بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي هزَمَ الأحزاب، الرحمنِ الذي أنزل الكتاب المبارك ليدَّبروا آياته وليتذكَّر أولو الألباب، الرحيمِ الذي وعد المؤمنين جنات عَدْنٍ مُفَتَّحةً لهم الأبواب.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخَّرَه اللَّه تعالى لداود ﵇ عشرُ حسنات، وعصَمَه (^١) أنْ يُصِرَّ على ذنب صغير أو كبير" (^٢).
وهذه السورة مكِّيَّةٌ، وهي ثمانٍ وثمانون آية، وقيل: ستٌّ وثمانون، وقيل: خمس وثمانون. الاختلاف في قوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾. وقوله: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، وقوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾.
وكلماتُها: سبعُ مئة وثلاثٌ وثلاثون، وحروفُها: ألفان وتسعُ مئة وأربعةٌ وتسعون.
وانتظام أوَّلِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه ختَمَ تلك باسمه رب العالمين، وفتح هذه باسمه الصَّادق.
_________________
(١) في (ف): "وعصم".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٥)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٣٧)، وهو قطعة من حديث أبي بن كعب ﵁ الموضوع، وقد تقدم الكلام عليه مرارًا.
[ ١٢ / ٤٦١ ]
وانتظام السورتين: أنهما في ذِكْر المشركين ومُحاجَّتهم ووَعْظهم وتنبيههم، وتسليةٌ للنبي وبشارتُه بحُسْن العاقبة بما ذُكِر مِن قصص المرسلين والأمم الماضين.
* * *
(١) - ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ص﴾: قال ابن عباس ﵄: هو قسَمٌ باسم من أسمائه تعالى.
وقال السُّدِّي: هو قسَمٌ بحرف من حروف المعجم.
وقال الضحاك: معناه: صدَقَ اللَّهُ.
وقال قتادة: هو اسم القرآن (^١).
وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: هو افتتاح أسماء اللَّه: صمد، وصانع، وصادق.
وقال عكرمة: سأل نافعٌ الأزرقُ عبدَ اللَّه بن عباس عن ﴿ص﴾: فقال: ﴿ص﴾ كان بحرًا بمكة، وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليلَ ولا نهارَ.
وقال سعيد بن جُبير: ﴿ص﴾ بحر يُحيي اللَّه به الموتى بين النَّفْختين (^٢).
وقيل: هو اسم محمد ﵇، اختصارٌ من: المصطفى.
وقيل: معناه: صَدُّ أهل مكة عن الحق.
وقيل: معناه: صادَ محمد قلوب الخَلْق.
وقال الحسن: (صادِ) أي: عارضِ القرآن بعملكَ (^٣)، وهو أمر من المُصادَاة، وعلى هذا تُكْسَر.
_________________
(١) ذكر هذه الآثار الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٦)، ورواها الطبريُّ في "تفسيره" (٢٠/ ٥ - ٧).
(٢) ذكر هذه الآثار الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٠)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٦).
[ ١٢ / ٤٦٢ ]
وقيل: على هذا معناه: دارِ الخَلْقَ والطُفْ بهم، والمُصادَاة: المداراةُ، قال كُثَيِّرٌ:
فيا عزُّ صادِي القلبَ حتى يودَّني فؤادُكِ أو رُدِّي عليَّ فؤادِي (^١)
ويجوز: فؤاديا (^٢).
وقال الزَّجَّاج: أي: قاتلِ الناس وحاربْهم (^٣).
وهي مُسَكَّنةٌ على قراءة عامَّة القراء لأنها حرفٌ، ومفتوحةٌ عند بعضهم؛ لاجتماع الساكنين كـ "أين" و"كيف"، ومضمومة عند بعضهم بمنزلة الاسم المبتدأ، ومكسورةٌ عند بعضهم؛ لأنَّها حركة ضرورية، وعند بعضهم على تأويل الأمر على ما بيَّنا (^٤).
وليست بآية بالإجماع؛ لأنَّها لا تُجاوزُ كلمةً، وهي كقوله: ﴿ق﴾، و﴿ن﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾: هو قسَم ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: أي: الوعظِ، وقيل؛ أي: ذِكْر ما يُحتاج إليه. وقيل: الذِّكْرُ الشَّرفُ. وقيل: العِلْم. وقيل: ذِكْر أسماء اللَّه تعالى وصفاته.
* * *
(٢) - ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
_________________
(١) انظر: "ديوان كثير عزة" (ص: ٤٤٣)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (١٢/ ١٥٣).
(٢) "ويجوز فؤاديا" من (ر).
(٣) ذكره عن الزجاج الماتريديُّ في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٥٩٧).
(٤) قرأ الجمهور -ومنهم القراء العشرة- "ص" بسكون الدال، وقرأ أبي والحسن وابن أبي إسحاق وأبو السمال وابن أبي عبلة ونصر بن عاصم بكسر دالها، وقرأ عيسى ومحبوب عن أبي عمرو وغيرهما بفتحها، وقرأ الحسن أيضًا وابن السميفع وهارون الأعور بضمها. انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٢٩)، و"المحتسب" (٢/ ٢٣٠)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٤٩١)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٩/ ١٣٤).
[ ١٢ / ٤٦٣ ]
والذي وقعَ عليه القسم محذوفٌ عند بعضهم، والمذكور بعده دالٌّ عليه، وهو قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾: وذلك المحذوف: لقد جاء الحق.
وقيل: بل المحذوف: ما الذين كفروا في طلَبِ حقٍّ، بل هُم في تعزُّزٍ عند أنفسهم عن طلَبِ الحقِّ؛ أي: ترفُّع وتكبُّر.
﴿وَشِقَاقٍ﴾: أي: ومُشاقَّةٍ لمحمد، وهي المعاداةُ والمخالفة، وكلمةُ ﴿بَلِ﴾ تدلُّ عليه؛ لأنَّها لنفي ما مضى ذِكْرُه، وإثباتِ ما ذُكِر بعده، والحذفُ في مِثْله أبلغُ مِن ذِكْره؛ لأن الذِّكْر يقصُره على ما ذُكِر، وفي الحذف تَذهب النَّفْس فيه كلَّ مذهب.
وقيل: بل جوابه: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾.
وقيل: بل جوابه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾.
ورُوِي أنَّ كفار مكة جاؤوا إلى أبي طالب في مرضه، فقالوا: إنه قد حضَرَكَ ما ترى، وقد علِمْتَ ما بيننا وبين ابن أخيكَ، فادْعُه فخُذْ لنا منه وله منا، فيكُفَّ عنا ونكُفَّ عنه، فدعاه أبو طالب، فكلَّمه في ذلك، فقال: "إنما أريدهم على كلمة، وهي أن يقولوا: لا إله إلا اللَّه"، فنفروا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، فنزل قولُه: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (^١).
* * *
(٣) - ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.
قولُه تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا﴾: أي: بالاستغاثة وطلَب التوبة.
﴿وَلَاتَ﴾: أي: وليس، وهو في لغة أهل اليمن.
_________________
(١) رواه الترمذي في "سننه" (٣٢٣٢)، والنسائي في "الكبرى" (١١٣٧٢)، والإمام أحمد في "مسنده" (٢٠٠٨) (٣٤١٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٩)، من حديث ابن عباس ﵄. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ١٢ / ٤٦٤ ]
وقيل: هي "لا" زيدتْ عليها التاء؛ كما في قوله: (ثَمَّ وثمَّة)، و(ثُمَّ وثُمَّةَ).
واختار الكسائيُّ الوقف عليها بالهاء (^١)، والفرَّاءُ بالتاء (^٢).
وقولُه: ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾: أي: وقتَ مَفَرٍّ، وقد ناصَ ينوصُ نَوْصًا؛ أي: فرَّ وراغَ.
وقال الفراء: النَّوْصُ -بالنون-: التأخُّرُ، والبَوصُ - بالباء: التَّقدُّمُ، وقد جمعهما امرؤ القيس في بيت واحد:
أمِنْ ذِكْر سلمى (^٣) إذْ نأَتْكَ تَنوصُ فتقصُرُ عنها خُطْوةً وتَبوصُ (^٤)
وقال الحسن: أي: ليس هذا وقتَ نَزْوٍ (^٥).
وقال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطُروا في الحرب قال بعضهم لبعض: مَناص؛ أي: اهربوا وخذوا حِذْرَكم، فلما نزل عليهم العذاب ببَدْر قالوا: مناص، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (^٦).
وقيل: معناه: كم أهلَكْنا قبل مشركي العرب من القرون الخالية بتكذيبهم، فلم يَقْدِروا على دفع الهلاك عن أنفسهم، ولمَّا أخذهم العذاب رفعوا أصواتهم بالاستغاثة والتوبة وطلبًا للخَلاص، فلم ينفعْهم ذلك؛ لأنَّه كان حالةَ البَأْس.
* * *
_________________
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٢)، وقال: هذا هو الصحيح عنه.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٩٧).
(٣) في (أ): "ليلى"، وهي رواية الفراء، والمثبت من باقي النسخ وهي رواية الديوان.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٩٧)، والبيت في "ديوان امرئ القيس" (ص: ١١٧).
(٥) لم أقف عليه للحسن، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٣)، وعبد الرزاق في "تفسيره" (٢٥٧٥)، عن ابن عباس ﵄.
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٨)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٧١).
[ ١٢ / ٤٦٥ ]
(٤) - ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَعَجِبُوا﴾: أي: أظهرَ هؤلاء المشركون العَجَبَ.
﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾: أي: مِن أنْ جاءهم رجلٌ (^١) منهم يُنذرهم عذاب اللَّه.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: أي: خادِعٌ بكلامه المُمَوَّه، كذَّابٌ (^٢) في دعوى الرسالة.
* * *
(٥) - ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: أحَكَمَ أنَّ الآلهة التي تُعبد إنما يَستحقُّ منها العبادةَ إلهٌ واحد، وهو الذي يذكُر أنه أرسله وأنزل عليه كتابه.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾: أي: عَجيب؛ وقيل: هو نهاية العَجَب.
يقولون: هو مِن أعجب العَجَب أنْ (^٣) يخفى الحقُّ على آبائنا وعلينا ويظهرَ له، والطُّوالُ أبلغ مِن الطَّويل، وكذا الجُمال أبلغ مِن الجميل.
* * *
(٦) - ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾: أي: ذهب أشراف هؤلاء الكفار مِن عند النبي.
وقال قُطْرُبٌ: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾: أي: وجعل الملأُ، وهو لابتداء الأمر دون الذهاب (^٤).
_________________
(١) في (ر): "منذر رجل".
(٢) في (أ): "كاذب".
(٣) في (ر) و(ف): "أي".
(٤) لعل المراد بهذا ما قاله السيوطي في "الإتقان" (٢/ ٢٠٣): ليس المراد بالانطلاق المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام.
[ ١٢ / ٤٦٦ ]
﴿أَنِ امْشُوا﴾: أي: قائلين بعضهم لبعض: أي: امضوا على ما كنتم عليه، ولا تُقيموا على استماع كلام محمد.
و﴿أَنْ﴾ بمعنى (أيْ) التي للتفسير. وقال الزَّجَّاج: معناه: بأن امشوا (^١).
﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾: أي: واحبسوا أنفسكم على عبادة آلهتكم التي كنتم أنتم وآباؤكم على عبادتها، فإنها تستحقُّ ذلك.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾: أي: إنَّ كلام محمد هذا لَشيء يُراد به جرُّكم إلى الانقياد له لِيتحكَّمَ في أنفسكم وأموالكم وأولادكم وأهاليكم بما يشاء، وهو كلام يُذْكَر على الإبهام للتَّحذير.
* * *
(٧) - ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: أي: إنَّ قوله: (لا إله إلا اللَّه) ما سمعنا به في أديان قومنا التي هي الملَّةُ المتأخِّرة عن الملل المتقدِّمة.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾: أي: ما هذا إلا ابتداعٌ كَذِبٌ.
وقال مجاهد: الملة الآخرة: ملةُ قريشٍ (^٢).
وقال ابن عباس: الملة الآخرة: اليهوديَّة والنصرانيَّة (^٣)، وجُعِلَتا ملَّةً واحدة على
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٢١)، ونص كلامه: معناه: أي: امشوا، وتأويله: يقولون امشوا، ويجوز: وانطلق الملأ منهم بأن امشوا؛ أي: بهذا القول.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٢).
(٣) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٦٠٧) عن عامة أهل التأويل، وهو قول الفراء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٩٩). والمروي عن ابن عباس أن الملة الآخرة هي النصرانية، كما رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٢) عنه وعن السدي ومحمد بن كعب القرظي.
[ ١٢ / ٤٦٧ ]
معنى أنهما ملَّةُ أهل الكتاب، يَعْنون أنَّ اليهود يقولون: عُزَيرٌ ابن اللَّه، والنصارى يقولون: المسيح ابن اللَّه وثالثُ ثلاثةٍ، كأنهم قالوا: التوحيد شيء كان يقوله المتقدِّمون اختلاقًا، فذلك قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾.
وهو كقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، ثم اتَّفقَ المتأخِّرون وهم أهل الكتاب على خِلافِ ذلك وتَرْكِ ذلك.
* * *
(٨) - ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾: أي: القرآنُ، استفهام بمعنى الإنكار.
أي: كيف خُصَّ به دونَنا؟!
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾: أي: ليس ردُّهم قولَكَ لإنكارهم كونَكَ صادقًا في سائر كلامك، لكنْ يشكُّون فيما أنزلتُه عليكَ مِن الذِّكر: هل هو مِن عندي؟ إنكارًا لاختصاصي إيَّاكَ بالرسالة فيما أنزلتُه عليكَ مِن الذِّكْر (^١).
وقولُه تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾: أي: وقد رأوا مع ذلك إِمْهالي لهم إياهم، وتأخيري العذاب عنهم، فظنوا أنَّ ذلك لرضايَ بشِرْكهم.
و﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾: بمعنى: ولم يذوقوا، و"ما" زائدة مؤكِّدة، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
و﴿عَذَابِ﴾: بمعنى: عذابي، على الإضافة.
* * *
(٩) - ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾.
_________________
(١) "فيما أنزلته عليك من الذكر" ليس من (أ).
[ ١٢ / ٤٦٨ ]
﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾: أي: أعندَ هؤلاء المشركين خزائنُ رحمةِ اللَّه، فيقسِمون منها ما يشاؤون على مَن يشاؤون حتى يُعْطوا النبوَّةَ مَن يريدون؟!
أي: فليس لهم ذلك، بل هو للَّه يُعطيها مَن يشاء، وهو كقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* * *
(١٠) - ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: أمْ يدَّعون أنَّ مُلْكَ السماوات والأرض وما بينهما مِن الهواء لهم، فهم قادِرون على إنزال ما يُريدون مِن الوحي إلى مَن يريدون أنْ تكونَ النبوة له، وعلى المنع مِن نزول الوحي على مَن لا يُريدون، حتى يمنعوا ملائكتي مِن النزول بالوحي على محمد؟! فإن (^١) كانوا يدعونه:
﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾: أي: فليَصْعدوا إلى السماء مِن أبوابها وطرُقِها الموصِلة إليها، فليمنحوا مِن نزول الوحي على محمد، وإذ لا يُمكنهم أنْ يدَّعوا ذلك وهي لي، كان لي أنْ أُنزلَه على مَن أشاءُ.
