄، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٨٥).
(٤) رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢٢٢٥)، وابن أبي الدنيا في "النفقة على العيال" (٢٠٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤٠٩٠) من طريق يزيد الرقاشي عن أنس ﵁ مرفوعًا. ورواه البزار في "مسنده" (٧٤٦٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٥٣٥٥)، من طريق علي بن زيد عن أنس ﵁ مرفوعًا بلفظ: "أطفال المشركين خدم أهل الجنة". ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٢٩٩٦)، من طريق مقاتل بن سليمان عن قتادة عن أنس =
[ ١٤ / ٢٣٩ ]
وعن سلمان قال: أطفالُ المشركين خدمُ أهلِ الجنَّةِ (^١).
وقال الحسنُ ﵀: لم يكن لهم حسنات يُجْزَونَ بها، ولا سيِّئات يُعاقَبونَ عليها، فوُضِعوا هذه المواضع (^٢).
وتوقَّف أبو حنيفة ﵀ في الأطفال، قال: لأنَّ الثَّوابَ بفضْلِ اللَّهِ وبوعدِه، لا بالفعلِ، ولا نصَّ فيهم (^٣).
وقيل: هم خدمٌ خُلِقوا في الجنَّةِ على صورة الغِلمان، وهم للخِدمةِ لا غير، والحورُ العين للخدمةِ والمتعةِ.
﴿مُخَلَّدُونَ﴾: قال الفرَّاء؛ أي: على سِنٍّ واحدٍ لا يتغيَّرون (^٤). وهو قول الحسن أيضًا (^٥).
وقيل: خالدون في الجنَّة مع أهلِها. وهو قول مجاهد ﵀ (^٦).
_________________
(١) = ﵁ مرفوعًا بلفظ: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة"، وقال: لم يروه عن قتادة إلا مقاتل. قلت: يزيد الرقاشي وعلي بن زيد ضعيفان، ومقاتل بن سليمان قال عنه ابن حجر في "التقريب": كذبوه وهجروه. ورواه البزار في "مسنده" (٤٥١٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٢٠٤٥)، من حديث سمرة بن جندب ﵁ مرفوعًا. والحديثان ضعفهما ابن حجر في "فتح الباري" (٣/ ٢٤٦).
(٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢٠٠٧٩)، والبيهقي في "القضاء والقدر" (٦٣٠).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٤)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ١٠)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٩) إلى عبد بن حميد.
(٤) انظر: "الكسب" لمحمد بن الحسن (ص: ٥٤)، و"تبيين الحقائق" للزيلعي (٣/ ٢٩٢)، و"حاشية ابن عابدين" (٢/ ١٩١).
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٢٢).
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٥٠).
(٧) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٩٥).
[ ١٤ / ٢٤٠ ]
وقال نفطويه: قال قومٌ: هم المُقَرَّطونَ مِنَ القِرْطِ (^١).
وقيل: مُسوَّرون، مِن السِّوار.
وقيل: مُقلَّدون، مِن القِلادَة.
وقيل: مُحلَّون، مِن الحِلْية، وأنشدني مَن أثِقُ به:
ومخلَّداتٌ باللُّجَيْنِ كأنَّما أعجازُهُنَّ أَقَاوِزُ الكُثْبانِ (^٢)
قال: ويُقالُ للحِلْيةِ: الخَلَدَةُ.
وقيل: المُخلَّدُ: المُحلَّى باللُّؤلؤِ؛ لأنَّه يبقى على حسنِه أكثر ممَّا يبقى غيرُه.
* * *
(١٨) - ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾: جمعُ كوبٍ، وهو الإبريقُ الواسعُ الرَّأس لا خُرطومَ له.
﴿وَأَبَارِيقَ﴾: والإبريقُ: هو الَّذي له عُروةٌ وخُرطوم. قاله قتادةُ ومقاتلٌ (^٣)، وكذا قال أهل اللُّغة.
وقال في موضع آخر: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾؛ أي: لها بياضُ الفضَّة وصفاءُ القوارير.
_________________
(١) ذكره الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٩٥) دون نسبة، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٤) عن سعيد بن جبير.
(٢) البيت لبعض شعراء بني حمير كما في "تفسير الطبري" (٢٣/ ٥٦٥) واستشهد به الطبري على أن معنى ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: مسورون بلغة حمير. وكذا ذكره شاهدًا على أن المعنى مسورون ابن الأنباري في "الزاهر" (٢/ ٨٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ١٧١)، واستشهد به ابن قتيبة في "غريب القرآن" (ص: ٤٤٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٤) على أن المعنى مقرطون.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) عن قتادة، وانظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢١٧).
[ ١٤ / ٢٤١ ]
قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ﴾: وهو القَدَحُ إذا كان فيه شرابٌ ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾؛ أي: مِن خمرٍ جاريةٍ، كالماءِ المعين، وهو الظَّاهر الجاري.
وقيل: هو فَعِيلٌ بمعنى: الإمعان، وهو الإسراعُ، وأُرِيدَ به: سرعة الجري.
وقيل: هو مفعولٌ مِن العين؛ أي: تراه العيون ظاهرة.
أخبرَ أنَّ خمرَ الآخرة ليسَتْ كخمرِ الدُّنيا تُستَخرجُ بتكلُّف وعلاجٍ وتكون في أوعية، بل هي جارية كثيرة، كما قال: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥].
* * *
(١٩) - ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾؛ أي: لا ينالُهم بشربِها صُداعٌ كما ينالُهم ذلك مِن خمرِ الدُّنيا.
﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصمٌ (^١) بكسر الزَّاي، ومعناه: لا تفنَى خمورُهم، يقال: أَنْزَفَ القومُ: إذا فنيَ زادُهم.
وقرأ الباقون بفتح الزَّاي (^٢)، ومعناه: لا تذهبُ عقولُهم، يُقال: نَزَفَ الرَّجل: إذا ذهبَ عقلُه، وإذا ذهبَ دمُه.
فنفى بهذا جميعَ عيوبِ خمرِ الدُّنيا: مِن عُدْمِ العَقلِ بها بالسُّكْرِ، وذهابِ المال، ونفادِ الشُّرابِ.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "وعاصم في رواية أبي بكر"، والمثبت هو الموافق لما في "السبعة" و"التيسير" و"النشر".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" (ص: ٥٤٧)، و"التيسير" (ص: ٢٠٧)، و"النشر" (٢/ ٣٥٧).
[ ١٤ / ٢٤٢ ]
وقال الأخفش: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾؛ أي: لا يسكرون (^١).
وقيل في قوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ﴾: أي: لا يفرَّقون بما ينفد مِن شرابهم، وقد تَصَدَّعَ القومُ؛ أي: تفرَّقوا، وصدَّعَهم كذا؛ أي: فرَّقَهم.
* * *
(٢٠ - ٢٢) - ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ﴾.
ثمَّ ذكرَ اتِّساعَهم في الفاكهةِ فقال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ يحتمل: وفاكهةٍ كثيرة يتخيَّرون منها ما شاؤوا لكثرَتِها.
ويحتمل: وفاكهة مِن الفواكه التي يتخيَّرونها؛ أي: فاكهةٍ متخيَّرةٍ تُتخيَّر كلُّها (^٢).
ثمَّ ذَكرَ اللَّحمَ الذي هو سيِّد الإدام، وكانت العربُ يتوسَّعون بلحمان (^٣) الإبل، ويعزُّ عندهم لحمُ الطُّيور، ويسمعون بها عندَ الملوكِ، فوُعِدوا بها، فقيل:
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: أي: ممَّا هو شهيٌّ (^٤) عندَهم.
وقيل: ممَّا يشتهونَه مِن جملةِ الأجناسِ التي (^٥) يعطيهمُ اللَّهُ في الجنَّة، وإنْ كانَ كلُّها مشتهًى لفضلِه وحسنِه.
وقيل: ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾؛ أي: يأكلون عن شهوةٍ، لا عن جوعٍ ولا عن سآمةٍ.
_________________
(١) لم أقف عليه عن الأخفش، وذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٩)، والزجاج في "معاني القرآن" (٤/ ٣٠٣) وغيرهما.
(٢) في (ر) و(ف): "يتخير أكلها"، والمثبت من (أ)، والمعنى عليه واللَّه أعلم: فاكهة متخيرة لأجلهم مرضية كلها عندهم.
(٣) في (ر): "بلحم".
(٤) في (ر): "أشهى".
(٥) في (ر): "من جملة أجناسه أي" وفي (ف): "من جملة أجناسه التي".
[ ١٤ / ٢٤٣ ]
ثمَّ وصفَ الأزواجَ فقالَ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿وحورٍ عينٍ﴾ خفضًا (^١)؛ ليتَّفق إعراب الكلمات المذكورة بعضِها على إثرِ بعضٍ، ويكون خفضُه على الجوارِ كما في قولِهم: جحرُ ضبٍّ خربٍ، و: ماءُ شنٍّ باردٍ، أو على إضمارِ فعلٍ آخر يلائمُه، وهو: ويُكْرَمُونَ بحورٍ عينٍ.
وكذا قالوا في قولِه: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾؛ لأنَّه قَلَّ ما يُطافُ بها، وإنْ تُصُوِّرَ فيهما، ولا يكون ذلك في حورٍ عينٍ، ولا وجهَ إلَّا ما قْلنا.
والحورُ: جمع حَوراء، وهي الشَّديدةُ بياضِ العين، والشَّديدةُ سوادِها.
والعِيْنُ: جمع عَيناء، وهي الواسعةُ العينِ، الحسنةُ العين.
* * *
(٢٣ - ٢٦) - ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾.
﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾: أي: المصون.
قالت أمُّ سلمة ﵂: يا رسولَ اللَّهِ، أخبرْنِي عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ فقال: "كصفاءِ الدُّرِّ في الأصدافِ قبلَ أنْ تمسَّهُ الأيدي" (^٢).
قالوا: وذلك قبلَ أن يقع عليه الغُبارُ أحسنُ ما يكون في بياضِ لونِه وصفائِه ونورِه.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: في الدُّنيا مِن الصَّالحات، فما جزاءُ الإحسانِ إلَّا الإحسان.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٠٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/ ٣٦٨). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٩): فيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي.
