بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي جعَل خَلْقَ السماوات والأرض آيةً لكلِّ عبد منيب، الرحمنِ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر من عدوٍّ أو حبيب، الرحيم الذي هو السميع القريب.
وروى أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة سبأ لم يبق نبي مرسل إلا كان له رفيقًا مصافحًا" (^١).
وسورة سبأ مكيةٌ، وهي خمسون آيةً وخمس آيات، وقيل: وأربع آيات.
وكلماتُها ثماني مئة وثلاثٌ وثمانون، وحروفُها ثلاثةُ آلاف وخمسُ مئة وخمسةَ عشر.
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أن تلك السورة في مدح اللَّه وهذه في حمد اللَّه.
وانتظام السورتين: أن تلك مدنية في بيان المعاملة، وهذه مكية في بيان العقيدة، وبهما تعبَّد اللَّه عباده، واشتملت السورتان على مدح الموافقين وثوابهم وذمِّ المخالفين وعقابهم.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٦٩)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٤٣)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٢ / ٢٢١ ]
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: يجوز فيه ثلاثة أوجه:
الأمر بالحمد على إضمار قل أو قولوا.
وحمد اللَّه في نفسه تعليمًا لعباده.
والإخبار أن استحقاق الحمد للَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾: أي: هو المحمود في الآخرة، وهو المستحِقُّ للحمد فيها كما هو مستحِقُّه في الدنيا؛ إذ هو المالك في الآخرة قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا ملك إلا له ولا مالك إلا هو، وهو المنعِم على المطيعين بالجنة وما فيها من النعيم المقيم والأجر العظيم، وهم يحمدونه فيها، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
وقيل: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في إنشاء الآخرة؛ لأن خلق الدنيا صار حكمةً لخلق الآخرة، ولولاها لكان خلق الدنيا للفناء وهو عبث.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾: المحكِم لأفعاله، المصيبُ في أفعاله وأقواله ﴿الْخَبِيرُ﴾: العالم بالأشياء على حقائقها.
* * *
(٢) - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾: ما يدخل فيها في جوفها من جمادٍ ونامٍ وحيوان.
[ ١٢ / ٢٢٢ ]
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: ما يكون على ظهرها من هذا، فيعلم أعيانها ومقاديرها وأحوالها ومدةَ بقائها ووقت فنائها.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من مطر وملَكٍ وغيرِ ذلك.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: أي: يصعد إليها من الملائكة الحفظة وما يكتبون.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾: لا يعاجل مَن عصاه بالعقوبة، ويغفر لهم بالتوبة، وهو المستحِقُّ للحمد بذلك.
* * *
(٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾: أي: وقال المنكِرون للبعث، الواصفون اللَّهَ تعالى بضدِّ ما مر ذكرُه من القدرة والحكمة والعلم: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ وإنكارهم لذلك: إما أن يكون لأنه ليس في قدرة اللَّه تعالى عندهم وقد بيَّن قدرته بخلق السماوات والأرض، أو لأنه ليس بحكمةٍ، وإقامةُ القيامة لمجازاةِ المطيع والعاصي حكمةٌ، أو لأنه لا يعلم بأعمال العباد ليجازَيهم على وَفق عملهم، وقد بيَّن أنه حكيمٌ عليمٌ، فبطل قولهم بما تقدم من عدم إتيانِ الساعة (^١).
ثم زاد في البيان فقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ نفَى قولهم وأقسم على كونها، وأكد باللام والنون.
_________________
(١) "من عدم إتيان الساعة" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٢ / ٢٢٣ ]
وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الميم نعتًا لـ ﴿ربي﴾ والباقون بالرفع على معنى: هو عَالِمُ الغَيْبِ (^١).
﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: أي: لا يَبعد ولا يغيب، وقرأ الكسائي: ﴿لَا يَعْزِبُ﴾ بكسر الزاي والباقون بضمها (^٢)، وهما لغتان.
﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾: أي: علمُ مقدارِ نملةٍ صغيرة.
وقيل: ما يتراءى من شعاع الشمس إذا وقعت في كوَّة.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾: أي: من مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾ من ذلك ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ وما يرجع منه إلى أعمال العباد، فهو في كتاب الحفظة (^٣).
* * *
(٤ - ٥) - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يتصل بقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ. . . لِيَجْزِيَ﴾ (^٤).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٦)، و"التيسير" (ص: ١٧٩). وفي قوله: "والباقون بالرفع" نظر، فالذي قرأ بالرفع كما ذكر ابن مجاهد والداني هما نافع وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿علَّامِ الغيب﴾ بالكسر ووزن فعَّال، ففي السبعة ثلاث قراءات: ﴿عالمِ﴾ بالكسر، و﴿عالمُ﴾ بالرفع، و﴿علَّامِ﴾ بالكسر.
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٦)، و"التيسير" (ص: ١٢٢).
(٣) في (ف): "الحفظ".
(٤) " ﴿لِيَجْزِيَ﴾ " ليس في (أ) و(ف).
[ ١٢ / ٢٢٤ ]
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي: حسن خطير في الجنة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ (^١): أي: في إبطال آياتنا بالافتراء عليها مسابقينَ مقدِّرين أنهم يفوتوننا ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ بخلافِ جزاء الأوَّلينَ.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿معجِّزين﴾ بالتشديد (^٢)؛ أي: مثبِّطين الناسَ عن تأمُّلها.
والرجز: العذاب المؤذي المؤلم.
وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوبُ: ﴿أَلِيمٌ﴾ رفعًا نعتًا لقوله: ﴿عَذَابٌ﴾ والباقون بالخفض بهما لقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ (^٣).
قال مقاتل: قال أبو سفيان بن حرب وحلَف باللات والعزَّى: إن البعث غيرِ كائن، فأمر اللَّه رسوله أن يحلف ردًّا عليه بقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (^٤).
* * *
(٦ - ٧) - ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: أي: ﴿وَيَرَى﴾ بقلبه وهو العلمُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
_________________
(١) في (ف): "معجزين".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٤٣٩)، و"التيسير" (ص: ١٥).
(٣) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٦)، و"التيسير" (ص: ١٨٠)، و"النشر" (٢/ ٣٤٩).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٥٢٣).
[ ١٢ / ٢٢٥ ]
وهم أصحاب رسول اللَّه، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعول ثان بقوله: ﴿وَيَرَى﴾؛ أي: هؤلاء يرون القرآن حقًّا ويعلمونه صدقًا، وأنه يهدي إلى طريق الحق وهو طريق اللَّه تعالى ودينُ اللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يغالب ﴿الْحَمِيدِ﴾ المستحِقِّ للحمد.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أي: وقال هؤلاء المنكرون للساعة لإخوانهم الموافقين لهم على الإنكار: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنون النبيَّ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم أنكم بعد أن تَبْلوا في قبوركم وتتقطَّعَ أجسادكم فيها أو تأكلكم السباع، والمَزْق: الخرق، والتمزيق: التكثير والتكرير منه، ﴿إِنَّكُمْ﴾ تعودون خلقًا جديدًا أحياءً كما كنتم قبل البِلَى والتقطُّع، وهذه لفظةُ تعجيب بصيغة الاستفهام؛ كقولك: هل رأيت مثل هذا؟!
* * *
(٨) - ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ألف استفهام دخلت على الألف المجتلَبة فأسقطَتْها للاستغناء عنها ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ أي: جنون، وهذا قولهم أيضًا، يقولون: لا ندري أنَّ ما يخبر به ويضيفه اللَّه تعالى أهو على جهة الافتراء على اللَّه تعالى فهو أمر فظيع، أم به جنون فهو يتكلم بما لا يدري؟!
فأجابهم اللَّه تعالى فقال: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾: أي ليس هو مفتريًا على اللَّه تعالى ولا به جنون، ولكن المنكرون للبعث ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ في الآخرة إذا صاروا إليها ﴿وَ﴾ في ﴿الضلالِ البعيد﴾ عن الحق في الدنيا.
[ ١٢ / ٢٢٦ ]
وقيل: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾؛ أي: في العناء والأذى؛ لِمَا يجتهدون فيه من إضلالِ الناس وصدِّهم عن الحق مع بطلان سعيهم؛ قال عَبيدُ بن الأبرص:
والمرءُ ما عاش في تكذيبٍ طول الحياة له تعذيبُ (^١)
وحكى أبو معاذ عن بعضهم: ﴿فِي الْعَذَابِ﴾؛ أي: الشقاءِ الطويل.
* * *
(٩) - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: كيف هو محيط بهم، ومن كل جهة رَموا بأبصارهم إليهما رأوهما، وهم محصورون بينهما، فيستدلوا بذلك على أنهم في سلطان اللَّه تعالى تجري عليهم أحكامه.
﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاء﴾: لا يمتنعون عن شيء من ذلك، فيحذروا الافتراء على رسولي، ويتركوا الإشراك بي والتعجيزَ لي عن إعادتهم بعد موتهم، ويستدلوا بقدرتي على خلقهما على قدرتي على بعثهم بعد موتهم، وهو كقوله: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، إلى قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: أي: راجعٍ إلى اللَّه مقبلٍ عليه متدبرٍ في آياته، فهو المنتفع (^٢) بها.
* * *
_________________
(١) انظر: "جمهرة أشعار العرب" (ص: ٣٨٤)، و"الشعر والشعراء" (١/ ٢٦١).
(٢) في (أ): "المتسع".
[ ١٢ / ٢٢٧ ]
(١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾: ثم بيَّن قصةَ أبٍ وابنٍ كانا منيبين إلى اللَّه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤]، وبه وقع الانتظام بين هذه الآية والتي قبلها (^١)، وفي إثبات رسالتهما إثباتُ رسالة محمد ﵇، وصدقُ ما أخبر به من البعث وغيره.
ومعنى الآية (^٢): ولقد أعطينا داود النبيَّ منا أمرًا فضَّلناه به على غيره من أهل عصره، وهو ما قال: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾؛ أي: قلنا: يا جبال رجِّعي معه ما يأتي به من ذكرِ اللَّه وتسبيحه.
وقيل: أي: سبِّحي معه، وكانت تسبِّح معه.
وقيل: التأويب سيرُ النهار كلِّه، وكانت الجبال تسير معه بالنهار حيث سار هو عند بعضهم.
﴿وَالطَّيْرَ﴾: قال قتادة: وكانت الطير تسبِّح معه إذا سبَّح.
وقرأ نافع وعاصم في رواية: (وَالطَّيْرُ) بالرفع (^٣) عطفًا على قوله: ﴿يَا جِبَالُ﴾، وهو كقول الشاعر:
يا طلحةُ الكاملُ وابنُ الكاملِ (^٤)
_________________
(١) "وبه وقع الانتظام بين هذه الآية والتي قبلها" ليس في (أ) و(ف).
(٢) في (ف) و(أ): "قال" بدل: "ومعنى الآية".
(٣) رويت من طريق عبد الوارث عن أبي عمرو، ومن طريق نصر عن عاصم. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٢)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٤٠٧)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٢٦٢).
(٤) الرجز دون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٥٥).
[ ١٢ / ٢٢٨ ]
بالرفع للظاهر، وإن كان لا ينادَى وحده بالرفع.
ووجه آخر: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أنت (وَالطَّيْرُ) رفعًا (^١) عطفًا على (أنت).
ووجه آخر: والطَّيرُ كذلك، أو: والطَّيرُ مثلُك.
وقرأ الباقون بالنصب لوجوهٍ:
أحدها: أن الثانيَ معرفةٌ والأولَ نكرةٌ، واستعمالُ العرب فيهما كذلك، قال الشاعر:
ألَا يا زيدُ والضحاكَ سِيرَا فقد جاوَزْتُما خَمَرَ الطريقِ (^٢)
والخَمَر: ما واراك من شجر وغيره.
وكذلك يفعلون في المضاف والمفرد؛ قال ذو الرُّمَّة (^٣):
ألا يا اسلمي يا هندُ هندَ بني بدرِ وإن كان حيَّانا عِدًى آخرَ الدهر
وقال آخر:
يا زيدُ زيدَ اليَعْملاتِ الذُّبَّلِ تطاوَلَ الليلُ عليها فانزلِ (^٤)
_________________
(١) "رفعا" ليست في (أ).
(٢) البيت دون نسبة في "الجُمل" للخليل (ص: ١١٠)، و"معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٥٥)، و"تفسير الطبري" (١٩/ ٢٢١)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٥٣). وقال الفراء: وقد يجوز نصب (الضحاك) ورفعه.