* * *
(١١) - ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾.
وقولُه: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: قيل: أي: لو كان هؤلاء يُطيقون الصُّعودَ إليها لكانوا جُنْدًا مهزومين هنالك؛ أي: في موضع الارتقاء، فكيف وهم لا يُطيقون الارتقاء إليها؟!
_________________
(١) في (ف): "فإنهم".
[ ١٢ / ٤٦٩ ]
وقيل: هذه الآية تتَّصِلُ بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، ولا يضرُّك ذلك؛ لأنهم جُنْدٌ أهزِمُهم وأفرِّقُ جَمْعَهم وتحزُّبَهم وأجعلُهم أَسْراكَ.
وقيل: أي: هم مهزومون مِن الأحزاب، فكيف يرتقون في الأسباب؟!
وقولُه تعالى: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: قيل: أي: مِن قبائل شتًّى تجَمَّعوا على مُعاداتك.
وقيل: أي: هم مِن جُمْلة الأحزاب المتقدِّمين، وهم المذكورون في الآية التي بعدها: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾، وهذا قول مجاهد (^١).
ووجهٌ آخرُ للآيتين المتقدِّمتين: أنَّ الكفار أنكروا نبوة محمد، وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، له أملاكٌ وأموالٌ، فقال اللَّه لهم: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ التي لا تنقطِعُ؟ أم لهم مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما فيتعظَّموا بذلك، فيرون لهم الفَضْل على محمد؟
فإذا لم يكن لهم ذلك، وإنما يملِكون أموالًا تروح وتغدو وتزول عن قليل، فليس لهم موضعُ تعظيمٍ تُستَحَقُّ به النبوَّةُ، ولو كان ذلك بالمُلْك لم يكن بمُلْك (^٢) الأموال، بل بمُلْك السماوات والأرض، فليس لهم ذلك، فليَصْعدوا إلى السماء فينظُروا: هل يُمكنُهم إزالةُ النبوة عمَّنْ أوتِيَها بلا مُلْك؟!
وهذا كلامٌ يُذْكَر للتَّبعيد؛ كما قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥].
وقيل: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾: معناه: فإنْ كان لهم مُلْك السماوات والأرض فليَصْعدوا إليها فيدبِّروها؛ لأنَّ مَن ملَكَ ولايةً أشرَفَ عليها وتعهَّدَها، وإذ ليس يمكنُهم ذلك دلَّ أنهم لا يملِكونها.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٩) بلفظ: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: قريش ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: القرون الماضية. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ١٤٧) إلى الفريابي وعبد بن حميد.
(٢) في (أ): "لملك"، ووقع في (ر) هنا وفي الموضع الآتي: "يملك".
[ ١٢ / ٤٧٠ ]
وقيل: لمَّا أسلمَ عمر ﵁ شقَّ ذلك على قريش، وفرِحَ به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ مِن قريش: امشوا إلى أبي طالب، واثبُتوا على آلهتكم، وكانوا خمسةً وعشرين رجلًا، منهم الوليد بن المغيرة، وهو أكبرهم سنًا، وأبو جهل بن هشام، وأبيٌّ وأميةُ ابنا خلف، وعُمير بن وهْب، وعُتْبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، وعبد اللَّه بن أبي أمية، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، وعدي بن قيس، والنَّضْر بن الحارث، وأبو البَخْتَريِّ (^١) بن هشام، وقُرْط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومَخْرَمة بن نَوْفل، وزَمْعَة بن الأسود، ومُطْعِم بن عدي، والأخنسُ بن شَرِيق، وحُوَيْطِب بن عبد العُزَّى، ونبيهٌ ومُنبهُ ابنا الحجَّاج، والوليد بن عُتْبة، وهشام بن عمرو بن ربيعة، وسُهيلُ بن عمرو، فقال لهم الوليد: امضوا إلى أبي طالب، فأتوا أبا طالب وقالوا له: أنت شيخُنا وكبيرُنا، وقد علِمْتَ ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنَّا أتيناكَ لِتَقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسلَ أبو طالب إلى النبي ﵇ فدعاه، فقال له بمَشْهَدٍ منهم: يا ابن أخي! هؤلاء قومُك، فلا تمِلْ كلَّ الميل على قومك، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "وما يريدون مني"، قال: يقولون: ارفِضْنا وارفِضْ ذِكْرَ آلهتنا وندعْكَ وإلهكَ، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: "أتُعْطُون أنتم كلمة واحدة تملكون بها العربَ، وتدينُ لكم بها العجمَ؟ "، فقال أبو جهل مِن بينهم: يا محمد! لَنُعْطِيَكَها وعَشْرَ أمثالها، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: "قولوا: لا إله إلا اللَّه"، فقاموا ونفَروا من ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ أي: الآلهةَ التي لنا والآلهةَ التي لغيرنا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا﴾ الذي يقوله محمد ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؛ أي: لأمرٌ عَجيبٌ (^٢).
_________________
(١) في (ر) و(ف): "البُحْتُري".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٣) عن السدي. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٧٨)، والزمخشري في (٤/ ٧١) من غير سند. وروى أصله مختصرًا الترمذي (٣٢٣٢)، والنسائيُّ في "الكبرى" (٨٧١٦)، والإمام أحمد في =
[ ١٢ / ٤٧١ ]
(١٢) - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ رسولَهم نوحًا ﴿وَعَادٌ﴾ هودًا ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ موسى.
﴿ذُو الْأَوْتَادِ﴾: قال ابن عباس ﵄ وقتادة: كانت له ملاعبُ من أوتاد.
وقال السُدِّيُّ والربيع بن أنس: كانت له أوتاد يعذِّبُ بها (^١).
وقال مقاتل: كان يأمر حتى تمَدَّ رجلا الرجل إلى ساريتين ويداه إلى ساريتين ثم يعذِّبُه.
وقال مقاتل بن حيان: كان يأمر أنْ يُمَدَّ الرجل مُستلقيًا على الأرض، ثم يشدُّه بالأوتاد.
وقال السُّدِّي: كان يمدُّ الرجل بين الأوتاد، ويُرسل عليه الحيَّات والعقارب.
وقال الضحاك: الأوتادُ: البُنيان الثابتة.
وقيل: ذو الأوتاد؛ أي: ثابت أركان المُلْك (^٢).
وقال الأسود بن يَعْفرَ:
ولقد غدا فيها بأطيبِ عِيشةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابتِ الأوتاد (^٣)
وقيل: هي أوتادُ خيام الجيوش، وكانت كثيرةً فعُرِفَ بها.
_________________
(١) = "مسنده" (٢٠٠٨)، عن ابن عباس ﵁. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٠ - ٣١).
(٣) في (ف): "الثابت الأركان" بدل: "ثابت أركان الملك". ذكر هذه الآثار بنحوها الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٧٤).
(٤) انظر: "ديوان الأسود بن يعفر" (ص: ٢٧)، وصدره فيه: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة.
[ ١٢ / ٤٧٢ ]
(١٣ - ١٤) - ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَثَمُوُدُ﴾: أي: كذَّبَتْ صالحًا.
﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾: أي: كذَّبوا لوطًا.
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾: أي: قومُ شعيب كذَّبوا شعيبًا، وقد فسَّرْنا الأَيْكةَ (^١) في قصته.
﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: أي: تحزَّبوا على أنبيائهم؛ أي: تجمَّعوا على تكذيبهم وإيذائهم.
وقولُه تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾: أي: ما كلٌّ ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾؛ أي: فوجَبَ عليهم عقابي، وأهلكتُهم بما مرَّ ذِكْرُه في قصصهم، فكذلك أفعل بمُكذِّبيكَ يا محمد.
* * *
(١٥) - ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾: أي: وما ينتظرُ هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: عذابًا يفجؤُهم فيستأصلُهم؛ يُقالُ: صاح بهم الزَّمان؛ أي: هلَكوا.
قال الشاعر:
صاحَ الزمانُ بآل بَرْمَكَ صَيْحةً خرُّوا لشِدَّتها على الأذْقان (^٢)
وعلى هذا: هو كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢].
_________________
(١) في (أ) و(ف): "الكلمة".
(٢) ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٦/ ٣٧٢) من غير نسبة.
[ ١٢ / ٤٧٣ ]
وقيل: هذه الصَّيْحة هي النَّفْخة الأولى في الصُّور، فهو كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾؛ أي: إنْ لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو مُعَدٌّ لهم يوم القيامة.
وقولُه: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: قرأ حمزة والكسائي بضمِّ الفاء، والباقون بفتحها (^١).
وقال قتادة والسُّدِّي: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: أي: ما للصَّيْحة مِن إفاقة؛ أي: رجوعٍ إلى الدنيا (^٢).
وقال ابن زيد: أي: ما لها مِن فُتور كما يفيقُ المريض (^٣).
وقيل: ما لها مِن راحة، وهذا إذا قُرِئَتْ بالفتحة، وما لها مِن مُكْثٍ مِقدارَ ما بين الحَلبَتين، وهذا إذا قُرِئَت بالضمة، وهذا قولُ أبي عبيدة (^٤).
وقال الكسائي والفراء وأبو عبيدة والأخفش: هما لغتان في فواق النَّاقة بين الحَلبتين (^٥).
وقال قُطْرُب: بالفتح: الإفاقةُ، وقد فاق فَواقًا وأفاقَ إفاقةً، وأما فواقُ الناقة ففيه لغتان.
* * *
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٥) عن السدي، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٨٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٧٤) عن قتادة.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٥)، ولفظه: يا لها من صيحة لا يفيقون فيها كما يفيق الذي يغشى عليه، وكما يفيق المريض، تهلكهم، ليس لهم فيها إفاقة.
(٤) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٧٩). ووقع في (أ): "وهذا إذا فرق أبي عبيدة"، وفي (ر): "وهذا فرق أبي عبيدة".
(٥) ذكره عنهم الرازي في "تفسيره" (٢٦/ ٣٧٢).
[ ١٢ / ٤٧٤ ]
(١٦) - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾: أي: استعجلوا العذاب؛ كما ذكَرَ ذلك عنهم في آيات.
والقِطُّ: الصَّحيفة، وهي صحيفة الأعمال التي يُعطاها الناس يوم القيامة عن أيمانهم وشمائلهم؛ أي: عجِّلْ لنا هذا إنْ كان صدقًا.
وقيل: هو كقوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وكقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].
وقيل: القِطُّ؛ النَّصيب، مِن القَطِّ؛ وهو القَطْع، وهو ما قُطِعَ مِن الكُلِّ فجُعِل لصاحبه، فكأنهم قالوا: عجِّلْ لنا نصيبَنا مِن العذاب مِن النار إنْ كان الأمر على ما تقول، وهو كقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩].
وقيل: أرادوا: عجِّلْ لنا نصيبَنا مِن الجنة والثوابِ الذي تعِدُنا على الإيمان لنؤمنَ بكَ، ونحن نريده في الدنيا لا في الآخرة، يستهزؤون بذلك.
وقيل على هذا: عجِّلْ لنا كَتْبَ جوائزِنا مِن اللَّه بذلك ككَتْبِ جوائز الملوك.
وقال المبرد: "القُطوطُ" أصلُها الصُّحُف بالجوائز، ثم قيل لكلِّ نصيبٍ: قِطٌّ (^١).
قال أبو العالية: لما نزل في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. . . و. . . بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٥]، قرأها عليهم رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا على جِهة الاستهزاء: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يَعْنون: هذا الكتابَ (^٢).
_________________
(١) لم أقف عليه للمبرد، وذكر نحوه الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٤٣)، وابن دريد في "جمهرة اللغة" (١/ ١٥٠)، وأبو عبيد في "الغريبين" (مادة: قطط).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨٢)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٤٣) عن أبي العالية والكلبي، وزاد الواحدي نسبته لمقاتل.
[ ١٢ / ٤٧٥ ]
وقيل: قائلُ هذا الكلام أبو جهل (^١)
وقيل: قائلُه النَّضْر بن الحارث (^٢).
* * *
(١٧) - ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: أي: مِن قولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، وقولهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، وقولِهم: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ وغيرِ ذلك، فإنا نجعل لكَ العاقبة الجميلة، ولهم المغبَّةَ الوَبيلة، كما كان ذلك للأنبياء المتقدِّمين ومكذِّبيهم، وبيَّن قصصَهم، هذا أحد معاني ربْطِ قصة داود ﵇ بهذا الكلام.
ووجهٌ آخر: إنا أحسَنَّا إليكَ كما أحسنَّا إلى داود، ولو شئنا لأعطيناكَ مِن الدنيا كما أعطينا داود وسليمان ﵉ وأكثرَ مِن ذلك، ولكنِ اختَرْنا لكَ ما هو أَعْوَدُ (^٣) عليك.
ووجهٌ آخر: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾: وما آتيناه من النبوة والمُلْك، ثم لم نترُكْ عِتابَه (^٤) على أدنى زلَّةٍ كانت منه، فتنبَّهوا بذلك على أني منتقِمٌ ممَّنْ عصاني.
ووجهٌ آخر: واذكر قصصهم برهانًا لكَ على صحَّةِ نبوَّتِكَ.
يقول: فاصبِرْ على أذاهم، ولا تجزَعْ منه، وأَقبِلْ على الإنذار وإيراد البراهين، واذكُرْ عَبْدَنا داود.
﴿ذَا الْأَيْدِ﴾: أي: القوة في أمرِنا، والصبر على الدعاء إلينا، فاقتَدِ به.
_________________
(١) رواه عبد بن حميد عن قتادة كما في "الدر المنثور" (٤/ ٥٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٣/ ٥٠٦) عن عطاء.
(٣) في (ر): "أعون".
(٤) في (أ): "عقابه".
[ ١٢ / ٤٧٦ ]
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي: رجَّاعٌ إلى طاعتنا وطلَبِ مرضاتنا.
* * *
(١٨) - ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾: هو كما مرَّ في قوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠].
﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: أي: في طرَفي النهار.
والعَشِيُّ: وقت العصر إلى الليل، والإشراقُ: وقت إضاءة الشمس، وقد شرَقَتْ؛ أي: طلَعَتْ، وأشرَقَتْ؛ أي: أضاءَتْ.
وقيل: العَشِيُّ: وقت صلاة العصر، والإشراقُ: وقت صلاة الضحى.
قال كعب الأحبار لعبد اللَّه بن عباس: إني لأجِدُ في كتاب اللَّه صلاةً بعد طلوع الشمس، فقال: أنا أوجدُكَها (^١) في كتاب اللَّه في قصة داود، قال: وما هي؟ قال: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وليس الإشراق طلوع الشمس، إنما هو صفاؤُها وضَوْءُها (^٢).
* * *
(١٩) - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾: عَطْفٌ على قوله ﴿الْجِبَالَ﴾، وحشرُها: جَمْعُها إليه حتى تحضُرَه، وتسبِّحَ معه، وتسمعَ تسبيحه.
قال محمد بن إسحاق ﵀: لم يُعْطِ اللَّه أحدًا مِن خَلْقه مثلَ صوت داود
_________________
(١) في (ر): "أجد لها".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨٣).
[ ١٢ / ٤٧٧ ]
﵇، حتى إذا كان يقرأ بالزَّبور (^١) تُدْنى له الوحوشُ حتى يؤخذَ بأعناقها، وإنها لمُصيخةٌ به تسمعُ صوتَه (^٢).
