بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي له الإنشاء والإنشار، الرحمنِ الذي من عنده الأطعمة والثِّمار، الرحيمِ الذي بوعده الضَّحك في الآخرة والاستبشار.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال: "مَنْ قرأ سورة عبس وتولَّى كان وجهُه يوم القيامة ضاحكًا مستبشرًا" (^٢).
وهذه السُّورة مكيَّة.
وهي أربعون آية، ومئة وثلاث وثلاثون كلمة، وخمسُ مئة وخمسة وثلاثون حرفًا.
وانتظام ختم تلك السُّورة بافتتاح هذه السُّورة: أنَّ ختم تلك بعتاب النَّبيِّ -ﷺ- على السُّؤال عن قيام السَّاعة لسؤال الكفَّار، وافتتاحَ هذه بعتابه على تولِّيه عن ابن أمِّ مكتوم باستمالة الكفَّار.
وانتظام السُّورتَيْن: أنَّهما في ذكر الدُّنيا وما أعطانا اللَّه تعالى فيها، وذكر الآخرة وما يكون للأولياء والأعداء فيها.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "سورة عبس وتولى".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣٠)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٢٢)، قال ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤/ ٣٤٤): مصنوع بلا شك. وانظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
[ ١٥ / ٢١٣ ]
وافتتاحها بذكر قصَّة ابن أمِّ مكتوم، وذكر ذلك على وجوه:
منها ما رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- جلس إليه العبَّاس بن عبد المطَّلب وأميَّة بن خلف الجمحي، فهو يناجيهما، ويرجو أنْ يُسْلِما، فأتاه عبدُ اللَّه بن أمِّ مكتومٍ الأعمى، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، علِّمْني ممَّا علَّمَكَ اللَّهُ، فأعرضَ عنه وعبسَ في وجهِهِ، فنزل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فخرج النَّبيُّ -ﷺ- في طلبِه وهو يقول: "من رأى الأعمى"، فلمَّا لقيَه عانقَه وقال: "لن تزال في عيال محمَّدٍ ما بقيْتَ"، واستخلفه على المدينة مرَّتين (^١).
وفي رواية عروة بن الزَّبير: جاء ابن أمِّ مكتوم إلى النَّبيِّ -ﷺ- وعنده عتبة بن ربيعة ورجال من قريش القصَّة (^٢).
وقال مقاتل: ﴿عَبَسَ﴾؛ أي: كلحَ في وجه عَمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم ابن رواحة بن حجر بن عامر بن لؤي بن فهر بن مالك القرشي، وهو ابن أمِّ مكتوم، وأمُّه عاتكة بنت عامر بن عمرو بن مخزوم، وكان ضرير البصر، أتاه فقال: علِّمني ممَّا علمَكَ اللَّه، يعني: الإسلام والقرآن، فأعرض عنه وكلح في وجهه، وأقبل على العَّباس وأميَّة بن خلف، فنزلت الآية (^٣).
_________________
(١) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٩)، وفيه بدل "فخرج النَّبي -ﷺ- في طلبِه وهو يقول: "من رأى الأعمى. . . " إلخ: (فلما نزل فيه أكرمه رسول اللَّه -ﷺ- وكلَّمه، وقال له: "ما حاجتُك، هل تريدُ مِن شيءٍ؟ " وإذا ذهب من عنده قال له: "هل لكَ حاجةٌ في شيء؟ " وذلك لما أنزل اللَّه: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾. قال ابن كثير: فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.
(٢) ذكره ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٤/ ٢٠٨).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٨٩).
[ ١٥ / ٢١٤ ]
وقال عطاء: كان عند رسول اللَّه -ﷺ- عيينة بن حصن بن بدر الفزاريُّ، وهو في الحِجْر، فدخل عليه ابن أمِّ مكتوم. . . القصَّة.
وقال الحكم بن عتيبة: ما عبس رسول اللَّه -ﷺ- بعد نزول هذه الآية في وجه فقيرٍ، وما تصدَّى لغنيٍّ حتى لقي اللَّه (^١).
وروي أنَّه كان يبسط لابن مكتومٍ رداءَه إذا جاءَه، ويقول: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربِّي" (^٢).
وقالوا: إنَّ النَّبيَّ -ﷺ- كان قصدُه من ذلك إعزازَ الدِّين واستمالةَ قلوب المشركين، وكان الأعمى يقطع عليه كلامه، وهو نوعُ سوءِ أدبٍ، فكان العبوس في موضع التَّأديب، ولكن لَمَّا كان يقع عند الضُّعفاء ظاهرًا أنَّه تقديم الغنيِّ على الفقير، والصَّحيحِ على الضَّرير، فتنكسرُ بذلك قلوبُهم، عاتبَه اللَّه تعالى في ذلك؛ تقويةً للضُّعفاء، وتطييبًا لقلوب الفقراء.