(٣) كذا قال، وهو في المصادر منسوب للأخطل. انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٩٠)، و"مجاز القرآن" (٢/ ٩٤)، و"إصلاح المنطق" (ص: ١٠٣)، و"تفسير الطبري" (١٨/ ٤١)، و"معاني القرآن" للزجاج (٤/ ١١٥).
(٤) نسب لبعض ولد جرير في "الكتاب" (٢/ ٢٠٥). و"المفصل" للزمخشري (ص: ٦٦ - ٦٧)، ولعمر بن لجأ في "الكامل" للمبرد (٣/ ١٦٠)، ولعبد اللَّه بن رواحة في "شرح أبيات سيبويه" =
[ ١٢ / ٢٢٩ ]
والثاني: ما قال الكسائي: تقديره: وسخرنا الطير.
والثالث: ما قال الفراء: وآتيناه الطير (^١)، وحقيقتُه: أن المنادى منصوبٌ لأنه مفعولٌ بالنداء، والمفردُ المعرفةُ مضمومٌ بناءً لا إعرابًا ولذلك لا ينوَّن، فأما المنادى المضافُ والمفردُ النكرةُ فمنصوبان لِمَا قلنا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: أي: جعلناه ليِّنًا في يده.
قال قتادة: كان الحديد في يده مثلَ الشمع يصرِّفه كيف يشاء من غير نارٍ ولا مطرقةٍ، وكان يتَّخذ منه الدروعَ، وهو أولُ مَن عمِلها وكانت قبله صفائحَ (^٢).
* * *
(١١) - ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾: أي: أمرناه أن اعمل سابغات؛ أي: دروعًا تامةً تعمُّ الإنسان ما دون رأسه بالتغطية حتى تقرب من الأرض.
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: أي: في النَّظم والوصل والنَّسج؛ أي: اجعل المسامير على قَدْر الحَلَق لا تغلِّظها فتَخرق ولا تدقِّقها فتَقْلقَ (^٣).
_________________
(١) = للسيرافي (٢/ ٤٢)، و"أساس البلاغة" (مادة: عمل).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٥٥). ونص كلامه: (الطَّيْرَ) منصوبة على جهتين: إحداهما: أن تنصبها بالفعل بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ وسخَّرنا له الطير، فيكون مثل قولك: أطعمته طعامًا وماءً، تريدُ: وسقيته ماءً. والوجهُ الآخر بالنداء؛ لأنك إِذَا قلت: يا عَمْرو والصَلْت أقبِلا، نصبتَ الصلت لأنه إنما يدعى بـ: يا أيّها، فإذا فقدتَها كان كالمعدولِ عن جهته فنُصب.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (١٨٨٠)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٢٣).
(٤) في (ف): "فتخرق ولا تدقها فتغلق"، وفي (ر): "فتحرق ولا تدققها فتغلق". والمثبت من (أ)، ومعناه: اجعلها على مقدار معين دقة وغيرها مناسبة للثقب الذي هيئ لها في الحلقة، فإنها إن =
[ ١٢ / ٢٣٠ ]
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: أي: أنت وأهلك عملًا يوافق أمر اللَّه ويكون طاعةً له، وهو في معنى ما ذكر بعده: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾.
﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أراه وأعلمه وأَقدِر على المجازاة به، وهذا ترغيب وترهيب.
وقال الإمام القشيري: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ هو ما ذُكر بعده من مساعدةِ الجبال والطير إياه تنفيسًا له على حزنه وبكائه.
وقيل: هو توفيق الرجوع له إلى اللَّه تعالى بالاعتذار.
وقيل: هو شهود موضع ضرورته وأنه لا يُصلح أمرَه غيرُه.
وقيل: هو طِيبُ صوته عند قراءته الزبور.
وقيل: هو حلاوة صوته في المناجاة.
وقيل: هو حسن خلقه مع الذين اتَّبعوه.
وقيل هو توفيقه للحكم بين (^١) أمته بالعدل.
* * *
(١٢) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكرٍ (^٢) بالرفع
_________________
(١) = كانت دقيقة اضطربت فيها فلم تمسك طرفيها، وان كانت غليظة خرقت طرف الحلقة الموضوعة فيه فلا تمسك أيضًا. انظر: "روح المعاني" (٢٢/ ٣٦).
(٢) في (ر) و(ف): "بين الناس من".
(٣) في (ر): "قرأ عاصم غير حفص".
[ ١٢ / ٢٣١ ]
على الابتداء، والباقون بالنصب على تقدير: وسَخَّرْنا له الرِّيحَ (^١).
وقيل: هو على ظاهر قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ. . . وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ والتسخير تذليل (^٢) وتليين، وذلك قوله: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾، وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: أي: كانت تغدو به مسيرة شهر وتَروح به مسيرة شهر آخر.
قال الحسن: كان لِغدو فيَقيل بإصطَخْر ويروح فيَبيت بكابُلَ (^٣).
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: أي: أذَبْنا له عينَ النحاس فأجريناها له حتى سالتْ بإسالتنا كما ألنَّا لداود الحديد دلالةً على نبوَّته.
وقال ابن عباس وقتادة وأهل اللغة: ﴿الْقِطْرِ﴾ النحاس (^٤).
وقال قطرب: الصُّفر.
وقال مجاهد: سالت من صنعاء ثلاث ليالٍ بأيامها (^٥)، وكذلك قال عكرمة (^٦).
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٧)، و"التيسير" (ص: ١٨٠).
(٢) في (أ): "والتسخير بدليل" وفي (ر): "والتخير تذليل".
(٣) في (ر): "ببابل"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر. انظر: "تفسير عبد الرزاق" (٢٤٠٠)، و"تفسير الطبري" (١٩/ ٢٢٨)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ٧٣)، و"البسيط" (١٨/ ٣٣٠)، و"تفسير البغوي" (٦/ ٣٨٩). ورواه الإمام أحمد في "الزهد" كما في "الدر المنثور" (٦/ ٦٧٧) بلفظ: (فيقيل بقلعة خراسان).
(٤) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، وعن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٠١).
(٥) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٣٣١).
(٦) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٤٣٧)، وبنحوه رواه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" (٦/ ٦٧٨).
[ ١٢ / ٢٣٢ ]
وقيل: كان النحاس يجري له في الشهر ثلاثة أيام، وكلُّ ما هو في أيدي الناس فإنما هو مما كان يجري في أيامه.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: بحضرته وبمرأَى عينه باستعماله.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: أي: بأمر اللَّه.
﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: قال السدي: كان مع سليمان ملَك بيده سوط من نارٍ، فمَن استعصى عليه من الجنِّ ضربه بذلك السوطِ من حيث لا يراه الجن (^١).
وقيل: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة؛ لأنَّهم مكلَّفون كبني آدم.
* * *
(١٣) - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾: قال ابن كيسان: أي: المجالسِ الشريفةِ والمنازل الرفيعة.
وقال الأخفش: المحاريب: صدور المجالس.
وقال أبو عبيدة: المحاريب: أشرف موضع في البناء (^٢).
_________________
(١) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٧٢)، وفيه: (من حيث لا يراه الجني).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٤٤)، ولفظه: ﴿مَحَارِيبَ﴾ واحدها محراب، وهو مقدم كل مسجد ومصلًّى وبيتٍ، قال وضّاح اليمن: ربّة محراب إذا جئتها لم ألقها أو أرتقي سلّما
[ ١٢ / ٢٣٣ ]
﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: قال ابن عباس ﵄: كانوا يصنعون تماثيل الأنبياء والصالحين ليُقتدَى بهم (^١).
وقال أبو العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرَّمًا، وإنما حرم على هذه الأمة (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾: أي: صِحافٍ كبيرةٍ كالحياضِ، والواحدة: جابيَة، ومعناه: جامعةٌ للماء، وحذفت الياء من (الجوابي) تخفيفًا.
_________________
(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، لكن ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم دون عزو، منهم الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٥٦)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٤٨٩)، وتاج القراء الكرماني في "تفسيره" (٢/ ٩٢٨)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٩١)، والزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٧٢). وهو قول مردود لا دليل عليه من الشرع، بل هو مخالف لشرعنا، ومع هذا فلا نجر فيه يعتمد عليه، ثم كيف يرضى شرع نبي من أنبياء اللَّه بصنع تماثيل للأنبياء والصالحين لأجل الاقتداء، مع أن هذا هو نفسه سبب ضلال كثير من الناس والأمم كما سيأتي في تفسير سورة نوح، وقد رام بعض المفسرين تبرير ذلك فلم يأت بشيء، قال الزمخشري: (فإن قلت: كيف استجاز سليمان ﵇ عمل التصاوير؟ قلت: هذا مما يجوز أن تختلف فيه الشرائع؛ لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب). وكأنه غفل عما جاء في أصنام قوم نوح من أن أصنامهم هي في الأصل لرجال صالحين، صنعوها لهم بعد موتهم بوسوسة الشيطان ليذكروهم بها، فلما طال العهد بهم عبدوها من دون اللَّه، وهو ما رواه البخاري (٤٩٢٠) عن ابن عباس ﵄ قال: صارت الأوثانُ التي كانت في قومِ نوحٍ في العرب بعدُ، أما وَدٌّ كانت لكَلْبٍ بدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأما سُوَاعٌ كانت لهُذَيلٍ، وأما يغوثُ فكانت لمُرادٍ، ثُم لبني غُطَيْفٍ بالجَوف، عند سبإٍ، وأما يَعُوقُ فكانت لهَمْدانَ، وأمَّا نَسْرٌ فكانت لحِمْيَرَ لآلِ ذي الكَلاعِ، أسماءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبدْ، حتى إذا هَلَك أولئك وتَنَسَّخ العلمُ عُبِدَت.
(٢) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٧٢).
[ ١٢ / ٢٣٤ ]
﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: أي: ثابتات غيرِ زائلاتٍ عن أمكنتها.
قال ابن عباس ﵄: كان يقعد على كلِّ جفنةٍ ألفُ رجل (^١).
وقيل: كان يسعُ في كلِّ قِدْرٍ (^٢) ألفُ شاة ونحوها، وكانت تُتَّخذ من الجبال لا تحرَّك عن موضعها.
قال وهب ﵀: كانت أعمال الجن هذه بأرض اليمن.
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾: أي: وقلنا لهم: اعْمَلُوا للَّه على الخلوص شكرَ النعمة عليكم.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: مَن يشكر على الأحوال كلها.
وقال السدي: أي: قليل مَن يشكر على الشكر.
وقال بسام بن عبد اللَّه (^٣): قليل مَن يرى عجزَه عن الشكر (^٤).
وقيل: وقليل مَن يشكر لي بلسانه فيحمدني، وبقلبه فيرى نعمة اللَّه عليه، وببدنه فيُتعبه في طاعة ربه.
_________________
(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، لكن ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم دون عزو، منهم مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (٣/ ٥٢٧)، وأبو الليث في "تفسيره" (٣/ ٧٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٧٩)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٩١).
(٢) في (أ): "قدرة".
(٣) وهو بسام بن عبد اللَّه الصيرفي أبو الحسن الكوفي، روى عن زيد بن علي بن الحسين وأخيه أبي جعفر الباقر وجعفر الصادق وعطاء وعكرمة، وغيرهم، وعنه ابن المبارك ووكيع وأبو نعيم وغيرهم، من رجال "التهذيب".
(٤) ذكر هذه الأقوال الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٧٣) لكن الأخير فيه دون عزو.
[ ١٢ / ٢٣٥ ]
وقال الإمام القشيري ﵀: الشكور مَن زاد شكرُه على شكر أمثاله، فالشاكر مَن يشكر على الرخاء والشكور مَن يشكر على البلاء، والشاكر مَن يشكر على العطاء والشكور مَن يشكر على المنع.
و[يقال في ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾]: قليلٌ من عبادي من يأخذ النعمة مني فلا يحملُها على الأسباب فيشكرَ للوسائط ولا يشكرَ لي، والأكثرون يأخذون النعمة من اللَّه ثم يتقلدون المنة (^١) من غير اللَّه، فيشكرون لغير اللَّه تعالى (^٢).
* * *
(١٤) - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾: أي: ما دلَّ الجن، وقيل: ما دل آلَ داود. وقد سبق ذكر الكلِّ.
ودابة الأرض: هي الأَرَضة التي تكون في الخشب فتأكلُه.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾: أي: عصاه، من قولك: نسأتُ البعير وغيرَه: إذا زجَرْتَه ليزداد في سيره.
ويقال: نسأ؛ أي: ساق.
﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾: أي: سقط ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾؛ أي: علمت، وقيل: أي: ظهر حال الجن للإنس.
_________________
(١) في (أ): "النعمة".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٧٩)، وما بين معكوفتين منه.