وحشرُها يجوز أنْ يكون مِن الملائكة، أو مِن كبارها لصغارها، وقد كان اللَّه تعالى جعل كبارها مُنقادةً له ومُطيعةً لأمره.
﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾: أي: كلٌّ مِن الطير له مُطيعٌ راجع إلى طاعته.
* * *
(٢٠) - ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾: أي: قوَّيْنا سُلْطانه.
قيل: بكثرة الرجال.
وقيل: بصَنْعة الدُّروع.
وقيل: بإلقاء الرُّعْب في قلوب أعدائه.
وقيل: بأسباب المنَعةِ.
وقيل: كان يحرُسه كلَّ ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل.
وقيل: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾؛ أي: قوَّيْنا سُلْطانه (^٣) بنصرنا له ودَفْعنا عنه.
وقيل: أي: بالعدل في الرَّعِيَّة، والحقِّ بالقضيَّة.
وقيل: أي: بقَبْض أيدي الظَّلَمة.
وقيل: أي: بدُعاء المستضعَفين.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "قرأ الزبور".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٧١) عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٢٢٣)، والبغوي في "تفسيره" (١/ ٣٠٧) من غير نسبة.
(٣) "أي قوينا سلطانه" ليس من (أ).
[ ١٢ / ٤٧٨ ]
وقال الإمام القُشيريُّ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ بأنْ رأى النصر منا، وتبرَّأَ مِن حوله وقوته.
وقيل: أي: بوزراء صالحين.
وقيل: أي: بتيقُّظه وحُسْن سياسته.
وقيل: بقَبوله الحقَّ مِن كل أحد.
وقيل: برجوعه إلينا في عموم الأوقات (^١).
قولُه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾: قيل: أي: النبوة.
وقيل: العِلْمَ بالشَّرْع.
وقيل: إحكامَ الأمور.
وقيل: وضعَ كلِّ شيء مَوْضِعَه.
﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: أي: أسباب القضاء بين الخُصوم.
وقال ابن عباس ﵄: هو بيان الكلام (^٢).
وقال الضحاك: أي: القضاء (^٣).
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: هو القضاء بين العباد، وكان لا (^٤) يتتعتعَ في قضائه، ويفصِلَ على الوجه الحقِّ بين المتخاصمين (^٥).
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٢٤٩).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٥٨).
(٣) لم أقف عليه للضحاك، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٩ - ٥٠) عن مجاهد والسدي وابن زيد وابن مسعود.
(٤) في مصدر التخريج: "كأن لا" بدل: "وكان لا".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨٤).
[ ١٢ / ٤٧٩ ]
وقال علي بن أبي طالب ﵁: البيِّنة على المُدَّعي، واليمينُ على مَنْ أنكرَ (^١).
وقال شُرَيْح والشَّعبي: هو قوله: (أمَّا بعدُ)، وهو أول مَن قالها (^٢).
وقال المبرد: الخِطابُ: المخاطبة، وفَصْلُه: الخروجُ مِن مخاطبةٍ إلى مخاطبة، وفَصْلُ قصةٍ بعد قصة، وخُصومةٍ بعد خُصومة.
* * *
(٢١) - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾: كلمة تُستعمل للتنبيه على جَلالة (^٣) القصَّةِ؛ لتكون داعيةً إلى الإصغاء إليها والاعتبار بها؛ لأنَّها في المعنى تقريرٌ للمُخاطب بأنَّه لم يسمعْها، وفي اعترافه بذلك إقرارٌ منه أنه مُحتاج إلى سماعها، فيقول له حينئذ: فاسمَعْها، فقد كان كذا وكذا.
﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾؛ أي: خبرُ الخُصوم، هو في الأصل مصدرٌ، فصلُحَ للجمع، ودليل أنه جَمْع قولُه: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾؛ أي: علَوْهُ وتسلَّقُوه؛ لأنَّه كان مُحتجِبًا عن الخصوم، مُتفرِّغًا للعبادة، مُتخلِّيًا لها، فنزَلوا إليه مِن عالٍ، والمِحْرابُ: موضعُ صلاته.
وقيل: كان غُرْفةً، والمِحْراب قد بيَّنَّا الأقاويل فيه في سورة آل عمران.
* * *
_________________
(١) في (ر) و(ف): "واليمين على المدعى عليه". والخبر ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٧٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٥١) عن الشعبي، وأما شريح، فقد نقل الطبري عنه في نفس الموضع روايات متعددة فيها أن فصل الخطاب: الشاهدان واليمين، أو نحو ذلك.
(٣) في (أ): "حال".
[ ١٢ / ٤٨٠ ]
(٢٢) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾.
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾: أي: حين دخلوا عليه بالتَّسَوُّر.
﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾: أي: خاف مِن دخولهم عليه بغير إذنٍ، ومن غير الباب، ومع قيام الحُجَّاب، أو ظنَّ أنهم لُصوص مُكابرون، أو أنهم ملائكة جاؤوا لأمر عظيم.
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾: فإنَّا لن ندخُلَ لريبة، لكنْ لوقوع خُصومة خشِينا وقوعَ الخلَلِ في التأخير في تلافيها، وعلِمْنا رِضاكَ بإصلاح ما فيها، فتفرَّغَ داود لهم.
فقالوا: ﴿خَصْمَانِ﴾: أي: نحن خَصْمان.
وقيل: أي: فينا خَصْمان، وقد كانوا جماعةً بدليل قوله: ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، ﴿دَخَلُوا﴾، ﴿قَالُوا﴾، ﴿مِنْهُمْ﴾، والجماعة مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه وشهودٌ، فإنه لا يقول: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ بمجرَّدِ دعوى المُدَّعي، فالظَّاهرُ أنه قال ذلك بعد شهادتهم للمُدَّعي.
﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: تعدَّى وظلَمَ.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾: أي: لا تُباعِدْ عن الحق، وقيل: أي: لا تَجُرْ.
وقيل: أي: لا تُسْرِفْ.
وقد شطَّ شُطوطًا مِن باب دخل وضرب؛ أي: بعُدَ، وأشَطَّ؛ أي: جارَ، وأشَطَّ؛ أي: باعَدَ في السَّوْم، والشَّطَطُ: مُجاوزة القَدْر في كل شيء.
﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: أي: وأَرْشِدْنا في قَطْع خصومتنا إلى قَصد السبيل، فإنَّ السَّواءَ الوسَطُ، والوَسَطُ (^١): العَدْلُ، وهذا كلُّه كلامُ استعطافٍ.
_________________
(١) "والوسط" ليس من (أ).
[ ١٢ / ٤٨١ ]
(٢٣) - ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ يعني: صاحبي وصديقي ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾: هي الأنثى مِن الضَّأْن ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ أي: أعطِنيها واجعَلْها كِفْلي؛ أي: نَصيبي.
وقيل: أي: ضُمَّها إليَّ واجعلني كافِلَها.
﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: أي: غلَبَني بعِزِّ سُلْطانه، وهو مِن باب دخَل (^١)، يقال: مَن عزَّ بَزَّ (^٢)، أي: مَنْ غلَبَ سلَبَ.
قال الإمام أبو منصور ﵀: وشهِدَ له الشُّهودُ بذلك (^٣).
* * *
(٢٤) - ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾: أي: مَضْمومةً إلى نعاجه.
وقيل: أقرَّ خصمُه بذلك، فلذلك قال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾: إذ معناه: إنْ كان الأمر كما تقولُ فلقد ظلَمَكَ.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾: هو جَمْع خليط، وهو الذي يكون له مع الآخَرِ خُلْطةٌ؛ أي: اختلاط بشِرْكة أو مُعاملة أخرى.
_________________
(١) في (ر): "جعل". والصواب المثبت، قال أبو حيان في "البحر المحيط" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]: يقال: عَزَّ يعُزُّ بضم العين؛ أي: غلب، ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، وعَزَّ يعَزَّ بفتحها؛ أي: اشتد، وعزَّ يعِزُ من النفاسة؛ أي: لا نظير له.
(٢) انظر: "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ١١٣)، و"الكامل" للمبرد (٤/ ٣٤).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦١٥).
[ ١٢ / ٤٨٢ ]
﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: يطلب الفَضْل لنفْسِه ويظلم.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فإنهم لا يَبْغون.
﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾: ﴿مَا﴾ زائدةٌ مؤكِّدةٌ؛ أي: هم قليل.
﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أي: علِمَ داود بالدليل أنَّا امتحَنَّاه فلمْ يصبِرْ على المِحْنَة حتى صار إلى خِلاف ما هو به أولى.
وقرأ أبو عمرو في رواية العبَّاس: (فَتَنَاهُ) بالتخفيف (^١)، على أنَّ الخَصمَين فتَنَاهُ؛ أي: أظهرا له ما خَفِيَ عليه.
﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾: زلَّته ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾؛ أي: سقَطَ على وجهه للَّه ﴿وَأَنَابَ﴾: أي: رجع إلى اللَّه ممَّا وقَعَ فيه.
* * *
(٢٥) - ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: أي: زلَّته ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾؛ أي: القُرْبة في المنزلة يوم القيامة.
﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾: أي: مَرْجِعٍ، وهو الجنة.
والدليلُ على أنَّ الركوع سجودٌ هاهنا أنَّ النبي -ﷺ- سجَدَ لها وقال: "سجدَها داود توبةً، ونحن نسجُدُها شُكْرًا" (^٢).
وهذه قصة زلَّ فيها كثير مِن الناس، وقالوا في نبي اللَّه داود ﵇ ما
_________________
(١) انظر: "السبعة" (ص: ٥٥٣)، و"المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣٠)، و"الكامل في القراءات" للهذلي (ص: ٦٢٨).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" (٤٨٠٧)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٣١) من حديث ابن عباس ﵁، واللفظ له.
[ ١٢ / ٤٨٣ ]
لا يليقُ بحال الأنبياء، فإنَّ اللَّه تعالى يقول في حقِّهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وهم هُداةُ البشر، وشُفَعاءُ العصاة (^١) يوم القيامة، وكانوا في غاية الطهارة، وكمالِ الفراغ في حقِّ أنفسهم، والذي انتشرَ مِن ذلك روايةٌ أكثرُها مردود:
ما يُروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان داود ﵇ جزَّأَ الدَّهْرَ أربعة أجزاء: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للاشتغال بأشغاله، ويومًا يجمع بني إسرائيل فيُبكيهم ويُبْكونه، وكان في المحراب يومَ عبادته إذ وقع بين يديه طائر (^٢).
وعنه في رواية: أنَّ داود قال: يا رب! اجعلني مع أجدادي في رُتْبَتهم، فأوحى اللَّه إليه أنِّي لم أبتلِكَ بما ابتليتُ به أجدادكَ، فأما إبراهيم فابتليتُه بالمال والنَّفْس والولد فلم أرَ منه ما أكرهُه، وأما إسحاق فابتليتُه بالذَّبْح فسلَّمَ لقضائي، وأما يعقوب فابتليتُه بالحُزْن على ولده فرضِيَ وصبَرَ، فإنْ شئتَ ابتليتُكَ وجعلتُكَ بمثابتهم، فقال داود: فابتلِني بما شئتَ، فاوحى اللَّه إليه: إني مُبْتَليكَ في شهر كذا في يوم كذا، وإنما هو ساعة وامرأة، فتحيَّنَ داود الشَّهرَ واليوم، وخلَا ذلك اليومَ بنفْسِه، وجعل الحرسَ على بابه، وكانوا ثلاثين ألفًا -وقال مقاتل: ثلاثةً وثلاثين ألفًا، وقال القُرَظِيُّ: أربعة آلاف-، فوكَّلَ الأحراسَ، ولبِسَ الصُّوف، ودخل المحراب، وفتحَ الزَّبور فوضعه بين يديه، فبينما هو في نُسُكِه إذ وقع طائر بين يديه، حسِبَه داود مِن ذهب، فمدَّ يده ليتناولَه ويدفعَه إلى بُنيٍّ له صغير، فوثبَ الطائر، وجثَمَ في موضع آخر، فقام إليه داود، فطار وجثَمَ على كُوَّةٍ، فقام داود إليها، فوقع بصرُه في بستان فيه أشجار، فرأى امرأةً لم ير الراؤون مِثْلَها جمالًا وحسنًا وكمالًا، فتحيَّر داود وأُعْجِبَ بها، فرأت ظلَّةً، فانتقَضَتْ في شَعرها، فغطَّتْ نفْسَها به، فازداد داود بذلك عَجَبًا، فرجع وكان
_________________
(١) في (ر) و(ف): "الجناة".
(٢) في (ر): "طائر الفتنة".
[ ١٢ / ٤٨٤ ]
له تلميذان مِن بني إسرائيل، فدعا أحدَهما فقال: اذهبْ فتأمَّلْ حالة المرأة والبستان، وهل هي ذاتُ زوج أم لا؟ فذهب ورجع، وقال: إنها بتشايع (^١) امرأةُ أوريا بن حنانَا، وكان غائبًا في غَزاة.
وقال مقاتل: كان أوريا في غَزاة نحوَ البَلْقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى أيوب: أنْ مُرْ أوريا بن حنانا حتى يأتيَ البلقاء، فيُقاتلَ أهلها حتى يفتَحَها أو يُقتَلَ، فقاتل حتى قُتِلَ.
وقال الكلبيُّ: لما تخاصمَ الملكان، وقال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ نظرَ أحدهما إلى الآخر (^٢) فضحِكَ، وعلِما أنَّ داود لم يفهم القضيَّة، فقاما مِن بين يديه، وصعِدا إلى السماء حِيال وجهه، فعلِمَ داود عند ذلك أنه مبتلًى، فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ (^٣).
_________________
(١) في (أ): "شائع"، وفي (ر): "تتشايع".
(٢) في (ر): "صاحبه".
(٣) ذكره هذه الروايات الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٤ - ٦٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٨٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٧٨)، وليس فيها إسناد يصح، وفيها ما ينافي عصمة الأنبياء، ويخل بمنصبهم. قال ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ٦٠): قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه. ثم قال: فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى اللَّه ﷿، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضًا. وقال القاضي عياض في "الشفا" (٢/ ١٦٣): وأما قصة داود ﵇ فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون عن أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين، ولم ينص اللَّه على شيء من ذلك، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نصَّ اللَّهُ تعالى عليه قولُه: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥]، وقولُه فيه: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧].
[ ١٢ / ٤٨٥ ]
قال سعيد بن جُبير وابن المسيِّب: سمعتُ عليًّا ﵁ يقول: مَن حدَّثكم بحديث داود على ما يرويه القُصَّاص جلدتُه مئة وستين؛ لأنه حدُّ الفِرْية على الأنبياء، فأُضَعِّفُه (^١).
وقيل: كانت زلَّته أنه تمنى أنْ يتزوَّجَ بامرأة أوريا، لكنْ صبر ولم يطلُبْ، واتفقت غيبة أوريا في غَزاة استشهد فيها مِن غير قَصْد من داود، فأُخْبِرَ بذلك، فلم يجزَعْ عليه كما جزِعَ على غيره، فعوتب عليه.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أما وقوعُ الطائر بقُرْبٍ منه ونظرُه إليه وإعجابُه به والهمُّ بأخذه فيُحتمَل أنْ يكون، وكذا الذهاب لطلَبه والنظر إليه أنه مِن أين؟ وإلى أين؟ وإلى ماذا صار؟ فذلك محتمَلٌ أنْ يكون، ثم هو مَعْذور في ذلك؛ لمَّا كانت الطيور حُشِرَتْ إليه وسُخِّرَتْ في التسبيح معه والطاعة له، فجائزٌ أنْ يكون له البحث عن حال ذلك الطائر على حسب ما كان مِن سليمان، قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠].