* * *
(١ - ٧) - ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾.
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ﴾؛ أي: كلحَ محمَّدٌ ﴿وَتَوَلَّى﴾؛ أي: أعرضَ.
وهذا تشريفٌ للنَّبيِّ -ﷺ- في ذكرِه على صيغة المغايبة، وهي فوق المخاطبة.
_________________
(١) في (أ): "لحق باللَّه" بدل من "لقي اللَّه". ورد في عدة تفاسير دون نسبة ولا عزو. منها: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٦٨٧)، و"الكشاف" للزمخشري (٤/ ٧٠١)، و"مدارك التنزيل" للنسفي (٣/ ٦٠٢).
(٢) أورده مكي بن أبي طالب في تفسيره المسمى، "الهداية إلى بلوغ النهاية" (١٢/ ٨٠٥٣) عن سفيان الثوري. وذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣١) دون عزو.
[ ١٥ / ٢١٥ ]
﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾؛ أي: بأنْ جاءَه (^١) الضَّرير.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾: ثم خاطبَه فقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ يا محمَّد ﴿لَعَلَّهُ﴾؛ أي: لعلَّ الأعمى ﴿يَزَّكَّى﴾ أصلُه: يتزكَّى، أدغمَت التَّاء في الزَّاي، كما في المزَّمِّل.
و﴿يَزَّكَّى﴾ معناه: يزداد طهارة بما يتعلَّم منك، ويزول عنه دنس الجهل.
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾: أي: يتَّعظ، وأصله: يتذكر، أُدغمَت التَّاء في الذَّال.
﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾: قرأ عاصم: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ نصبًا على جواب (لعلَّ)، والباقون رفعًا عطفًا على ﴿يَذَّكَّرُ﴾ (^٢).
وذكر (لعلَّ) ليس للتَّشكيك، بل للتَّرقيق، كما في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾: أي: مَن كان غنيًّا بالمال، وجيهًا في الحال.
﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾: أي: تتعرَّض، من الصَّدد، وهو القرب، ومنه يُقال: داري صَدَدُ دارِه؛ أي: قُبَالتها، وأصله: يتصدَّد، فقُلِبَتِ إحدى الدَّالات ياء، كما في التَّمطي والتَّقصي.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾: يعني: لا يتزكَّى؛ أي: ليس عليك شيءٌ بألَّا يتطهَّر بالإيمان، ويبقى على نجاسة الكفر.
* * *
(٨ - ١٦) - ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
_________________
(١) في (ف): "أتاه" بدل: "بأن جاءه".
(٢) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠).
[ ١٥ / ٢١٦ ]
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾: أي: يَجدُّ ويَحرص في قُرْبك والاستفادة منك.
﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾: أي: يخاف اللَّه تعالى.
وقيل: أي: يزداد في العلم، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾: أصلُه (^١): تتلهَّى؛ أي: تشتغل، وإلى غيره تُقبِل.
﴿كَلَّا﴾: قيل: أي: لا تعدْ إلى مثلِه، وقيل: أي: حقًّا.
﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: إنَّ هذه العظةَ.
وقال الفرَّاء: أي: هذه السُّورة (^٢).
وقال الكسائيُّ: يعني: إنَّ هذه الآية ﴿تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: تذكيرٌ ووعظ.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: أي: فمَن شاء من الخَلْق أَمكنه أن يتَّعظ به لوضوحه.
وقيل: أي: فمَن شاء اللَّه وفَّقه للاتِّعاظ فاتَّعظ به.
وقيل: شاء اللَّه لابن أمِّ مكتوم فذَكَرَه، ولم يشأْ للكافر فأنكرَه.
ولم يقل: (ذكرها) والأوَّل مؤنَّث؛ لأنَّه يرجع إلى الوحي، أو إلى القرآن، أو إلى المذكور، أو إلى الوعظ، أو إلى التَّذكير.
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾: أي: هذه التَّذكرة مُثْبتةٌ ﴿فِي صُحُفٍ﴾: جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه الشَّيء ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾؛ أي: عند الملائكة وعند المؤمنين، وإن كان يستخِفُّ بها الكافر.
وقيل: منزَّهة عن الخطأ والباطل.
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾: قيل: هي رفيعة المكان لأنَّها في السماء السابعة.