[ ١٢ / ٢٣٦ ]
﴿أَنْ لَوْ كَانُوا﴾: أي: الجن ﴿يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾: ما غاب عن حواسِّهم ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: في استسخار سليمان في هذه الأعمال.
قال مقاتل ﵀: كان داود ﵇ أسَّس بناءَ مسجد بيت المقدس موضعَ فسطاط موسى، [فمات قبل أن يُبنى، فبناه سليمان بالصخر والقار]، وكانت بقيت لهم سنَةٌ حتى يَفرغوا من بنائه، وخاف سليمانُ الموت فقال لأهله: لا تخبروا الشياطين والجنَّ بموتي حتى يفرغوا من بناء المسجد، ودعا ربه فقال: اللهم أَعْمِ على الشياطين والجن موتي حتى تعلم الناسُ أن الجن والشياطين لا يعلمون الغيب (^١).
وقال ابن عباس ﵄: كانت الشياطين والجنُّ تدَّعي علمَ الغيب وما يكون في غد، فابتُلوا بموت سليمان (^٢).
وقال الواقدي: كان ملَك الموت صديقًا لسليمان، فسأله سليمان عن آيةِ موته، فقال: إن آية موتك أن تخرج من الأرض شجرةٌ يقال لها: الخرُّوبة، فإذا وجدتَها فقد حضر أجلُك (^٣)، فبينما سليمان في منزله ذات يوم طلعت شجرةٌ، فقال لها سليمان: ما اسمك؟ قالت: الخرُّوبة، فولج سليمان مسجدَه واتَّكأ على عصاه وقبضه اللَّه تعالى، فكان كذلك سنةً جرداءَ (^٤).
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٥٢٨)، وما بين معكوفتين منه.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٤٢ - ٢٤٣) عن قتادة.
(٣) في (أ): "موتك".
(٤) روي نحوه عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا؛ فقد رواه البزار (٢٣٥٥ - كشف الأستار)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٤٠)، والضياء في "المختارة" (٣٠٨)، عن ابن عباس مرفوعًا. قال البزار: لا نعلم أسنده إلا إبراهيم (هو ابن طهمان)، وقد رواه جماعة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا. وروى الموقوف على ابن عباسٍ الحسينُ المروزي في زياداته على "الزهد" لابن المبارك (١٠٧٢)، =
[ ١٢ / ٢٣٧ ]
وقال مجاهد: لما رأى الشجرة تحنَّط وتكفَّن وصعد كرسيَّه واتكأ على عصاه (^١).
وقال الضحاك: مكث كذلك سنةً والشياطين والجنُّ يَدْأَبون في العمل، ويدخل كلَّ يوم رئيسهم عليه فيخرج ويقول لأصحابه: جِدُّوا فإنه قائم يصلي، فيجتهدون في العمل، إلى أن فرغوا، فلما فرغوا أتت الأرَضة فأكلت من عصاه ما وَلِي الأرض فانكسرت العصا فخر سليمان، فحينئذ أيقنوا بموته.
وقيل: كان قائمًا في محرابه، فجاء ملك الموت ليقبض روحه فقال: أمهلني حتى أوصيَ إلى (^٢) أهلي، فقال: لا زمان، فقال: اتركني حتى أجلسَ، قال كذلك، قال: فكيف تقبضني؟ قال: اتَّكِئْ على مِنسأتك، فاتكأ عليها فقبضه، فبقي كذلك حولًا، ثم أكلت الأرضة أسفل عصاه فانكسرت، فخر سليمان فظهر ذلك لهم.
* * *
(١٥) - ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾: قرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية البزِّي (^٣) بالفتح
_________________
(١) = ومحمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٢٠٧)، والبزار (٢٣٥٦ - كشف الأستار)، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: الأقرب أن يكون موقوفًا.
(٢) ذكره تاج القراء الكرماني في "تفسيره" (٢/ ٩٢٩).
(٣) "إلى" ليست في (ف).
(٤) في (ر) و(ف): "قرأ ابن كثير وأبو عمرو في رواية البزِّي"، وقوله: "في رواية البزي" ليس في (أ). والصواب المثبت.
[ ١٢ / ٢٣٨ ]
غيرَ منوَّن (^١) لأنها اسم قبيلة أو أرض، والباقون بالخفض منوَّنًا (^٢) لأنه اسم أبٍ (^٣).
﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾: قرأ الكسائي وخلف بكسر الكاف موحَّدًا، وقرأ حمزة وحفصر بفتحها موحَّدًا، وقرأ الباقون: ﴿مساكنهم﴾ على الجمع (^٤).
فقوله: ﴿مسكنهم﴾؛ أي: أرضهم وبلدهم، و﴿مساكنهم﴾؛ أي: منازلهم.
ذكر قصةَ سبأ لمشركي العرب -وكانت معروفةً لهم- يحذِّرهم أن ينزل بهم بشركهم وكفرهم ما نزل بأولئك على كثرتهم وقوتهم من جهةِ أضعفِ خلق اللَّه.
ووجه الانتظام: أن الأولى في مدح الشكور والثانيةَ في بيان جزاء الكفور.
يقول: لقد كان لأولادِ سبأٍ في ديارهم، وهو سبأُ بن يَشجُبَ بن يَعْرُبَ بن قحطان، وأولاد سبأٍ سبعة: حِمْيَرٌ وكَهْلانُ وعمرٌو والأشعرُ وأنمارٌ ومرٌّ وعاملةُ، هم بنو سبأ، وكثُر نسلُهم حتى إن خزاعةَ والأوسَ والخزرجَ وغسانَ من جملةِ مَن تمزَّقوا في البلاد لمَّا جرى على بلاد سبأ ما جرى (^٥).
﴿آيَةٌ﴾: أي: علامةٌ تدل على أن لهم إلهًا خلقهم وأنعم عليهم؛ لأن ما أعطاهم من أنواع الشجر وألوان الثمر خارجٌ عن وسع البشر.
﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾: هي ترجمةُ قوله ﴿آيَةٌ﴾.
قال ابن عباس ﵄: كانت سبأُ على ثلاثِ فراسخَ من صنعاء،
_________________
(١) في (ف) و(أ): "مجرى".
(٢) في (ف) و(أ): "مجرى".
(٣) وقرأ قنبل: ﴿لِسَبأْ﴾ بإسكانها على نية الوقف. انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٦٧).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٤٨٠)، و"التيسير" (ص: ١٦٧)، و"النشر" (٢/ ٣٥٠).
(٥) في (أ): "بدى".
[ ١٢ / ٢٣٩ ]
وكانت أخصبَ البلاد وأطيبَها وأكثرَها ثمرًا، حتى كانت المرأة تضع على رأسها مِكْتَلًا فتطوف فيما (^١) بين الأشجار وقد امتلأ المكتلُ من ألوان الثمار من غير أن تمسَّ بيدها شيئًا (^٢).
وكانت مياههم تخرج من جبلٍ، فبنوا فيه سدًّا بالصخر والقار، وجعلوا له ثلاثةَ أبواب: أعلى وأوسطُ وأسفلُ، وكانوا يسرِّحون المياه إلى أشجارهم وكرومهم منها، وكان عن يمين الوادي وسماره بساتينُ وكرومٌ وأنهار، وكان بين اليمين واليسار مسنَّاةٌ، وهي موضعٌ رفيعٌ فيما بين النهرين، فأرسل اللَّه إليهم ثلاثة عشر من الرسل ﵈، فكذَّبوهم وكفروا بهم وبطروا النعمة، وقالوا للرسل: ما للَّه علينا من نعمة.
وقال الضحاك: كان ذلك في الفترة بين عيسى ونبيِّنا صلوات اللَّه عليهما (^٣)، وكانت الفترة ستَّ مئة سنة، ويقال: خمسَ مئة وخمسين سنة (^٤).
وقال أنس بن مالك ﵁: سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن سبأ فقال: "كان سبأٌ رجلًا وُلد له عشرةٌ من الأولاد، تيامَنَ منهم أربعة وتشاءم ستة، فأما الذين تيامنوا
_________________
(١) في (ف): "ما".
(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقصة المرأة التي يمتلئ مكتلها من الفواكه رواها عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤١٥)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٤٧) عن قتادة. ورواها ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٦/ ٦٨٨) عن السدي.
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٧٦).
(٤) روى الطبري في "تفسيره" (٨/ ٢٧٥) عن الضحاك قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى اللَّه عليهما أربع مئة سنة وبضعًا وثلاثين سنة. وعن قتادة: ست مئة، وفي رواية: خمس مئة وستون، وعن معمر: خمس مئة وأربعون.
[ ١٢ / ٢٤٠ ]
فقُضاعةُ والأَزْدُ وخزاعةُ وعاملة، وأما الذين تشاءموا فكلبٌ ولخمٌ وجُذامٌ وغسانُ وطَسْمٌ ووَبَار" (^١).
وعن ابن عباس: "والأوس والخزرج" بدل: "طَسْم ووَبَار" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾؛ أي: بساتينُ من جانبٍ وبساتين (^٣) من جانب.
﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ قيل: عن يمين السائر بينهما وعن شماله.
وقيل: عن يمين الوادي وعن يساره.
وقيل: عن يمين مساكنهم وعن يسارها.
وقيل: كانت بين جبلين.
قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾: أي: قلنا لهم ذلك، وهو أمرُ إباحةٍ ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾: وهو أمر إيجاب.
وقيل: كان هذا على ألسنة رسلهم.
وقيل: هو إخبارٌ عن إباحةٍ وإلزام (^٤) من غير كلام؛ كما في قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ
_________________
(١) لم أقف عليه عن أنس ﵁، ورواه الترمذي (٣٢٢٢) وحسنه من حديث فروة بن مسيك ﵁، ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٢٨٩٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٨٥) وصححه من حديث ابن عباس ﵄. وفي الحديثين: (تيامن ستة وتشاءم أربعة)، وفيهما خلاف رواية المؤلف في بعض الأسماء أيضًا، حيث جاء فهما أن الذين تيامنوا: مَذْحِجٌ وكِنْدَةُ والأَزْدُ والأَشعَرِيُّونَ وأَنْمَارٌ وحِمْيَرُ، والذين تشاءموا: لَخْمٌ وجُذَامٌ وعَامِلَةُ وغَسَّانُ.
(٢) قوله: "وعن ابن عباس والأوس والخزرج بدل طسم ووبار" ليس في (ف). ولم أجده هكذا عن ابن عباس، وانظر التعليق السابق.
(٣) في (ر): "بستانين. . . وبستانين".
(٤) في (ر) و(ف): "وإكرام".
[ ١٢ / ٢٤١ ]
بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤]، وفي قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ الآية [فصلت: ١١].
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: أي: لكم بلدةٌ طيِّبةُ الماء والهواء والتربة (^١) مستلَذَّةٌ مُخْرِجة للنبات والثمرات، وربٌّ غفورٌ لعباده إذا تابوا وأنابوا إليه وشكروا له، فآمِنوا به (^٢) واشكروا له وأطيعوه يغفر لكم.
* * *
(١٦) - ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾: أي: فتولَّوا عن الواجب عليهم من الشكر وكفروا.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: السيل: الماءُ الجاري الكثير الذي لا يضبط دفعُه لعِظَمه.
و﴿الْعَرِمِ﴾ قيل: هو السِّكْر (^٣).
وقيل: هو المطر الشديد.
وقيل: هو اسم وادٍ.
وقيل: هو الجُرَذُ الذي هو نقب السِّكْر.
وقيل: كانت أسنانها من الحديد.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "والبرية".
(٢) في (أ): "واشكروا له بلدة فآمنوا به"، بدل: "وشكروا له فآمنوا به"، وليست في (ف).
(٣) السكر بفتح السين وكسرها وسكون الكاف: السد على الماء. انظر: "حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي" (٧/ ١٩٧).
[ ١٢ / ٢٤٢ ]
قيل: أرسل اللَّه عليه سيلًا فقلعه وهدمه وخرَّبه.
وقيل: كان الماء يُحبس هناك مما يأتي (^١) من أمطار السنة، وكان واديهم ينصبُّ إليه الماء من سائر الأودية، وكانوا يحبسون الماء في السد ويُجْرُون إليها بقَدْر الحاجة، فبعث اللَّه جُرذًا فخرقت السدَّ، فسال الماء المجتمِع فلم يُمْكِن ردُّه، وكبس الجنات حمأةً وترابًا وطينًا حتى علت الأشجار.
وقيل غيرُ ذلك.
وقيل: سال الماء متباعدًا عنهم وغاض (^٢) في الأرض، فجفت جنانُهم لفوات الماء.