وكذلك وقوعُ بصَرِه على تلك المرأة، فكان بلا قَصْدٍ منه، فكان مَعْذورًا فيه، وميلُ قلبِه إليها لحُسْنها وجمالها، فذلك مِن غير تكلُّفٍ منه، فأما إدامة النَّظر إليها، فإنه لا يُحتمل أنْ يكون ذلك منه ولا مِن نبي مِن الأنبياء النَّظرُ إلى ما لا يحِلُّ النظر إليه.
وكذا بعثُ زوجها في القتال ليُقتلَ، فهذا أيضًا غير مُحتمل، لكنه يُحتمل بعثُه ليجاهد أعداء اللَّه تعالى، وكان ذلك فرضًا عليه، وقُتل فيه من غير أن يُتوهَّمَ منه قصدُ قتلِه وهلاكه (^٢).
_________________
(١) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٨١)، والرازي في "تفسيره" (٢٦/ ٣٧٩) من غير إسناد.
(٢) كذا ذكر الماتريدي هذه التأويلات، وكلها لا لزوم لها، فإن التأويل فرع عن ثبوت النص، فلما كانت الروايات في القصة غير ثابتة فلا حاجة إلى تأويلها، وتنزيه النبي المعصوم أولى.
[ ١٢ / ٤٨٦ ]
قال: فإنْ قيل: كيف عُوتِبَ كلَّ هذا العتابِ -حتى بعَثَ الملائكة بالخصومة عنده تمثيلًا لحاله وتقريرًا لذلك عنده، ثم أخبَر أنه غفَر له بعد طول المدة- إنْ كان معذورًا في ذلك غيرَ مؤاخَذٍ به؟
قيل: إن الأنبياء ﵈ كانوا يؤاخَذون بأدنى شيء كان منهم مما لا يُؤاخذُ غيرهم بذلك، بل يُعدُّ ذلك منهم مِن أرفع الأعمال وأجلِّها؛ نحوَ ما عُوتِبَ يونس ﵇ في خروجه مِن بين قومه لِيَسْلَمَ له دينه أو نفْسه، لكنه خرَجَ بلا إذن مِن اللَّه فعوتِبَ كذلك، فعلى ذلك جاز أنْ يكون عِتابُ داود ﵇؛ لأنَّ ما فُعِلَ فُعِلَ بغير إذن مِن اللَّه تعالى.
ثم في بعْثِ الملائكة إليه وجوهٌ مِن الحكمة، وأنواعٌ مِن الفائدة:
أحدُها: جوازُ الحُجَّاب والحرَس، حيث دخلوا عليه مِن غير الباب.
والثاني: رفعُ الحُجَّاب عن الخصوم، والجلوسُ للقضاء في وقت حاجة الخُصوم، لا على وقت اختيار نفْسِه، حيث دخلوا عليه مِن غير باب الخصومة بلا إذنٍ منه.
والثالث: قُدْرةُ الملائكة على التصوُّرِ بصورة البشر، وذلك يرُدُّ على الفلاسفة قولَهم بخلافه.
ثم قولُ الخَصْمين ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ وكذا وكذا -ولم يكن ذلك منهما- ليس بكذِب، بل هو تمثيلٌ وتشبيهٌ (^١)؛ أي: لو كان أخوان لأحدهما كذا وكذا نَعْجةً وللآخر نَعْجةٌ واحدةٌ، فغلَب صاحبُ النِّعاج الكثيرة على صاحب النَّعْجة الواحدة فأخذَها، أليس يكون ظالمًا؟ فيكون تمثيلًا لا تحقيقًا (^٢).
_________________
(١) في (ر): "وتغشية".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦١٥ - ٦١٧).
[ ١٢ / ٤٨٧ ]
وقال غيره: هو مِن مَعاريض الكلام، ومعنى قولِه: ﴿خَصْمَانِ﴾: أي: نحن في صورة خَصْمين بغى أحدُهما على الآخر، وذِكْرُ التسع والتسعين نَعْجةً تمثيلٌ لنساء نبي اللَّه داود ﵇، فقد كانت نساؤُه بهذا العدد، والعرب تُكَنِّي عن النِّسوة بالنِّعاج والبقر والنَّوْق، وقال عنترة:
يا شاةَ ما قنَصٍ لمن حَلَّتْ له حرُمَتْ عليَّ ولَيْتَها لم تَحْرُمِ (^١)
وقيل: لم يكن منه إلَّا خِطْبتُها؛ إذ ليس في الآية إلا قولُه: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾؛ إذ ليس فيه أنه أخذَها، وكذلك قولُه: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾، ولم يقل: بأخْذِ نعجتِك، وكذلك قال: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، ولم يقل: في الاستيلاء.
وقيل: كانت زلَّته أنه سأل عنها، فقيل: فارِغةٌ، فخطَبَها، وكان خطَبَها غيرُه قَبْلَه، وكانت خِطْبةً على خِطْبة أخيه، فعُوتِبَ لذلك، وعلى هذا قولُه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: أي: في خِطابها بالخِطْبة.
وقال محمد بن جرير الطبريُّ: القصةُ على ظاهرها، والخصمان كانا مِن الإِنس، وقعَتْ لهما هذه الخصومة (^٢) على الحقيقةِ، فاستعجلا في الوصول إلى نبي اللَّه بالتَّسَوُّر في المحراب، ولم ينتظِرا خروجه ولا إذْنَ الحُجَّاب، وكان هذا مِن سوء الأدب، فاستنكرَه داود ﵇ وتسخَّطَ (^٣) عليهما، ثم مالَ قلبُه إلى
_________________
(١) انظر: "ديوان عنترة بن شداد" (ص: ١٧٨)، والبيت من معلقته الشهيرة، قوله: (يا شاة) كناية عن المرأة، والعرب تكني أيضًا عن المرأة بالنعجة، وأراد: يا شاةَ قنصٍ؛ أي: صيد، وقوله: (لمن حلَّت له)؛ أي: لمن قدر عليها، وقوله: (حرُمتْ عليَّ) اختلفوا في السبب، فقيل: لأنها كانت من قوم أعداء، وقيل: لأنها كانت جارته وقيل غير ذلك. انظر: "شرح القصائد العشر" للتبريزي (ص: ٢٠٧).
(٢) في (أ): "الحادثة".
(٣) في (أ): "واستنكره وسخط" بدل: "فاستنكره داود ﵇ وتسخط".
[ ١٢ / ٤٨٨ ]
المدَّعي لترقيقه في الكلام، فعجَّلَ في الحُكْم قبلَ مسألة الخَصْم، فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾، فكان ذلك زلَّةً منه؛ إذ كان الواجب عليه الاحتمالَ منهما، وأنْ لا يُعَجِّلَ في القضاء.
وقولُه تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أي: وقَعَ له في غالب الظَّنِّ أنَّه أخطأَ فيما فعَلَ، وأنما قد فتنَّاه بذلك ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾.
وقولُه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ دليلٌ أيضًا على ما قلناه، فإنَّ قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكور قبله، وهو ما ذُكِر في الآية دون شيء آخر، وكذلك ما بعده: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يؤيِّدُ هذا (^١)، وإذا كان ما ذكَرْناه جائزًا ولم يَرِدْ خبَرٌ عمَّنْ يجب تقليده بخلافه، كان لزوم الظاهر أولى مِن غيره، ولم يثبُتْ خبرٌ بأنَّ الخصمين كانا ملَكَين، ولا أنه كان من داود ﵇ ما ذكَرَه أهل الروايات مِن قصة تلك المرأة (^٢).
_________________
(١) في (ر): "ذلك".
(٢) لم أجد هذا الكلام عند الطبري، لكن قال نحوه ابن حزم في "الفصل في الملل والنحل" (٤/ ١٤) فذكر أن ما جاء في الآية لا يدل على شيء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولَّدها اليهود، ثم قال: (وإنما كان ذلك الخصم قومًا من بني آدم بلا شك، مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم، بغى أحدهما على الآخر على نص الآية، ومن قال: إنهم كانوا ملائكة معرِّضين بأمر النساء، فقد كذب على اللَّه ﷿ وقوَّله ما لم يقل، وزاد في القرآن ما ليس فيه، وكذَّب اللَّه ﷿، وَأقر على نَفسه الخبيثة أَنه كذَّب الملائكة؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ فقال هو: لم يكونوا قط خصمين، ولا بغى بعضهم على بعض، ولا كان قطّ لأحدهما تسع وتسْعُونَ نعجة، ولا كان للآخر نعجةٌ واحِدَةٌ، ولا قال له: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾. . . ثم كل ذلك بلا دليل، بل الدعوى المجردةُ، وتاللَّه إن كل امرئ منا ليصون نفسه وجاره المستور عن أن يتعشق امرأة جاره ثم يعرِّض زوجها للقتل عمدا ليتزوجها، وعن أن يترك صلاته لطائر يراه، هذه أفعال السفهاء المتهوكين =
[ ١٢ / ٤٨٩ ]
وقال (^١) الإمام أبو منصور ﵀: فإنْ قيل: ما الحكمةُ في ذِكْر زلَّات الرسل، واللَّهُ تعالى وصَفَ نفْسَه بأنه غفور؛ أي: ستورٌ، وقد أمرَنا بالسَّتر على مَن ارتكب (^٢) ذنبًا، فكيف ذكَرَ هو زلَّات أنبيائه حتى تُقرأَ زلَّاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم القيامة؟
قلنا: لذلك وجوه:
أحدُها: أنْ تكون آيةً لرسالته؛ لأنَّ قلوب الخلق لا تحتمِلُ ذِكْرَ مساوئ الآباء والأجداد، وذِكْرَ مساوئ أنفسهم، فإذا ذكرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- ذلك، دلَّ على أنه عن أمرٍ مِن اللَّه يذكُرُ ذلك.
والثاني: ذكَرَ زلَّاتهم امتحانًا منه عبادَه بأنْ (^٣) كيف يُعاملون رسلهم بعدما عرَفوا منهم الزلَّات؟ وكيف ينظُرون إليهم بعين الرَّأفة والرحمة؟ يمتحِنُهم بذلك على ما امتحنَهم بسائر أنواع المِحَن.
والثالث: لِيَعلمَ الخَلْقُ أنَّ الرسل كيف عاملوا ربهم عند زلاتهم، فيُعاملون هم ربَّهم عند ذنوبهم كذلك مِن البُكاء والتضرُّع والفزَع إلى اللَّه والتوبة.
والرابع: أنْ يكون ذكَرَها لِيُعلمَ أنَّ ارتكاب الصغائر لا يُزيل الولاية، ولا يُخرِجُ مِن الإيمان؛ ردًّا على الخوارج.
_________________
(١) = الفساق المتمردين لا أفعال أهل البر والتقوى، فكيف برسول اللَّه داود الذي أوحى إليه كتابه وأجرى على لسانه كلامه، لقد نزهه اللَّه ﷿ عن أن يمر مثل هذا الفحش بباله فكيف أن يستضيف إلى أفعاله. . .) إلى آخر ما قال.
(٢) في (ر): (قال)، وفي (ف): "فقد قال".
(٣) بعدها في (ر): "كبيرة".
(٤) في (ر): "أن"، وفي (ف): "أي".
[ ١٢ / ٤٩٠ ]
والخامس: أنْ يكون ذلك لِيُعلمَ أنَّ الصغيرة ليست بمغفورةٍ، وللَّه أنْ يُعذِّبَ عليها؛ ردًّا على المعتزلة (^١).
وقال غيره: جاء في التفسير في قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أنه خرَّ ساجدًا أربعين يومًا وليلةً حتى نبَتَ العُشْبُ مِن دموعه، فأوحى اللَّه تعالى إليه: أنَّا قد غفَرْنا لكَ (^٢).
ورُوِي: أنه ما شرِبَ مدَّةً كثيرةً ماءً في إناء إلا وثُلُثاه دمعٌ، والثُّلثُ ماء.
وقيل: أغلَقَ داودُ يومَ خوفِ الابتلاء على نفْسِه أبوابَ الدار، لكنْ لم يُمْكِنْه أنْ يُغْلِقَ على نفْسه أبواب (^٣) الأقدار.
* * *
(٢٦) - ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾: أي: صيَّرْناكَ في الأرض حاكمًا بين العِباد، وخلَفًا عمَّن كان قبلك فيها مِن الأنبياء.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾: أي: فامنَعِ المتنازِعين بعضَهم مِن بعض بما أمَرَ اللَّه تعالى به مِن ذلك، فإنه الحقُّ؛ أي: الذي يحِقُّ أنْ تَعْمَلَ به.
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾: أي: هواكَ المخالِفَ لأمر اللَّه.
﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: نصبٌ بالفاء؛ لأنَّه جواب النَّهْي؛ أي: يعدِلَ بك الهوى واتِّباعُه عن الطريق المُفضي بسالكه إلى رِضوان اللَّه.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٦١٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٦٤) عن ابن عباس، وقد تقدمت قطعة منه، ورواه (٢٠/ ٦٩) عن الحسن.
(٣) في (أ): "باب".
[ ١٢ / ٤٩١ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾: نصب ﴿يَوْمَ﴾ لوجهين:
أحدُهما: أنه ظرفُ قولِه: ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أي: لهم ذلك يوم القيامة ﴿بِمَا نَسُوا﴾: أي: تركوا سلوكَ سبيل اللَّه.
والثاني: أنه مفعولُ ﴿نَسُوا﴾؛ أي: نسُوا يوم الحساب الذي فيه حُكْمُ اللَّه بين عباده بالحق، فحكَموا في الدنيا بغير الحقِّ.
وهذا النِّسيان هو التَّناسي والتَّغافُل.
ثم هذا الخِطاب مِن قوله: ﴿يَادَاوُودُ﴾ إلى هاهنا يحتمِلُ الاستخلافَ بعد التوبة عليه، ويحتمِلُ أنْ يكون معناه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ فاثبُتْ على ذلك، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾.
* * *
(٢٧) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾: هو تذكير عن نسيان يوم الحساب.
يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مِن المكلَّفين لأُهملَهم، فلا آمرَهم ولا أنهاهم، بل خلَقْتُهم لِأمتحنَهم وأُكلِّفَهم، وإذا كلَّفْتُهم ميَّزْتُ بين مُحْسِنهم ومُسيئهم بالثواب والعقاب، وذلك يوم الحساب.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ظنُّ خَلْقِ السماء والأرض وما بينهما باطلًا هو ظنُّ الكفار ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.
[ ١٢ / ٤٩٢ ]
(٢٨) - ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى ألف الاستفهام، أو هو عطفٌ على ألفِ استفهامٍ مُقدَّرٍ على ما مرَّ تقريره مرات، وهو استفهام بمعنى النفي، وهو تحقيق معنى الامتحان، والتَّمييز بين أهل الإساءة والإحسان.
وقولُه تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾: أي: كالعُصاة الذين يَفْجُرون؛ أي: يَميلون عن الحق إلى الباطل.
