بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه غافر الذَّنْب وقابل التَّوْب شديد العِقاب، الرَّحمنِ الذي يُدخِل المؤمنين الجنة يُرزَقون فيها بغير حساب، الرَّحيمِ الذي أنزل الكتاب هُدى وذكرى لأولي الألباب.
وروى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ ﴿حم﴾ المؤمن لم يبقَ رُوح نبي ولا صِدِّيق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلَّوا عليه واستغفروا له" (^١).
وهذه السورة مكية، وهي خمس وثمانون آيةً، وقيل: أربع.
وكلماتُها: ألف ومئتان وسبع عشرة.
وحروفُها: خمسة آلاف وسبعة.
وانتظامُ خَتْمِ تلك السورة وافتتاحِ هذه السورة: أنهما في ذِكْر أسماء اللَّه تعالى.
وانتظامُ السورتين: أنهما في ذِكْر المشركين، والاحتجاج عليهم في إبطال شِرْكهم، وفي إثبات البعث والحساب، وفيهما الترغيبُ والترهيبُ، وتسليةُ النبي -ﷺ- والمؤمنين.
_________________
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٢)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٥٥٨)، وهو قطعة من حديث أبي بن كعب الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٧٢).
[ ١٣ / ٨١ ]
وقال النبي -ﷺ-: "لكلِّ شيء ثمَرةٌ، وإنَّ ثمَرةَ القرآن ذواتُ ﴿حم﴾، هُنَّ روضاتُ حسناتٍ مُخَصِباتٌ مُتجاورات، فمَن أحبَّ أنْ يرتَعَ في رياض الجنة فليقرأ الحواميمَ" (^١).
وقال: "مثَلُ الحواميم في القرآن مثَلُ الحِبَرات في الثياب" (^٢).
وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إذا وقعتُ في آل ﴿حم﴾ وقعتُ في رياضٍ دَمِثاتٍ أتأنَّقُ فيهن (^٣).
وقال مجاهد: آلُ ﴿حم﴾ دِيباج القرآن (^٤).
_________________
(١) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (٢٢٣) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة: (بلغنا أن رسول اللَّه -ﷺ- قال. . .) فذكره، وفيه: "هن روضات مخصبات معشبات متجاورات". وهو مرسل. وروى الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣) من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ مرفوعًا: "من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم في صلاة الليل". وفي إسناده محمد بن مروان السدي، وهو كذاب.
(٢) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" (٤/ ٣٦٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٢)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ٥) من غير إسناد. الحِبَرات: جمع حِبَرة كعِنبَة، وهو ضرب من برود اليمن مُنَمَّر. انظر: "المحكم" لابن سيده (٣/ ٣١٦). وجاء في هامش (ف): "الحبر: مبالغة في نهاية الزينة".
(٣) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٥٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٠٢٨٥)، وذكره محمد بن نصر المروزي في "مختصر قيام الليل" (ص: ١٧٥).
(٤) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص: ٢٥٥)، وابن الضريس في "فضائل القرآن" (٣٠٢)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٠٢٨٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٦٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٤٣) من طريق مجاهد عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٦٠٣١)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٨٨٦) عن مجاهد. الدَّمِثُ: المكانُ اللَّيِّنُ السهلُ الذي لا يَتْعبُ فيه الماشي، (أتأَنَّقُ فيهنَّ)؛ أي: أَتَتبَّعُ محاسنهنَّ، من =
[ ١٣ / ٨٢ ]
وقال أبو الدرداء ﵁: كنا نُسمِّي الحواميمَ العرائسَ (^١).
وقال محمد بن سيرين ﵀: رأى رجل في المنام سبعَ جَوارٍ حِسانٍ في مكان واحد لم يرَ أحسن منهن، فقال لهن: لِمَن أنتنَّ؟ قلن: لِمَن قرأ آل ﴿حم﴾ (^٢).
وقال الحسن ﵀: الحواميم رياض الجنة (^٣).
وقال محمد بن الحنفية وابن عباس ﵃: الحواميم كلُّها مكية (^٤).
* * *
(١) - ﴿حم﴾.
قولُه تعالى: ﴿حم﴾: قال مجاهد: ﴿حم﴾: فواتح السُّوَر (^٥).
_________________
(١) = قولهم: مَنْظَرٌ أَنِيْقٌ: إذا كان حَسَنًا مُعْجِبًا. انظر: "مجمع الغرائب" للفارسي (مادة: دمث).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٠٢٨٤)، والدارمي في "سننه" (٣٤٦٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٥٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦١) عن سعد بن إبراهيم. ورواه الشجري في "ترتيب الأمالي" (١/ ١٥٣)، وابن الحمامي (٢٧٨) (مصنفات ابن الحمامي)، من قول علي بن أبي طالب ﵁.
(٣) ذكره عن ابن سيرين الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٢)، ورواه المستغفري في "فضائل القرآن" (٨٨٤) عن محمد بن قيس.
(٤) رواه المستغفري في "فضائل القرآن" (٨٨٨) من طريق مجاعة بن الزبير، عن أبان، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عن سمرة بن جندب مرفوعًا، ولفظه: "الحواميم روضة من رياض الجنة"، وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ أبان هو ابن أبي عياش، وهو متروك، ومجاعة بن الزبير؛ فيه ضعف. أما سعيد بن أبي الحسن فهو أخو الحسن البصري، وهو ثقة.