[ ١٤ / ٢٤٤ ]
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾: أي: باطلًا مِن القول، لا فائدةَ في سماعِه، وهو ما ليسَ بكذبٍ ولا فحشٍ، لكنَّه كلامٌ لا معنى له.
﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾: أي: ما يؤثِّمهم من الكلام، وهو الكذبُ والفحشُ.
﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾: وهو استثناءٌ منقطعٌ بمعنى: لكن؛ أي: لكن يسمعونَ قولَ بعضِهم لبعضٍ سلامًا سلامًا؛ أي: سلمْتَ سلامًا؛ أي: سلامةً، أو لقيْتَ تحيَّةً وسلامًا.
وقيل: هو سلامُ الملائكةِ.
وقيل: ﴿سَلَامًا﴾: نعتٌ لقولِه: ﴿قِيلًا﴾؛ أي: قولًا صوابًا سالمًا عن اللَّغو والتَّأثيم.
قال الأخفش: ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾؛ أي: ولا يفعلون تأثيمًا؛ أي: ما يؤثِّمُهم، فالأوَّل للقولِ، والثَّاني للفعل، ويُضمَرُ فيه، وهو كقولِ مَن يقول: أكلْتُ خبزًا ولبنًا؛ أي: أكلْتُ خبزًا وشربْتُ لبنًا (^١).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾.
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: ثم ذكر التابعين للسابقين فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾.
﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾: أي: ماذا أُعِدَّ لهم مِنَ الخيرِ؟ وهي لفظةُ تعظيمٍ وتفخيمٍ، كقولكَ: زيدٌ، وما زيدٌ؟
﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾: أي: نَبْق، وكانوا يستلذُّونَه ويروقُهم شجرُه، وقد ذكرَ اللَّهُ تعالى سدرةَ المنتهى ورفعَ شأنها.
_________________
(١) ذكر نحوه أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٤٩)، وحكاه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٠٥) عن بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة.
[ ١٤ / ٢٤٥ ]
وقوله تعالى: ﴿مَخْضُودٍ﴾؛ أي: مقطوع الشَّوك.
وقال الخليل: الخَضْدُ: نَزْعُ الشَّوكِ مِن الشَّجرِ (^١).
وقال ابن عبَّاس ﵄ وعكرمة وقتادة ومجاهد والضَّحَّاك: لا شوكَ فيه (^٢)، ومعناه: أنَّه خُلِقَ بلا شوك، لا أنَّه نُزِعَ عنه بعدَ أنْ كانَ فيه.
وقيل: الخَضْدُ: عطفُ العُودِ اللَّين، ومعناه: أنَّه قد انثنى مِن كثرةِ حملِه.
وقيل: الخَضْدُ: الكسرُ بلا إبانةٍ، وقد خضدْتُه فانخَضَد.
فقيل على هذا (^٣): هو مُوَقَّرٌ يكادُ ينكسِرُ مِن ثِقَلِ حملِهِ.
ورُويَ: أنَّه لَمَّا نزلَ: ﴿فِي سِدْرٍ﴾ قال أهلُ الطَّائفِ: هو مِثْلُ سِدْرِنا، فنزل: ﴿مَخْضُودٍ﴾ (^٤).
* * *
(٢٩) - ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾.
﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾: قال عليٌّ وابنُ عبَّاس وأبو سعيدٍ وقَسامة بن زهير والحسن والضَّحَّاك وقتادة وسعيد بن جبير وعطاء: هو الموز (^٥).
وقال زيد بن أسلم: اللَّهُ أعلمُ به، إلَّا أنَّ أهلَ اليمنِ يُسمُّون الموزَ: الطَّلح (^٦).
_________________
(١) انظر: "العين" للخليل (٤/ ١٧٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٠٦ - ٣٠٨) عن ابن عباس ﵄ وعكرمة وقتادة وأبي الأحوص والسفر بن نسير وقسامة بن زهير.
(٣) في (ر) و(ف): "وقيل فعلى هذا".
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٣٩٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣١٠ - ٣١٢) عن علي وابن عباس ﵃ ومجاهد وعطاء وقسامة وقتادة.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣١٢).
[ ١٤ / ٢٤٦ ]
وقال أهلُ اللُّغةِ: الطَّلحُ شجرٌ عظيمٌ كثيرُ الشَّوك. هذا لفظ أبي عبيدة (^١).
وقال الزَّجَّاج: هو شجرُ أمِّ غَيْلان (^٢).
و﴿مَنْضُودٍ﴾: نُضِدَ بعضُه على بعضٍ.
قيل: قِنْو الموز منضودٌ بعضُه على بعضٍ.
وقيل: أرادَ إنَّ ثمرَه كثيرٌ مِن أوَّله إلى آخرِه.
وقيل: المنضودُ: المتراكمُ، فإنْ أُرِيْدَ به الموزُ فهو ثمرٌ، وفضلُه على موزِ الدُّنيا في الجنَّة كفضلِ سائرِ الثِّمارِ، وإنْ أُرِيْدَ به الطَّلح الذي لا يُؤْكَلُ منه شيءٌ في الدُّنيا فقد يكون مِن أشجار الجنَّة على ما يخلقُه اللَّهُ تعالى عليه مِن الحسن والخضرة والطَّراوة والنُّضرة.
وعن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّه قالَ: هو زينةُ الجنَّة، وقد يكون في بساتين الدُّنيا ما يكون للنُّزهة والزِّينة دون الأكلِ (^٣).
وعن مجاهد قال: كان لأهلِ الطَّائف وادٍ مُعْجِبٌ، فيه الطَّلح والسِّدر، فقالوا: ليت لنا في الجنة مثلَ هذا الوادي، فنزلَتْ هذه الآية (^٤). وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، فذكَرَ لكلِّ قومٍ ما يعجبُهم.
وعن عتبة بن عبدٍ (^٥) السُّلَمي قال: كنْتُ جالسًا مع رسول اللَّه -ﷺ-، فجاء أعرابيٌّ
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٥٠).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ١١٢).
(٣) لم أجده عن ابن عباس، وذكر نحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٥٤).
(٤) رواه البيهقي في "البعث والنشور" (٢٧٧) عن عطاء ومجاهد، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ١٢) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي.
(٥) في (أ) و(ر): "عبد اللَّه"، وفي (ف): "عبد الرحمن"، والمثبت من مصادر التخريج.
[ ١٤ / ٢٤٧ ]
فقال: يا رسول اللَّه، أسمَعُكَ تذكرُ في الجنَّة شجرةً لا أعلم شجرةً أكثرَ شوكًا منها! يعني الطَّلح، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فإنَّ اللَّهَ تعالى يفعلُ مكانَ كلِّ شوكةٍ منها ثمرةً فيها سبعون لونًا من الطَّعام، لا يشبهُ لونُ الواحدِ منها لونَ الآخر" (^١).
وعن عليٍّ ﵁ أنَّه كان يقول: هو في معنى: وطلع منضود، فقد قال: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، وهو ثمر النَّخل (^٢).
* * *
(٣٠ - ٣١) - ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: أي: دائمٍ لا تنسخُه الشَّمس، وفي الخبر: "إنَّ في الجنَّةِ شجرةً، يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مئةَ عامٍ لا يقطعُها، اقرؤوا إنْ شئِتُم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ " (^٣).
وقال نضر بن شُميل: أي: لا ينقصُ كما ينقص ظلُّ الدُّنيا.
وقال الرَّبيع بن أنس: أي: ظلِّ العرش (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾: أي: مَصْبوب.
وقال سفيان: أي: يجري في غيرِ أُخدودٍ (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي داود في "البعث" (٧٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ١٣٠)، وفي "مسند الشاميين" (٤٩٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ١٠٣)، وأبو نعيم الأصفهاني في "صفة الجنة" (٣٤٧). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٤١٤): رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٠٩)، وابن الأنباري في "المصاحف" كما في "تفسير القرطبي" (٢٠/ ١٩٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٧).
(٣) رواه البخاري (٣٢٥٢)، ومسلم (٢٨٢٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٦/ ٢٠٧).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣١٨).
[ ١٤ / ٢٤٨ ]
وقيل: أي: مَصبوب على الخمرِ لِيُشرَبَ بالمِزاج.
وقيل: ينصَبُّ مِن ساقِ العرش.
وقيل: ينصَبُّ مِن مكانٍ بعيدٍ، أي (^١): عالٍ فيُسْمَعُ خريرُه، ويُرَى صفاؤُه، وهو أصفى ما يكون، وأعجب في مَرأى العيون.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَانيُّ: إنَّ الماءَ يخرجُ مِن العُيونِ، فيتسنَّم، ثمَّ ينصَبُّ عليهم انصبابًا.
* * *
(٣٢ - ٣٤) - ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾.
﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ﴾: كما تنقطعُ فواكهُ الدُّنيا في الشِّتاء، وفي أوقاتٍ مخصوصةٍ.
﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾: بِبُعْدِ مُتناوَلٍ أو شوكٍ يؤذي كما يكون في الدُّنيا.
وقيل: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ لا تنقطع بأخذِها، بل ينبتُ مكانَها مثلُها.
وقال قتادة: ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾؛ أي: لا يمنعُهم شوكٌ ولا بُعدٌ (^٢).
وقال القتبيُّ: ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾؛ أي: لا يحظرُ عليها بِحظارٍ، كما يحظرُ على بساتينِ الدُّنيا (^٣).
وقيل: فيه دليلٌ على أنَّه لا نومَ في الجنَّةِ؛ لأنَّهم لو ناموا صاروا ممنوعين عن الفواكهِ حالَ نومِهم.
_________________
(١) "بعيد أي" من (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣١٨).
(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٤٤٩).
[ ١٤ / ٢٤٩ ]
﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾: جمع فِراشٍ؛ أي: بعضُها فوقَ بعضٍ، عاليةٍ طويلة، كما يُقال: هذا بناء مرفوع.