وقيل: هذا متَّصلٌ بقوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وعُطف بعضها على بعض بـ (أم).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يعني: عليًّا، وحمزةَ، وعبيدةَ بن الحارث ﵃، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: عُتْبة وشَيْبة ابنا ربيعة، والوليد بن عُتْبة لعنهم اللَّه (^١).
وقال مقاتل: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يعني: بني هاشم بن عبد مَناف، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: يعني: بني عبد شمس (^٢).
* * *
(٢٩ - ٣٠) - ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٨/ ٢٦١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ١٦٥) من رواية الكلبي عن ابن عباس.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٦٤٣)، وذكره السمعاني في "تفسيره" (٤/ ٤٣٨) من غير نسبة.
[ ١٢ / ٤٩٣ ]
وقولُه تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾: أي: هذا كتاب أنزلناه إليك مبارك.
﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾: أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمُفسدون والمُتَّقون والفُجَّار؛ أي: ليتفكَّروا (^١) بعقولهم ما فيه مِن العلامات الدالَّة على الحق والباطل.
﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: وليتَّعظوا بعِظاته، ويتذكَّروا بذِكْره، فإنه القرآن ذو الذِّكْر كما ذُكِرَ في أول السورة.
وقولُه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾: أي: رزَقْناه ولدًا اسمه سليمان.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: أي: سليمانُ نِعْمَ العبدُ.
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: إذ كان (^٢) رجَّاعًا إلينا في أموره، مُستغفِرًا مِن زلَّته.
* * *
(٣١) - ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾: صِلةُ قولِه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾: أي: آخرَ النهار، وهو وقتُ العصر.
﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾: عُرِضَتْ عليه الخيلُ لينظُرَ إليها؛ إظهارًا منه الحُبَّ للجهاد، والحِرْصَ عليه، والحثَّ للناس على الاقتداء به في ارتباطها.
وقولُه: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾: الخيول القائمةُ على ثلاث قوائمَ وقد أقامَتْ قائمةً (^٣) على طرَف الحافر مِن يد أو رجل، مِن باب ضرَب، ومصدرُه: الصُّفون.
_________________
(١) في (أ): "ليتدبروا".
(٢) في (ف): "أي" بدل: "إذ كان".
(٣) أي: أقامت القائمة الرابعة.
[ ١٢ / ٤٩٤ ]
وقال القُتَبيُّ: الصَّافِن في كلام العرب: الواقف مِن الخيل وغيرِها؛ قال النبي -ﷺ-: "مَن سرَّه أنْ تقوم له الرجال صُفونًا فليتبوَّأ مقعدَه مِن النار" (^١).
قولُه: ﴿الْجِيَادُ﴾: جمع جَواد، وهو الذي يُجيدُ السَّيْر، ويتَّسِع في العَدْوِ، وهما وَصْفان:
أحدُهما: حُسْنُ هيأتها في وقوفها.
والثاني: جودة سَيرها حال ركضها.
قال الكلبي: غزا سليمان بن داود ﵉ أهلَ دمشقَ ونَصِيبين، فأصاب منهم ألف فرس، فكانت الخيل تُعرَضُ عليه وقت العصر، فعُرضتْ عليه منها تسعُ مئة، فتنبَّهَ لصلاة العصر، فإذا الصلاة فاته وقتُها، فأمر بها فعُرْقِبَتْ (^٢) وبقِيَتْ منها مئة، وهي التي تناسلت إلى اليوم (^٣).
وقال مقاتل: ورِثَ سليمان مِن أبيه ألف فرس كان أبوه أصابَها مِن العمالقة،
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٧٩). والحديث ذكره الخطابي في "غريب الحديث" (١/ ٣٩٧)، والماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٦٢٦)، والهروي في "الغريبين" (مادة: صفن)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٠٠)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٩١)، من غير سند، وقال الزيلعي في "تخريج الكشاف" (٣/ ١٨٩): غريب. والثابت في الحديث ما رواه الترمذي في "سننه" (٢٧٥٥) وحسنه، وأبو داود في "سننه" (٥٢٢٩)، والإمام أحمد في "مسنده" (١٦٨٣٠)، من حديث معاوية ﵁، بلفظ: "من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار".
(٢) يقال: عَرْقَبْتُ الدابة: إذا قطَعْت عُرْقُوبها، وهو كناية عن قتلها، والعُرْقُوب: العصب الغليظ المُوَتَّرُ فوق عَقِبِ الإنسان، وعُرْقوبُ الدابة في رِجلها بمنزلة الرُكبة في يدها. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٣/ ١٨٥) و"الصحاح" (مادة: عرقب).
(٣) وهذا من خرافات الكلبي وما أكثرها!
[ ١٢ / ٤٩٥ ]
فصلَّى الصلاة الأولى وقعَدَ على كرسيه وهي تُعرضُ عليه، ففاتته صلاة العصر، فضرَبَ سُوقَها وأعناقَها (^١).
وقال الحسن: بلغني أنها كانت خيلًا خرجتْ مِن البحر لها أجنحةٌ، فكانت تُعرَضُ عليه وقت العصر حتى فاتته الصلاة (^٢).
* * *
(٣٢) - ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾: أي: آثرْتُ؛ كما قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وقولُه تعالى: ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾: أي: حُبِّي للخير؛ كما قال: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ أي: كحُبِّهم للَّه.
و﴿الْخَيْرِ﴾ قال قتادة والسُّدِّي: أي: الخَيْل (^٣)، قال النبي -ﷺ-: "الخيل مَعْقودٌ بنواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة" (^٤).
وقيل: أي: حُبَّ المال؛ كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨].
وقولُه تعالى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: أي: على ذِكْر ربي، ويجوز (عن) عبارةً عن (على) (^٥)؛ قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣]؛ أي: على نفْسه، قال الشاعر:
_________________
(١) ذكرهما عن الكلبي ومقاتل الثعلبيُّ في "تفسيره" (٨/ ١٩٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٨٨).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٩٩)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٨٨) عن عوف عن الحسن.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٨٤) عن السدي، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ٩٢) عن قتادة والسدي.
(٤) رواه البخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧٣)، من حديث عروة بن الجعد ﵁.
(٥) في (ر) و(ف): "ويجوز عن عبادة ربي".
[ ١٢ / ٤٩٦ ]
إذا رضِيَتْ عليَّ بنو قُشير لَعَمْرُ اللَّه أعجبني رضاها (^١)
وقيل: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾؛ أي: أحببْتُ الخيرَ (^٢) حُبًّا شغَلَني عن ذكْر ربي.
وقيل: ﴿أَحْبَبْتُ﴾؛ أي: قعدتُ وتأخَّرْتُ، يقال: أحَبَّ الجملُ: إذا برَكَ، وأحبَّ الأسدُ: إذا طأطأَ رأسَه وسكَنَ، قال الشاعر:
مُحِبٌّ كإِحْباب السَّقيم وإنما به أَسَفٌ أنْ لا يَرى مَن يُساورُه (^٣)
يصِفُ الأسد.
وتقديره: إني قعدتُ وتأخَّرْتُ لحُبِّ الخيل (^٤) عن ذِكْر ربي.
والذِّكْرُ: الصلاة؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
وأراد بقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: صلاةَ العصر، وهذا عن علي وقتادة والسُّدِّي (^٥).
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾: أي: توارَتِ الشمس بما حجَبها عن الأبصار، ولم يَسْبِقْ ذِكْرُها، لكنْ نعرف أنها المراد لأنه ذكَرَ العَشِيَّ، ولا شيءَ يتوارى
_________________
(١) البيت لقُحَيف العُقَيلي، كما في "النوادر" لأبي زيد (ص: ٤٨١)، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة (ص: ٥٠٧).
(٢) في (ر) و(ف): "الخير".
(٣) البيت لأبي الفضل الكناني، كما في "الأصمعيات" (ص: ٧٨)، وذكره ابن فارس في "مقاييس اللغة" (٢/ ٢٧)، وثعلب في "مجالسه" (ص: ٦٤) من غير نسبة، والرواية في "الأصمعيات": محب كإحباب السقيم وما به سوى أسف أن لا يرى من يثاور
(٤) في (أ): "الخير".
(٥) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٨٤).
[ ١٢ / ٤٩٧ ]
حينئذ غيرُها، وهذا كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]، قال لَبيد:
حتى إذا ألْقَتْ يدًا في كافر وأجَنَّ عوْراتِ الثُّغورِ ظَلامُها (^١)
يعني: الشَّمسَ.
وقال حاتم الطائي:
أَماوِيَّ! لا يُغْني الثَّراء عن الفتى إذا حَشْرَجَتْ يومًا وضاق بها الصَّدْرُ (^٢)
يعني: النَّفْس.
* * *
(٣٣) - ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾: أي: الصَّافناتِ الجِياد.
﴿فَطَفِقَ﴾: أي: أخذَ وابتدأَ ﴿مَسْحًا﴾؛ أي: يمسَحُ مَسْحًا؛ قال أبو عبيدة: أي: يقْطَع، يقال: مسح علاوته؛ أي: ضرب عنقه، وكذا قال الكسائي والفراء والخليل وجماعة مِن المفسرين: أنَّه القَطْعُ (^٣).
﴿بِالسُّوقِ﴾: وهي جمع الساق.
﴿وَالْأَعْنَاقِ﴾: جمع العُنُق؛ أي: جعل يُعَرْقِبُ سُوقَها ويقطَعُ أعناقها.
واختلفوا في وجه ذلك على هذا القول:
_________________
(١) انظر: "ديوان لبيد بن رببعة" (ص: ١١٤)، والبيت من معلقته الشهيرة.
(٢) انظر: "ديوان حاتم بن عبد اللَّه الطائي وأخباره" ليحيى بن مدرك الطائي (ص: ٢١٠).
(٣) انظر: "العين" للخليل (٣/ ١٥٦)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٨٣)، وذكره الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٥٢) عن الفراء، وجعله ابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ١٣١) قول الجمهور.
[ ١٢ / ٤٩٨ ]
قيل: فعَلَ ذلك تلهُّفًا على فَوْت الصلاة، فأتلفَها قَطْعًا لأسباب الشُّغل عن ذِكْر اللَّه تعالى، وهو كمَن شغَلَه ثوبُه عن الصلاة فخرَقه (^١) حَسْمًا لطمَع الشيطان في عوده إلى مثله، وللإنسان إتلافُ ماله في غرَضٍ صالحٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنْ ثبَتَ هذا فلوجهين:
أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزًا، وإنْ كان لا يجوز في شريعتنا إتلافُ الحيوان وتعذيبُه، وهو كتعذيبِه الهُدْهُدَ حين تفقَّدَه، ولا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا، أويكون ذلك منه قبْلَ نهيه عن المُثْلة، ثم نُهِيَ عنها، فحُرِّمَ ذلك عليه وعلينا.
والثاني: أنْ يكون ذلك عبارةً عن الذبح؛ لتُفَرَّقَ لحومُها على الناس، فيكونَ كفارة لِمَا كان منه (^٢).
وهذا وجهٌ آخر قال به جماعة: أنَّه ذبحَها وأطعمَها الناسَ، فدلَّ ذلك على أنَّ الخيل كانت مأكولةً في شريعته، ولم يكن ذلك تعذيبًا للخيل، بل رياضةً للنَّفْس، وتقرُّبًا إلى اللَّه تعالى بأحبِّ الأموال إليه، وعلى هذا عَرْقَبَةُ السوق كانت لئلَّا (^٣) تنفِرَ، ويُتمكَّن مِن ذبحها، وقَطْعُ الأعناق كانت ذبحًا وذكاة ومشروعة، وشكَرَ اللَّه سَعْيه ذلك، فأثنى عليه به، وأبدَله مكانها ريحًا غُدُوُّها شهر ورَواحُها شهر، فزاد في المعونة، ورفَعَ المؤونة.
وفيه قولان آخران سوى القَطْع والذَّبْح:
أحدُهما: أنه مسَحَ السُّوق؛ أي: كواها، وكوى على الأعناق أيضًا، وجعلَها في سبيل اللَّه للغُزاة، وأعلَمَها بالكيِّ، وليس المسح باسمٍ للقَطْع لا محالةَ، فإنه عبارة عن المسِّ، وذلك يقع بما دون القَطْع.
_________________
(١) في (أ): "فحرقه".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٢٥).
(٣) في (ر): "ولهذا عرقبة السوق لئلا".
[ ١٢ / ٤٩٩ ]
والآخر: أنه كان مُجَرَّدَ مسٍّ للسُّوق والأعناق؛ قال ابن عباس ﵄: جعل يمسَحُ أعْرافَ الخيلِ وعراقيبها حُبًّا لها (^١).
وقال الزُّهْري: مسَحَ الغُبار عنها، وليس يأنَفُ الرجل -وإنْ جلَّ مقداره- عن تعهُّدِ الخيل بنفْسه (^٢).
وقيل أيضًا: كان يمسَحُ هذه المواضع ينظُرُ: هل حدَثَ بها عيبٌ فيُسْتَصْلَحَ؟
وقيل على هذا الوجه: عُرِضَ عليه بعضها، ثم تذكَّرَ الصلاة فصلاها، ثم أمرَ بعَرْض ما بقِيَ عليه، فجعل يمسح سُوقها وأعناقها، وذلك قوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، أو رُدَّ كلُّ ما (^٣) عُرِض عليه مرَّةً، فرآها ثانيًا ومسَحها؛ إظهارًا لحُبِّها وحثًّا على ارتباطها.
وقيل على هذا: ليس في الآية ذِكْرُ فوت الصلاة.
ولها تأويل آخر: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾: الخيلُ، فنظَرَ إليها إلى غروب الشمس حُبًّا للخيل، ورغبةً في إمساكها للجهاد في سبيل اللَّه تعالى، وإظهارًا للناس بقوله: إنه يُحبُّها بأمر اللَّه تعالى، فإن معنى قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾؛ أي: الخيل؛ أي: أحببتُها حبًّا ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾؛ أي: بما ذكَر لي ربي في الزَّبور أنَّ حُبَّها وارتباطَها مما يرضى به اللَّه تعالى، وقال: أعيدوها عليَّ، فجعل يمسحها مسحًا إظهارًا لمحبَّتها.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٨٧)، وهو الصواب في القصة، ورجحه الطبري فقال: وهذا القول الذي ذكرنا عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية؛ لأن نبي اللَّه لم يكن إن شاء اللَّه ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالًا من ماله بغير سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها في اشتغاله بالنظر إليها.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٠١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٦٨) عن الزهري وابن كيسان.
(٣) في (أ) و(ر): "أورد كل" بدل من "أي: ردوا ما".
[ ١٢ / ٥٠٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾: أي: اختبرناه كما اختبرنا آباءه، كما قال: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤].
﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾: هو بيان تلك الفتنة.
﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾: هو إلى اللَّه؛ أي: رجع إليه كما رجع أبوه وأناب واستغفر اللَّه تعالى، فغفَرَ اللَّه له، فسأله المُلْك الذي لا ينبغي لأحد مِن بعده فأعطاه، كما جعل أباه خليفةً في الناس، ووعدَه الزُّلْفى وحُسْنَ مآب.