(٥) ذكره عنهما السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ١٨٩)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ١٤٨)، ورواه عن ابن عباس النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (ص: ٦٤٩)، والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ١٤٤).
(٦) رواه سفيان الثوري في "تفسيره" (ص: ١٩٢)، والطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠٩)، وذكره الثعلبي =
[ ١٣ / ٨٣ ]
وقال قتادة: اسم القرآن (^١).
وقال محمد بن كعب: هذا قسَمٌ أقسمَ اللَّه بحِلْمه (^٢) ومُلْكه أنْ لا يُعذِّبَ أحدًا عاد إليه بقول: لا إله إلا اللَّه، مُخلِصًا مِن قلبه (^٣).
وقال عكرمة وسعيد بن جُبير ﵄: ﴿الر﴾ ﴿حم﴾ ﴿ن﴾ هي الرحمن (^٤).
وقال السُّدِّي ﵀: الحواميم أسماء اللَّه تعالى (^٥).
وقال الشَّعْبي ﵀: شِعار السورة (^٦).
وقال الضحاك ﵀: ﴿حم﴾: أي: قضى ما هو كائن، وقال الكسائي كذلك (^٧)، وأنشد (^٨):
وليس لأمرٍ حمَّهُ اللَّهُ دافِعُ (^٩)
_________________
(١) = في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٤١).
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ١٣٩)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٧٥).
(٣) في (ر): "بحكمه"، وفي (ف): "بحكمته".
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٠٣) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، ورواه أيضًا (١٢/ ١٠٤) عن ابن جبير.
(٦) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٧٤) عن ابن عباس ﵄ والسدي.
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣).
(٨) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٣٥)، وذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤) عن ابن عباس من رواية عطاء والكلبي.
(٩) في (ر): "وقال الشاعر".
(١٠) عجز بيت منسوب إلى كعب بن مالك ﵁، كما في "سيرة ابن هشام" (٢/ ١٣٤) عن ابن =
[ ١٣ / ٨٤ ]
وقال آخر:
ألا ليتني حُمَّتْ لنفْسي مَنِيَّتي ولم تتعلَّقْني لحِينٍ عَلُوقُها (^١)
وقال أنس ﵁: سأل أعرابي رسول اللَّه -ﷺ-: ما ﴿حم﴾؟ فإنا لا نعرفها في لغتنا، فقال ﵇: "بَدْءُ أسماء، وفواتحُ سورة" (^٢).
وقال عطاءٌ الخُراساني ﵀: الحاء: افتتاحُ اسمه حليم، حميد، حي، حنَّان، حكيم، والميم: افتتاح أسمائه: ملك، مجيد، منَّان، ونحوها (^٣).
* * *
(٢) - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾: قيل: ﴿تَنْزِيلُ﴾: مبتدأ، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبره، وعلى هذا هو مصدرٌ، ولا إضمارَ فيه.
وقيل: ﴿حم﴾ اسم للسورة أو القرآن، وهو مبتدأ، و﴿تَنْزِيلُ﴾ إلى آخره: خبرُه،
_________________
(١) = إسحاق، وصدره: فلما تلاقيناهمُ ودارت بنا الرحى ونسب إلى عباس بن مرداس ﵁، كما في "سيرة ابن هشام" أيضًا (٢/ ٤٦٤) وصدره: أقام به بعد الضلالة أمرنا ونسب إلى غيرهما. انظر: "المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء" للآمدي (ص: ١١٨)، و"أنساب الأشراف" للبلاذري (٥/ ٣٨١).
(٢) البيت لأبي عدي عامر بن سعد النمري، كما في "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" (١٠/ ٥٧٧).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٥٤٥) من غير إسناد.
(٤) "ونحوها" ليست من (أ) و(ف). والأثر ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٣٥) ونسبه أيضًا إلى سعيد بن جبير.
[ ١٣ / ٨٥ ]
وهو مصدر بمعنى المفعول؛ أي: مُنزَّلٌ مِن اللَّه العزيز العليم؛ أي: المنيع سلطانُه عن أنْ يتقوَّلَ عليه مُتَقَوِّل، العليم بمَن صدَّقَ به وكذَّبَ، وهي تبرئةٌ للنبي -ﷺ-، وتهديدٌ للمشركين، وبِشارةٌ للمؤمنين.
* * *
(٣) - ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
قولُه تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: نعته ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: نعتٌ آخر.
والتَّوْبُ مصدر كالتوبة، وهي الرجوع إلى اللَّه عن المعصية.
وقال أبو عبيدة: التَّوْبُ: جمع التوبة، ووصْلُ النعت بالنعت بالواو وبدون الواو جائزٌ (^١).
﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: لِمَن يُصِرُّ ولا يتوب.