وقوله ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾: تثنيةُ (ذات) لأنه نعت ﴿جَنَّتَينِ﴾، والأكُل: الثمر وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب (^٣): ﴿أُكُلِ خَمْطٍ﴾ مضافًا، وقرأ الباقون منونًا (^٤)، و﴿خَمْطٍ﴾ بدلًا عنه وترجمةً له.
وقيل: الخمط: كلُّ نبتٍ مرٍّ لا يمكن أكلُه؛ قاله الزجاج (^٥).
وقال أبو عبيدةَ: هو كلُّ شجرٍ ذي شوكٍ (^٦).
_________________
(١) في (أ): "يلي".
(٢) في (أ): "وغاص".
(٣) "وسهل ويعقوب" ليس من (أ) و(ف).
(٤) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٨)، و"التيسير" (ص: ١٨٠)، عن أبي عمرو، و"النشر" (٢/ ٣٥٠) عنه وعن يعقوب.
(٥) انظر: "معاني القرآن" (٤/ ٢٤٩).
(٦) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٤٧).
[ ١٢ / ٢٤٣ ]
وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: هو الأراك (^١).
وقيل: البرير (^٢).
وقال الحسن: الأثل: الخشب (^٣). وقيل: السَّمُر (^٤). وقيل: الطَّرْفاء (^٥).
﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾: قيل: السِّدر: شجر النَّبق (^٦).
وقال محمد ابن إسحاق: صارت عامةُ أشجارهم الدَّوم وهو المُقْلُ (^٧).
ثم قوله: ﴿مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هو نعتُ السِّدر، والسِّدر كان في الجِنان الأُوَل ويُرْغَب فيه، وبقي شيء منه في الجنان المبدَلة يتذاكرون به ما كان ويتحسَّرون عليه.
وقيل: هو نعت الأُكُل؛ أي: بدِّلت لهم جنانٌ لا خُضرةَ لها ولا نَضرة إلا شيءٌ
_________________
(١) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
(٢) البرير: ثمر الأراك أو أول ما يظهر منه، أو إذا اسود وبلغ فأكله الناس والدواب، وفيه حرارة على اللسان. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: برر).
(٣) ذكره ابن فورك في "تفسيره" (٢/ ١٣٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٨٤).
(٤) السمر من شجرة الطلح: شجر صغير الورق قصير الشوك، له برمة صفراء وخشبه جيد للسقوف. انظر: "معجم متن اللغة" (مادة: سمر).
(٥) الطرفاء بالمد: شجر لا ثمر له وهو نوع من الأثل بالمثلثة. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٧/ ١٩٨).
(٦) النبق بفتح النون وكسر الباء: حَمْل السدر وثمرُه، وتسكن باؤه تخفيفًا، يعني: أنه لطيب ثمره جعله اللَّه قليلا فيما بدلوا به لأنه لو كثر كان نعمة لا نقمة وإنما أوتوه تذكرًا للنعم الزائلة ليكون حسرة عليهم، ولذا قيل: المراد بالسدر نوع منه لا ثمر له يسمى الضال وهو أنسب. انظر: "حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي" (٧/ ١٩٨).
(٧) الدَّوْمُ: ضِخامُ الشَّجرِ ما كان، وقيل: هو شجرٌ يُشبِهُ النَّخل، إلَّا أنه يُثْمِرُ المُقْلَ، وله لِيفٌ وخُوْصٌ. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: دوم).
[ ١٢ / ٢٤٤ ]
قليلٌ لا يُعْبأ به ولا يُكتفى به من الخمط والأثل والسِّدر جميعًا، فكان نعتًا للأكُل وهو من هذه الأشياء الثلاثة.
* * *
(١٧) - ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾: أي: ما فعلنا بهم من إهلاك جناتهم ومساكنهم جزاءُ كفرهم في الدنيا.
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (^١): قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصم في رواية حفص: ﴿نُجَازِي﴾ بالنون ﴿الْكَفُورَ﴾ نصبًا إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه بخطابِ الملوك جمعًا، وهو متعدِّ ناصبٌ للمفعول، وقرأ الباقون: ﴿يُجازَى﴾ بالياء والضم على ما لم يسمَّ فاعله و﴿والكفورُ﴾ رفعًا لأنه اسمٌ لِمَا لم يسمَّ فاعله (^٢).
وهو استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا تكون إزالة النعم إلا جزاءَ الكفور، وهذا في الدنيا والآخرة على اعتبارهما، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية [القلم: ٣٣].
* * *
(١٨) - ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾:
_________________
(١) في (ف): "وهل يجازى. . ".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٨)، و"التيسير" (ص: ١٨١).
[ ١٢ / ٢٤٥ ]
قال مجاهد وقتادة: القرى التي باركنا فيها الشام (^١).
وقال الإمام ابن عباس ﵄: بيت المقدس (^٢).
وقال قتادة: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾؛ أي: متواصلةً (^٣)، وهي أن تَظهر الثانية من الأولى لقربها منها.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾: قيل: أي: للمَقيل والمبيت، بين كلِّ قريتين ثلاثةُ فراسخَ، وقيل: أربعة فراسخ، وقيل: سوَّينا مسيرةَ ما بين كلِّ قريتين فكانت لا تتفاوت.
﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: أي: قال لهم رسولهم ذلك، أو معناه: كانوا يسيرون كذلك؛ كما مر في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ [سبأ: ١٥].
﴿آمِنِينَ﴾: أي: من الجوع والعطش وتعرُّض الناس.
* * *
(١٩) - ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (^٤): قرأ عاصم وحمزة والكسائي ونافعٌ: ﴿رَبَّنَا﴾ بالنصب ﴿بَاعِدْ﴾ بالألف مكسورةَ العين مجزومةَ الدال على الدعاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمر وهشام عن ابن عامر: ﴿بَعِّدْ﴾ بغير ألفٍ مجزومًا أيضًا (^٥)، وهما لغتان كقوله: ﴿لا تُصاعِرْ﴾ و﴿لا تُصَعِّرْ﴾.
_________________
(١) رواه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤١٠)، وعنهما الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٦١).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٦١).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤١٥) و(٢٤١٧)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٦٢).
(٤) في (ف): "بعِّد" بدل: "باعد".
(٥) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٩)، و"التيسير" (ص: ١٨١). وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: ﴿بَاعِدْ﴾ كعاصم ومن معه.
[ ١٢ / ٢٤٦ ]
أي: بَطِروا وأساؤوا السيرةَ، وجهلوا قَدْر النعمة والعافية (^١)، وسألوا اللَّه تعالى أن يبعِّد أسفارهم.
روي أنهم قالوا: ليت أن أسفارنا تباعَدَت، فكنَّا نركب البحار ونحملُ معنا الأزواد ونقطع المفاوِز متنزِّهين، ولزيادة الأموال بالتجارة متكسِّبين، وهذا كجهل قوم موسى في قولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]، وسؤالِهم ما سألوا.
وإلى هاهنا على قول بعضهم بيانُ أولِ أحوالهم: أنه كان لهم جنتان، وكانت منازلهم إلى الشام في الأسفار متقاربةً متيسِّرةً، فملُّو ذلك وسألوا تباعُدَ الأسفار، فبدَّلهم اللَّه بجنتَيهم جنَّتين، وأيبس بلادهم وغوَّر مياههم وأهلك أموالَهم، وفرَّقهم في البلاد، وبعَّد أسفارهم، وذلك قوله:
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بخَسوها حظوظَها من النعمة والعافية والدَّعَة ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يتحدَّث الناس بعدهم بما جرى عليهم فيتمثَّلون به، فيقولون: تفرَّقوا أيدي سَبَا، و: أيادي سَبَا (^٢)، قال الشاعر:
من صادرٍ وواردٍ أيدي سَبَا (^٣)
_________________
(١) في (ر): "وجهلوا قدر العافية"، وفي (ف): "وجهلوا قدر العاقبة".
(٢) أي: تفرقوا مذاهب سبأ وطرقها؛ أي: تفرقًا لا اجتماع بعده. انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٥/ ٤١٠)، و"مجمع الأمثال" للميداني (٢/ ٢٧٥).
(٣) الرجز لدكين الراجز كما في "الفاخر" للمفضل بن سلمة (ص: ٢٢)، وللعجاج كما في "المقصور والممدود" للقالي (ص: ٢٧٤)، ودون نسبة في "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٥٨)، و"الألفاظ" لابن السكيت (ص: ٤٠)، و"معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٥١)، و"البسيط" للواحدي (١٨/ ٣٥٢)، و"المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري (٢/ ٩٠). والرواية في بعض المصادر: (من صادر أو وارد. . .)، وفي الذي قبله اختلاف بين المصادر، وهو عند الفراء وبعضهم: عينًا ترى النّاس إليها نَيْسَبَا
[ ١٢ / ٢٤٧ ]
وقال كثيِّر عزَّةَ:
أيادي سبا يا عَزُّ ما كنتُ بعدكم فلم يَحْلُ للعينين بعدَكِ منظرُ (^١)
وقوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: أي: فرَّقناهم في البلاد كلَّ مفرَّقٍ.
قال الشعبي: أمَّا غسانُ فلحقوا بالشام، وأمَّا الأنمار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعةُ فلحقوا بتِهامةَ، وأما الأَزْد فلحقوا بعُمَان (^٢).
وقيل: كان أولُ حالهم ما ذكر في الآية الأولى، وزال ذلك بسيلِ العَرِم وبدَّل اللَّه تعالى جنتيهم بما بدَّل، فقالوا لنبيهم أو لأنبيائهم: سلُوا اللَّه تعالى حتى يُهيئَ لنا أسبابَنا فنشكرَ له ولا نكفرَه، فجعل اللَّه بينهم وبين الشام قرًى ظاهرةً سهُل عليهم الامتيار، وقرُبت عليهم الأسفار، فلم يشكروا وسألوا تبعيدَ الأسفار (^٣).
وقرأ سهل ويعقوب (^٤): ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ برفع قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ على الابتداء و﴿باعَدَ﴾ على الفعل الماضي (^٥)؛ أي: شكَوا اللَّه، وسمَّوا هذه أسفارًا بعيدة، وعادوا إلى الكفران، فعوقبوا بالتمزيق (^٦) في البلدان، وجُعلوا أحاديث.
_________________
(١) انظر: "المقصور والممدود" للقالي (ص: ٢٧٤)، و"معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٥١)، و"البسيط" للواحدي (١٨/ ٣٥٢)، و"المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري (٢/ ٩٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٦٧).
(٣) ولا حاجة لمثل هذا التأويل المخالف لظاهر الآية، مع عدم الداعي للصرف عن الظاهر، بل الذي في الآية من اجتماع النعم كلها أولًا ثم زوالها بعد كفرهم جملةً أعظم في الاعتبار وأوقع في النفوس، فسبحان اللَّه كيف يذهب مثل هذا على البعض حتى يتحولوا إلى أمثال هذه التأويلات البعيدة عن روح النص القرآني، وكيف يُذهبون دون قصد بمثل هذه الأقوال جماله وروعته.
(٤) "سهل ويعقوب" ليس في (أ) و(ف).
(٥) انظر: "النشر" (٢/ ٣٥٠) عن يعقوب.
(٦) في (أ): "بالتفريق".
[ ١٢ / ٢٤٨ ]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: أي: لكلِّ مؤمنٍ مستكملِ خصالِ الإيمان، فإن الشكر والصبر حاصِلُها (^١)؛ أي: هو المنتفِع بهذه الآيات بالتأمُّل فيها وإن كانت الآيات للكلِّ على العموم.
* * *
(٢٠) - ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾: قرأ عاصم وحمزةُ والكسائي وخلف: ﴿صَدَّقَ﴾ مشدَّدًا (^٢)؛ أي: حقَّق على هؤلاء العصاة الذين أنكروا البعث وأعرضوا عن شكر اللَّه تعالى وكفروا به إبليسُ ما ظنَّه فيهم حيث قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]، وأشباه ذلك.
ولم يقل ذلك عن ثقةٍ بأنه سيكون كذلك، فإنه لم يُخبر به، ولا كان عالمًا بالغيب، لكن استدلالًا بإستزلاله آدمَ وحواء، وقال: تنفُذُ في أولادهما حيلتي كما نفذت فيهما، وحقَّق ذلك الظنَّ بجهده في الإغواء (^٣) والتزيين.
﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إن جُعل ﴿مِنَ﴾ للتمييز فمعناه: فاتَّبعوه في الكفر إلا المؤمنين، وإنْ جعل من للتبعيض فمعناه: فاتبعوه في المعاصي إلا فريقًا من جملة المؤمنين لم يتابعوه في معصيته، وهم المخلصون المطيعون.