قال أبو أمامة الباهليُّ: لو طُرِحَ فراشٌ مِن أعلاها إلى أسفلِها لم يستقرَّ إلَّا بعدَ سبعين خريفًا (^١).
وقيل: أرادَ بالفِراشِ: النِّساء، فإنَّ المرأةَ فِراشُ الرَّجلِ لأنَّه يستفرشُها.
وقيل: كلُّ واحدٍ مِن الزَّوجَيْنِ فراشٌ للآخرِ كما هو لباسٌ له؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾؛ أي: مرتفِعاتِ الأقدار، ودليلُ أنَّ المرادَ ذلك أنَّه قال بعدَه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾.
وقيل: الفُرُشُ على ظاهرِها، ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ يرجعُ إلى قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾. قاله أبو عبيدة (^٢).
وقيل: ذِكْرُ الفُرُشِ ذِكْرٌ لهنَّ؛ لأنَّهنَّ يتكِئْنَ مع الرَّجالِ عليها.
وقال الأخفشُ: أضمرَهُنَّ، ولم يذكرْهُنَّ قبلَ ذلِكَ (^٣).
* * *
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٠٨٢)، وهناد في "الزهد" (٧٩)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٩). ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٩٤٧) من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٠): رواه الطبراني وفيه جعفر بن الزبير الحنفي وهو ضعيف.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٥١).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٣٢).
[ ١٤ / ٢٥٠ ]
(٣٥ - ٣٦) - ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾.
﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾: أي: ابتدأْنا خلقَهُنَّ في الجنَّةِ، ولم يولدْنَ في الدُّنيا، ولم ينتقلْنَ مِن طفولةٍ إلى ما فوقَها.
﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾: أي: خلقناهُنَّ على البكارةِ، وهذا على قولِ مَن يقولُ: الحورُ العينُ غيرُ نساءِ الدُّنيا، فأمَّا على قولِ مَن يقول: إنَّهنَّ المؤمنات، فمعناه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ النَّشأةَ الثَّانية في الآخرةِ، ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ بعدَما كُنَّ ثيباتٍ.
قال الحسنُ: هي العجوزُ الكبيرةُ يحوِّلُها اللَّهُ شابَّةً (^١).
وقال مجاهدٌ: دخلَتْ عجوزٌ مِن بني عامرٍ على عائشةَ ﵂، ودخلَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- فقال: "ما هذه العجوزُ يا عائشة؟ "، فقالَت: إحدى خالاتي يا رسول اللَّه، قال: "أَمَا إنَّ الجنّةَ لا تدخلُها عجوزٌ"، قال: فأخذَ العجوزَ ما أخذَها، فقال رسولُ اللَّه -ﷺ-: "إنَّ اللَّهَ تعالى ينشئهُنَّ خَلقًا غيرَ خلقهِنَّ" (^٢).
_________________
(١) رواه الترمذي في "الشمائل" (٢٤١)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢١٠) من طريق الحسن عن النبي -ﷺ- مرسلًا بنحو الحديث الآتي.
(٢) رواه أبو الشيخ في "أخلاق النبي" (١٨٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٩)، وهو مرسل أيضًا. وروي الحديث من طريق أخرى متصلًا، فقد رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٥٤٥) من طريق مسعدة بن اليسع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة ﵂، وهذا إسناد متصل لكن مسعدة ضعيف كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٤١٩). قلت: ومسعدة هذا قال عنه الذهبي في "الميزان": (هالك، كذبه أبو داود، وقال أحمد: حرقنا حديثه منذ دهر)، وقد رواه هناد بن السري في "الزهد" (٢٤) عن عبدة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلا، وعبدة هو ابن سليمان الكلابي، وهو ثقة ثبت كما في "التقريب"، فهذا وإن كان مرسلًا لكن رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح.
[ ١٤ / ٢٥١ ]
وعن أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قرأ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ قال: "هُنَّ اللَّاتي كُنَّ في دارِ (^١) الدُّنيا عجائزَ عُمْشًا رُمْصًا" (^٢).
وقال الحسنُ: مَن كان مِن ذكورِ أولادِ المشركين فإنَّ اللَّهَ تعالى ينشِئُهم ويجعلُهم خدمَ أهلِ الجنَّة، ومَن كان مِن الإناثِ فإنَّ اللَّهَ ينشئُهنَّ حُورًا عينًا أزواجًا لأهل الجنَّة، ومَن كان مِن أولادِ المسلمين فإنَّه يبعثُه على الحالةِ الَّتي ماتَ عليها، فيكونون مع آبائِهم وأمَّهاتهم، وأمَّا العجائزُ فإنَّ اللَّهَ تعالى ينشئِهُنَّ (^٣).
* * *
(٣٧) - ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾.
قوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾: والعُرُبُ: جمعُ عَرُوْبٍ، وهنَّ المتحبِّبات إلى أزواجهنَّ.
وقال الكسائيُّ: العُرُبُ: المتحبِّباتُ، ذواتُ الغُنْجِ واللَّعِبِ والضَّحكِ (^٤).
وقال قطربٌ: العَرُوبُ: العاشقةُ لزوجِها (^٥).
وقيل: المداعِبة.
وقال أبو سعيدٍ الضَّرير: الملاعِبة.
وقال الخليلُ: أي: الضَّحَّاكةُ الطَّيبةُ النَّفس (^٦).
_________________
(١) "دار" من (أ) و(ف).
(٢) رواه الترمذي (٣٢٩٦)، وقال: حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) رواه الطبري نحوه في "تفسيره" (٢٢/ ٣٢٤ - ٣٢٧) عن ابن عباس ﵄، وعكرمة، وابن بريدة.
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٢٥ - ٣٢٧) عن مجاهد وعكرمة ويحيى.
(٦) انظر: "العين" للخليل (٢/ ١٢٨).
[ ١٤ / ٢٥٢ ]
وقال أبو معاذٍ: هي الَّتي تكلِّم زوجَها بما ينشِّطه في المباشرة.
هذه أقاويل أئمَّةُ اللُّغة، وقد جاء عن أهل التَّفسير نحو ذلك.
قال الضَّحَّاك: ﴿عُرُبًا﴾: متعشِّقاتٍ لأزواجهنَّ (^١).
وقال السُّدِّيّ ﵀: حَسناتِ التَّبعُّل لأزواجهنَّ (^٢).
وقال نضر بن شُميل: راضياتٌ مرضيَّات.
وقال عطاء وعكرمة والرَّبيع: غَنِجات (^٣).
وقال يمان بن رئاب: طاهراتٌ مِن الأدناس.
وقال محمد بن كعب: متطيِّبات.
وقال أبو عبيدة: غير فواحش، وأنشدوا:
وفي الحُدُوجِ عَروْبٌ غَيْرُ فاحشةٍ ريَّا الرَّوادفِ يَعْشَى دونَها البَصَرُ (^٤)
قوله تعالى: ﴿أَتْرَابًا﴾: أي: على ميلادٍ واحدٍ، جمعُ تِرْبٍ، وهي اللِّدَةُ.
وفي بعض الرِّوايات: الرِّجالُ والنِّساءُ على سنِّ ثلاثٍ وثلاثينَ سنة (^٥). وهو عند انتهاءِ الشَّبابِ واجتماعِ العقل.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٢٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٠٩) عن تميم بن حذلم.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٢٤) عن عكرمة وابن بريدة.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٥١)، والبيت للبيد. انظر: "ديوانه" (ص: ٥٦).
(٥) حديث حسن رواه الإمام أحمد في "المسند" (٧٩٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه الترمذي (٢٥٤٥) من حديث معاذ بن جبل ﵁، وقال: هذا حديث حسن غريب، وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة، مرسلًا ولم يسندوه.
[ ١٤ / ٢٥٣ ]
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿أَتْرَابًا﴾: مستوياتٍ (^١) على سنٍّ واحدٍ (^٢).
* * *
(٣٨ - ٤٠) - ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾.
﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: قال الفرَّاء: أي: هذا كلُّه لأصحاب اليمين، وهم الذين يَلُون السَّابقين (^٣).
وقيل: ﴿أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾؛ أي: هذه النِّساء على ميلادِ الرِّجال.
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: أصحابُ اليمين جماعةٌ عظيمة في الآخرة من الأممِ المتقدِّمة.
﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾: أي: جماعةٌ عظيمة في الآخرة منهم مِن هذه الأمَّة.
وروى ابن مسعود ﵁ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال: "إنِّي لأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنَّة"، فكبَّر أصحابُه، ثمَّ قال: "إنِّي لأرجو أنْ تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّةِ"، فكبَّرَ أصحابُه (^٤)، ثمَّ قال: "إنِّي لأرجو أنْ تكونوا شَطْرَ أهلِ الجنَّة"، ثمَّ قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ الآيات (^٥).
وروى عروةُ بنُ رُويمٍ اللَّخمِيُّ: أنَّ رسولَ اللَّه -ﷺ- حين أُنزِلَ عليه صَدْرُ سُورة
_________________
(١) في (ف): "مسنونات".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٢٩).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٢٦).
(٤) "ثم قال إني لأرجو أن يكونوا ثلث أهل الجنة فكبر أصحابه" ليس في (ف).
(٥) رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٤٠٤)، وابن أبي شيبة في "مسنده" (٤٠١)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥٣٣٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٤٣١)، والحاكم في "المستدرك" (٨٧٢١) وصححه. وأصله عند البخاري (٦٥٢٨)، ومسلم (٢٢١) دون ذكر الآية.
[ ١٤ / ٢٥٤ ]
الواقعة، قرأه على مَن حضرَه مِن المهاجرين والأنصار، حتَّى إذا بلغَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ تكلَّم عمرُ ﵁ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ثلَّةٌ مِن الأوَّليْنَ، وقليلٌ منَّا! حتَّى إذا أنزلَ اللَّهُ تعالى بقيَّةَ السُّورة، وجعلَه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ دعا رسولُ اللَّهِ -ﷺ- عمرَ ﵁ فقال: "يا ابن الخطَّاب، قد أنزلَ اللَّهُ تعالى فيما قلْتَ، فجعل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ "، فقالَ عمرُ ﵁: رضيْنا عنِ اللَّهِ تعالى، ونصدِّقُ نبيَّنا، ثمَّ قال -ﷺ-: "مِن آدمَ إليَّ ثُلَّةٌ، ومنِّي ثُلَّةٌ، ولن نستكمل ثلتَّنا (^١) حتَّى نستعين بِرِعاءِ الإبلِ السُّودان ممَّن يقولُ منهم: لا إله إلَّا اللَّه" (^٢).