وقولُه تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: أي: ذي الفَضْل على كلِّ عباده بالخَلْق والرِّزْق والبَيان وكلِّ وجوه الإحسان.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: إلى جزائه رجوعُ الخَلْق.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: لِمَن قال: لا إله إلا اللَّه، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: لِمَن لا يقول: لا إله إلا اللَّه (^٢).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٤)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٠٤) عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبراني في "الدعاء" (١٥٥٩) عن الكلبي، وفي "الأوسط" (٩/ ١٨١) عن ابن عمر ﵄. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٠٢) عن رواية ابن عمر: فيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف. =
[ ١٣ / ٨٦ ]
وقال أيضًا: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: للمؤمنين، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: للكافرين.
وقال أيضًا (^١): ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: أي: ذي الغِنى عمَّن لا يُوَحِّدُه (^٢).
وقال الضحاك: ذي المَنِّ (^٣).
وقال قتادة ﵀: ذي النِّعَم (^٤).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾: للظالمين، ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾: للمُقْتصِدين، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾: للمشركين، ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: للسابقين (^٥).
* * *
(٤) - ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ما يُخاصِمُ في كتاب اللَّه الذي هو تنزيلُ الكتاب مِن اللَّه العزيز العليم لِيدفعَه بالأباطيل، فيقول مرَّةً: هو سِحْر، ومرَّةً: هو قول الكَهَنة، ومرَّةً: هو أساطير الأولين، ومرَّةً: يُعَلِّمُه بشَر، وأشباه ذلك = إلَّا الذين كفروا نِعَمَ اللَّه مِن سلامة البُنْية وتمام العقل، فلا يُقابلونه بالشكر.
_________________
(١) = قلت: وفيه أيضًا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف كما في "التقريب".
(٢) في (ف) و(أ): "ابن عباس".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٧٨) بلفظ: ذي السعة والغنى.
(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٤)، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٤٢) عن عكرمة، وعزاه -يعني خبر عكرمة- السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٢٧٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٧٨)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٦٤) عنه، وابن فورك في "تفسيره" (٢/ ٣٤١) عن ابن عباس وقتادة.
(٦) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٩٥).
[ ١٣ / ٨٧ ]
وقولُه: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾: أي: فلا تغترَّنَّ بإمهالي إياهم سالِمين في أموالهم وأبدانهم، يتصرَّفون في البلاد كيف يشاؤون للتِّجارات والمَعاش، فتتوهَّمَ أنَّ ذلك لخفاء أحوالهم عليَّ أو لرِضايَ بكفرهم، فإني وإنْ أمهلتُهم سآخذُهم وأنتقِمُ لكَ منهم، كما فعلتُ بأشكالهم مِن الأولين.
* * *
(٥) - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾: أي: نبيَّهم ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: والأمم المُتحزِّبة على الكفر؛ أي: المجتمِعة؛ كقوم عاد وثمود وغيرهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾: أي: وعزَمَتْ ﴿بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾: وقيل: لِيحبِسوه وليُعذِّبوه. وقيل: ليقتلوه.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾: أي: خاصموا رسلهم بما لا حقيقةَ له، وبما لا فائدةَ فيه.
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: أي: لِيُبطلوا به الحق، ويُزيلوه عن موضعه، وهو ما يَحِقُّ اعتقادُه واستعمالُه، وما له ثَباتٌ في العقول.
﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾: بالعذاب المستأصِل ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾: أليس كان فظيعًا في الذِّكْر، واقعًا موقع الاعتبار لأولي الفِكْر؟! فأنا أفعلُ بقومكَ كذلك إنْ أصرُّوا على خِلافكَ وإيذائك.
* * *
(٦) - ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
[ ١٣ / ٨٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: أي: وجبَ وتحقَّقَ وعيدُ ربك ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: على هؤلاء الذين كفروا بك بمِثْل ذلك العذاب المستأصِل الذي كان لمَن قبلهم.
وقولُه تعالى: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أي: لأنهم أصحاب النار كأولئك.
وقيل: معناه: كذلك تحقَّقَ وعيد ربكَ على الذين كفروا مِن المُتقدِّمين والمُتأخِّرين أنهم جميعًا يدخلون جهنم بعد الهلاك في الدنيا.
وقيل: نزل قولُه: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: في الحارث بن قيس السَّهْمِي (^١).
وقال أبو العالية: ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: ثلاث قبائل مِن قريش: بنو أمية، وبنو مَخْزوم، وبنو عبد الدار.
ثم ذكَرَ وعْدَ المؤمنين والتائبين مِن الكفر؛ تحريضًا لهؤلاء على الإسلام، فقال:
* * *
(٧) - ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾: أي: الملائكةُ الذين يحملونه ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ﴾؛ أي: والملائكةُ الذين هم حول العرش يطوفون به ويُعظِّمونه ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: يُنزِّهونه عما يُضِيف إليه هؤلاء المشركون المجادلون، فيحمَدونه بمحامده.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢٧٣) عن أبي مالك، وذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٧٠٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٤٣).
[ ١٣ / ٨٩ ]
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: ويُصدِّقون به مُخْلِصين في ذلك.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يسألون اللَّهَ لهم المغفرة: ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون: يا ربَّنا ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾؛ أي: ما مِن شيء إلَّا وقد نالَه رحمتُكَ، وأحاط به عِلْمُكَ.