وقرأ الباقون: ﴿صَدَق﴾ مهه بالتخفيف؛ أي: صدَق إبليس في ظنه وخرج كما ظن.
_________________
(١) في (ر): "حاصله"، وفي (ف): "حاصلهما".
(٢) وقرأ باقي العشرة بتخفيف الدال كما سيأتي. انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٩)، و"التيسير" (ص: ١٨١)، و"النشر" (٢/ ٣٥٠).
(٣) في (ر): "الإغراء".
[ ١٢ / ٢٤٩ ]
(٢١) - ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: ولايةِ جبرٍ على فعل.
وقيل: أي: حجةٍ على ما يدعوهم إليه.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكنْ؛ أي: ولكنَّا ابتلينا المكلَّفين بوساوسه ليُعلم المؤمن المخلص من الشاكِّ في البعث، وهو استثناء منقطع.
وقيل: هو على حقيقة الاستثناء، وهذا سلطان التخلية؛ أي: وما كان له عليهم من سلطان بالتخلية منَّا إلا لنعلم المؤمنَ من الكافر؛ أي: إلا لتصحَّ (^١) المحنة؛ لأنَّها تصحُّ إذا كان للممتحَن داعٍ يدعوه إلى الباطل وجاذبٌ يجذبه إلى الحق، فيجاهدُ بعقله هواه، فيظهرُ حينئذ طاعةُ المطيع ومعصيةُ العاصي.
ثم قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: إلا لنُظهِرَ المعلوم بوجوده، أو لنعلمه موجودًا حالَ وجوده كما علِمناه قبل وجوده أنه يوجد، أو لنعامل معاملةَ مَن يختبِر للظهور، أو ليعلم أولياؤنا ذلك، وقد كشفنا ذلك كله في نظائره فيما مر.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: عالمٌ به يحفظه على صاحبه ليجازيَه جزاء عمله (^٢).
وقيل: أي: رقيب.
* * *
_________________
(١) في (ر): "لتفضح".
(٢) في (ر): "مثله".
[ ١٢ / ٢٥٠ ]
(٢٢) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: قل يا محمد للمشركين: ادعوا هؤلاء الذين اتَّخذتُموهم من دون اللَّه أولياءَ ليُظهروا شيئًا من آثار القدرة كما أظهرتُ، وهذا توبيخٌ لهم وتقريع.
و﴿زَعَمْتُمْ﴾ بمعنى: ظنَنْتُم هاهنا؛ كما قال الشاعر:
زعَمَتْني شيخًا ولستُ بشيخٍ إنما الشيخُ مَن يَدِبُّ دَبيبا (^١)
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: الأصنام ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾: أي: نصيبٍ، وقيل: أي: شركةٍ مع اللَّه تعالى.
﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾: وما للَّه من الأصنام ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾؛ أي: مُعينٍ على خلقِ شيء.
* * *
(٢٣) - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾: أي: عند اللَّه ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وهو لا يأذنُ في الشفاعة إلا للمؤمنين، ويكون ﴿لَهُ﴾ على هذا التأويل للمشفوع له.
ويجوز أن يكون للشافع؛ أي: لا يَشفع إلا مَن أذن اللَّه له به، واللَّه لا يأذن بالشفاعة للأصنام.
_________________
(١) البيت دون نسبة في "العين" (١/ ٣٦٦)، و"التذييل والتكميل" لأبي حيان (٦/ ٢٤)، و"مغني اللبيب" لابن هشام (ص: ٧٧٥).
[ ١٢ / ٢٥١ ]
وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وخلف والأعمش والبرجمي (^١): ﴿أُذِنَ له﴾ بالضم على ما لم يسمَّ فاعله، والباقون على الفعل الظاهر مضافًا إلى اللَّه تعالى (^٢).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: أي: أُزيل الفزع عنها، وقد فَزِعَ؛ أي: خاف، وأفزعه غيرُه؛ أي: أخافه، وفزَّعه؛ أي: أزال خوفه؛ كقولك: قَذِيَتْ عينه؛ أي: وقع فيها القَذَى، وأقذاها غيرُه؛ أي: أوقَعَ فيها القَذَى، وقذَّاها: أزال عنها القذى، وقريب منه: مَرِض بنفسه، وأَمْرَضه غيرُه: جعله مريضًا، ومرَّضه: إذا قام عليه وداواه وعالجه.
وهذا وصف الملائكة، وتقديره: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ أي: إلا للَّذين أذن اللَّه لهم من الأنبياء والملائكة -و(مَن) للجنس فصلح للجمع- ففزِعوا حين وردَ عليهم كلام اللَّه تعالى بالإذن لهم بالشفاعة، وهم الملائكة، وهذا الفزع من هيبة ما يَقترن به من الأمر الهائل، أو لِمَا يخافون من وقوع التقصير منهم في شفاعة الذين يَشفَعون لهم بأنْ كان على الإجمال دون التعيين فتَشتبِهُ أحوال المشفوع لهم.
حتى إذا كُشف عنها الفزع ﴿قَالُوا﴾ للملائكة الذين فوقهم، وهم المبلِّغون ذلك إليهم:
﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾: أي: أَمر به، وهو كلام الخاضع المتذلِّل.
﴿قَالُوْا﴾: أي: أولئك الملائكة: ﴿الْحَقَّ﴾؛ أي: قال اللَّهُ الحقَّ؛ أي: أَمَر أمرًا حقًّا.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: أي: المتقدِّس بالجلال، المتفرِّد بالكمال، فلا يأمر إلا بالحق.
_________________
(١) "وخلف والأعمش والبرجمي" من (ر).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٢٩)، و"التيسير" (ص: ١٨١)، وقراءة خلف من العشرة في "النشر" (٢/ ٣٥٠).
[ ١٢ / ٢٥٢ ]
يعني: هم مع منزلتهم هذه يفزعون ويُشفقون من (^١) شفاعة مَن لهم يشفعون، وهم بأمر اللَّه يعملون، فكيف يشفعون للكفار؟
وقيل: هذه الشفاعة قولهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧].
قيل (^٢): هو في الآخرة.
وقيل: هو في نزول الوحي المطلق، وتقديره: ولا تنفع الشفاعة في الآخرة عند اللَّه إلا لمن أذن له في الشفاعة من الملائكة الذين يفزعون لِمَا يَرِدُ عليهم من كلام اللَّه تعالى ووحيه بأقضيته، حتى إذا أزال اللَّه عنهم الفزع ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾؛ أي: الشفاعة لهؤلاء لا للأصنام والشياطين والجن.
وقيل: قولهم ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ هذا الإجمال في وحي لم يؤذن للأكابر بيانُه للأصاغر، فأما إذا كان أمرًا يحقُّ إظهاره فسَّروه لهم، والروايات فيه كثيرة.
روى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ -ﷺ- قال: "إن اللَّه تعالى إذا قضى الأمر من السماء ضَربت الملائكة بأجنحتها كضرب السلسلة على الصَّفوان، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: فيسمعها مسترِقُو السَّمْع وهم كذلك، وربما أدرك الشهابُ الأولَ قبل أن يرمي إلى صاحبه، وربما لم يدركه حتى رمى بها إلى صاحبه، فيرمي بها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى تُلقى على فم ساحر أو كاذب فيكذب معها فيصدق، فيقال: ألم يخبرنا يوم كذا بكذا فوجدناه حقًّا، وهي الكلمة التي سُمعت في السماء" (^٣).
_________________
(١) في (أ): "في"، وفي (ر): "على".
(٢) في (ر) و(ف): "وقيل".
(٣) رواه البخاري (٤٧٠١).
[ ١٢ / ٢٥٣ ]
وقال مسروق: سألنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁، ولولا عبدُ اللَّه ما وجدنا أحدًا يخبرنا به قال: إذا تكلم [اللَّه] بالوحي سمع أهل السماوات صلصلةً كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيرون أنه من أمر اللَّه تعالى فيفزعون، فإذا سكن ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^١).
وفي رواية عنه: "فيصعقون، ولا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇ فيفزِّع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربنا؟ فيقول: الحقَّ، فينادون: الحق الحق" (^٢).
وفي حديث شعبة: فيرون أنه الساعة (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: لم يسمع الملائكة الوحيَ في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد -ﷺ- وهو قريبٌ من ستِّ مئة سنةٍ، فلما بعث اللَّه جبريل إلى النبي -ﷺ- سمعتِ الملائكة الوحي فسقطوا مغشيًّا عليهم فظنُّوا أن القيامة قد قامت (^٤).
وقال السدي: سألت الملائكةُ جبريل: إلى مَن بُعث؟ قال: إلى محمد، قالوا: اللَّه أكبر! قد قامت القيامة؛ لأنهم كانوا يقولون: إن محمدًا من أشراط الساعة، فلما علموا آية (^٥) الساعة سأل بعضهم بعضًا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الحق.
_________________
(١) رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٥٤٩)، وما بين معكوفتين منه. وهو موقوف، وعلقه البخاري في (كتاب التوحيد) قبل الحديث رقم (٧٤٨١) عن مسروق عن ابن مسعود موقوفًا أيضًا.
(٢) رواه أبو داود (٤٧٣٨) من حديث ابن مسعود ﵁ بإسناد صحيح مرفوعًا.
(٣) رواه الدارمي في "الرد علة الجهمية" (٣٠٨) عن ابن مسعود موقوفًا. وانظر الكلام في رفع هذا الحديث ووقفه في "فتح الباري" (١٣/ ٤٥٦).
(٤) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٤/ ٣٣١) عن السدي، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٣٩٨) عن السدي ومقاتل والكلبي.
(٥) في (أ): "أنه".
[ ١٢ / ٢٥٤ ]
وعن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام قال لرسول اللَّه -ﷺ-: كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال: "كلُّ ذلك يأتيني الملك أحيانًا في صورة الرجل، فيقول لي فأعي ما يقول لي، ويأتيني أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيَفْصِم عني وقد وَعَيْتُ ما قال، وهو أشدُّ عليَّ" (^١).
* * *
(٢٤) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾: مَن يخلق لكم الأرزاقَ الكائنة في ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الأمطار وما يَصلح بالشمس والقمر والنجوم، وما في الأرض من الماء والنبات، ولا يقدرون أن يضيفوا شيئًا من ذلك إلى آلهتهم، فيسكتون لانقطاع الحجة.
﴿قُلْ﴾ أنت: ﴿اللَّهُ﴾ يفعل (^٢) ذلك ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: فإنا لعلى هدًى بالإيمان باللَّه تعالى والإخلاصِ له، وأنتم في ضلالٍ مبين بإشراككم به غيرَه.
والجمع بين الكلامين تعريضٌ بتضليلهم وتخلُّصٌ (^٣) إلى المقصود بكلام هو في غاية الحسن والإنصاف؛ كالرجل يريد تكذيبَ صاحبه فيقول: أحدنا كاذبٌ، فيكون هذا ألطفَ من أنْ يقول: أنت كاذب، وأوامرُ اللَّه تعالى في دعاء الكفار إلى الإسلام مبنيةٌ على الأرفق والأقرب إلى ما يُرجَى به ميلهم إلى الإسلام، ألا تراه
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢١٥)، ومسلم (٢٣٣٣).
(٢) في (ف): "يقول".
(٣) في (ر): "وتخليص"، وفي (أ) تحتمل اللفظين.
[ ١٢ / ٢٥٥ ]
قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، ونحو هذا الكلام قول حسان ﵁:
أتهجوهُ ولستَ له بندٍّ فشرُّكما لخيرِكما الفداءُ (^١)
وقيل: هو من التقسيم الذي هو من أقسام البلاغة، هما مبتدآن لهما خبران، فيتصل كلُّ خبر بمبتدئه، وتقديره: وإنَّا لعلى هدى وإياكم لفي ضلال مُبين، وهو كقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]؛ أي: الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا من فضله، وهو كقول أمرئ القيس:
كأنَّ قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي (^٢)
أي: الرَّطب كالعُنَّاب واليابسُ كالحشف البالي.
* * *
(٢٥ - ٢٦) - ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: أي: إنما أدعوكم لنَفْعِكم ودفعِ الضرِّ عنكم، لا لنفعنا ودفع الضر عن أنفسنا، فإنكم لا تؤاخَذون بإجرامنا ونحن لا نؤاخَذ بإجرامكم.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾: أي: في القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يقضي فيجزي كلَّ فريق على وَفْقِ عمله إنْ خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾: أي: القاضي العدلُ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأعمال العباد وبوجوه القضاء.
_________________
(١) انظر: "ديوانه" (ص: ٩).