* * *
(٤١ - ٤٤) - ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾: وهم الصِّنْفُ الثَّالثُ مِنَ الأزواجِ الثَّلاثةِ.
﴿فِي سَمُومٍ﴾: هي الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتي تدخلُ في مسامِّ البدنِ، وهي خروقُه، ومنه: السُّمُّ؛ لأنَّه يسري في المسام.
﴿وَحَمِيمٍ﴾: الحميمُ: الماءُ الحارُّ الَّذي اشتدَّ حرُّه، يعني: إذا نالَهم حرُّ النَّارِ، وأحرقَ أكبادَهُم وأجسادَهُم، فزعوا منه إلى الماءِ، فإذا هو شديدُ الحرارةِ قد انتهى غليانُه، فلا يصلُ إلى رَوحٍ ولا إلى بردٍ، بل مِن حرِّ إلى ما هو أشدُّ منه.
_________________
(١) في جميع النسخ: "ولا تتم ثلة"، والمثبت من المصادر، وستأتي.
(٢) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" (٥٢٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٠/ ٢٢٩) من طريق عروة بن رويم عن جابر ﵁. قال ابن كثير عند هذه الآية: في إسناده نظر. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٨) إلى ابن أبي حاتم عن عروة بن رويم مرسلًا.
[ ١٤ / ٢٥٥ ]
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: مِن دُخانٍ أسودَ شديدِ السَّواد (^١). وكذا قال أبو مالك ومجاهد وقتادة وابن زيد (^٢).
﴿لَا بَارِدٍ﴾: كَبْردِ ظِلالِ الشَّمس فيُتروَّحَ به ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: فيه خيرٌ يُنْتَفعُ به، وهو كقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٢٨ - ٣١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
وقال أبو سعيد الضَّرير: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ﴾: من ظلمة، ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾: الكريمُ: ما كُرِّمَ على غيرِه لانتفاعِه به.
وقال قتادة ﵀: لا بارِدِ المنزلِ، ولا كريمِ المنظر (^٣).
وقال ابن جريج: لا بارِدِ المنظرِ، ولا كريمِ المدخل (^٤).
وقال ابن بريدة (^٥): ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ قال: جبلٌ في جهنَّم يُدعى يحموم، يستغيثُ إلى ظلِّه أهلُ النَّارِ، فإذا أُذِنَ لهم أنْ يأتوه لم يجدوه باردًا ولا كريمًا، فكان ما لقوا فيه مِن العذابِ أشدَّ ممَّا كانوا فيه.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣٥ - ٣٣٧) وزاد عليهم عكرمة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣٧).
(٤) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٤٥٦)، وفيه: (لا بارد المدخل)، بدل "لا بارد المنظر".
(٥) في (أ): "يزيد" وهو محرف عن (زيد) كما سيأتي، فقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢٥/ ٤٨٦) (طبعة دار التفسير)، والقرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ٢٠٢) عن ابن زيد. وجاء في "تفسير الثعلبي" (٩/ ٢١٣) (طبعة دار إحياء التراث العربي)، و"تفسير السمعاني" (٥/ ٣٥٢): ابن بريدة، وجاء في "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٤٦): (وقال ابن بريدة وابن زيد أيضًا في كتاب الثعلبي. . .) وذكره.
[ ١٤ / ٢٥٦ ]
(٤٥ - ٤٦) - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾: أي: إنَّ هؤلاء كانوا قبلَ أنْ يصيروا إلى ما صاروا إليه متنعِّمين في خلافِ ما أحلَّ اللَّهُ لهم، قد أطلقوا أنفسَهم يعملون ما يشتهون، ولا يُكِدُّون أنفسَهم في عبادةِ اللَّهِ تعالى والعملِ بطاعتِه، ولا ينزعون عمَّا حظرَه اللَّهُ عليهم.
وقال ابن عبَّاس: ﴿مُتْرَفِينَ﴾: منعَّمين (^١). والتَّرفُّه: النِّعمة.
﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: أي: يقيمون ويديمون على الإثمِ العظيمِ، وهو الشِّركُ. قاله قتادة والضَّحَّاك والكلبيُّ وابن زيد والحسن (^٢).
وقال مجاهدٌ: هو الذَّنب العظيم (^٣). وهو قول قطرب والخليل (^٤).
وقد بلغَ الغلامُ الحِنْثَ؛ أي: حدَّ البلوغِ، الذي يأثم بما فعلَه مِن الذَّنب.
وقال الشَّعبيُّ: هو اليمين الغموس (^٥).
وقيل: يُسمَّى الشِّركُ حِنْثًا لأنَّه نقضُ اليمين التي حلفوا بها، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢].
وقيل: هو إثمهم بيمينهم الكاذبة: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٣٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠) عن الضحاك وقتادة وابن زيد.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٣٩). ولم يفرق الطبري بين هذا القول وبين ما سبقه من قول قتادة والضحاك وابن زيد، فقد قدم للجميع بقوله: يعني على الذنب العظيم وهو الشرك باللَّه.
(٤) انظر: "العين" للخليل (٣/ ٢٠٦).
(٥) انظر: "النكت والعيون" للماوردي (٥/ ٤٥٧)، و"البسيط" (٢١/ ٢٤٢).
[ ١٤ / ٢٥٧ ]
(٤٧ - ٥٤) - ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾.
﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: أي: كانوا ينكرون البعثَ بعدَ الموتِ، استفهامٌ بمعنى النَّفي.
﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾: أي: الأمم المتقدِّمة، وهذه الأمَّة ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ قيل: أي: في الدُّنيا.
وقيل: أي: في القبور. وهذا قول الحسن (^١).
﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: عندَ اللَّهِ، وهو يوم القيامة، و﴿إِلَى﴾ غاية على هذا.
وقيل: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾: لمحشورون يومَ القيامة، و﴿إِلَى﴾ بمعنى اللَّام أو بمعنى (في) على هذا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾: بدل ما يأكلُه أهل الجنَّة مِن الفواكه ولحوم الطير.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾: أي: مِن شجر الزَّقوم، وهي جمعُ شجرةٍ، فلذلك أنّث.
﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾: أي: على الأكل، وقيل: أي: على الزَّقُّوم ﴿مِنَ الْحَمِيمِ﴾؛ أي: الماء الحار، إذا جاعوا فاستطعمُوا أُطعِموا الزَّقُّوم، وإذا عطشوا فاستسقَوا سُقوا الحميم.
* * *
(٥٥) - ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾.
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٩/ ٤٩٨) دون نسبة.
[ ١٤ / ٢٥٨ ]
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِن﴾: قرأ نافعٌ وعاصمٌ وحمزةُ بضمِّ الشِّين، والباقون بفتحها (^١)، وهما للمصدر هاهنا.
و﴿شُرْبَ﴾ بنصب الباء لنزعِ الخافض الكاف (^٢)؛ أي: كشربِ الهيم.
وهي جمعُ الأَهْيَم والهَيْماء مِن الإبل، وهي التي أخذَها الهُيَام، وهو داءٌ مِن العطشِ، يَشربُ فلا يَروَى، ولا يزالُ يشربُ حتَّى يتلف.
وقال الفرَّاء والكسائيُّ رحمهما اللَّه: هي الرَّمْلُ (^٣). وعن ابن عبَّاس ﵄ كذلك (^٤).
وقال ابن عيينة: هي الرَّمل، أَلَا ترى أنَّك تصبُّ عليه الماءَ فلا ترى أثرَه (^٥).
وقال قائلون: شجرُ الزَّقُّوم: ثمرُها كرؤوسِ الشَّياطين، مملوءة مِن السُّمِّ، فإذا أكلوها استغاثوا، فيُغاثون بماء كالمهلِ.
وقال مقاتلٌ: الزَّقُّومُ: شجرٌ نابتٌ في أصل الجحيم، فإذا طُرِحوا فيها هووا فيها أربعين خريفًا حتَّى يأتوها، فيأكلون منها، فتمتلِئ بطونُهم، ثمَّ تصعدُ بهم النَّارُ إلى أعلاها، ثمَّ يهوون إلى الشَّجرة، ثمَّ تصعدُ بهم، فهذا دأبُهم ودأبُها.
وقال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: يُلقَى على أهل النَّار الجوع، فينادون ألفَ سنةٍ: واجُوعاه،
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧).
(٢) "الكاف" ليس في (أ)، "الخافض" ليس في (ف).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٢٨).
(٤) رواه هناد بن السري في "الزهد" (٢٩٥). وذكره الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٤٣) دون نسبة. فقال: "ويقال: إن الهيم: الرمل، بمعنى أن أهل النار يشربون الحميم شرب الرمل الماءَ".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢١٤).
[ ١٤ / ٢٥٩ ]
ثمَّ يُنطَلَقُ بهم إلى الزَّقُّوم، فإذا أكلوه غَصُّوا به، فيُنَادُون ألفَ سنةٍ: واعطشاه، ثمَّ يُنْطَلقُ بهم إلى الحميم، فذلك قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾؛ أي: على الجوعِ (^١).
ويُقال: على الأكل.
وقال السُّدِّيُّ: بلغني أنَّ أهلَ النَّارِ إذا أكلوا الزَّقُّوم غصُّوا، فذكروا أنَّهم كانوا في الدُّنيا إذا أكلوا فغَصُّوا سوَّغوه بالماء، فيُنْطَلقَ بهم إلى الحميم ليشربوا، فإذا رفعَ أحدُهم الماءَ إلى فيه سقطَ لحمُه في الإناءِ، ثمَّ يعيدُه اللَّهُ تعالى (^٢).