قال الإمام أبو منصور ﵀: أمَّا في الدنيا، فالرحمةُ تسَعُ المؤمن والكافر، وأمَّا في الآخرة، فلا تنالُ إلا المؤمن، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآيةَ [الأعراف: ١٥٦] (^١).
قدَّموا الثَّناء على اللَّه تعالى ثم اشتغلوا بالدعاء، فقالوا:
﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾: أي: عن الشرك ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾؛ أي: الإسلامَ، فهو الطريق المؤدِّي إلى رِضْوان اللَّه ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: واحفظهم.
* * *
(٨) - ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: أي: إقامة ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾: أي: في القرآن.
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: أي: وأَتمِمْ سرورهم بأنْ تجمَعَ بينهم وبين آبائهم ونسائهم وأولادهم.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾: أي: المَنيعُ بسلطانكَ، فلا يُعترَضُ عليك فيما تُؤتيه عبادَكَ، ﴿الْحَكِيمُ﴾: المُصيبُ في أفعالكَ وأقوالكَ.
وإنما قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾؛ لأن مَن أشركَ منهم لم يستحِقُّوا ذلك.
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٩/ ٧).
[ ١٣ / ٩٠ ]
ثم يجوز أنْ يكون ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ عطفًا على قولِه: ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾، فإنه قال: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، ويجوز أنْ يكون عطفًا على قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾.
* * *
(٩) - ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾: أي: واصرِفْ عنهم العقوباتِ والمكارهَ التي تسوء صاحبَها.
وقيل: هي الأهوال قبلَ دخول النار.
وقيل: هي العقوبات في النار.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: بدؤوا بوصف اللَّه تعالى بالرَّحمة، وختَموا بذلك؛ ليُعلِموا (^١) أنَّ الأدب في الدعاء هو البدايةُ بالثناء والختمُ به، وأنَّ كل ذلك برحمة اللَّه.
وقيل: لَمَّا اختار الملائكةُ هاروتَ وماروتَ، ووقع لهما ما وقع، أشفقوا على عُصاة البشَر، فالتزموا لهم هذا الدعاء (^٢).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: لئن سلَّطَ اللَّه عليكَ أراذل خَلْقه -وهم الشياطينُ- بالإغواء، فقد أمز بشفاعتكَ أفاضلَ خَلْقه -وهم الملائكةُ- بالدعاء (^٣).
وقال يحيى بن معاذ الرازيُّ ﵀: هذه الآية أرجى آيةٍ في كتاب اللَّه للمذنبين.
_________________
(١) في (أ): "ليعلم".
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٣٤٢)، وابن أبي الدنيا في "العقوبات" (٢٢١) من حديث ابن عباس وابن مسعود ﵃.
(٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٩٧).
[ ١٣ / ٩١ ]
(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾: ثم عاد الكلام إلى وعيد الكافرين المُجادلين:
﴿يُنَادَوْنَ﴾؛ أي: تُناديهم الملائكة يوم القيامة إذا دخلوا النار فمقَتوها؛ أي: أبغَضوها أشدَّ بُغْضةٍ، فيقولون لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ وهو لام قسَمٍ؛ أي: بُغْضُ اللَّه تعالى لكم على كفركم ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ في الدنيا ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ في النار، فيكون فيه تقديم وتأخير.
وقيل: هو على ظاهر نَظْمِه (^١)؛ أي: أكبر مِن بُغْضكم أنفسَكم في الدنيا، فإنكم بتَرْك الإيمان فعلتُم بأنفسكم فِعْلَ الأعداء، وكان مَقْتُ اللَّه لكم وقتَ كفركم أكبرَ مِن بُغْضكم أنفسَكم حينئذ.
وقيل: أي: بُغْض اللَّه لكم في الدنيا حالةَ الكفر أكبرُ مِن بُغْض بعضكم لبعض الآن، وهو مِن قوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وطريقُه طريقُ قولِه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: لا يفعلْ ذلك بعضكم ببعض.
* * *
(١١) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ
_________________
(١) في (أ): "على ظاهره".
[ ١٣ / ٩٢ ]
مِنْ سَبِيلٍ﴾: كانوا مُنكِرين البعثَ بعد الموت، فاعترفوا به، وقالوا: أمتَّنا مرَّتين، وأحيَيْتَنا مرَّتين.
قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والسُّدِّي في رواية: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم، فأحياهم اللَّه تعالى في الدنيا، ثم أماتهم عند انقضاء أعمارهم، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهُما حياتان وموتتان، وهو كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] (^١).
وروى أَسْباطٌ عن السُّدِّي رحمهما اللَّه: أنَّ إحدى الموتتَين هي التي تنقضي فيها آجالُهم، ثم يُحييهم في القبر، ثم يُميتهم، ثم يُحييهم للبعث يوم القيامة (^٢)، فهما موتتان وحياتان، ويدل هذا على عذاب القبر.
قال الإمام أبو منصور ﵀: وهو الأشبه والأقرب؛ لأنهم وإنْ كانوا أمواتًا حيث كانوا نُطَفًا، ففي الغالب لا يُسمَّى ذلك ميِّتًا، ولا يقال فيه: ﴿أَمَتَّنَا﴾ (^٣).
وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ ﵀: أحدُ مَوْتَيِ الكافر: حياتُه في الدنيا على الكفر، والثاني: موتُه عند انقضاء عمره، فهما موتتان، وإحدى الحَياتين: حياتُه في قبره بعد موته للمُسائلة، والثانية: حياتُه للبعث (^٤).
وقولُه تعالى: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾: في إنكار البعث بعد الموت ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: فهل يَجعَلُ اللَّه لنا سبيلًا إلى الخروج مِن النار، والرجوعِ
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١/ ٤٤٣) عن ابن عباس وابن مسعود والسدي وأبي مالك ومجاهد وأبي العالية وقتادة، واللفظ له.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٩٢).
(٣) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٩/ ١٠).
(٤) ذكر نحوه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٤٦) عن السدي.
[ ١٣ / ٩٣ ]
إلى الدنيا؟ كما قال في آية أخرى: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤].
وقيل: أي: فهل لنا بتوبتنا خروجٌ مِن النار، ودخولٌ في الجنة؟
* * *
(١٢) - ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾: أي: لا تُجابون إلى الخروج، ويُقال لهم: ذلك الخُلودُ في النار بأنكم كنتم إذا دُعِيَ اللَّهُ وحده جحدتُم وحدانيَّةَ اللَّه تعالى.
﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾: أي: فإذا أُضيفَ إلى اللَّه الشُّرَكاءُ قلتُم: إنه الحقُّ، وصدَّقْتُم قائله، فكان هذا دينكم في دار الدنيا، وهي دار العمَل، فأما اليوم فأنتم في دار الجزاء ﴿فَالْحُكْمُ﴾ فيه ﴿لِلَّهِ﴾ تعالى ﴿الْعَلِيِّ﴾: وهو الذي يتعالى عن الشُّرَكاء ﴿الْكَبِيرِ﴾: وهو الذي كل شيء يتصرَّفُ على حُكْمه، وهو لا يتصرَّفُ على حُكْم أحد، فالحُكْمُ له.
ومِن حُكْمه: تخليدُ الكفار في النار، وتخليدُ المؤمنين في الجنة، فلا يُنازعه في هذا الحُكْم أحد، وفيه بيان أنَّه لا سبيلَ لهم إلى الخروج.
* * *
(١٣) - ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: أي: علاماتِه الدالَّةَ على وحدانيته لإقامة الأديان.
[ ١٣ / ٩٤ ]
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾: لإقامة الأبدان، وبهيا يُتمكَّنُ مِن التأمُّل في البرهان.
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾: أي: وقد جعلتُ لكم عقولًا تُعرِّفُكم هذه الدلائلَ لِمَن تفكَّرَ وتذكَّرَ، وما يتذكَّرُ إلا مَن يرجع إلى اللَّه؛ أي: يتدبَّر بعقله، فيُدرك الآيات، ويعلم أنَّ اللَّه واحد لا شريك له، فيرجع إليه وحده.
* * *
(١٤ - ١٥) - ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾.
قولُه تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي: الطاعة والانقياد والعبادة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: أي: وإنْ كرِهَه مَن خالف هذا مِن الجُهَّال الذين لا يتذكَّرون.
وقولُه تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: أي: هو عالي الصفات.
وقيل: أي: هو رافعُ درجاتِ عباده المُطيعين له على حسب مساعيهم.
وقولُه تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: أي: ذو المُلْك والسُّلْطان.
وقيل: مالك السَّريرِ الأعظم الذي هو فوق السماوات.
وقولُه تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾: أي: يُنزِّلُ الوحي. قاله قتادة والضحاك وابن زيد ﵏ (^١)؛ سُمِّيَ به لأنه يَحيا به القلبُ بخروجه عن الحَيْرة إلى المعرفة.
وقيل: أي: يُنزِّلُ جبريل؛ كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٩٥) عن قتادة، وروى عن الضحاك وابن زيد أن المقصود بالروح: القرآن، والمعنى متقارب.
[ ١٣ / ٩٥ ]
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: أي: بأمره.
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: فيختاره للرسالة.
﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: أي: لِيُخوِّفَ هذا المبعوثُ بالرسالة الخَلْقَ بيوم القيامة الذي هو يوم اجتماع أهل السماوات وأهل الأرض، واجتماع الأوَّلِين والآخِرين، ويوم يَلقى الإنسانُ عملَه وجزاء عمله، ويَلقى ملائكة البِشارة وملائكة العذاب.
* * *
(١٦) - ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾: أي: الخَلْقُ ﴿بَارِزُونَ﴾: أي: خارجون مِن قبورهم، ظاهرون لا يسترُهم شيء؛ لأن الأرض يومئذ قاعٌ صَفْصَفٌ، لا عِوَجَ فيه ولا أَمْتَ. والبُروز: الخروج.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾: ممَّا عمِلوه على كثرتهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾: أي: فيُنادى فيهم ذلك اليوم: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ فيُجيب العبادُ كلُّهم مؤمنهم وكافرهم:
﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: لزوال الشُّكوك عنهم، ووقوع الضرورة بهم إلى المعرفة بوحدانيَّته.