(٢) انظر: "ديوانه" (ص: ١٣٩). العناب: ثمر، والحشف: اليابس الفاسد من التمر.
[ ١٢ / ٢٥٦ ]
(٢٧) - ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾: أي: قل يا محمد للمشركين: ﴿أَرُونِيَ﴾؛ أي: عرِّفوني ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: باللَّه ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ أي: في العبادة، هل لها شركٌ في السماوات والأرض؛ أي: شركةٌ (^١) مع اللَّه في الخلق فتستحقَّ العبادة.
وقيل: ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ أي: في الخَلْق، فيَستقيمَ وصفُها بكونها شريكًا للَّه (^٢) أو معبودًا معه؛ أي: وهذا لا يكون.
فإذا عجزوا عن ذلك فقل أنت: ﴿كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي: لا معبودَ إلا اللَّه، وهو اللَّه المعبود المستحِقُّ للعبادة، العزيزُ الذي لا يُرام، والحكيم الذي له تنفيذُ الأحكام، ومنه الإتقان والإحكام، وإراءة الآيات والأعلام.
* * *
(٢٨ - ٢٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: ذكَر إنكارهم رسالتَه في أول هذه السورة، وقال هاهنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ وفيه تقديم وتأخير، وتقديره: وما أرسلناك إلا مبشِّرًا (^٣) ونذيرًا للناس كافةً؛ أي: جميعًا، وكفَّ الثوبَ: جمَع ما تفرَّق من أطرافه.
_________________
(١) في (أ): "أو شركة"، وفي (ر): "أي لشركة"، وسقطت من (ف).
(٢) في (ف) و(أ): "بكونه شريكًا للَّه"، وفي (ر): "بكونها شركاء مع اللَّه".
(٣) في (ف): "بشيرًا".
[ ١٢ / ٢٥٧ ]
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وهم المشركون؛ لأنَّهم أكثر من المؤمنين، ولا يعملون بعلمهم، ولا يتأمَّلون في الآيات ليعلموا.
وقوله ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: وهو شاملٌ لِمَا يقع به التبشيرُ والإنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ذلك.
* * *
(٣٠) - ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾: أي: هذا مؤقَّتٌ عند اللَّه بيوم لا يتقدَّمونه بساعةٍ ولا يتأخرون عنه، وهو يوم القيامة.
وقيل: هو يوم الموت، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]؛ أي: بالموت يأتيكم ما توعدون به قبل قيام الساعة.
* * *
(٣١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾: أي: لن نصدِّقَ به؛ أي (^١): بنزول القرآن على محمد ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: التوراةِ والإنجيل، جحَدوا التوراة والإنجيلَ حين احتج عليهم بقول علماء أهل الكتاب وإخبارهم (^٢) عن ذكر النبيِّ فيهما، فجحدوا الكتب كلَّها أصلًا سفهًا منهم.
_________________
(١) "به أي" ليس في (أ).
(٢) في (أ): "وأحبارهم".
[ ١٢ / ٢٥٨ ]
وقيل: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: هو قيام الساعة.
ثم بيَّن حالهم ذلك اليومَ فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: محبوسون في موضع الحساب والسؤال ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾؛ أي: يتراجعون الكلام بينهم باللوم واللعن والبراءةِ من بعضهم عن بعضٍ.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: أي: يقول الأتْباع للسادة الذين من صفتهم استضعافُ مَن دونَهم وجرُّهم إلى مرادهم:
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾: أي: لو لم يكن تسلُّطكم علينا وقهرُكم إيانا واستتباعُكم لنا ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بمحمد متابِعين له.
* * *
(٣٢) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾: استفهام بمعنى الإنكار، ومعناه: ما منعناكم عن اتِّباع الهدى بعد إذ جاءكم (^١)، وما كان لنا ولايةُ القهر لو آمنتم أن نمنعكم (^٢) ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ ثابتين على الكفر باختياركم.
* * *
(٣٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) "بعد إذ جاءكم" ليس في (أ).
(٢) "أن نمنعكم" ليس في (أ) و(ف).
[ ١٢ / ٢٥٩ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: بل كان سببُ كفرنا مكرَكم بنا في الليل والنهار على الدوام، كنتُم تخادعوننا عن الهدى، وتمكرون بنا أبدًا، وأضاف المكر إلى الليل والنهار لوقوعه منهم فيهما، وهو كقول الشاعر:
لقد لُمْتِنا يا أمَّ غيلانَ في السُّرَى ونمتِ وما ليلُ المطيِّ بنائمِ (^١)
وقيل: كان الليل والنهار يمكران بطولِ السلامة فيهما.
والأصح الأول، ويدل عليه ما بعده: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾: أي: أشباهًا من الأصنام، فنعبدَها دونه.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: أي: أضمروها في قلوبهم واستشعروها في قلوبهم.
وقيل: أخفوها؛ أي: السادة عن الأتباع.
وقيل: أي: أظهروها بقولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ونحوِ ذلك، والكلمة من الأضداد؛ قاله القتبيُّ (^٢) وقطرب، وأنشد للفرزدق:
فلما رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه أسَرَّ الحروريُّ الذي كان أَضمَرا (^٣)
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: لمَّا رأوا العذاب ولمَّا جعلنا؛ أي: ندموا حين رأوا الأغلال جُعلت في أيدي الكفار إلى أعناقهم، ويحتمل
_________________
(١) البيت لجرير. انظر: "ديوانه" (٢/ ٩٩٣). قال أبو عبيدة في "شرح النقائض" (٣/ ٨٧٦): أم غيلان يعني ابنته، يقول لابنته: لا تلومينا في السرى في ليلتنا ونهارنا، ما المطي بنائم ليله كلّه في طلب العلا.
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٥٧).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" (١٦/ ٤٠)، و"الأضداد" لابن الأنباري (ص: ٤٦)، و"تهذيب اللغة" (١٢/ ٢٠١)، وفيه: قال شمر: لم أجد هذا البيت للفرزدق.
[ ١٢ / ٢٦٠ ]
أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَأَسَرُّوْا. . . وَجَعَلْنَا﴾؛ أي: وجعلنا الأغلال في أعناق المستضعَفين والمستكبرين جميعًا فهم كفار.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: استفهام بمعنى النفي للتقرير؛ أي: لا نجزيهم إلا بأعمالهم.
وأضمر في آخر هذه الآيات جوابَ قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ رأيت منظرًا هائلًا، ونحو ذلك كما عُرف (^١).
نزلت ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ وما بعدها في الأسود بن عبد يغوثَ الزهريِّ وأصرم وبَعْكك أخوين من بني حارث بن عبد مناف.
* * *
(٣٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: أي: وما بعثنا قبلك في بلدةٍ من رسولٍ ينذر الناس عاقبةَ الشرك والكفرِ ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾؛ أي (^٢): منعَّموها، وهم أصحاب الأموال والأعوان مستكبِرين ممتنعين عن زوال رئاستهم.
﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: أي: جاحدون.
وعمَّ قوله: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ لأنه عمَّ جميع أهل القرى؛ أي: كان جوابُ مترفي كلِّ قوم لرسولهم كذلك، واللفظ واحد (^٣) في ﴿قَرْيَةٍ﴾ كذلك ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ ولكن معناه الجمعُ، فصح قوله: ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾؛ أي: وكذلك قال أهل مكة لك يا محمد، وفيه تسليةٌ له.
_________________
(١) في (ر): "عرفت"، وفي (ف): "عرف مرات".
(٢) "مترفوها أي" من (أ).
(٣) في (ف): "وحد".
[ ١٢ / ٢٦١ ]
(٣٥ - ٣٦) - ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾: أي: من الأنبياء، فنحن أكرمُ على اللَّه وأولى بالحق ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛ أي: ولا يعذِّبنا اللَّه على تكذيب الرسل لأنه فضَّلنا عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: أي: يوسِّع على مَن يشاء ويضيِّق على مَن يشاء، لا تفضيلا لمن يوسِّع عليه لكنْ لِمَا يرى من الحكمة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يقفون على (^١) مواضع الحكمة.
* * *
(٣٧) - ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾: أي: قربةً، وقيل: أي: درجةً ومنزلة.
﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أي: لكنْ مَن آمَن وعمل صالحًا فأولئك لهم الزُّلفى.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾: أي: الأضعاف، والضعفُ هو المثل إلى ما زاد عليه، وهو جنس يصلح للجمع، ويدلُّ عليه قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
_________________
(١) في (أ): "لا يفقهون على" وفي (ف): "لا يفقهون".
[ ١٢ / ٢٦٢ ]
﴿بِمَا عَمِلُوْا﴾: أي: بأعمالهم ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾؛ أي: في غرفِ (^١) منازل الجنة ﴿آمِنُونَ﴾ من كلِّ مَخوف.
و﴿إِلَّا﴾ على هذا القول استثناءٌ منقطع بمعنى: لكن.
وقيل: هو استثناء متصل، ومعناه: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ في أمواله وأولاده، فأنفق مالَه في نصرة دين اللَّه وإقامةِ حدود اللَّه، واستَظهر بأولاده على طاعة اللَّه ومتابعةِ رسل اللَّه ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ فيضاعف خيرُهم بأموالهم وأولادهم.
وقيل: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ هو دوام النعيم (^٢) في الجنة بالتضاعُف وقتًا بعد وقتٍ بلا انقطاع.
* * *
(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ (^٣): أي: في إبطالها وفي صرف الناس عنها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: ظانِّين أنهم يفوتوننا.
﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: أي: في النار، بخلاف الفريق الأول أنهم في غرفات الجنة آمنون.
* * *
(٣٩) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
_________________
(١) في (ف): "غرفات".
(٢) في (ف): "النعمة".
(٣) في (ف): "معجزين".
[ ١٢ / ٢٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾: أي: فلا تتَّكلوا على ما أعطاكم من أسباب العزِّ والتوسُّع في الدنيا، ولا تمتنِعوا بها عن طاعة اللَّه (^١)، بل أنفقوا في طلب مرضاته.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾: يعطي خلَفَه في الدنيا مع ما يُثيب عليه في الآخرة.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أي: المعطِين؛ لأنه قادر على مواصلةِ رزقه وزيادةِ ما شاء لمن شاء فيه بغيرِ حساب، وليس إعطاءُ العباد كذلك، ولأنه يعطي مِلكَ نفسه، ولأنه يوجِد المعدوم، وغيرُه يعطي رزقَ اللَّه تعالى، ويحوِّل من موضعٍ إلى موضع.
ولا رازق في الحقيقة إلا اللَّه تعالى، ولا خالق أيضًا غيرُه، لكن معنى ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ هذا، و﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: أحسن المصوِّرين والمقدِّرين.
وقيل (^٢): معنى تكرار هذه الآية: أن الأولى خطاب للكافرين وهذه خطاب للمؤمنين.
ثم قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: في وجوه الخير، وذلك وإنْ لم يُذكر فالإنفاق المثمِر هذا، والذي لا يثمر هذا (^٣) كلا إنفاقٍ، كالعلم الذي لا ينفع يسمَّى جهلًا، وكذلك وصَف الكفار بأنهم صمٌّ بكمٌ عميٌ وأنهم لا يعقلون، لعدم انتفاعهم بهذه الآلات.
* * *
_________________
(١) في (ف): "عن الطاعة للَّه".
(٢) "قيل" ليست في (أ).
(٣) "هذا" مكررة في (أ).
[ ١٢ / ٢٦٤ ]
(٤٠) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: أي: الذين سبق ذكرهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ: ٣١] و﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (^١) [سبأ: ٣٢].
وقيل: يوم يحشر العابدين والمعبودين جميعًا؛ أي: يجمعهم للحساب والعرض.
﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ (^٢) بحضرتهم ﴿لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أهؤلاء المشركون كانوا يعبدونكم في الدنيا.
* * *
(٤١) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: أي: ننزِّهكَ تنزيهًا أن يكون معك إلهٌ.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: أي: أنت إلهُنا وحافظُنا ومتولِّي أمورِنا ومصالحنا، وأنت الذي نتولَّاك ونلتمسُ قُربك بإخلاص العبادة لك.
﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾؛ أي: من دون هؤلاء المشركين الذين يزعمون أنهم يتولَّوننا ونتولَّاهم، بل أنت وليُّنا وحدك وهم ليسوا لنا بأولياء ولا نحن لهم أولياء.
﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: أي: بل كانوا يتولَّون الجنَّ ويظنُّون أنهم يتولَّوننا، ويعبدونهم ويتوهَّمون أنهم يعبدوننا.
﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾: أي: كلُّهم؛ كقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]
_________________
(١) في (ر) و(ف): "وقال الذين اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا".
(٢) في (ف) و(أ): "ثم نقول".