_________________
(١) في (أ): "أي".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ٢٣٦).
[ ١٥ / ٢١٧ ]
وقيل: هي رفيعة (^١) القَدْر والمنزلة.
﴿مُطَهَّرَةٍ﴾؛ أي: في أيدي الملائكة المطهَّرين.
وقيل: لأنَّه لا يحلُّ أن يمسَّها إلَّا المطهَّرون.
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾: أي: ملائكةٍ كَتبَة، وقد سَفَر يَسْفِر؛ أي: كتبَ، والسِّفْر -بالكسر-: الكتاب.
وقيل: هم سفراء بينَ اللَّه ورسوله بإنزال الوحي.
﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾: أي: كرامٍ عند اللَّه مطيعين للَّه تعالى.
* * *
(١٧ - ١٩) - ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: قيل: هو الإنسان الذي اشتغلَ به النَّبيُّ -ﷺ- عن ابن أمِّ مكتوم.
وقيل: هو جنس الكافر.
وقال ابن عبَّاس: هو عتبةُ بن أبي لهبٍ (^٢).
وقال مجاهد: ﴿قُتِلَ﴾؛ أي: لُعِنَ (^٣).
وقيل: أُهْلِكَ.
وقيل: هو خبر.
_________________
(١) في (ف): "رفعة" في الموضعين.
(٢) ذكره عن ابن عباس ﵄ الواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٢٢١)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٠٥) عن ابن جريج والكلبي. وهو في "تفسير مقاتل" (٤/ ٥٩١).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١١٠) بلفظ: ما كان في القرآن ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ أو فعل بالإنسان، فإنما عني به الكافر. واللفظ المذكور أعلاه هو من كلام الطبري الذي قدم به لخبر مجاهد.
[ ١٥ / ٢١٨ ]
وقيل: هو دعاء، ومعناه: تعليم الخلق بأن يدعو عليه به.
﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾: قيل: هو على التَّعجُّب؛ أي: ما أشدَّ كفرَه، وهو من اللَّه تعجيب لخلقه منه.
وقيل: هو على الفعل؛ أي: أيُّ شيء حملَه على الكفر، وهو استفهام بمعنى التَّوبيخ.
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: بيان لأصله على وجه السُّؤال لِمَا بعده من الجواب، والمراد به التَّقرير.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾: وهو ماء مَهين قذر.
قال الحسن: كيف يتكبَّر مَن خرجَ من سبيل البول مرَّتين (^١).
﴿فَقَدَّرَهُ﴾؛ أي: فأوجده مقدَّرًا على هذه الهيئة الإنسانيَّة.
* * *
(٢٠ - ٢٣) - ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄ وقتادة والسُّدِّي: هو خروجُه من بطن أمِّه (^٢).
وقال ابن زيد: هو سبيل الإسلام (^٣).
_________________
(١) ذكره الجصاص في "أحكام القرآن" (٣/ ٤٥٩)، والقرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٧٩). وروى نحوه البيهقي في "شعب الإيمان" (٨٢١٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٤/ ٣٢٨) من قول الأحنف بن قيس.
(٢) رواه عنهم الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١١١ - ١١٢).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١١٣).
[ ١٥ / ٢١٩ ]
وقال الحسن: ﴿يَسَّرَهُ﴾؛ أي: بصَّره بطريق الهدى من الضَّلال (^١).
وقال مجاهد: سبيل السَّعادة والشَّقاوة (^٢).
قال النَّبيُّ -ﷺ-: "كلٌّ ميسَّر لِمَا خُلِقَ له" (^٣).
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾: أي: جعل له قبرًا.
وقيل: أمر الأحياء أن يقبروه، وقد قبرَ الحيُّ الميت يَقْبِرُه، من حدِّ (دخل يدخل)؛ أي: دفنَه، وأقبره اللَّهُ تعالى؛ أي: جعل له ذلك وأمر بذلك.
يقول: جعلَه ممَّن يُقبَر لا يُلقَى للسِّباع والطَّير، فيكونُ مكرَّمًا حيًّا ومَيْتًا.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾: أي: يحييه للوقت الذي يشاء.
﴿كَلَّا﴾: قال الحسن: أي: حقًّا (^٤).
وقيل: هو متَّصل بأوَّل الآية، وهو قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾.
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: أي: لم يقضِ هذا الإنسان ما أمره اللَّه تعالى به من الإيمان والطَّاعة، فيستحقَّ التَّعظيم والتَّقديم.