* * *
(٥٦ - ٥٩) - ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.
﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾: أي: طعامُهم وشرابُهم يومَ الجزاء والحساب.
﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾: وأنتم بهذا مقرُّون ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾؛ أي: فَهَلَّا تصدِّقون بالبعث بعدَ الموت، وهو كابتداء الإنشاء، وهذا خطابٌ لمشركي مكَّة.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾: أي: أخبروني عمَّا تُلقون مِن المنيِّ في أرحام نسائِكم.
_________________
(١) لم أقف عليه على جابر، لكن روي معناه من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا وموقوفًا، فالمرفوع رواه الترمذي (٢٥٨٦) ولفظه: "يلقى على أهل النار الجوع فيَعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغَصَص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم. . " الحديث. وقد تقدم بتمامه مع تخريجه وبيان حاله عند قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
(٢) لم أقف عليه. وانظر حديث أبي الدرداء السابق.
[ ١٤ / ٢٦٠ ]
﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾: أي: تجعلونَه (^١) إنسانًا، وقيل: أأنتم تصوِّرُونه.
﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: وإذا كانَ اللَّهُ قادرًا على أنْ ينقلَ المنيَّ إلى هذه الصُّورة العجيبة فهو قادرٌ على إحيائِه بعدَ موتِه.
* * *
(٦٠ - ٦١) - ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾: بعدَ أنْ خلقناكم مِنَ النُّطفةِ.
قال مجاهدٌ: قدَّرنا بالتَّعجيل والتَّأخير (^٢)؛ أي: نعجِّلُ بعضًا ونؤخِّرُ بعضًا، على ما علمْنا وأردْنا لا يُعْتَرَضُ علينا فيه.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: أي: لا يفوتُنا أحدٌ، ولا يغلبنا أحدٌ أنْ نبدِّلَ أمثالَكم.
قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾؛ أي: الأعمارَ إلى الموتِ، فمنكم مَن يعيشُ إلى أنْ يبلغَ الهرمَ، ومنكم مَن يموتُ شابًّا وصبيًّا وصغيرًا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾؛ أي: عاجزين على أنْ نهلِكَكم ونأتِ بخلقٍ خيرٍ (^٣) منكم وأطوعَ (^٤).
وقال السُّدِّيُّ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ يعني: في حواصلِ طيرٍ سُودٍ، تكون ببَرَهوت كأنَّها الخطاطيف (^٥).
_________________
(١) في (أ): "تخلقونه".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٤٥).
(٣) في (ر): "وأن نخلق خيرًا".
(٤) انظر: "تنوير المقباس" للفيروزآبادي (ص: ٤٥٤ - ٤٥٥).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢١٥) عن سعيد بن المسيب.
[ ١٤ / ٢٦١ ]
وبرهوتُ وادٍ باليمنِ.
وقال الحسنُ ﵀: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾؛ أي: بمغلوبِيْنَ على أنْ نخلُقَ خَلقًا سواكم (^١).
نظيرُه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦].
وقيل: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾؛ أي: نُفنيَكم، ونأتِيَ بقومٍ آخرين، وناسٍ مثلِكم مِن جنسكم ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾: نبتدئكم، ونبدِّل خلقَكم، وننقل صوَركم عمَّا أنتم عليه الآن إلى صورةٍ غيرها أنتم غيرُ عالمين بها، حتَّى نمسخَكم قردةً وخنازير، وممَّا شئنا ممَّا نعلمه نحن ولا تعلمونه أنتم؛ لأنَّ مَن قدرَ على أنْ يخلقَ مِن المنيِّ إنسانًا فينتقلَ المنيُّ إلى صورةِ الإنسان قدرَ على أنْ يخلقَ مثلَه أو ينقلَ صورَتَه إلى غيرها.
وقيل: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ تمامُ الكلام؛ أي: لا يفوتنا أحدٌ، ولا يسبقنا إذا أردنا إماتته ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ هذا متَّصلٌ بقوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾؛ أي: لنبدِّل بعدكم أمثالكم؛ أي: بعد إماتتكم قرنًا بعد قرنٍ (^٢) إلى انقضاء الدُّنيا ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ بعد فناء الدُّنيا في الآخرة؛ أي: يبعثكم بعدَ الموت خَلْقًا جديدًا فيما لا تعلمون من الصُّور والهيئات (^٣)؛ لأنَّ السُّعداء يُبعَثون على أحسنِ الصُّور، والأشقياء على أقبحِها، وهم لا يعلمون بذلك اليوم.
* * *
_________________
(١) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" (٥/ ١٤٤) دون نسبة، وذكر الواحدي في "البسيط" (٢١/ ٢٤٨) عن الحسن قال: (نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم).
(٢) في (أ): "آخرين إلى وقت" بدل: "بعد قرن".
(٣) في (ر): "والصفات".
[ ١٤ / ٢٦٢ ]
(٦٢ - ٦٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: قال مقاتلٌ ﵀: أي: الخلقَ الأوَّل، وهو خلقُ آدم، لا تسألُ أحدًا مِنَ النَّاس إلَّا أنبأكَ أنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ مِن ترابٍ (^١).
وقال مقاتل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾: أنَّ اللَّهَ خلقَكم نطفةً، ثمَّ علقةً، ثمَّ مضغةً (^٢).
قال الحسنُ ﵀: ولقد علمْتُم أنَّا خلقناكم ولم تكونوا شيئًا، ثم جعلناكم لحمًا ودمًا وعظمًا وروحًا (^٣).
﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾: فهَلَّا تتأمَّلون فيه، فتعلَموا وتتَّعظِوا.
وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾: حاجَّهم بأمرٍ آخرَ فقال: أخبروني عمَّا تحرثون مِن أراضيكم، فتطرحون فيها البَذْر.
﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾: أي: تنبتونه وتجعلونَه (^٤) زرعًا يكون فيه الحبُّ والسُّنبل.
﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾: أي: أم نحن نفعلُ ذلك؛ أي: أنتم مقرُّون لو جهدْتُم وجهدَ جميعُ العالم لم يتهيَّأ لكم ولهم إنباتُ ذلك وإخراجُه، فقد علمْتُم أنَّ اللَّهَ تعالى يفعلُ ذلك، ومَن قدرَ على هذا كيف أحلْتُم قدرَتَه على إخراجِ الموتى مِن الأرضِ أحياءً بعدَ أنْ صاروا رَميمًا.
* * *
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٤٧) عن قتادة.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٢٢٢).
(٣) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٤/ ٢٢٢) دون نسبة.
(٤) في (أ): "وتخلقونه".
[ ١٤ / ٢٦٣ ]
(٦٥ - ٦٧) - ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾؛ أي: هشيمًا بآفَةٍ، فلا يُنتَفعُ به في مَطعَمٍ.
وقال مرَّةُ الهمذاني: أي: تبنًا (^١) لا قمحَ فيه (^٢).
والحَطْمُ: الكَسْرُ، والحُطَامُ: ما كسَرَتْهُ الأرجُلُ.
﴿فَظَلْتُمْ﴾: أي: فَظَلْتُم النَّهارَ كلَّهُ، أُسقِطَتْ إحداهُما تخفيفًا، كما يُقال: أحَسْتُ بالشَّيء؛ أي: أحسسْتُ به.
﴿تَفَكَّهُونَ﴾: قال الخليلُ: أي: تتعجَّبون (^٣).
وقال قطرب: أي: تندمون. وهو قول الحسن وقتادة (^٤).
﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾: أي: يقولون: إنَّا لمعذَّبون، والغرامُ: اللُّزوم، والمُغرَم: الذي أُلزِمَ العذاب.
وقيل: المُغرَمُ: الذي ذهبَ مالُه بغيرِ عِوضٍ (^٥). وهو غرام: ما أنفقوا ولم يحصلوا منه على شيءٍ.
قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾: أي: لم يصبْنا ذلك عقوبةً على جُرْمِنا، بل هو بحرمانِنا وعدم جدِّنا.
_________________
(١) في (ر): "نبتًا".
(٢) في (أ): "لا حب قمح فيه"، والمثبت موافق لما ذكره الثعلبي عن مرة الهمداني في "تفسيره" (٩/ ٢١٥).
(٣) انظر: "العين" للخليل (٣/ ٣٨١).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٥٠).
(٥) بعدها في (أ): "منه".
[ ١٤ / ٢٦٤ ]
يقول اللَّهُ تعالى: لم أفعلْ هذا بكلِّ زروعِكُم، بل أُنبتُها بعدما كانت باليةً في الأرض، فلا تُنكروا قدرتي على إخراجِكُم مِن الأرضِ بعدَ بلائِكُم فيها.
وروى أنسُ بنُ مالكٍ ﵁، عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه مَرَّ بأرضٍ للأنصارِ فقال: "ما يمنعُكُم مِنَ الحَرْثِ؟ "، قالوا: الجُدُوْبَةُ، قال: "فلا تفعلوا؛ فإنَّ اللَّه تعالى قال: أنا الزَّارع، إنْ شئْتُ زرعْتُ بالماءِ، وإنْ شئْتُ زرعْتُ (^١) بالرِّيْحِ، وإنْ شئْتُ زرعْتُ بالبَذْرِ"، ثمَّ تلا هذه الآية (^٢).
* * *
(٦٨ - ٧٠) - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾: ثمَّ حاجَّهم بحجَّة أخرى فقال: أخبروني عن الماءِ الذي تشربونه لتُحيوا به أنفسَكم، وتُسكِّنوا به عطشَكم ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾؛ أي: السَّحاب، وقيل: هو السَّحابُ الأبيض.
﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾: وأنتم معترفون بعجزكم عن إنزالِه منه، وبقدرتي عليه.
﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾؛ أي: مِلْحًا مرًّا، لا تنتفعون به في شُرْبٍ (^٣) ولا زرعٍ ولا غرسٍ.
وقال الأخفشُ: والأُجاجُ: أشدُّ الماءِ مُلوحة (^٤).
_________________
(١) "زرعت" ليس في (أ).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢١٦)، والقرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٣) ولم أجده مسندًا.