وهو إخبار بأن المُلْك يوم القيامة للَّه وحده؛ لأنَّه لا تفلُّتَ يومئذ ولا توثُّبَ كما يكون في الدنيا، ولا يُفوَّضُ إلى أحد حُكْم كما يكون في الدنيا، وهو كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩].
[ ١٣ / ٩٦ ]
والقهار: هو الذي يُصرِّفُ العباد على ما يريد، لا يمتنع عليه أحد مما أراد به.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: يُخاطب أهل مكة إذا سافروا في الأرض، فرأوا آثار الأمم السالفة ومنازلهم.
وقال مقاتل: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: يعني: السماوات والأرض والشمس والقمر والجبال والرياح والسَّحاب والليل والنهار والفُلْك في البحار والنبات عامًا بعد عام (^١).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾: لأبدانكم: وهو توفيق المُجاهدات، ولقلوبكم: وهو تحقيق المُشاهدات، ولأسراركم: وهو فنون المواصلات، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾؛ أي: يرجع مِن العادة إلى العبادة، ومِن الشك إلى اليقين، ومِن الخَلْق إلى الحق (^٢).
وقولُه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: قال السُّدِّي: أي: رافعُ درجاتِ أهل الجنة (^٣)، قال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠].
وقيل: درجات الغُزاة، قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥].
وقيل: درجات العلماء والمؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
وقيل: درجات أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٠٨).
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٢٩٩).
(٣) ذكر نحوه البغوي في "تفسيره" (٧/ ١٤٣) من غير نسبة.
[ ١٣ / ٩٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾: قال ميمون بن مِهْران: يوم يلتقي الظالم والمظلوم (^١).
وقيل: يوم يلتقي العابد والمعبود.
وقيل: تلتقي الخُصوم بين يدي اللَّه تعالى.
قال قتادة: يوم لقاء اللَّه تعالى (^٢).
وقال مجاهد: يوم التقاء البَرِّ بالبَرِّ، والفاجر بالفاجر.
* * *
(١٧ - ١٨) - ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: تفسيرها ظاهر.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾: أي: يوم القيامة التي هي قريبة، وقد أزِفَ أُزوفًا؛ أي: قرُبَ، وجعلَها قريبةً؛ لأنَّها آتية لا محالةَ ولو بعد حِينٍ.
وقولُه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾: أي: الحلاقم؛ أي: ينتهي إليها لغلَبة الخوف.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٧٠)، والسمعاني في "تفسيره" (٥/ ١١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٤٣). وميمون بن مِهران الجزَري الرَّقِّي، إمام تابعي جليل ثقة، حدث عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر وغيرهم، ولي قضاء الجزيرة، وكان من العابدين، توفي سنة سبع عشرة ومئة. انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٥/ ٧١).
(٢) روى نحوه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٦٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢٩٦)، ولفظ الطبري: يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق.
[ ١٣ / ٩٨ ]
﴿كَاظِمِينَ﴾: أي: ساكتين على امتلائهم مِن الغَمِّ، نصبٌ على الحال.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾: أي: قريب ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؛ أي: ولا شافع يُجاب.
* * *
(١٩) - ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: أي: يعلم يوم القيامة ما كان منهم مِن خيانة الأعين وإخفاء الصُّدور.
والخائنةُ بمعنى المصدر؛ كالكاذبةِ في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، واللَّاغِيَةِ في قوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١]، وكقولهم: سمعتُ راغِيَةَ الإبل وثاغِيَةَ الغنم (^١).
وخائنةُ الأعين: هي ما ينظر إليه الإنسان مُسارَقةً مِن حيث يرى مَن حضرَه أنه ليس بناظر إليه.
وأصلُ الخيانة: الإخفاء لِمَا لا يحب الخائن إظهارَه.
وقيل: الخائنة: نعت للنَّظْرة، أو الإشارة، أو الغَمْزَة، ونحوِها.
وقيل في الجَمْع بين الكلامين: هو أنْ ينظر إلى أجنبية بشَهْوةٍ مُسارقةً، ثم يتفكَّرَ بقلبه في حالها وجمالها، ولا يعلمُ بنَظْرته وفِكْرته مَن بحضرته، واللَّه تعالى عالمٌ بذلك كله.
وقال ابن عباس ﵄: هذا رجل يكون في القوم، فتمُرُّ بهم المرأة،
_________________
(١) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٣/ ٧٢)، والرُّغاء والثُّغاء: اسما صوتهما.
[ ١٣ / ٩٩ ]
فيلحَظُها إذا غفَلوا، ويغُضُّ بصره إذا نظروا (^١)، ويُريهم أنه لا يلحَظُها (^٢).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: خائنةُ أعين المُحبين استحسانُهم شيئًا، ولذلك قالوا:
يا قُرَّةَ العين سَلْ عيني هل اكتحَلَتْ بمَنْظَرٍ حسَنٍ مذْ غِبْتَ عن عيني (^٣)
وقال آخر:
فقلت إذا استحسنَتْ غيركم أمرتُ الدُّموعَ بتأديبها (^٤)
ومنها (^٥): أنْ يأخذهم السُّبَات في أوقات المناجاة؛ وفي الخبر: كذبَ مَن ادَّعى محبَّتي، فإذا جنَّه الليلُ نام عني (^٦).