و﴿لَمَّا﴾ أصله: (لم) (^٥)، و(ما) صلة، وأُدغمَت الميم في الميم.
وإنْ أُقرَّتْ هذه الآية على نظمها فمعناه: خلقه اللَّه تعالى فقدَّره، والسَّبيل يسَّره، وكذا وكذا؛ ليوحِّده ويعبده، ثمَّ هو لا يقضي ما عليه.
وقيل: ﴿لَمَّا يَقْضِ﴾؛ أي: لم يفعل، كما قال: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١١٢) بلفظ: " ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: سبيل الخير".
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٣٩٣)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١١٢).
(٣) رواه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧)، من حديث علي ﵁.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣٢)، والواحدي في "البسيط" (٢٣/ ٢٢٦).
(٥) في (أ) و(ف): "لم ما"، بدل: "أصله لم".
[ ١٥ / ٢٢٠ ]
(٢٤ - ٣١) - ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم بفتح الألف، والباقون بالكسر، والكسر للابتداء، والفتح للبناء (^١).
فيقول: فلينظر الإنسان بقلبه نظرَ تدبُّرٍ إلى طعامه كيف حوَّلنا أحواله، كما ذكرنا تحويل أحوال نفسه في الآية الأولى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾: أي: فتقناها بالنَّبات ﴿شَقًّا﴾؛ أي: فتقًا.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾: هي حبوب الأطعمة.
﴿وَعِنَبًا﴾: وهو ما يكون في الكروم.
﴿وَقَضْبًا﴾: قال أبو عبيدة: رُطَبًا (^٢).
وقال قطرب: علفًا (^٣).
وقال القتبيُّ: قتًّا، وهو من القَضْب الذي هو القطع (^٤).
وقال الخليل: ﴿وَقَضْبًا﴾: هو أغصان الشَّجر يُقطَع للسِّهام (^٥).
﴿وَزَيْتُونًا﴾: هو معروف ﴿وَنَخْلًا﴾.
﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: أي: بساتين غلاظ الأشجار.
_________________
(١) انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد (ص: ٦٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠).
(٢) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٨٤) عن ابن عباس ﵄ وزاد: لأنه يُقْضَبُ من النَّخْل: ولأنه ذكر العنب قَبْله.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١١٦) عن الحسن.
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥١٤).
(٥) انظر: "العين" للخليل (٥/ ٥٣).
[ ١٥ / ٢٢١ ]
والأغلَبُ: الرَّجل الغليظ الرَّقبة، والغلباءُ: المرأة الغليظة الرَّقبة، والغُلْبُ: جمعُها.
وقال أبو عبيدة: نخلةٌ غَلْباءُ؛ أي: عظيمة (^١).
﴿وَفَاكِهَةً﴾: ما يُتفكَّه به من الثِّمار.
﴿وَأَبًّا﴾: قال الفرَّاء: هو ما تأكلُه الأنعام (^٢).
وقال أبو عبيدة والأخفش وقطرب: هو المرعى (^٣).
وقال الخليل: الكلأ.
وقال نفطويه: الأبُّ للبهائم كالفاكهة للإنسان (^٤).
وسئل أبو بكر الصِّدِّيق ﵁ عن الأَبِّ فقال: أيُّ سماء تظلُّني وأيُّ أرض تقلُّني إذا قلْتُ في كتاب اللَّه ما لا أعلم (^٥)؟!
وقرأ أبيٌّ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال الصَّحابة: ما الأَبُّ؟ قال بعضُهم كذا، وبعضهم كذا، فقال عمر ﵁: آمنَّا به، كُلٌّ من عند ربِّنا (^٦).
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٨٦)، وفيه: "غليظة" بدل "عظيمة".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٢٣٨).
(٣) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٨٦).
(٤) ذكره ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" (مادة: أبب) بلا نسبة.
(٥) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٣٧٥)، وسعيد بن منصور في "سننه" (٣٩ - تفسير)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٠١٠٧).
(٦) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣١٤٥) وصححه، إلا أن فيه أن القارئ هو عمر ﵁ نفسه. وروى نحوه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠١٠٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٢٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٨٩٧)، ولفظ ابن أبي شيبة: عن أنس: أن عمر قال على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، ثم قال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه، فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر.
[ ١٥ / ٢٢٢ ]
وقيل: فلينظر الإنسان إلى طعامه حين يدخل جوفَه وحين يخرج منه، كيف تغيَّرت حاله من الطَّيِّب إلى الخبيث؟
ويجوز أن يكون هذا مَثلًا لتحقير الدُّنيا وما يَتفاخَر به أهل الدُّنيا، وتنبيهًا للإنسان على حاله.