(٣) في (أ): "مشرب".
(٤) وذكر نحوه الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ١٢٩)، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٥٢).
[ ١٤ / ٢٦٥ ]
﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾: أي: فَهَلَّا تشكرون لي بإخلاصِ العبادةِ، فَلِمَ تنكرون قدرتي على إحياء الموتى؟
* * *
(٧١ - ٧٢) - ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾: وهذه محاجَّة أخرى في تقريرِهم بنعمِه وتنبهيهِم على قدرَته.
يقول: أخبروني عن النَّار الَّتي تورونَ تُظْهِرونها بالقَدْحِ مِن الشَّجرِ الرَّطْبِ ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾؛ أي: خلقْتُم الشَّجرة الَّتي تستخرجونَ منها النَّار ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾؛ أي: الخالقون.
وقد وَرَى الزَّنْدُ -أي: خرجَتْ نارُه- وَرْيًا، وأَوْراها القادِحُ يُوْرِي إيراءً؛ أي: أخرجَها.
وشجرُ النَّارِ كانت معروفةً عندهم، وكانوا يقولون: في كلِّ شجرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ (^١).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ما مِن شجرٍ ولا عودٍ إلَّا وفيه النَّار، سوى العُنَّاب، فإنَّ عودَه لا نارَ فيه؛ قال اللَّه تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] (^٢).
_________________
(١) انظر: "الأمثال" لأبي عببد (ص: ١٣٦)، و"الكامل" للمبرد (١/ ١٧٢)، و"المستقصى في أمثال العرب" (٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، وفيه: المرخ والعفار: هما شجرتان من أسرع الشجر خروج نار، والاستمجاد: الاستكثار من المجد، وهو كثرة الشرف، ومعناه: أنهما أخذا الفضل وذهبا بالمجد. يضرب في تفضيل بعض القوم على بعض إذا كانوا كلهم ذوي خير، ولبعضهم مزية وتقدُّم ليس للآخرين.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٥٢٨) عن ابن عباس ﵄، والثعلبي في "تفسيره" =
[ ١٤ / ٢٦٦ ]
(٧٣) - ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾؛ أي: تذكِّركم نارَ جهنَّم فتتَّقونها، فإن من آذاهُ أكلُ الطَّعامِ الحارِّ، وعجزَ عن طولِ المُكْثِ في الحمَّام الذي اتَّخذَه للاسترواحِ والاستطهارِ لِمَا أنَّه سُخِّنَ بالنَّار، كيفَ يصبرُ على طولِ المُكْثِ في عينِ النَّارِ.
﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾: قال ابنُ عبَّاس ﵄ ومجاهد وقتادة والضَّحَّاك: أي: المسافرين (^١).
وقد أقوى؛ أي: نزلَ القِيَّ، وهو القَفْرُ، وأَقْوَتِ الدَّارُ؛ أي: خَلَتْ عن أهلِها.
ومعناه: يتمتَّعونَ بها اصطلاءً مِن البرد، واستضاءةً مِن الظُّلمة، وإنضاجًا للطَّعام، وتجفيفًا للثِّياب، واستئناسًا بنورِها بلقاء الأصحاب.
وقدَّمَ التَّذكرة على المتاع لأنَّه أهمُّ، وقد غفلَ النَّاسُ عنها.
وإنَّما خصَّ المسافرين بالذِّكْرِ مع أنَّ المقيمين متمتِّعون بها أيضًا؛ لأنَّ حاجةَ المسافر إليها أمسُّ (^٢)، فدخلَ المقيمُ فيها بطريقِ الأولى.
وقيل: هو مِن بابِ الاكتفاءِ بذكْرِ أحدِ الشَّيئين والمرادُ كلاهما، وهو كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبردَ، فاكتفى بذِكْرِ أحدهما.
_________________
(١) = (٨/ ١٣٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٢٩)، عن للحكماء، وعزاه الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٣٤) للكلبي. فلعله مما روي عن الكلبي عن ابن عباس. والعناب: شجر شائك من الفصيلة السدريَّة، يبلغ ارتفاعه ستَّة أمتار ويُطلق العنَّاب على ثمره أيضًا، وهو أحمر حُلو لذيذ الطَّعم على شكل ثمرة النَّبق. انظر: "المعجم الوسيط" (مادة: عنب).
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٥٦).
(٣) في (أ): "أمس به".
[ ١٤ / ٢٦٧ ]
وقيل: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾: المُقْوِي: ذو القوَّة؛ أي: للمطيقين ذلك مِن المسافرين والمقيمين، فكانَ الاسمُ للكلِّ على هذا.
* * *
(٧٤ - ٧٧) - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي: فنزِّهِ اللَّهَ يا محمَّدُ عمَّا أضافَه المشركون إليه مِن الأندادِ، ومِن العَجْزِ عن إحياء الموتى يومَ المعادِ، بذِكْرِكَ إيَّاه باسم العظيم (^١)، وكلُّ أسمائِه عظيمة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: قال الفرَّاء: (لا): نفيٌ؛ أي: ليس الأمرُ كما تقولونَ، ثمَّ قال: ﴿أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (^٢).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهد: وهو قسمٌ بنزولِ القرآن نجومًا، كلُّ نجمٍ في أمرٍ وحادثةٍ في سنينَ كثيرة (^٣).
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾: أي: إنه لقسم عظيمٌ؛ لأنَّ المُقْسَم به عَظيمٌ، لو تَعلَمون ذلك لانتفعْتُم به، هذا مُضمَر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾: أقسمَ بالقرآنِ على القرآنِ أنَّه كريمٌ.
وقال قتادة، ومجاهدٌ في رواية: (مواقع النجوم): مغاربُها، أقسمَ اللَّهُ بها لِعِظم منافعِها للعباد في مصالح العالم المتعلِّقة بها (^٤).
_________________
(١) في (ف): "بالاسم الأعظم"، وفي (أ): "بالاسم العظيم".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٠٧)، و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ٢١٧ - ٢١٨).
(٣) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٤) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).
[ ١٤ / ٢٦٨ ]
وقال الحسنُ ﵀: (مواقع النجوم): مساقطُها إذا انتثرَتْ لقيام السَّاعة تعظيمًا لذلك اليوم، وتنبيهًا على قدرة اللَّه تعالى، وتذكيرًا بذلك اليوم (^١).
وقيل: (مواقع النجوم): مواقعُ نفعِها منَّا بالاهتداء بها في ظلمات البرِّ والبحر، ومعرفةِ مقادير السَّاعات في اللَّيل والنَّهار، وأوقات النُّجعة وأنواء الأمطار، مِن قولهم: لهذا عندي موقع.
وفي قراءة حمزة والكسائيُّ: ﴿بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ (^٢)، وهو يؤدِّي عن الجمع في مثله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: عندَ اللَّهِ؛ لأنَّه كلامُه ووحيُه، وكريمٌ على رسولِه؛ لأنَّه مِن عندِ ربِّه، وكريمٌ على المؤمنين؛ لأنَّ فيه شفاءَهم وهداهم وبشارتهم، وكريمٌ في نفسِه؛ لأنَّه كثيرُ الخيرِ، شريفٌ جليلٌ نافعٌ معجِزٌ، ومِن حقِّه أنْ يُكْرَمَ ويُعظَّمَ ويُستفادَ ويُغتَنمَ ويُعمَلَ به ويُعْلَمَ.
وقال ابنُ حبيبٍ: الكريمُ مِن العبادِ: الصَّفوح المساهل، والقرآنُ كريمٌ لغلبَةِ يُسْرِه على عُسْرِه.
* * *
(٧٨ - ٧٩) - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.
﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾: أي: كتابٍ عندَ اللَّه تعالى مَصُونٍ ومخزونٍ عن أنْ ينالَه ما ينالُ كُتبَ العِباد من الأذى والقَذَر والقَذَى، وهذا الكتابُ المكنونُ هو اللَّوح المحفوظ؛ قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] وهو أمُّ الكتاب؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ [الزخرف: ٤].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٦١).
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧).
[ ١٤ / ٢٦٩ ]
وقيل: ﴿مَكْنُونٍ﴾: مخزونٍ عن البشرِ، لا يعلِّمُهُ اللَّهُ تعالى إلَّا لملائكتِه، ثمَّ أَطْلعَ اللَّهُ عليه مَن شاءَ مِن رسلِه.
وقيل: ﴿مَكْنُونٍ﴾: لا يصلُ إليه مِن الملائكةِ إلَّا مَن أذنَ اللَّهُ له في المصيرِ إلى موضعِه، وقالوا: إنَّ إسرافيلَ هو الموكَّل بذلك.
قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: قيل: هو صفةُ الكتابِ الذي عندَ اللَّه؛ أي: لا يمسُّه إلَّا ملائكتُه المطهَّرون مِن أدناسِ الخطايا.
وقيل: هو صفةُ القرآن؛ أي: لا يُنزلُه إلَّا الملائكة المطهَّرون، ولا يصل إليه في الإنزالِ الشَّياطينُ النَّجسون (^١).
وقال قتادةُ: لا يمسُّ القرآنَ عندَ اللَّهِ تعالى إلَّا المطهَّرون مِن الملائكةِ، فأمَّا عندكم فيمسُّه المشرك والمنافق (^٢).
وقيل: هو على الحُكم؛ أي: ولا ينبغي أنْ يمسَّه إلَّا المطهَّرون مِنَ الأحداث والجنابة والحيض والنِّفاس.
وفي كتاب النَّبيِّ -ﷺ- لِعَمرِو بنِ حزمٍ إلى أهل اليمن: "لا يمسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ" (^٣).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "المنجسون".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣١٤٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٦٦).