وزلَّ في تفسير هذه الآية بشرٌ كثيرٌ، ورووا فيه رواياتٍ مختلفةً:
قال قتادة: إنَّ سليمان غزا ملِكًا من الملوك، فقهره وسبى ابنةً له، وشُغفَ بها، واختصَّها مِن بين نسائه، وكان اسمها: جرادة، فقالت لسليمان: إنْ رأيت أنْ تأذنَ لي حتى أتَّخذ صورةً على صورة أبي، فلستُ أتمالَكُ شوقًا إليه، فأذن لها، فاتَّخذت صنمًا، فعبَدَته في دار سليمان أربعين يومًا، وقيل: خمسين يومًا، فابتلى اللَّه سليمان بسبب ذلك بنَقْل مُلْكه عنه، وإلقاء جسد على كرسيِّ مُلْكه (^١).
وقال مقاتل: هو شيطان اسمه: صخرُ بنُ عمير بن عمرو (^٢) بن شرحبيل، قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أعطني خاتمكَ حتى أُخبرَك، فأعطاه خاتمه، فرماه في البحر، فانتقل مُلْك سليمان عنه لزوال خاتمه (^٣).
وقيل: تختَّمَ صخرٌ به، فصار المُلْك له.
وقال السُّدِّي: كانت لسليمان ثلاثُ مئة نِسْوة مَهْريَّة، وكان آثرُ نسائه عنده امرأةٌ
_________________
(١) ذكره الثعلبي بنحوه مطولًا في "تفسيره" (٨/ ٢٠١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٩١)، عن وهب بن منبه، ولا شك أنه من خرافات بني إسرائيل التي أكثر منها وهب.
(٢) في (أ): "عميرة" بدل: "عمير بن عمرو".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٨٨) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وخبر ابن عباس ضعيف جدًّا، وهذا كله من الإسرائيليات.
[ ١٢ / ٥٠١ ]
يقال لها: جرادة، وكان سليمان إذا أجنبَ أو دخل الخَلاء نزَعَ خاتمه فدفعه إليها، لا يأمَنُ عليه سواها، فدخل الخَلاء يومًا ودفَعَ الخاتم إليها، فجاء شيطان اسمه: آشمَدِّي (^١) على صورة سليمان، وأخذَ منها الخاتم فظنَّته سليمان، وقعد الشيطان على كرسيه، وخرج سليمان مِن الخلاء فطالبَها به، فقالت: ألمْ أُعْطِكَهُ الآن؟! فخرج سليمان وغاب، وقعد الشيطان على كرسيه يقضي بين الناس (^٢).
وذكروا أشياء لا تقبلُها العقول السليمة، وتردُّها العقائد المستقيمة، ولا يجوز على نبي اللَّه سليمان ولا على سائر الأنبياء الرضا بعبادة الأصنام (^٣)، ولا التَّرْكُ بعد العلم، فإنْ فعلَتْ ذلك امرأته بغير علمه، فما معنى عِتاب سليمان به وهو لا يَعْلَم به؟!
وكيف يجوز تسليط الشيطان أن (^٤) يحكُمَ بين الناس بالباطل، ويأتيَ النساء، ويُصَوِّرَ أنه نبي، وأنَّ أحكامَه أحكامُ اللَّه تعالى، وهذا تلبيس على المسلمين طريقَ الدين؟!
فكيف تصوَّرَ بصورة سليمان وعلى الناس الإيمانُ بسليمان، والشيطانُ تَصَوَّر بصورة سليمان وهم يعتقدونه نبيَّ اللَّه، ولا يصلون إلى حقيقة ذلك ألبتَّة؟! هذا مُحالٌ مِن القول.
وكيف يسلُبُ اللَّه سليمان مُلْكه في حياته وقد بقَّاه عليه سنة كاملة بعد وفاته؟!
وكيف ينزعه منه وهو يقول: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾، واستجاب اللَّه له في قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
_________________
(١) في (ر): "اشبري".
(٢) رواه الطبري مطولًا في "تفسيره" (٢٠/ ٩١)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٠٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٩١). وليس بأقل خرافة من سابقه.
(٣) في (أ): "الصنم".
(٤) "أن" من (أ).
[ ١٢ / ٥٠٢ ]
وعند بعض المفسرين: كان له المُلْك قبل هذه الفتنة.
قال مقاتل: فُتِنَ سليمان بعد مُلْكه عشرين سنة، وملَكَ بعد الفتنة عشرين سنة (^١).
ومنهم مَن قال: سؤال هذا الملَك كان بعد الفتنة، ويدلُّ عليه نَظْم الآية، لكنَّ بعضَ ما ذكرناه مِن الدلائل كافية، ولِمَا قاله هؤلاء نافية.
وقيل: إنه كان لسليمان مئة امرأة، فقال: لأطوفَنَّ الليلة على نسائي، فتحمِلُ كل واحدة منهن غلامًا يُقاتل في سبيل اللَّه، ولم يستَثْنِ، فما حمَلَتْ منهن إلا واحدةٌ ولدت شِقَّ غلام، وقيل: ولدًا ميتًا، فجيء به وهو على كرسيه، فوُضِعَ في حِجْره، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. وقال النبي -ﷺ-: "والذي نفسي بيده، لو استثنى لولَدتْ كلُّ واحدة منهن غلامًا يقاتلون في سبيل اللَّه تعالى فرسانًا أجمعين" (^٢)، فكانت فتنتُه هذه، وعتابُه لترك الاستثناء.
وقال الشَّعبي: وُلِد لسليمان ابنٌ، فاجتمعت الشياطين، وكانت تُقَدِّرُ أن راحتها في موت سليمان، فقال بعضهم لبعض: إنْ عاش له ولد لم ننفكَّ مما نحن فيه من البلاء والسُّخْرة، فسبيلُنا أن نقتل ولده أو نَخْبِلَه، فعلِم سليمان بذلك، فأمر السَّحاب
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٠٧)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٩٧).
(٢) رواه البخاري (٦٣٤٧)، (٧٤٦٩)، ومسلم (١٦٥٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ: "لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن، فولدت فارسا يقاتل في سبيل اللَّه". وقوله: "ولم يستثن"؛ أي: لم يقل: إن شاء اللَّه، قال ابن حجر في "فتح الباري" (٦/ ٤٦١): أي: بلسانه، لا أنه أبى أن يفوض إلى اللَّه، بل كان ذلك ثابتًا في قلبه، لكنه اكتفى بذلك أولًا ونسي أن يجريه على لسانه. قلت: ويضرب هذا مثالًا لتفسير القرآن بالسنة عن طريق الاجتهاد، فبعض المفسرين حملوا هذه الآية على حديث سليمان هذا، فقالوا: إن هذا هو الجسد الذي أخبر اللَّه ﷾ عنه، لكن الرسول -ﷺ- لم يربط هذا الحديث بالآية، وإنما أخبر بخبرٍ عن سليمان ﵇، فحَمْلُ الحديثِ على الآية ليس من فعل الرسول -ﷺ-؛ لأنه لم يرد من الرسول -ﷺ- على سبيل التفسير.
[ ١٢ / ٥٠٣ ]
حتى حملَتْه الريح، وغدا ابنه في السَّحاب خوفًا مِن مَعَرَّة الشياطين، فابتلاه اللَّه تعالى لأجل هذا الخوف (^١) بموت هذا الولد، فألُقِيَ ميتًا على كرسيه (^٢).
* * *
(٣٥) - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾: أي: زلَّتي ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾: لم يسأل ذلك نفاسةً على غيره، وطلبًا للاستئثار بمِثْله، لكنْ أراد أنْ يكون مُلْكه على هذا الوجه آيةً لنبوته يَبينُ (^٣) بها عن غيره مِن ملوك الأرض في عصره.
وقيل: أراد به أنْ يكون علامةً لقَبول توبته.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أنه أراد أنْ يستسلِمَ له الخَلْق في الإجابة إلى ما يدعو إليه مِن توحيد اللَّه تعالى وعبادته لَمَّا رأى أنَّ إجابة الناس وإقبالهم إلى مَن عنده السَّعةُ والغِنى أسرع، ورغبتَهم فيه أكبر، فإذا كان ما ذكرنا كان في سؤاله نجاةُ الخَلْق كلِّهم لِمَا يستسلمون له ويجيبونه إلى ما يدعوهم إليه.
ويحتمل أنه سأل ذلك ليبقى له الذِّكْر والثَّناء الحسَن في الخَلْق، وكذلك كان التماس المرسلين، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] (^٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ عِفْريتًا مِن الجن تفلَّتَ عليَّ البارحة ليقطع صلاتي، وإن اللَّه أمكنني منه، ولقد همَمْتُ أنْ أربِطَه إلى سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا فتنظروا إليه كلُّكم" (^٥).
_________________
(١) "لأجل هذا الخوف" ليس من (أ).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٠٦)، وهذا أيضًا من خرافات الإسرائيليات.
(٣) في (ر): "يتبين".
(٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٢٨).
(٥) رواه البخاري (٤٦١)، (٣٤٢٣)، (٤٨٠٤)، ومسلم (٥٤١).
[ ١٢ / ٥٠٤ ]
وفي رواية: "حتى تلعبَ به صبيان المدينة، فذكرتُ قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فرده اللَّه خاسئًا" (^١).
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: أي: المعروفُ بكثرة الهِبات (^٢).
وفيه دليل على أنَّ الأهم بالمؤمن تقديمُ سؤال المغفرة على كلِّ سؤال.
وقيل: إنما سأل مثلَ هذا المُلْك؛ لينالَ ثواب الملوك العادلين، قال النبي -ﷺ-: "عدلُ ساعةٍ خيرٌ مِن عبادة سنة" (^٣).
وقيل: سأل ذلك لعِلْمه بأنه لا يقوم به أحد مثلُه؛ ليُنْصِفَ المظلوم من الظالم، وليَعْمُرَ البلاد، ويُنْعِشَ (^٤) العباد، ويُظهرَ الرشاد، ويقطعَ الفساد.
وقيل: سأل ذلك ليُظهر مِن نفْسه عند كمال المُلْك في الدنيا كمالَ العبودية للمولى، فيزدادَ خشوعًا ومَسْكنةً للَّه تعالى بزيادة اللَّه له في المُلْك والرِّفعة، ولذلك كان يأكل خبز الشعير، ويُرمِلُ الخُوْصَ (^٥)،. . . . . .
_________________
(١) رواه مسلم (٥٤٢) من حديث أبي الدرداء ﵁.
(٢) في (ر): "بكثرة أسباب الهبات".
(٣) قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ٦٧): غريب بهذا اللفظ. وروى أبو نعيم في "فضيلة العادلين" (١٥) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، قيام ليلها، وصيام نهارها". وضعفه البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة" (٥/ ٤٠). وروى الطبراني في "الأوسط" (٤٧٦٥)، وفي "الكبير" (١١٩٣٢) عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ١٩٧): فيه سعيد أبو غيلان الثيباني لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(٤) في (أ): "وينفس".
(٥) الخُوص: هو ورق النخل وما شابهه؛ أي: أن سليمان كان ينسج الورق ويرققه. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٧/ ١٩٨) و(١٥/ ١٤٩).
[ ١٢ / ٥٠٥ ]
ويأكل مِن كَدِّ يده، ويجلس مع المساكين، وكان يقول: مسكينٌ جالس مسكينًا (^١).
وقولُه تعالى: ﴿لَا يَنْبَغِي﴾: قال أبو عبيدة: أي: لا يكون (^٢).
وقيل: هو فعل لازم لقولهم: بغى؛ أي: طلَبَ بُغْيته فانبغى (^٣)؛ أي: طَلِبته (^٤) فحصل.
* * *
(٣٦) - ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾.
فاستجاب اللَّه دعاءه هذا، وذلك فيما قال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾: أي: ذلَّلناها له ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾؛ أي: سهلةً ليِّنة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾؛ أي: حيث أراد سليمان مِن البلاد والمواضع.
يقال: أصاب الصوابَ فأخطأ الجواب؛ أي: أراد الصواب.
وقال قتادة: ﴿رُخَاءً﴾: أي: سريعةً طيِّبة حيث أراد.
وقال الحسن: كان يغدو من إيليا، ويَقيلُ بقزوين، ويبيت بكابل.
وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد والضحاك والسُّدِّي: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: أي: حيث أراد (^٥).
* * *
(٣٧ - ٣٨) - ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.
﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾: عطف على الأول؛ أي: وسخَّرنا له الشياطين.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤٢)، والرازي في "تفسيره" (٣٢/ ٢٢٠) من غير سند ولا نسبة.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٨٣).
(٣) في (أ) و(ر): "فانبغى".
(٤) "طلبته" زيادة من (أ).
(٥) روى جميع هذه الآثار الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٩٥ - ٩٨).
[ ١٢ / ٥٠٦ ]
﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾: ترجمة عنه؛ أي: فسخَّرْناهم له، فبعضهم كانوا يبنون له الأبنية العظيمة المرتفعة البديعة، وبعضهم يستخرجون له مِن البحار الجواهرَ واللآلئَ والحُلِيَّ الثمينة.
وقال مقاتل: كان سليمان أول مَن استخرج اللؤلؤ مِن البحر (^١).
﴿وَآخَرِينَ﴾: أي: مِن الشياطين ﴿مُقَرَّنِينَ﴾؛ أي: مُقيَّدين، مِن القِران، والتشديد للتكثير والتكرير.
﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾: أي: الأغلال، والواحد: صَفَد، بفتح الفاء.
وقال السُّدِّي: كان يجمع أيديَهم إلى أعناقهم بالسلاسل (^٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان مَن امتنع منهم عن العمل له بالبِناء والغَوْص وغير ذلك قيَّدَه بالغُلِّ؛ ليدفع شرَّه عن الخَلْق (^٣).
* * *
(٣٩) - ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾: فلما أعطيناه هذا كلَّه، قلنا له: هذا عطاؤنا لك.
﴿فَامْنُنْ﴾: أي: أَعْطِ منه ما شئتَ ومَن شئتَ.
﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾: أي امنَعْ منه ما شئتَ ومَن شئتَ.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: بغير تَبِعَةٍ عليكَ فيه، ولا سؤالٍ عنكَ: لِمَ أعطيتَ؟ ولِمَ أمسكتَ؟
_________________
(١) ذكره الماوردي في "تفسيره" (٣/ ٤٦١) عن مقاتل، وهو من غير نسبة عند الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢١١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ٩٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٩٩).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٨/ ٦٢٩).
[ ١٢ / ٥٠٧ ]
وقيل: هو تفويضُ تقديرِه ما يُعطي وما يُمسك؛ أي: أَعْطِ وأَمسِكْ غيرَ مُقدَّر عليك تقديرًا لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان منه.
وقولُه تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: قيل: أي: فامنُنْ؛ أي: أَعْطِ مَن أعطيتَه مُتفضِّلًا لا مُحاسِبًا له على ما تُعطيه، وراجيًا مكافأته عليه بقَدْره.
وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ صلةُ قولِه تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾؛ أي: عطاؤُنا لك بغير حساب؛ أي: أعطيناكَ بغير حساب (^١) لكَ علينا، بل ابتداءَ إنعامٍ منا.
وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: أعطيناكَ مِن غير أن يُنقِصَنا الإعطاءُ أو يزيدَنا تركُ الإعطاء، وهو معنى الحساب؛ لأنَّه لتعَرُّفِ الزيادة والنُّقْصان، وهما عن عطائنا مُنْتَفيان.