وعن ابن عبَّاس: ﴿إِلَى طَعَامِهِ﴾ يعني: إلى رجيعه؛ ليَعتبر به (^١)، ونظيره قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١].
قال الضَّحَّاك: يعني: مخرج الغائط والبول (^٢).
* * *
(٣٢ - ٣٧) - ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: هي الإبل والبقر والغنم.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾: قال الحسن: هي النَّفخة الثَّانية (^٣).
وقال القتبيُّ: الدَّاهية (^٤).
وقال الخليل: هي الصَّيحة تصخُّ الآذان؛ أي: تُصمُّها (^٥).
وقيل: هي يوم القيامة.
_________________
(١) في (ف): "لتغيره" بدل: "ليعتبر به".
(٢) روى نحو هذين الخبرين ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠١) عن الحسن، بلفظ: (ملك يثني رقبة ابن آدم إذا جلس على الخلاء لينظر ما يخرج منه).
(٣) ذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٦/ ٢٠٩).
(٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٥١٥).
(٥) انظر: "العين" للخليل (٤/ ١٣٥).
[ ١٥ / ٢٢٣ ]
وجواب هذا محذوف؛ لأنَّه معلومُ المراد مكشوف.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ﴾: أي: زوجته ﴿وَبَنِيهِ﴾؛ أي: أولاده.
وقيل: يفرُّ حذرًا من مطالبتهم إيَّاه ممَّا بينهم من التَّبعات.
وقيل: لئلا يرَوه وما به من الهوان.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾: أي: شأنٌ في نفسه يغنيه عن غيره.
وقيل: ﴿يُغْنِيهِ﴾؛ أي: يصدُّه عنهم. قاله القتبيُّ ونفطويه (^١). قال النَّابغة:
تقولُ له الظَّعينَةُ أَغْنِ عنِّي بعيرَكَ حينَ ليسَ به غَناءُ (^٢)
وقال مرة الهمدانيُّ: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾: هابيل من قابيل، ومحمَّدٌ -ﷺ- عن أمِّه، وإبراهيم ﵇ عن أبيه، ولوط عن امرأته، ونوح عن ابنه (^٣).
وقالت عائشة ﵂ حين قال النَّبيُّ -ﷺ-: "يُحشَرُ النَّاس (^٤) حفاةً عراةً بهمًا غرلًا"، قالت: وكيف النِّساء؟ قال: "وكذلك"، قالت: واسوأتاه. قال: "يا هذه ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ " (^٥).
_________________
(١) انظر: "غريب القرآن"، لابن قتيبة (ص: ٥١٥).
(٢) نسب البيت للنابغة في "الغريبين" لأبي عبيد الهروي (مادة: غنا)، ونسب للحطيئة. انظر: "ديوان الحطيئة" (ص: ١٥) (ط دار المعرفة).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٣٤١)، عن قتادة.
(٤) في (ف): "يوم يحشر الناس جميعًا يوم القيامة" بدل: "يحشر الناس".
(٥) رواه عن عائشة النسائي (٢٠٨٣). ورواه الترمذي (٣٣٣٢) من حديث ابن عباس ﵁، ولم يسمِّ السائلة. وقال: حسن صحيح. ورواه البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩)، من حديث عائشة ﵂ دون ذكر الآية، وفيه: قال -ﷺ-: "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض".
[ ١٥ / ٢٢٤ ]
(٣٨ - ٤٢) - ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَة الْفَجَرَةُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾: أي: مضيئة، وهي وجوه المؤمنين.
قال ابن عبَّاس: من قيام اللَّيل. وقال الضَّحَّاك: من آثار الوضوء (^١).
وعن عطاء قال: من طول ما اغبرَّت في سبيل اللَّه (^٢).
﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾: أي: أصحاب هذه الوجوه ضاحكون مسرورون.
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾: وهي وجوه المشركين.
﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾: هي إذا صارت الوحوش (^٣) ترابًا ساطعًا غشي ذلك التُّراب وجوه الكفَّار.
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾: أي: سواد.
وقيل: ﴿غَبَرَةٌ﴾: ظُلمة، و﴿قَتَرَةٌ﴾؛ أي: ذلة.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ﴾: أي: أصحابها الكفَّار والأشرار.
* * *
_________________
(١) ذكرهما القرطبي في "تفسيره" (٢٢/ ٩١).
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٣٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٢٠٠) عن عطاء الخراساني.
(٣) في (أ): "الوجوه".
[ ١٥ / ٢٢٥ ]