_________________
(١) في (أ) و(ف): "نظروه".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٧٢٢٨)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٢٨٢) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) كذا في النسخ، وفي "اللطائف": عن بصري.
(٤) البيت أورده العسكري في "الصناعتين" (ص: ٤٤٦)، والتوحيدي في "البصائر والذخائر" (٨/ ١٧٩)، والثعالبي في "التمثيل والمحاضرة" (ص: ٢١١) من غير نسبة، ونسبه السري الرفاء في "المحب والمحبوب" (ص: ١٢) لابن المعتز. وفي بعض المصادر: (فعيني) بدل "فقلت".
(٥) أي: ومن خائنة أعينهم.
(٦) ذكره أبو طالب المكي في "قوت القلوب" (٢/ ٩١) بصيغة: روي، والغزالي في "الإحياء" (٤/ ٣٣٣) نقلًا عن الزبور مما أوحاه اللَّه إلى داود. وقدم له القشيري في "لطائف الإشارات" بقوله: وقد جاء في قصة داود ﵇. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٩٩)، والدينوري في "المجالسة" (١٣٢) عن الفضيل بن عياض. ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٤/ ١٣٨)، وأبو الحسين الطيوري في "الطيوريات" (٣/ ١٠٣٤) عن أبي سليمان الداراني، ومثله يروى للاعتبار والعظة لا من حيث نسبته إلى الرب ﵎.
[ ١٣ / ١٠٠ ]
ومنها: أنْ يكون لهم عِلْم بقلوبهم بما تقع عليه عيونهم، ينظرون ولكنْ لا يُبصرون.
ومنها: أن تخرج منها قَطْرَةُ دمعٍ تأسُّفًا على مخلوق يفوت في الدنيا والآخرة، وعلى أنفسهم (^١).
* * *
(٢٠) - ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾: يُجازي العباد على العمل والنَّظْرة والفِكْرة في الخير والشر ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾؛ أي: والذين يعبدونهم مِن دون اللَّه لا يَقْدِرون أنْ يَقْضوا بشيء.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: أي: إنما يقوم بالجزاء على الأعمال مَن لا يخفى عليه شيء مِن المرئِيَّات والمسموعات، واللَّهُ تعالى سامعٌ كلَّ مسموع، ومُبْصِرٌ كلَّ مُبْصَر، فهو القائم بذلك، والأصنام ليست لها هذه الصفة، فليس لها هذا الاستحقاق.
* * *
(٢١) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا استفهام بمعنى الإثبات؛ أي: قد ساروا في الأرض.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٠٣).
[ ١٣ / ١٠١ ]
ثم خوَّفَهم عقوبة الدنيا بعد أنْ خوَّفهم عقوبة العُقْبى، فقال:
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: وذلك أنهم كانوا يمرُّون بديار (^١) عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم في جِوار بلادهم، وكان شأن بعضهم معلومًا عندهم عِيانًا وخَبَرًا.
وقولُه تعالى: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: في أبدانهم، وعلى أعدائهم بعُدَّتِهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: قيل: أي: وأكثرَ آثارًا مِن الأبنية ونحوها؛ كما قال في آية أخرى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩]، وجمَعَ بينهما بوصف واحد، وما قلناه مُضْمَر، وهو نظير قول الشاعر:
علَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا (^٢)
أي: وسقيتُها ماءً باردًا.
ويحتمِل الوصفَ بغير إضمار، ووصْفُ الآثار بالشِّدَّة لِمَا أنها كانت في الجبال ومِن الحجارة، ووحَّدَ القوَّةَ، وجمَعَ الآثار؛ لأنَّ القوةَ مصدرٌ، والأثرَ اسمٌ.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: عاقبَهم وأهلكَهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: أي: ولم يكن لهم شيء مِن الأشياء يَقيهم عذاب اللَّه، وهو معنى ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنْ وَاقٍ﴾.
أي: فهؤلاء المشركون الذين هُم دونهم، فهم أولى ألا يقِيَهم شيء.
_________________
(١) في (ف): "بديارهم ديار".
(٢) صدر بيت استشهدت به كتب اللغة والأدب، ولا يعرف له قائل. انظر: "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٤) عن بعض بني أسد، و"الخصائص" لابن جني (٢/ ٤٣٣). وتقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١].
[ ١٣ / ١٠٢ ]
(٢٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾: هذا العذاب الذي أحلَّه اللَّه بهم؛ لأنَّهم كذَّبوا الرسل، وجحَدوا الآيات ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾.
﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾: عزيزٌ قادرٌ على كل شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: إذا عاقب.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾: أي: ومِن الذين مِن قبلهم هؤلاء، وكان تكذيبهم كتكذيب هؤلاء.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: أي: بالعلامات الدالَّة على صدقه، وهي المعجزات.
وقولُه: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: قيل: هي المعجزات أيضًا، ووُصِفَت المعجزات بوصفين: أحدهما: أنها ظاهرات، والثاني: أنها قاهرات.
وقيل: البيِّنات (^١) أمور الشرع.