وقيل: ﴿فَامْنُنْ﴾؛ أي: فامنُنْ على مَن شئتَ فأَطْلِقْه ولا تستعملْه، ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾؛ أي: احبسه واستعمله، والأولُ كقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤]، والثاني كقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: لا نحاسبك على ما فعلتَ، ولا نسألكَ: لِم فعلت؟ أو (^٢) هلَّا فعلتَ.
* * *
(٤٠ - ٤١) - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾: كما كان لأبيه داود، وقد فسَّرْنا ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: أي: دعا ربه؛ أي: اذكر عبدنا أيوب كما ذكرتَ داود وسليمان إذ قال في دعائه وندائه:
_________________
(١) "أي أعطيناك بغير حساب" ليس من (أ).
(٢) في (أ): "و".
[ ١٢ / ٥٠٨ ]
﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾: أي: أصابني ﴿بِنُصْبٍ﴾؛ أي: نَصَب، وهو التَّعَب، وهو كالشُّغْل والشَّغَل، والحُزْن والحَزَن، والرُّشْد والرَّشَد، والبُخْل والبَخَل.
وقال أبو عبيدة: ﴿بِنُصْبٍ﴾: أي: أذًى (^١).
وقال قُطْرُب: أي: مرض، وقال المبرد: أي: مكروه.
وقولُه تعالى: ﴿وَعَذَابٍ﴾: قيل: أي: شديد. وقيل: أي: عَناء.
ومعنى إضافةِ ذلك إلى الشيطان عند بعضهم: أنَّ الشيطان كان سأل اللَّه أنْ يسلِّطَه على ماله وولده وجسده على ما ذكَرْنا في سورة الأنبياء في قصته.
وعند بعضهم: أنَّ الشيطان وسوس إليه وأوردَ على خاطره ما يبعَثه على الجزَع والشِّكاية مِن تَذْكار الحالة الأولى.
وعند بعضهم: أنه يُخيِّلُ إلى امرأته وإلى الناس أنه لو كان له جاه عند اللَّه لم يبتلِه بمِثْل هذه البَليَّة، وكان يُنفِّرُ الناس عنه، ويخدَعُ امرأتَه بأشياء.
* * *
(٤٢) - ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: أي: فاستجبنا له، وقلنا له: اركض برجلكَ؛ أي: اضرب بها وحرِّكْها في مكانكَ.
قال الحسن: فركَضَ برجله فسقطت عنه كلُّ دُودة كانت في جسده.
﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾: أي: فضرب برجله الأرض، فنبعت عَين فيها ماء بارد ليغتسل به ويشربه، فزال ما كان به مِن ضُرٍّ حين اغتسل به وشربه.
* * *
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٨٤)، وفيه: بلاء وشر.
[ ١٢ / ٥٠٩ ]
(٤٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾: قال مقاتل: كان لأيوب سبعُ بنات وثلاثة بنين في المكتب، ومعلم يعلِّمهم التوراة، فأخذ إبليس بالسَّارية فهزَّها، فانهدمَ السَّقْف ووقع عليهم، فلما شفاه اللَّه تعالى أحياهم ورزقه مِثْلهم سبع بنات وثلاثة بنين (^١).
وقال الضحاك: أوحى اللَّه تعالى إليه: أتريد أنْ أبعثَهم؟ قال: لا يا ربِّ! دَعْهم في الجنة، فعلى هذا آتاه أهله في الآخرة، وأعطاه مثلهم في الدنيا بأنْ عمَّرَه فتزوج، فولد له أولاد كذلك (^٢).
وقيل: معناه: ووهبنا له أجرَ أهلِه في الآخرة ومِثْلَهم في الدنيا.
وقال النبي -ﷺ-: "إنه تناثر عليه جَرادٌ مِن ذهب حين عوفي، فجعل يأخذه في ثوبه، فأوحى اللَّه إليه: ألمْ يَكْفِكَ ما أعطيناكَ؟ قال: يا رب! ومَن يشبع مِن فضلك؟! " (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾: أي: فعلتُ به ذلك رحمةً مني عليه.
_________________
(١) ذكر نحوه الواحدي في "البسيط" (١٥/ ١٥٠) عن الكلبي، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٣/ ٢٠٧) من رواية أبي صالح عن ابن عباس، فيكون الخبر واحدًا؛ لأن الكلبي هو الراوي عن أبي صا لح، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.
(٢) روى الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٣٦٧) عن مجاهد قال: قيل لأيوب: إن شئت أحييناهم لك، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وتعط مثلهم في الدنيا، فاختار أن يكونوا في الآخرة، ومثلهم في الدنيا. ولم أقف عليه للضحاك.
(٣) رواه البخاري (٢٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه بدل "يا رب ومَن يشبع مِن فضلك": "بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ".
[ ١٢ / ٥١٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: وتذكيرًا للعقلاء ليصبروا كما صبر، فيُؤجَروا كما أُجِر.
* * *
(٤٤) - ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: أي: وقلنا له؛ أي: في تكفير يمينه على ضرب امرأته.
قال سعيد بن المسيِّب: كانت امرأته تأتيه كلَّ يوم بشيء معلوم، فأتته يومًا بأكثرَ مِن المعهود، فخاف عليها سوءًا، فحلف ليضربنَّها مئة سُوط (^١).
وقيل: أعطَتْ في طلَب القُوت يومًا ذُؤابتَيها، فجأت فرآها كذلك، فظن بها شيئًا، فحلَف على ذلك.
وقيل غير ذلك، فقال اللَّه تعالى له:
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: قال الخليل: هو قَبْضة قُضْبانٍ يجمعها أصل واحد (^٢).
وقال قُطْرُبٌ: هو الحُزْمة مِن الكَلأَ والرَّيحان.
وقيل: هو ملءُ الكف مِن حشيش أو شَماريخ (^٣).
وفي بعض التفاسير: أنه أخذ قَبْضة مِن مكانِسَ (^٤).
_________________
(١) ذكره عنه الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٥٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٠٣).
(٢) انظر: "العين" للخليل (٤/ ٣٦٣).
(٣) الشماريخ: جمع شُمْرُوخ، وهو غصن دقيق يكون في أعلى الغصن الغليظ. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٧/ ٢٦٣).
(٤) مكانس: جمع مِكْنس، وهو ما يُكنس به. انظر: "لسان العرب" لابن منظور (٦/ ١٩٧).
[ ١٢ / ٥١١ ]
وفي بعضها: مِن ثُمام (^١).
وفي بعضها: مِن إِذْخِر (^٢).
﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾: أي: امرأتك ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾؛ أي: في يمينك، خفَّفَ عنها لعدم جِنايتها، وأبرَّه فيما حلف لحُسْن نيته فيما حلف (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾: أثبت له صفة الصبر مع قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾؛ لأنه لم يكن على وجه الشكوى، ولأنه قال ذلك مع اللَّه لا مع غيره، ولأنه كان مَرَّةً، ولأنه كان شكرًا للَّه على ما أهَّلَه له.
وقيل: الصَّبر (^٤): استعذاب البلاء دون استصعابه.
وقيل: هو التَّلَذُّذ بالبلاء.
وقيل: هو الوقوف تحت الحُكْم.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: لم يشغله البلاء عن المُبْلي، وسليمان نِعْم العبد لم يشغله العطاء عن المُعْطي.
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي: رَجَّاع إلى اللَّه، وهو تحقيق ما قلنا.
وقيل: مكث في بلائه ثماني عشرة سنة (^٥).
_________________
(١) الثُّمام: نبت ضعيف له خُوص أو شبيه بالخوص، وربما حشي به وسدَّ به خصاص البيوت، واحده: ثمامة. انظر: "الصحاح" للجوهري (مادة: ثمم).
(٢) الإِذْخِر: حشيشة طيبة الريح. انظر: "العين" للخليل (٤/ ٢٤٣).
(٣) في (ر) و(ف): "وجد".
(٤) في (ر): "والصبر" بدل: "وقيل: الصبر".
(٥) وهو المروي عن النبي -ﷺ-، رواه ابن حبان في "صحيحه" (٢٨٩٨)، والحاكم في "مستدركه" (٤١١٥) وصححه.
[ ١٢ / ٥١٢ ]
وقال السدي: ثلاث عشرة سنة (^١).
وقال مقاتل: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات (^٢).
* * *
(٤٥) - ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: قرأ ابن كثير: ﴿واذكر عَبْدَنا﴾، وهو لإبراهيم خاصة، والباقون: ﴿عِبَادَنَا﴾ (^٣)، وهو له ولإسحاق ويعقوب.
﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: جمع يد، وبها يقع البطش والقوة.
﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: جمع بصَر، وهو بصر القلب، وبه يقع الاستبصار والمشاهدة، وهذا وصف لهم بالقوة في العمل، والكمالِ في العِلْم.
وقال الحسن: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: أي: الأيادي على الناس، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: في دين اللَّه (^٤).
* * *
(٤٦ - ٤٧) - ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾: قرأ نافع بغير تنوين على الإضافة، والباقون بالتنوين على التَّرجمة (^٥).
_________________
(١) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ١٣١) عن قتادة.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٦٤٨)، وذكره الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ١٣١).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨).
[ ١٢ / ٥١٣ ]
يقول: إنَّا اختصَصْناهم (^١) واستخلصناهم بخاصيَّةٍ، وهي تذكيرُ الناس (^٢) بيوم القيامة؛ لإرسالنا إياهم دُعاةً للخَلْق.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾: المختارين ﴿الْأَخْيَارِ﴾؛ أي: الأفاضل.
وقيل: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾: وهو ذِكْرهم في الآخِرين في دار الدنيا ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾: المستحِقِّين للجنة.
* * *
(٤٨) - ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وخلف: "واللَّيْسَع" بلامين، والباقون بلام واحدة (^٣).
﴿وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾: قال ابن إسحاق: إنَّ الْيَسَعَ وذا الكِفْل كانا ابنَيْ عم، وكان الْيَسَعُ في أربع مئة مِن الأنبياء في زمانِ ملكٍ غَشوم، فقتل الملِكُ منهم ثلاث مئة، وبقي ذو الكِفْل ومئة منهم، فكفِلَهم وجعل يُطعمهم ويَسقيهم، وخبَّأَهم حتى أُفْلِتوا، فمِن ذلك سُمِّيَ: ذا الكفل (^٤).
وقد ذكَرْنا في قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] أنَّ الْيَسَعَ كان آمن بإلياس، ولما ذهب إلياس نُبِّئَ الْيَسَعُ في بني إسرائيل.
_________________
(١) في (ر): "أخلصناهم".
(٢) في (ر): "الناسي".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٤)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٠).
(٤) ذكره الجرجاني في "درج الدرر" (٢/ ٣٢١) عن الكلبي.
[ ١٢ / ٥١٤ ]
وقيل: لمَّا مات أيوبُ أرسل اللَّه ابنَه بِشْرَ بن أيوب نبيًّا، وسماه: ذا الكِفْل، وأمرَه بالدعاء إلى توحيده، وكان نبيًّا بالشام عمَّرَه اللَّه خمسًا وسبعين سنة، ثم مات، فأرسل اللَّه تعالى بعده شُعيبًا.
وفيه أقاويل أُخَر ذكرناها في سورة الأنبياء في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾: هذا الذي تلَوْناه عليكم مِن قصص الأنبياء ذِكْرٌ؛ أي: وَعْظٌ، فتذكَّروا (^١) به.
﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي: للمُتذكِّرين به، وقيل: لكل المؤمنين على العموم لا للأنبياء الذين ذكرتُهم على الخصوص.
﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾: أي: مرجعٍ، ثم فسَّرَه:
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: وهي في محلِّ نصبٍ (^٢) ترجمةً عن الأول.
﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾: التَّفْتيحُ: تكثير الفتح، وذلك لذِكْر الأبواب؛ أي: إذا أتوها فتحوا أبوابها لدخولهم؛ كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣].
* * *
(٥١ - ٥٢) - ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾.
_________________
(١) في (ر): "فتذاكروا".
(٢) في (أ): "النصب".
[ ١٢ / ٥١٥ ]
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾: نصب على الحال؛ أي: يتَّكِئون على الأرائك فيها.
﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾: للأكل ﴿وَشَرَابٍ﴾: للشُّرْب.
و﴿يَدْعُونَ﴾: أي: يحكُمون. وقيل: يطلبون. وقيل: ينادون.
وقيل: يتمنَّون بقلوبهم، فيأتيهم من غير لَبْثٍ ولا كُلْفة.
قولُه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: نساء قد قصَرْنَ أبصارهن عليهم.
﴿أَتْرَابٌ﴾: لِدَاتٌ على سنٍّ واحدة، متساوياتُ في الحسن والجمال، وذلك أنفى للغَيْرة عنهن؛ لأن النَّفْس تتوق إليهن على السواء.
* * *
(٥٣ - ٥٦) - ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: أُجازيهم به يوم أُحاسِبُ الخَلْق، فأُجازيهم على أعمالهم.
﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا﴾: أي: عطاؤنا الذي لا ينقطع ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾؛ أي: فناءٍ.
﴿هَذَا﴾: أي: هذا لهؤلاء، أو: هذا كما وصفنا، أضمرَ خبره.
﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾: أي: وإن للمُتمرِّدين لأسوأَ مرجع ﴿جَهَنَّمَ﴾: ترجمة عنه ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: فبئس الفراش المُعَدُّ لهم، بخلاف ما ذُكِرَ للمتقين مِن حسن المآب والجنة المفتَّحة الأبواب.
* * *
(٥٧) - ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾.
[ ١٢ / ٥١٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ﴾: قيل: أضمر فيه: نزُلُهم؛ أي: هذا نزُلهم فليذوقوه.
﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾: ترجمةٌ عن المضمَر.
وقيل: فيه تقديم وتأخير: هذا حميمٌ فليذوقوه، وغسَّاق فليذوقوه، وهذا مكانَ الفاكهة والشراب للمتقين.
والحميمُ: الماء الحارُّ الذي تناهى حرُّه، قال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥].
وأما الغَسَّاق:
فقد قال قتادة: هو ما يَسيل من بين جلده ولحمه (^١).
وقال ابن عباس ﵄: هو الزَّمْهَرير الذي يحرق ببَرْده كما تحرق النار (^٢).
وقال ابن عمر ﵄: هو القَيْح الذي يَسيل منهم يجتمع فيُسْقَونه (^٣).
وقال كعب: الغسَّاقُ: عَين في جهنم يسيل إليها سُمُّ كلِّ ذات حُمَة مِن حية وعقرب (^٤).
وقيل: هو قَيْح شديد النَّتْن.
وقيل: هو ما يَسيل مِن الصَّديد.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٠٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٢٨).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٣٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٩١٠٠)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢١٣).
(٣) ذكره ابن فورك في "تفسيره" (٢/ ٢٩٧).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٢٩).
[ ١٢ / ٥١٧ ]
وقيل: الغَسَّاقُ مأخوذ مِن الظُّلْمة والسوادِ مِن الليلِ الغاسقِ، وهو شراب أهل النار، بخلاف شراب أهل الجنة الذي له صفاءٌ وحسنٌ ورِقَّةٌ.
وقال ابن بُريدة: الغَسَّاق: المُنْتِن، وهي لغة الطَّخارية (^١). وقيل: التركية (^٢).
وقال محمد بن كعب القُرَظي: هو عُصارة أهل النار (^٣).