[ ١٢ / ٢٦٥ ]
فهو كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وكقوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]؛ أي: لا يؤمنون أصلًا.
وهذا توفيقٌ للكلام بمنزلة قولك: اقبَلْ وَعْظي لعلك تُفْلحُ، ولا تريد به الشكَّ لكنه توفيق للكلام.
قيل: كان بنو مليحٍ من العرب يعبدون الملائكة ويقولون: هم بنات اللَّه من مصاهرة الجن، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].
وقيل: معناه: بل كانوا يطيعون الشياطين في عبادتهم إيانا.
* * *
(٤٢) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: أي: يقال لهم: اليومَ لا تجدون عند هؤلاء الذين كنتُم تعبدونهم من دون اللَّه ضرًّا ولا نفعًا مما كنتُم ترجون من شفاعتهم لكم.
﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: لهؤلاء الكفار ولسائرهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ويقولون مستهزئين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [سبأ: ٢٩].
* * *
(٤٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: وإذا تقرأ على هؤلاء ﴿آيَاتُنَا﴾: آيات
[ ١٢ / ٢٦٦ ]
القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحاتٍ دالَّاتٍ على إعجاز القرآن ﴿قَالُوْا مَا هَذَا﴾ يعنون محمدًا ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾؛ أي: يصرِفَكم عن دينِ آبائكم.
﴿قَالُوْا مَا هَذَا﴾: أي: القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾؛ أي: كذب ﴿مُفْتَرًى﴾؛ أي: مختلَقٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: تخييلٌ ظاهر؛ تحيَّروا: فمرة قالوا: هو كذب، ومرة قالوا: هو سحر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿سِحْرٌ﴾ من قولِ الأتباع، وقوله: ﴿إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ من قول السادة.
* * *
(٤٤) - ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.
﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: أي: وما أعطينا هؤلاء المشركين كتبًا يتدارسونها (^١) فيدَّعون أنهم وجدوا فيها شاهدًا لقولهم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾: أي: ولم نُرسل إليهم قبلك رسولًا يا محمدُ يخبرهم عن اللَّه بإبطالِ أمرك (^٢)، فليست عندهم حجةٌ على ما يقولونه في القرآن وفيك، وهو كقوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤].
* * *
(٤٥) - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
_________________
(١) في (أ): "يدرسونها".
(٢) في (ف) و(أ): "أمر محمد".
[ ١٢ / ٢٦٧ ]
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: وقد كذَّب الذين كذَّبوا قَبْلَهم من الأمم والرسل فأهلكناهم.
﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾: أي: إن هؤلاء المشركين لم يبلغوا في القوة والأموال (^١) والأولاد عُشر ما بلغه أولئك، فإذا لم يمتنع أولئك من عذابي فكيف يمتنع هؤلاء.
والمعشار: العشر، وكذلك المرباع: الرُّبع، ولا يُتكلم بمثله إلا في هذين؛ قاله قطرب.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: قيل: النكير جزاءُ المنكَر.
وقيل: هو الإنكار؛ أي: التغيير؛ أي: فانظر كيف كان تغييري أحوالَهم عن المحبوب إلى المكروه، وتقديره: نكيري، حُذفت الياء تخفيفًا واكتُفيَ بكسرة الراء؛ لاتِّفاق الفواصل.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾: ثم إن اللَّه تعالى بعد أن حاجَّهم فيما وصَفوا به الكتاب والرسول، وعَظَهم ودعاهم إلى النظر ومخالفةِ سُبُل (^٢) الأمم الخالية في التقليد.
وبيَّن وجه النظر على أبلغ وجه وأَبْينِه فقال: قل يا محمدُ لمشركي مكة: إنما
_________________
(١) في (ر): "والمال".
(٢) في (ر): "سبيل".
[ ١٢ / ٢٦٨ ]
أذكِّركم بكلمة واحدةٍ أو خَصلةٍ واحدةٍ أو موعظةٍ واحدةٍ، وأكتفي بها منكم، وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ وهي قيامُ القصد إلى الشيء دون النهوض والانتصاب ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لوجه اللَّه والْتماسِ التقرُّب إلى اللَّه تعالى، لا لحميَّة وعصبية بل لطلب الحق ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾؛ أي: مجتمعين ووحدانًا؛ لأن ما يراد تعرُّفه بالنظر (^١) لا يخلو من أن يكون مما يدركه الناظرُ وحده إذا أمعن (^٢) نظره لوضوح وجهه، أو يكون مما لا تتجلَّى الشبهة فيه عنه بانفراده لغموضه حتى يستعين بغيره، فالأحوطُ هو النظر في الأمر بالوجهين.
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾: أي: تستعملوا فكركم بالتدبُّر في أمر محمدٍ: هل في شيء من أحواله من مَنشئه إلى وقتِ إخباره بنزول الوحي عليه اشتباهٌ (^٣) في أمره أو اختلالٌ في حاله يوجب له وصمَه، أو يوجِّه (^٤) عليه ظنَّه بما لا يجوز معه في العقل أن يكون رسولًا؟
وهل جرَّبتم عليه كذبًا، أو رأيتم في عقله ضعفًا، أو شاهدتُموه يختلف إلى مَن يدَّعي سحرًا أو يكون عنده أقاصيصُ الأولين فيأخذُها منه تعلُّمًا؟
أو هل يقدر أحدٌ منكم على معارضته في صورة (^٥) فتجوِّزوا بذلك أن يكون هذا الكتاب مِن عنده؟
فإذا لم يكن كذلك فاعلموا أنه ليس به جنونٌ، وأنه نذير لكم بين يدي عذابٍ
_________________
(١) في (أ): "بقربه بالنظر" وفي (ر) (ف): "تعرفه للنظر".
(٢) في (أ): "أنعم".
(٣) في (أ) و(ف): "انتشار".
(٤) في (ر): "يوجب"، وفي (ف): "يوجبه".
(٥) في (أ): "سورة".
[ ١٢ / ٢٦٩ ]
شديد: أمام عذابٍ قد أعدَّه اللَّه تعالى لمكذِّبي رسوله وجاحدي كتابه ومشركي غيرِه به، واحذروا أيضًا أن ينالكم هذا العذاب الشديد، فقد اشتملت هذه الآية مع قلَّة حروفها على إثبات النظر ووجوهه.
ثم قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ثُم تَتَفكَّروا أيُّ شيء بصاحبكم من الجنون؛ أي: من آثار الجنون، فيتصل الكلام.
والثاني: أن يتم الكلام بقوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾؛ أي: في الأمور التي عدَّدنا، ثم يكون قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ابتداءً، ويكون ﴿ما﴾ للنفي؛ أي: ليس به جنون ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: ما هو إلا مخوِّف لكم أمام عذاب شديد.
* * *
(٤٧) - ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾: أي: كلُّ ما طلبتُ منكم على ما أدعوكم إليه من الإيمان من جُعلٍ فهو لكم؛ أي: فقد جعلتُه لكم لا حاجةَ لي إليه، ولا أطلب منكم شيئًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ما أبتغي عليه إلا الثوابَ من اللَّه تعالى، وقد وعده لي وعدًا مؤكَّدًا لا خُلف فيه ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؛ أي: شاهدٌ عليَّ وعليكم، مشاهِدٌ لأفعالي وأفعالِكم، فيجزي كلًّا على وَفْق عمله، وهذا تأكيدٌ أنه لم يسألهم شيئًا، وهو كقولك لمن نصحت له فلم يقبل: ما أعطيتني على نصيحتي لك فخذه مني؛ أي: لم تعطني شيئًا ولم أسأله منك.
وللآية وجهٌ آخر: قال الكلبي: لما قال اللَّه تعالى لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا
[ ١٢ / ٢٧٠ ]
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال: لا تؤذوا محمدًا في أقاربه، فلما ذكر رسول اللَّه -ﷺ- آلهتَهم بعد ذلك قالوا: ما أنصفَنا محمدٌ -ﷺ- ينهانا أن لا نؤذيَ أقاربه ففعلنا، وهو يذكر آلهتنا! فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾؛ أي: إن شئتم فآذوهم، فردَّ عليهم أجرهم الذي كان سألهم من (^١) أن لا يُؤذوا أقاربه.
وفيها وجه آخر: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ وهو الكفُّ عن أذى أقاربي ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾؛ أي: فذلك الأجر لكم؛ لأنكم إذا فعلتُموه كان ثوابه من عند اللَّه لكم.
* * *
(٤٨) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾: أي: يُلقي الحقَّ إليَّ وإلى عباده المؤمنين على وجهٍ لا يقع عليه اعتراضٌ متوجِّهٌ، بل يَبطُل به الباطلُ.
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أي: هو علَّام الغيوب، لا تخفَى عليه حقائق الأشياء، ولا يذهب عليه (^٢) الصواب في الحجج.
* * *
(٤٩) - ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: الدِّين الحقُّ؛ لوضوح آياته ودلالاته ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ أي: ولا يَثبُت للباطل -أي: الشركِ- أثرٌ بدءًا ولا عودًا.
وقال أبو عبيدة: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يأتي بالحق (^٣).
_________________
(١) "من" من (أ) و(ف).
(٢) في (أ): "عنه".
(٣) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٥٠).
[ ١٢ / ٢٧١ ]
وقال نِفطويه: أي: يلقي الحقَّ في قلبِ مَن يشاءُ وعلى لسانه.
وقيل: هو ما قال في آية أخرى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨].
وقيل في قوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: القرآن.
قال الضحاك: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: القرآن ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ أي: ما يخلق إبليس أحدًا ولا يبعثه (^١).
وقال الحسن: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ لأهله خيرًا في الدنيا ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ عليهم خيرًا (^٢) في الآخرة، والباطل ما عُبد من دون اللَّه (^٣).
* * *
(٥٠) - ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾.
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾: أي: إن تركتُ الحقَّ الذي أَتيتُ به واتَّبعتُكم فقد ضلَلْتُ وألحقتُ الضررَ بنفسي.
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾: ثبتُّ على حقي ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ تبيان (^٤) جاءني من ربي ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَا أقوله لكم ﴿قَرِيبٌ﴾ مني ومنكم يجازيني ويجازيكم.
_________________
(١) رواه يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٧٧٠)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٠٧) عن قتادة.
(٢) في (أ): "جزاء".
(٣) ذكره ابن فورك في "تفسيره" (٢/ ١٥٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٩٤)، والزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٩٢)، ولفظه في "الكشاف": لا يبدئ لأهله خيرًا ولا يعيده؛ أي: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.
(٤) في (ر) و(ف): "فيه بيان"، بدل: "تبيان".
[ ١٢ / ٢٧٢ ]
(٥١) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾: قيل: يتصل بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وقال ابن عباس ﵄ والضحاك: هو يوم بدر حين أخذتهم سيوف الملائكة (^١).
وقال الحسن ﵀: وهو حين يخرجون من قبورهم (^٢)
﴿إِذْ فَزِعُوْا﴾؛ أي: هابوا (^٣)، وقيل: أي: خافوا خوفًا شديدًا.
وقيل: الفزع: انزعاج النفس بتوقُّع المكروه.
﴿فَلَا فَوْتَ﴾ قال الضحاك: أي: لا مهرب (^٤).
وقيل: فلم يفوتوا ما نزل من العذاب بهم.
﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: أي: من قُرْب فلم يفوتوا، وهو تمثيل لسرعة الأخذ.
وقيل: هو تأكيدُ ﴿فَلَا فَوْتَ﴾.
ومَن حمَله على يوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يصيروا إلى الآخرة، وهو المكان القريب.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٠٩) عن ابن عباس والضحاك وابن زيد، وخبر ابن عباس والضحاك بلفظ: (عذاب الدنيا)، وليس فيه تعيين يوم بدر، لكنه عام فيشمله.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣١٢).
(٣) في (ر) و(ف): "غابوا"، ولم أجد هذا المعنى فيه.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣١٤).
[ ١٢ / ٢٧٣ ]
وقال الحسن: ﴿وَأُخِذُوا﴾ يوم القيامة ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: من بطن الأرض إلى ظهرها (^١).
* * *
(٥٢) - ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾: يجوز أن يكون راجعًا إلى قوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾، ويجوز أن يكون إلى الوحي فقد قال: ﴿فَبِمَا يُوحِي﴾، ويجوز أن يكون إلى الرب فقد قال: ﴿إِلَيَّ رَبِّي﴾ (^٢).
فإن كان هذا عند الموت فهو كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩].