(٣) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ١٩٩)، ومن طريقه أبو داود في "المراسيل" (٩٣) عن عبد اللَّه بنِ أبي بكرِ بن حَزْمٍ: (أنَّ في الكتاب الذي كَتبَه رسولُ اللَّهِ -ﷺ- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ. . .) فذكره، وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (٩٢) (٩٤) من طرق أخرى مرسلا وقال: روي هذا الحديث مسندًا ولا يصح. وهو جزء من كتاب كتبه الرسول -ﷺ- إلى أقيال اليمن، ورواه بطوله موصولًا ابن حبان في "صحيحه" (٦٥٥٩)، والحاكم في "المستدرك" (١٤٤٧) وصححه، عن أبي بكرِ بن محمدِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ، =
[ ١٤ / ٢٧٠ ]
وعن علقمة والأسود قالا: أتينا سلمانَ لنقرأَ عليه وقد جاءَ مِنَ الغائط، فقلْنا له: توضَّأْ لنقرأَ عليك، فقال: اقرؤوا؛ فإنِّي لسْتُ أمسُّه، إنَّه لا يمسُّه إلَّا المطهَّرون (^١).
وقال الكلبيُّ ﵀: لا يقرؤُه إلَّا الموحِّدون (^٢).
وقال الفرَّاءُ: لا يجدُ طعمَه ونفعَه إلَّا مَن آمنَ به (^٣).
_________________
(١) = عن أبيه، عن جدِّه: أن رسول اللَّه -ﷺ- كتب إلى أهل اليمنِ بكتابٍ فيه الفرائضُ والسُّنن والدِّيَات، وبَعَث به مع عمرو بن حزم، فقُرئَتْ على أهلِ اليمن، وهذه نُسختُها. . .) الحديث. وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث. وقد أخطأ بعض الرواة فسماه سليمان بن داود، ينظر تفصيل ذلك في "الجوهر النقي" لابن التركماني (٤/ ٨٩). قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ٤٧١): وكتابُ عمرو بن حَزْمٍ هذا قد تَلقَّاه العلماءُ بالقَبولِ والعملِ وهو عندهم أشهرُ وأظهرُ من الإسنادِ الواحدِ المتَّصل. وقال في "التمهيد" (١٧/ ٣٩٧): والدليل على صحة كتاب عمرو بن حزم تلقي جمهور العلماء له بالقبول ولم يختلف فقهاء الأمصار بالمدينة والعراق والشام أن المصحف لا يمسه إلا الطاهر على وضوء. قلت: وله شاهد من حديث ابن عمر ﵄ رواه الطبراني في "الكبير" (١٣٢١٧)، و"الصغير" (١١٦٢)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٧٦): رجاله موثقون. وقال الحافظ في "التلخيص الحبير" (١/ ١٣١): إسناده لا بأس به، وذكر الأثرم أن أحمد احتج به.
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٣٢٥)، والدارقطني في "سننه" (٤٤٢)، والحاكم في "المستدرك" (٦٥١)، وابن حزم في "المحلى" (١/ ٨٣)، جميعهم عن علقمة وحده. وروي من طريق علقمة والأسود مختصرًا بلفظ: أن سلمان قرأ عليهما بعد الحدث. رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١١٠١)، والدارقطني في "سننه" (٤٤٦). ورواه الدارقطني أيضًا من طريق آخر وقال: كلها صحاح.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢١٩)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٤٦٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٣٠).
[ ١٤ / ٢٧١ ]
وقال الحسينُ بنُ الفضل: أي: لا يعرفُ تفسيرَه وتأويلَه إلَّا مَن طهَّره اللَّهُ تعالى مِن الشِّركِ والنِّفاقِ (^١).
وقال أبو بكر الورَّاقُ: لا يوفَّقُ للعملِ به إلَّا السُّعداء (^٢).
* * *
(٨٠ - ٨١) - ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: هو مُنزَّلٌ مِن مالكِ الخلائقِ أجمعين.
قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾: أي: أفبهذا القرآن أنتم كافرون، مدافعون الإيمان به بالعلل الكاذبة مِن غير بيانٍ ولا برهانٍ، بل إلفًا للعادةِ، وإعراضًا عن النَّظر.
والادِّهان: اللِّين والمصانعة.
وقال قطرب: المُدْهِنُ: المصانع (^٣).
وقال أبو سعيد: المُدْهِنُ: ذو الوجهَيْن.
وقال الأصمُّ: المُدْهنُ: الذي لا يفعلُ ما يحقُّ عليه، ويدفعُه بالعللِ، طلبًا لمرضاةِ جارٍ أو قريبٍ أو نحو ذلك.
والخطاب لمشركي العرب، ولا يَبعُد أنْ يكون فيهم مَن يجاهر بالكفر، ومنهم مَن يداهن ويعلِّل.
يقول: أفبهذا القرآنِ مع وضوحِ إعجازِه واشتمالِه على أنباءِ الغيبِ تداهنون المؤمنين، وتؤخِّرون الإيمان؟ عجبًا لكم ولمَا تفعلون! استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢١٩).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢١٩).
(٣) في (ف): "الصانع الحاذق الرقيق اليدين".
[ ١٤ / ٢٧٢ ]
(٨٢) - ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: أي: وتجعلونَ ما رزقَكُم اللَّهُ مِن العلمِ الذي أنزلَه إليكم في القرآنِ تكذيبًا لربوبيَّته وقدرتِهِ على البعثِ بعدَ الموتِ، هذا معنى قولِ الحسن، فإنَّه قال: خسرَ قومٌ لا يكون حظُّهم مِن كتابِ اللَّهِ تعالى إلَّا التَّكذيب (^١).
وتقديرُه: وتجعلون حظَّكم مِن القرآنِ التَّكذيبَ.
وقيل: معناه: وتجعلون شكري على رزقي إيَّاكم تكذيبَكم بقدرتي على مثلِ ما رُزِقْتموه.
وقال الفرَّاءُ: هو كقولك: جعلْتَ زيارتي إيَّاكَ أنَّك استخففْتَ بي، وتقديرُ قولِه: ﴿رِزْقَكُمْ﴾؛ أي: رزقي إيَّاكم، والشُّكرُ مضمَرٌ (^٢).
وروي أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قال يومًا وقد مُطِروا مِن ليلتِهم: "يقولُ اللَّهُ تعالى: أصبحَ مِن عبادي مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكبِ، وكافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكبِ، أمَّا مَن قالَ: مُطِرْنا بفضلِ اللَّهِ ورحمتِه، فذلكَ مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مُطِرنا بِنَوءِ كذا، فذلكَ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب" (^٣).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٧٢).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٣٠). وقوله: "الشكر مضمر" ليس من كلام الفراء، ولا يظهر له وجه، ولعل ذكره هنا سهو أو سبق نظر، فإن الظاهر أن يذكر عقب القول السابق: "وتجعلون شكري على رزقي إياكم. . . ".
(٣) رواه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١)، من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁. وجاء في (أ): "بالكواكب" في المواضع الأربعة السابقة.
[ ١٤ / ٢٧٣ ]
وقال عليٌّ ﵁: نزلَتِ الآية في هذا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾؛ أي: شكرَكُم، فيقولون: مُطِرْنا بنوء كذا (^١).
ورُويَ: أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- خرجَ في بعضِ أسفارِه، فعطشَ أصحابُه، واحتاجوا إلى الماءِ، وذكروا ذلك للنَّبيِّ -ﷺ- فقال: "أرأيْتُم إنْ دعوْتُ فسُقِيْتُم فلعلَّكُم تقولون: سُقِيْنا بِنَوءِ كذا"، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما هذا بحينِ الأنواءِ، فصلَّى ركعتَيْنِ ودعا ربَّه، فهاجَتْ ريحٌ، ثمَّ هاجَتْ سحابةٌ، ومُطروا حتَّى سالَت الأوديةُ، وملؤوا الأسقيةَ، ثمَّ ركبَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-، فمرَّ برجلٍ يغرِفُ بقدحٍ له، وهو يقول: سُقِيْنا بِنَوْءِ كذا، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (^٢).
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: سمعْتُ النَّبيَّ -ﷺ- يقولُ: "لو حبسَ اللَّهُ القَطْرَ عن أمَّتي عشر سنين، ثمَّ أنزلَ الماءَ، لأصبحَتْ طائفةٌ منهم يقولون: سُقِيْنا بِنَوْءِ كذا" (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢٩٥) مرفوعًا، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث إسرائيل، ورواه سفيان الثوري، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليٍّ نحوه ولم يرفعه. قلت: ونزول الآية في هذا السبب رواه مسلم (٧٣) عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد النبي -ﷺ-، فقال النبي -ﷺ-: "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة اللَّه، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا"، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ -حتى بلغ- ﴿رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢١)، والقرطبي في "تفسيره" (٢٠/ ٢٢٦) بلا إسناد.
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١١٠٤٢)، والنسائي (١٥٢٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٦١٣٠)، إلا أنه في رواية أحمد وابن حبان: "سبع سنين"، وفي رواية النسائي: "خمس سنين"، ورواه بلفظ: "عشر سنين" الدارمي في "سننه" (٢٨٠٤).
[ ١٤ / ٢٧٤ ]
(٨٣ - ٨٦) - ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾: أي: فهلَّا إذا بلغَتِ النَّفس -أي: الرُّوحُ- الحلقومَ ترجعونها.
ذكرَ ﴿فَلَوْلَا﴾ مرَّتين، ثمَّ قال: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، فكانَ جوابًا لهما، كما في قوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾، وقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، ثمَّ قالَ: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥]، فكان جوابًا لهما.
﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾: خطابٌ للَّذين حضروا مَن يموتُ.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾: لأنَّ قربَكُم بمسافةٍ، وقربُ اللَّهِ لا بمسافةٍ.
﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: أي: غيرَ محاسَبين.
وقيل: أي: غير مَجْزيِّين، وهو مفعولٌ مِن الدِّين، وهو الجزاءُ والحسابُ أيضًا.
وقيل: أي: غير مَقهورِيْن مملوكين، وقد دانه؛ أي: قهرَه، وقال: ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]؛ أي: مُلْكِه وسُلْطانِه.
* * *
(٨٧ - ٨٩) - ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾.