وقال الأخفش: هو ما يغسِقُ مِن فُروج الكفرة والزُّناة؛ أي: يسيل (^٤).
وقرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية حفص بالتشديد، وكذا في ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقرأ الباقون بالتخفيف (^٥).
فالمخفَّف اسم كالشَّراب والعذاب، والمشدَّد نعت كالكَذَّاب والقَلَّاب والغَلَّاب، وقد غسَقَت القَرْحة غُسوقًا؛ أي: سالت، وغسَقَت العين غَسَقانًا (^٦)؛ أي: جرى دمعُها، وغسَقَ الليل: إذا أظلم، والغسَقُ: الظُّلْمة.
* * *
(٥٨) - ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾: قرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿وَآخَرُ﴾
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٣٠). والطَّخارية: نسبة إلى ولاية واسعة من نواحي خراسان. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٢٣).
(٢) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري (ص: ١٣٨)، و"المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" للسيوطي (ص: ١١٨).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢١٣).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢١٣) عن قتادة والأخفش.
(٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦١).
(٦) في (ر) و(ف): "غسقا".
[ ١٢ / ٥١٨ ]
بالضم (^١) على الجمع؛ أي: ضُروب أُخَرُ، وقرأ الباقون بالفتح على الواحد (^٢)؛ أي: وعذابٌ آخَرُ مِن شكله؛ أي: شِبْهه.
و(الشَّكْل) بالفتح: ما يُشاكل الشيءَ، وبالكسر الدَّلُّ (^٣).
﴿أَزْوَاجٌ﴾: أي: ضُروب وألوان، وهي الضَّريع والغِسْلين (^٤) والصَّديد والزَّقُّوم.
* * *
(٥٩) - ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾.
﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾: أي: يقال لهم: هذا فَوْج؛ أي: انظروا إلى أفواج أمم الكفار (^٥) الذين أضلَلْتُموهم، فإنهم مُقْتَحِمون النَّارَ معكم، لم يُمْكِنْكم نصرتهم ودفعُ العذاب عنهم.
والفَوْج يطلق (^٦) للجمع معنًى، ولفظُه لفظ الواحد، فلذلك وحَّد نعته فقال: ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾.
﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: أي: يقول الأوَّلون للمُقتحِمين: لا مرحبًا بهم.
هذه كلمة تُذكر عند استثقال (^٧) الداخل، وضدُّه: مرحبًا، يقال ذلك للإكرام
_________________
(١) في (ر): "وسهل ويعقوب والمفضل عن عاصم" بدل: "وابن كثير وأخر"، وفي (أ) سقط قوله: "بالضم".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"جامع البيان" للداني (٣/ ٩٨٤)، و"الكامل في القراءات" للهذلي (ص: ٤٠٠).
(٣) أي: التغنج والدلال. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٠/ ١٥).
(٤) في (أ): "والغساق".
(٥) في (أ): "الكفرة"، وفي (ف): "الكفر".
(٦) "يطلق" ليس من (أ) و(ف).
(٧) في (أ): "تذكر عند استعمال استثقال"، في (ر): "تقال عند اشثقال".
[ ١٢ / ٥١٩ ]
وللفرح بالداخل، ومعناه: أتيتَ مرحبًا؛ أي: منزلًا رحبًا واسعًا وخيرًا واسعًا (^١).
و(الرُّحْبُ) بالضم: السَّعَة، و(الرَّحْب) بالفتح: الواسع، و(المَرْحَب): موضع السَّعة.
﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾: أي: داخلوها؛ أي: هم مثلُنا، فلا فرحَ برؤيتهم، ولا فرجَ بمعونتهم.
* * *
(٦٠ - ٦١) - ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾.
﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾: أي: بل أنتم الذين لا نفرح بالاجتماع معهم.
﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾: أي: أنتم حمَلتمونا على الكفر بالدعوة والتَّزْيين حتى أوردتُمونا هذه الموارد.
﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾: أي: موضعُ الاستقرار، والهاء في ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾ يرجع إلى الصَّلْيِ، فقد ذُكِر فعلُه، أو إلى الاقتحام لذلك.
﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾: أي: مَن كان سببًا لهذا بدعوته.
﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾: أي: مُضاعَفًا بكفره ودعوته إيانا إليه.
﴿فِي النَّارِ﴾: أي: في نار جهنم.
* * *
(٦٢) - ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾: أي: يقول هؤلاء: ما
_________________
(١) "وخيرًا واسعًا" ليس من (أ).
[ ١٢ / ٥٢٠ ]
لنا؛ أي: ما السبب في أنَّا لا نرى معنا في هذا الموضع رجالًا كُنَّا في دار الدنيا ﴿نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَار﴾ لتَرْكِهم دينَنا إلى دينٍ كان باطلا عندنا؟!
وقيل: ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾؛ أي: مِن الأرذال والسَّفِلة، هذا كما يقال (^١): هذا مِن شرِّ المتاع.
قال ابن عباس ﵄: إنَّ أبا جهل وذويه يقولون في النار: أين صُهَيْب؟ أين بلال؟ أين عمار؟ أين خبَّاب؟ وهم الذين كانت السادة تسخَرُ منهم (^٢).
وقال مقاتل: هذا قول صناديد قريش في النار للعبيد والموالي (^٣).
* * *
(٦٣) - ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾: مَن قرأ بكسر الألف غيرَ مقطوع (^٤) فهو على التحقيق؛ أي: كنا اتَّخذناهم سخريًّا.
قال أبو عبيدة: مَن كسر السين جعله مِن الهُزْء؛ أي: نسخر بهم، ومَن ضمَّها جعلها من السُّخْرة، وهي التَّسَخُّر والاستذلال والاستعمال (^٥).
_________________
(١) في (ف): "هذا كما تقول"، وفي (أ): "هذا ما يقال".
(٢) ذكره عن ابن عباس: السمعانيُّ في "تفسيره" (٤/ ٤٥١)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٣٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢١٥) عن مجاهد.
(٣) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢١٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٠٠) دون نسبة.
(٤) هي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ١٨٧).
[ ١٢ / ٥٢١ ]
﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ على هذا يكون فيه إضمار ألف الاستفهام، ثم عطف الثاني عليه بـ ﴿أَمْ﴾، وتقديرُه: أَأُدْخِلوا غير هذا المدخل (^١) أم زاغت عنهم الأبصار؟ أي: أبصارنا، فلا نراهم وهم معنا هاهنا.
ومَن قرأ: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بألف مفتوحة على القطع فهو استفهام (^٢)، والثاني معطوف عليه بغير إضمار، ومعناه: أكان ذلك باطلًا منا (^٣) وهزوًا بغير حق، وكانوا أخيارًا لا أشرارًا، فأُدْخِلوا غير مدخلنا أم أُدْخِلوا هاهنا معنا ومالت عنهم أبصارُنا لكونهم في ناحية أخرى مِنَّا؟!
* * *
(٦٤ - ٦٥) - ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾: أي: هو كما أُخْبِرتموه (^٤)، وليس بباطل أنهم يتخاصمون على هذا الوجه، على ما ذكر عنهم ذلك في آيات: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] الآيات، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآيات، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥].
قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾: أي: مُخَوِّف بهذا اليومِ وبهذا العذاب، وقيل: بالقرآن، ورسولٌ داعٍ إلى الحق.
_________________
(١) في (ر): "أدخلوا غير هذه المداخل".
(٢) هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨).
(٣) في (أ): "هنا".
(٤) في (ر): "أخبروا".
[ ١٢ / ٥٢٢ ]
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: فأدعوكم إلى توحيده وعبادته.
* * *
(٦٦ - ٦٧) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: نعت لقوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وكذلك قولُه: ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾: قيل: أي: القرآن الذي أُنذركم به، والنَّبَأُ: الخَبَرُ.
وقيل: هو الإنذار بالساعة، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، فأمْرُ الساعة أمْرٌ عظيم؛ لِما فيه مِن النعيم المؤبَّد لقوم، والعذابِ المخلَّد لقوم.
وقيل: هو الإخبار بنبوَّته.
* * *
(٦٨ - ٦٩) - ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾: أي: عن النبأ على الوجوه الثلاثة.
وقولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: هو إقامة البُرْهان على دعوى الرسالة، يقول: ما كان لي مِن عِلْم باختصام الملائكة في أمر آدم، وهو ما ذُكِرَ في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآيات، وإنما علِمْتُ بإعلام اللَّه تعالى، فدلَّ ذلك على رسالتي إذ علِمْتم أني لم أُسافرْ ولم أُخالطْ مَن يخبرني به ممَّن قد علِمَه، وإنما علِمْتُه بوحي اللَّه تعالى إليَّ.
[ ١٢ / ٥٢٣ ]
ورُوِي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لمَّا عُرِجَ بي إلى السماء قال اللَّه تعالى: يا محمد! فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ فقلتُ: في الكفارات والدرجات، فقال: وما الكفاراتُ يا محمد؟ فقلتُ: إسباغُ الوضوء في السَّبَرات (^١)، ونَقْل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. قال: وما الدرجات؟ فقلتُ: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام" (^٢).
والأشبه بنَظْم الآيات ما تقدَّمَ.
وقيل: اختصموا في أمر آدم، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال اللَّه لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وكان (^٣) في ذلك ذِكْر الرسل، وفيهم ذِكْر محمد، فأنا ذلك المذكور في ذلك الوقت.
* * *
(٧٠ - ٧٢) - ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ﴾: أي: ما يوحى إليَّ ﴿إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: هذا الكلام يُوحى إليَّ.
_________________
(١) السَّبَرات: جمع "سَبْرة": وهي شدة البرد. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (١/ ١٨٤).
(٢) رواه الترمذي في "سننه" (٣٢٣٥)، والإمام أحمد في "مسنده" (٢٢١٠٩)، من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الترمذي: (حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح). وللحديث طرق وألفاظ مختلفة، وقد تكلم في إسناده ومتنه بعض المتقدمين. انظر الكلام عليه في حواشي "المسند".
(٣) في (ف): "وما كان".
[ ١٢ / ٥٢٤ ]
وقيل: أي: ما يوحى إليَّ القرآنُ وسائر وجوه الوحي إلا لأني (^١) نذير مبين؛ أي: رسول مبين.
وقولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾: أي: يختصمون حين قال ربك يا محمد للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾: وهو آدم.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: أي: هيَّأْتُه الهيئةَ التي لا يبقى بعدها إلا نفخُ الروح فيه.
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾: أي: أدخلْتُ فيه روحًا أنا خلقْتُه له.
﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾: أي: فخُرُّوا على وجوهكم ساجدين له سجدةَ التَّحيَّة.
* * *
(٧٣ - ٧٥) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾: تعظَّمَ عن السجود له.
﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: وصار من الكافرين بإباء الأمر (^٢).
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾: هو سؤال تَقْريع وتَوْبيخ؛ أي: لِمَن انفردتُ بإيجاده، وصوَّرْتُه بلا واسطة.
﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾: بقطع الألف، استفهامٌ بمعنى الإنكار ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾؛ أي: أتكبَّرْتَ للحال أم كنتَ مِن المتكبِّرين قبل هذا؟!
وقيل: أي: أم صرتَ مِن الطالبين العُلُوَّ؟!
* * *
_________________
(١) في (ر): "أني".
(٢) في (ف): "بإباء أمر السجود".
[ ١٢ / ٥٢٥ ]
(٧٦ - ٧٨) - ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾: لها نورٌ ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: له ظُلْمةٌ، وقد بيَّنَّا وجوه خطئِه في هذا القياس.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: أي: مِن الجنة. وقيل: مِن السماء. وقيل: مِن صورتِكَ بالمسخ.
﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: أي: متى همَمْتَ بالعَود إلى السماء رُجِمْتَ بالشُّهُب؛ أي: رُميتَ بها وطُردتَ عن السماء.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: أي: قد أوجبتُ على الملائكة والبشر أنْ يلعنوكَ إلى يوم القيامة، ثم أُدخِلُكَ النار تحقيقًا لهذا اللعن.
وفيه إخبار أنه يبقى على الكفر إلى يوم القيامة.
* * *
(٧٩ - ٨٣) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
قولُه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: أي: فأَمْهِلْني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: خاف الموت، فسأل النَّظِرة إلى يوم القيامة.
﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: وهو فَناء الدنيا.
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أي: لأُضِلَّنَّ بني آدم بالوسوسة.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: فإنه لا يعمل فيهم إغوائي.
قال القُشيري ﵀: لو عرف عزَّتَه لَمَا أقسم بها على مخالفته.
[ ١٢ / ٥٢٦ ]
وقال في قوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: مِن كمال شَقاوته سؤالُ إنظاره، فإنه تزداد عقوبته بزيادة أوزاره، فأجابه اللَّه تعالى فإنه بلسانه سأل تمام شَقاوته (^١).
* * *
(٨٤) - ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾: قرأ عاصم وحمزة (^٢): ﴿فَالْحَقُّ﴾ بالرفع، و﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ بالنصب، وقرأ الباقون كليهما بالنصب (^٣).
وقرأ طلحة بن مُصرِّف كليهما بالخفض على القسم (^٤) قسمًا بعد قسم، عطفًا على قوله ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾.
ومَن رفع الأول فمعناه: فأنا الحقُّ، أو هو مبتدأ، ومعناه: فالحقُّ بأني أملأُ جهنم منكَ ومِن مُتَّبعيك (^٥).
ومَن نصب فعلى القسم؛ كقولك: "فحقًا"، والثاني نُصِبَ بوقوع القول (^٦) عليه: وأقول الحق.
* * *
(٨٥ - ٨٦) - ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٦٤).
(٢) في (ف): "قرأ عاصم غير المفضل وهبيرة وحمزة وخلف ويعقوب غير ورش".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢).
(٤) انظر: "المختصر في شواذ القراءات" (ص: ١٣١).
(٥) في (أ): "وممن تبعك" بدل: "ومن متبعيك".
(٦) في (أ): "الفعل".
[ ١٢ / ٥٢٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾: من بني آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: على الإنذار وتبليغ القرآن، فيقع عندكم أني مُسْتَأْكِل.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾: أي: مِمَّن يتكلَّفُ إظهار خلاف الإضمار، بل أنا على ما عرفتُموني به مِن الصدق والأمانة ومحاسن الأخلاق، ولو كان تكلُّفًا مني لظهر على تطاول الزمان خلافُه، وذلك دليل صدقي في دعوى رسالتي.
وقيل: وما أنا مِن المتكلِّفين في القرآن كما يقولون: إنه يختلِقُه، بل هو وحي من اللَّه إليَّ، وما أنا بقائل ما لا عِلْم لي به.
* * *
(٨٧ - ٨٨) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ﴾: أي: وما هو، يعني: القرآن.
﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾: ختَمَ السورة بما بدأَها به، فإنه قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وكذا قال في أثنائها: ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿وَاذْكُرْ﴾، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾: وهو ما قال: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ على الوجوه الثلاثة.
﴿بَعْدَ حِينٍ﴾: أي: بعد ورود الأمر بالقتال.
وقيل: بعد الموت بتحقيق العذاب.
والحمد للَّه رب العالمين
* * *
[ ١٢ / ٥٢٨ ]
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق سارية فايز عجلوني
المجلد الثالث عشر
دار اللباب
[ ١٣ / ١ ]
سورة الزمر
[ ١٣ / ٥ ]