وإن كان في القيامة فكلُّ الكفار يؤمنون (^٣) ويتبرَّؤون عن الكفر حينئذ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي: كيف ومِن أين لهم تناوُل الإيمان من مكان بعيد؟ وهو تمثيل ومعناه: ليس هذا وقتَ نفعِ الإيمان ولا مكانَ قبول الإيمان، كان ذلك في الدنيا وقبل معاينة هذه الأحوال.
وقرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائي وخلف (^٤)، وعاصم في رواية أبي بكر والشموني والبرجمي (^٥):. . . . . . .
_________________
(١) ذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" (٢/ ٧٧١)، وابن أبي زمنين في "تفسيره" (٤/ ٢١).
(٢) في (ف): " ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ "، وهي أيضًا مما تقدم.
(٣) بعدها في (ر): "به".
(٤) "وخلف" ليست في (أ) و(ف).
(٥) قوله: "والشموني والبرجمي" ليس في (أ). والشموني هو محمد بن حبيب، قرأ على أبي يُوسف الأعشى، وقرأ أبو يوسف على أبي بكر، =
[ ١٢ / ٢٧٤ ]
﴿التناؤش﴾ مهموزًا ممدودًا (^١).
قال الزجاج: هو من النَّأْش، وهو الحركة في إبطاء (^٢)؛ أي: من أين لهم أن يتحرَّكوا فيما لا حيلة فيه.
وقرأ الباقون: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بغير همزٍ، وهو التناول، والنَّوش كذلك؛ قال الشاعر:
وَهْيَ تَنوشُ الحوضَ نَوْشًا مِن عَلَا نَوْشًا به تَقْطَعُ أَجْوازَ الفَلَا (^٣)
وقال ثعلب: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بغير همز: التناول من قُرْبٍ، وبالهمز: التناول من بُعْدٍ.
وقيل في الآية: وكيف لهم تناولُ ما في الدنيا من الآخرة وهي بعيدة عن الدنيا؟
_________________
(١) = انظر: "النشر" (١/ ١٣٥). والبرجمي: عبد الحميد بن صالح بن عجلان التيمي، أبو صالح الكوفي، أخذ القراءة عرضًا عن أبي بكر بن عياش ثم عن أبي يوسف الأعشى بحضرة أبي بكر. انظر: "طبقات القراء" لابن الجزري (١/ ٣٦٠).
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٣٠)، و"التيسير" (ص: ١٨١) عن حمزة والكسائي وأبي عمرو وأبي بكر. وقراءة خلف في "النشر" (٢/ ٣٥١).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٥٩).
(٤) الرجز لغيلان بن حريث كما في "مجاز القرآن" (٢/ ١٥٠)، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي (٢/ ٢٤٧)، و"اللسان" (مادة: نوش). ودون نسبة في "الكتاب" (٣/ ٤٥٣)، و"معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٦٥)، و"إصلاح المنطق" (ص: ٣٠٧). قال في "اللسان": الضمير في قوله: (فهي) للإبل، و(تنوش الحوض): تتناول ملأه، وقوله: (من علا)؛ أي: من فوق، يريد أنها عالية الأجسام طوال الأعناق، وذلك النوش الذي تناله هو الذي يعينها على قطع الفلوات، والأجواز: جمع جوز، وهو الوسط؛ أي: تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شربًا كثيرًا وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ماء آخر.
[ ١٢ / ٢٧٥ ]
(٥٣) - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبلِ حالة اليأس (^١)، أو قبلَ يوم القيامة.
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي: يرمون بالظن المغيَّب عنهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: يظنون أن إيمانهم في الآخرة أو حالةَ اليأس نافعٌ لهم؛ جهلًا منهم في الآخرة وحالةِ اليأس كما كانوا جاهلين في الدنيا وفي غير حالة اليأس فعمَّهم الجهل في الحالين.
وقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ هو ابتداء كلام في وصفهم في الدنيا، ومعناه: يرمون بالظن فيقولون: لا بعث ولا جزاء، وهو رجمٌ بالظنِّ من مكان بعيد، وهو أضعف ما يكون من الظنِّ لبُعد المكان عن الظانِّ.
وقيل: هذا البعد عن القلب، وقيل: عن العقل.
وقيل: هذا الظن البعيد منهم كان في القرآن وفي الرسول، فكانوا يصفون كلَّ واحد منهما بصفات مختلفة.
وقيل: المكان البعيد تمثيل؛ كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقيل: هو الوصف منهم في الدنيا، لكنه متصل بالأول بإضمار: كانوا؛ أي: لا ينفعهم الإيمان لأنهم كفروا به من قبل وكانوا يقذفون بالغيب من مكان بعيد في الدنيا.
وقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يرمون بالآخرة ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: يبعدون أمرها فلا يعتقدون كونَها، كما قال تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، وهذا معنى قول الضحاك.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "البأس" وكذا في المواضع الآتية كلها.
[ ١٢ / ٢٧٦ ]
وقيل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: يرمون آجالهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: يقدِّرونها بطولٍ فيسوِّفون بالتوبة، وهذا معنى قول عكرمة.
* * *
(٥٤) - ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: أي: من الانتفاع بالإيمان والتوبة ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: بالذين سابقوهم (^١) على الكفر من الماضين، كان لا يقبل إيمانهم عند البأس، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤].
وقيل: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ حينئذ ﴿وَبَيْنَ مَا﴾ كانوا (^٢) ﴿يَشْتَهُونَ﴾ وهو الأموال والأولاد والأسباب التي كانوا يتنعَّمون بها ويتعزَّزون (^٣) في الدنيا بها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾: أي: في شك من القرآن والرسول والإيمان والبعث، وكلُّ ذلك سبق ذكره.
وقوله تعالى: ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: مشكِّكٍ (^٤)، وهو مبالغةٌ كقولهم: عَجَبٌ عجيب، وشتاءٌ شاتٍ، وليلةٌ ليلاء.
_________________
(١) في (ر): "شايعوهم".
(٢) "كانوا" ليست في (ف).
(٣) في (أ): "ويتغررون".
(٤) في (ف): "مشك".
[ ١٢ / ٢٧٧ ]
وقيل: المريب: الآتي بالمكروه، وقال الهذلي الشاعر:
كنتُ إذا أتوتُه من غيبِ كأنني أَرِيبه بريبِ (^١)
أي: هؤلاء الكفار الذين في عصرك والكفار الماضون من قَبلك كانوا كذلك فعذِّبوا لذلك.
قال (^٢) ابن عباس ﵄: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ في السفياني الذي يظهر في آخر الزمان يقصد الكعبة في ثمانين ألفًا ليخربها، فيُخسف بهم في البيداء (^٣).
وقوله: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: خُسِف بهم من تحت أرجلهم (^٤).
وقال مقاتل: يَبعث ثلاثين ألفًا إلى مكة عليهم رجلٌ يقال له: بحير بن بجيلة، فإذا دخلوا البيداء خُسف بهم فلا يُفلت منهم إلا رجلٌ من جهينةَ يقال له: ناجية، مقلوب وجهُه إلى قفاه [يمشي قهقرَى على عقيبة حتى ينتهيَ إلى السفيانيِّ الخبيث، وإنما يملك تسعة أشهر، وأكثرُ أتباعه كلبٌ] (^٥) يخبر الناس بما أصابهم (^٦).
_________________
(١) الرجز لخالد بن زهير الهذلي. انظر: "ديوان الهذليين" (١/ ١٦٥)، و"الإتباع" لأبي علي القالي (ص: ٧١)، و"المحرر الوجيز" (٣/ ١٨٤).
(٢) في (ر) و(ف): "وقد وردت أحاديث في هذه الآية أنها في السفياني وقال".
(٣) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣) بلفظ: نزلت في خسف البيداء، وذلك أنّ ثمانين ألفًا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم. وليس فيه ذكر السفياني، وانظر التعليق الآتي.
(٤) رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتِم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال: هو جيش السفياني، قال: من أين أُخذ؟ قال: من تحت أقدامهم. انظر: "الدر المنثور" (٦/ ٧١٢).
(٥) ما بين معكوفتين ليس (أ)، ووقع مكانه في "تفسير مقاتل": (يمشي القهقرى).
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٥٣٩).
[ ١٢ / ٢٧٨ ]
وقال مقاتل بن سليمان: يخرج السفياني من الوادي اليابس في أخواله من بني كلب، فيخطبون على منابر الشام، فإذا بلغوا عينَ التمر محا اللَّه الإيمان من قلوبهم، فيخرجون حتى ينتهوا إلى ميل الذهب، فيقاتلون قتالًا شديدًا، فيَقتل السفيانيُّ سبعين ألفَ رجل عليهم السيوفُ المحلَّاة والمناطق المفضَّضة (^١)، ثم يدخل الكوفة فتصير أهلها ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ تلحق بهم وهم شرارُ خلق اللَّه تعالى، وفرقةٌ تقاتله وهم عند اللَّه شهداء، وفرقة ثالثةٌ تلحق بالأعراب وهم العصاة، ثم يغلب الكوفة فيفتضُّ أصحابه ثلاثين ألف عذراءَ، فإذا أصبحوا كشفوا شعورهن وأقاموهن على السوق يبيعوهن، فعند ذلك كم من لاطمةٍ خدَّها وكاشفةٍ وجهَها وناتفةٍ (^٢) شعرها بدجلة أو شاطئ الفرات، فيبلغ الخبر أهل البصرة فيركبون إليهم في البر والبحر فيستنقِذون أولئك النساء من أيديهم، فيصير أصحاب السفياني ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ تسير نحو الرِّي، وفرقةٌ تبقى بالكوفة، وفرقةٌ تأتي المدينةَ وعليهم رجل من بني زهرةَ، فيحاصرون أهل المدينة فيقتتلون جميعًا، فممتل بالمدينة مقتلةٌ عظيمةٌ، حتى يبلغ الدمُ الرأسَ المقطوع، ويُقتل رجل من أهل بيتِ رسول اللَّه -ﷺ- وامرأة (^٣)، واسم الرجل محمدٌ واسم المرأة فاطمة، يصلبونهما عاريين، فعند ذلك يشتدُّ غضب اللَّه عليهم، فيبلغ الخبرُ وليَّ اللَّه، فيخرج من قرية من قرى جُرَشَ في ثلاثين رجلًا، فيبلغ المؤمنين خروجُه، فيأتونه من الأرض ويحنُّون إليه كما تَحِنُّ الناقة إلى فصيلها، فيجيء فيدخل مكة، فتقام الصلاة فيقال: تقدم يا ولي اللَّه، فيقول: لا أفعل، ثم يصلي
_________________
(١) في (أ): "المفضفضة".
(٢) "وجهها وناتفة" ليس في (أ).
(٣) في (أ): "وامرأته".
[ ١٢ / ٢٧٩ ]
بهم رجل، ثم يتداكُّون (^١) عليه بالبيعة تداكَّ الإبل الهيم (^٢) يوم ورودها حياضَها فيبايعونه، فإذا فرغ من بيعة الناس بعث خيلًا إلى المدينة عليهم رجلٌ من أهل بيته، فيقاتل الزهريَّ فيُقتل من كِلَا الفريقين مقتلةٌ عظيمة، فيرزق اللَّه وليَّه الظَّفَر، فيُقتل الزهريُّ ويُقتل أصحابه، فالخائب يومئذ مَن خاب من غنيمةِ كلبٍ ولو بعقالٍ، فإذا بلغ الخبر السفياني خرج من الكوفة في سبعين ألفًا، حتى إذا بلغوا البيداء عسكر بها وهو يريد قتالَ وليِّ اللَّه وخرابَ بيت اللَّه، فبينما هم كذلك بالبيداء إذ نَفَر فرس لرجل من العسكر، فخرج الرجل لطلبه (^٣)، وبعث اللَّه جبريل فضرب الأرض برجله ضربةً فخسف اللَّه ﷿ الأرض بالسفياني وأصحابه، ورجع الرجل يقود فرسه فيستقبلُه جبريل فيقول: ما هذه الضجة في العسكر، فيضربه جبريل صلوات اللَّه عليه بجناحه فيتحول وجهه مكان القفاء فيمشي قهقرى، فهذه الآية نزلت فيهم (^٤).
* * *
_________________
(١) في (ف): "يتدالون".
(٢) في (أ): "الصيم"، وفي (ر): "بهم".
(٣) في (ر) و(ف): "فخرج الطلب في أثره".
(٤) انظر: "عقد الدرر في أخبار المنتظر" ليوسف بن يحيى المقدسي الشافعي (ص: ١٤٧ - ١٤٩)، وعزاه للنقاش في "تفسيره"، وهو كلام مجموع من أخبار عديدة، لكن لم يثبت منها شيء.
[ ١٢ / ٢٨٠ ]
سورة فاطر
[ ١٢ / ٢٨١ ]