﴿تَرْجِعُونَهَا﴾: أي: ترجعونَ النَّفسَ -أي: الرُّوح- إلى البدنِ، فلا تخرجُ ولا يموتُ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وتقديرُ الآيات: وإنْ كانَ الأمرُ على ما يتوهَّمون مِنْ أنَّ النَّاسَ يموتون بانقضاءِ أعمارِهم، لا بأنْ يميتَهُم اللَّهُ تعالى فينقُلَهم إلى دارِ الجزاءِ، ويبعثَهم للحسابِ، فهلَّا إذا بلغَتْ نفسُ أحدِكُم الحلقومَ عندَ شِدَّةِ النَّزْعِ وأنتم حينئذٍ
[ ١٤ / ٢٧٥ ]
حضورٌ له تنظرونَ إليه وتشاهدون حالَه، لا تردُّونَ (^١) روحَه في جسدِه، مع عِزَّةِ فَقْدِهِ عليكم، وحرصِكُم على بقائِه، فإذا كنتم على ذلك غيرَ قادرين فاستدِلُّوا به على أنَّ خروجَ روحِه بإخراجِ اللَّهِ تعالى إيَّاها، وأنَّه إنَّما يفعلُه ليبعَثه يومَ الحسابِ، ويجازيَه بالثَّواب والعِقاب.
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أي: فأمَّا إنْ كانَ الَّذي تقبضُ الملائكةُ روحَه مِن السَّابقين المقرَّبين ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾: فلَهُ رَوحٌ وريحان.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿فَرَوْحٌ﴾؛ أي: راحةٌ في القبر، ﴿وَرَيْحَانٌ﴾؛ أي: رزقٌ في الجنَّة (^٢).
وقال أبو العالية: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ عندَ الموتِ، يُؤتَى به مِنَ الجنَّةِ، فيشمُّه ثمَّ يموت (^٣).
وقال الزَّجَّاجُ: ريحانٌ: أصلُه رَيِّحَان بتشديد الياء؛ لأنَّه مِن الرَّوح (^٤)، وخُفِّفَ للزِّيادة الَّتي لحقتْهُ مِن الألف والنَّون (^٥).
وقال عطاءٌ: الرَّوح: الفرجُ مِن غُموم الدُّنيا، والرَّيحانُ: الرِّزقُ في الجنَّة.
_________________
(١) قوله: "لا تردون" كذا في النسخ، ولعل المعنى على حذف "لا"؛ لأن الكلام صدرب "هلا"، فالمعنى: (فهلا إذا كان كذا وكذا تردون)، ولا لزوم لـ (لا) بل هي تقلب المعنى.
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٧٧) عن مجاهد، وانظر: "تنوير المقباس" للفيروزابادي (ص: ٤٥٥).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٧٨).
(٤) قوله: "من الروح" كذا في النسخ، والذي في "معاني القرآن" للزجاج وغيره: "رَيْوِحان" على وزن: فيعلان. انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي (٢/ ٧٠٥)، و"البسيط" للواحدي (٢١/ ١٤٤)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٢٦)، و"التبيان في إعراب القرآن" للعكبري (٢/ ١٢٠٦)، وغيرها.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ١١٧ - ١١٨).
[ ١٤ / ٢٧٦ ]
وقال أبو بكر الورَّاق: الرَّوحُ: النَّجاةُ مِن النَّارِ، والرَّيحانُ: دخولُ دارِ القَرار (^١).
وقال الجُنيدُ ﵀: الرَّوح لقلوبِهم، والرَّيحانُ لنفوسِهم (^٢).
وقيل: كلاهما في الجنَّة؛ قال تعالى خبرًا عنهم أنَّهم يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] فهو الرَّوح، وقال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] فهو الرَّيحان.
وقيل: الرَّوحُ: الرَّحمةُ؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، والرَّيحانُ: التَّحيَّةُ، والتَّحيَّةُ بالرَّيحانُ معهودةٌ بينَ الخليقةِ.
﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾: للمقرَّبين أيضًا.
* * *
(٩٠ - ٩٢) - ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: هذا الذي تُقْبَضُ روحُهُ.
﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾: أي: فسلامةٌ لكَ وسرورٌ وخيرٌ منهم يا محمَّد؛ أي: إنَّك تُسَرُّ لِمَا تراهُ مِن ثوابِهم في الجنَّةِ.
وقيل: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾؛ أي: أنتَ سالمٌ مِن الاغتمامِ (^٣) لهم، فقد نجَوا.
وقيل: معناه: فإنهم يسلِّمونَ عليك ويصلُّون، وأنا مبلِّغٌ إليك سلامَهم يا محمَّد.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٢٢٤).
(٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٥/ ٤٦٧)، والقشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٥٢٨) بلا نسبة. وعزاه السلمي في "تفسيره" (٢/ ٣٠٣) إلى للسلامي.
(٣) في (ر): "الاهتمام".
[ ١٤ / ٢٧٧ ]
وقيل: معناه: فيُقالُ لهذا المقبوضِ عند الموت: فسلامٌ لَكَ إنَّك مِن أصحاب اليمين؛ أي: سلامةٌ لكَ ممَّا تَخاف.
وقيل؛ أي: فسلامٌ عليك، وهو سلامُ الملائكةِ عليه حينئذٍ.
وقيل: هو بشارةٌ له بالسَّلامِ مِن الملائكةِ في الجنَّة، وسلامِ اللَّهِ فيها بلا واسطةٍ.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾: وهمُ الصِّنفُ الثَّالثُ، وهم أصحاب المشأمة، وهم الَّذين قيل لهم في هذه السُّورة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٥١].
﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: أي: فرزقُه الَّذي يُعَدُّ له (^١) وطعامُه الَّذي يُعطاهُ مِن حَمِيمٍ، وهو الماءُ الحارُّ الَّذي فسَّرناه.
* * *
(٩٤ - ٩٥) - ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾.
﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾: أي: إدخالٌ فيها.
ورُوي عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومَن كرِهَ لقاءَ اللَّهِ كرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ"، فأنشأ القومُ يبكون، فقال: "ما يبكيْكُم؟ "، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما منَّا أحدٌ إلَّا وهو يبغضُ الموتَ، فقال: "إنِّي لسْتُ ذلك أعني، ولكن يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فهذا في الدُّنيا، ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيم﴾، فإذا بُشِّرَ بذلكَ أحبَّ لقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ تعالى للقائِهِ أحَبُّ، فما يسرُّهُ أنَّ له الدُّنيا بما فيها وأنَّه يُرَدُّ إليها، ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ الآية، فإذا بُشِّرَ بالنَّار أبغضَ لقاءَ اللَّهِ، واللَّهُ للقائِهِ أبغضُ" (^٢).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "أعده له".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١٨٢٨٣) من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل سمع =
[ ١٤ / ٢٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾: أي: هذا الَّذي أخبرْتُكُم به مِن أوَّلِ هذه السُّورة، وهو في بيان أحوالهم في الآخرة، إلى آخرها وهو في بيان حال (^١) خروجِهم من الدُّنيا = هو الحقُّ الَّذي لا باطلَ فيه، وهو اليقينُ من الخبر الَّذي لا شكَّ فيه، فثقْ به يا محمَّد.
و﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ إضافةُ الشَّيءِ إلى نفسِه، كقولِ الشَّاعر:
ولو أَقْوَتْ عليْكَ دِيارُ عَبْسٍ عَرَفْتَ الدَّارَ عِرْفانَ اليقينِ (^٢)
وقال الأخفشُ: هو إضافةُ الشَّيء إلى صفتِه، كقولهم: صلاة الأولى، وبارحةَ الأولى، ومسجد الجامع (^٣).
وقيل: بل (^٤) هو كقولهم: نفس الحائط؛ أي: النَّفس الَّتي هي الحائط.
* * *
_________________
(١) = النبي -ﷺ-. وصحح إسناده البوصيري في "الإتحاف" (٢/ ٢٩٧).
(٢) "حال" من (أ) و(ف).
(٣) ذكره الفراء فقال: أنشدني بعضهم. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٥٦)، والبيت بلا نسبة أيضًا في: "تفسير الطبري" (١٣/ ٣٨١)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٢٦٤).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٣٤)، وقال فيه: "وقال: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ فأضاف الى اليقين، كما قال ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾؛ أي: ذلك دين الملة القيمة، وذلك حق الأمر اليقين. وأما: هذا رجل السوء، فلا يكون فيه: هذا الرجل السوء، كما يكون في (الحق اليقين)؛ لأن (السوء) ليس بـ (الرجل) واليقين هو الحق". فهذا كلامه، والذي يظهر من كلام القرطبي أنه خلاف ما نسبه إليه المؤلف، فإن نسب ما قال المؤلف للكوفيين، وما قاله الأخفش للبصريين. انظر: "تفسير القرطبي" (٢٠/ ٢٣٤)، وذكر نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٨٢).
(٥) "بل" من (ف).
[ ١٤ / ٢٧٩ ]
(٩٦) - ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي: إنَّ مَن صَدَّقَكَ صار إلى ما أُعِدَّ له، وكذا مَن كَذَّبَكَ صار إلى ما أُعِدَّ له، وقد بيَّنَّا لك ذلك كلَّه، فلا يشقَّنَّ عليك ما يفعلونه، فافزَعْ أنت إلى تنزيه ربِّك عمَّا أضافه إليك المكذِّبون الضَّالُّون، واجعل تنزيهَكَ إيَّاه تسميَتَكَ له بأسمائه الحسنى التي علَّمَكَها، فاذكرْهُ بها معتقدًا حقائقَها، فإنَّ اللَّهَ هو ربُّك؛ أي: القيِّم بمصالحك، العظيم في سلطانِه، الذي يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ.
وقيل: المراد بالتَّسبيح: الصَّلاة.
ورُوي أنَّه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية قال النَّبيُّ -ﷺ-: "اجعلوها في ركوعِكُم: سبحان ربِّي العظيم"، ولَمَّا نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: "اجعلوها في سجودِكُم: سبحان ربِّي الأعلى" (^١).
والحمد للَّه ربِّ العالمين
* * *
_________________
(١) رواه أبو داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧)، من حديث عقبة بن عامر ﵁.
[ ١٤ / ٢٨٠ ]