وقيل: الآيات: آيات التوراة، والسلطان المبين: المُعجزة إلى فرعون وهامان وقارون، خصَّهم بالذِّكْر؛ لأن فرعون كان ملِكَهم، وهامانَ وزيرَه، وقارونَ صاحبَ الأموال والكنوز، وكان موسى مبعوثًا إلى كل القوم، لكنهم مُدبِّرو أمورِهم، فكان خطابُهم خطابَهم.
_________________
(١) لعله يريد: المبينات.
[ ١٣ / ١٠٣ ]
﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ﴾: أي: هو ساحر، موَّهوا بذلك على قومهم حين أتى بالمعجزات لئلَّا يتَّبِعوه، وقالوا أيضًا: ﴿كَذَّابٌ﴾: للتَّنْفير، يَعْنون: في دعوى الرسالة والدعاء إلى التوحيد.
* * *
(٢٥) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: وهو التوحيد الذي يحِقُّ أنْ يُعتقَدَ.
وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصدق فيما أَخبرَ عنه.
وقيل: أي: بالمعجزة.
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: لئلا يعتضِدوا بمَن ينشَأُ مِن ذُكْران (^١) أولادهم.
﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾: أي ة واستَبْقُوا بناتهم؛ إذ لا يقع بهن اعتِضادٌ، ولأنَّا ننتفِعُ (^٢) بخدمتهن.
وكان هذا قتلًا واستحياءً غيرَ الأول الذي كان قبل مجيء موسى.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: أي: فأبطلَ اللَّه كيدَهم، وما كيد الكافرين إلا في بُطْلان؛ أي: لم يحصل غرضهم بما دَبَّروا، بل حاق ذلك بهم ودُمِّروا.
* * *
_________________
(١) في (ر): "ذكور".
(٢) في (ر): "أو لا ينتفع".
[ ١٣ / ١٠٤ ]
(٢٦) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾: أي: همَّ بقتل بموسى، فمنعَه مَن منَعَه مِن ذلك، فقال: دعوني أُمْضِ رأيي في موسى بقتله.
أي: ولا يهولنَّكم ما يذكُره مِن أمر ربه، وأنه يستجيب دعاءه، ويَصْرِف البلاء عنه.
﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾؛ أي: وليفعل ما يقول، فإنه لا حقيقةَ له، وأنا الرب الأعلى.
وقولُه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾: إنْ لم أقتُلْه أنْ يكثُرَ مُستَجِيبوه بسِحْره وتمويهه، فيَغلبَ دينُه على دينكم.
﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم (^١): ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾؛ أي: أخافُ أحد أمرين: إما غلبَتهم عليكم في الدين، فيُصيِّروا أهل الأرض كلِّها على دينه، وإما التعارض بين الفريقين والتَّحارُب والتَّقاتُل، وهو الفساد.
وقرأ الباقون: ﴿وأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (^٢): أي: وأخاف تبديل الدِّين، ووقوع الاختلاف بين الناس، وهو الفساد.
وقيل: هو فساد القلوبِ، وقطعِ الأرحام.
* * *
_________________
(١) في (ر): "وعاصم في رواية أبي بكر"، والصواب المثبت، إذ هي قراءة عاصم من روايتيه في المشهور عنه.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩١).
[ ١٣ / ١٠٥ ]
(٢٧) - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾: أي: ولمَّا سمع موسى قولَ فرعون هذا أو بلَغَه منه ذلك قال لقوم فرعون: إني استعذْتُ باللَّه الذي هو ربي وربكم، لا كما تقولون: إن فرعون ربكم.
وقولُه تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾: وفرعون كذلك، فأعوذ باللَّه منه.
وعمَّ بقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ استعاذة منه، ومِن آلهِ، ومِن كل عدوٍّ يكون في وقته أو بعده.
وفيه بيانُ أنَّ الواجب على العبد أنْ يستعيذَ باللَّه مِن كلِّ عدوٍّ، ويستعينَ به في دَرْك كل مَرْجُوً.
* * *
(٢٨) - ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.
قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾: قال ابن إسحاق ﵀: اسمه حبيب (^١)، وقيل: سمعان (^٢).
وقال الضحاك: هو خربيل (^٣).
_________________
(١) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٥٢)، وروى الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣١١) عنه أن اسمه: خبرك.
(٢) ذكره الواحدي في "البسيط" (١٧/ ٣٦٣). ووقع في (ف) و(أ): "شمعان".
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٢٧)، وابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (١/ ١٥٩) من غير =
[ ١٣ / ١٠٦ ]
وقال وهب: خربيال (^١).
وكان خازنَ فرعون مئة سنة.
﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قيل: مِن أهل بيته.
وقيل: ابن عمه، وهو قول مقاتل (^٢).
وقيل: هو مِن آل موسى.
فأما قوله: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، فهو مؤخَّر، معناه: يكتُمُ إيمانه مِن آل فرعون.
وقال وهب ﵀: امرآتُه ماشطةُ بناتِ فرعون أظهرت الإيمان فقتلَها فرعون، وذبحَ أولادها قبل قتلها على وجهها، فتكلَّمَتْ أوداجُهم: يا أماه (^٣)! أبشِري بجنة ربكِ، فاصبري إنكِ على الحق، واعلمي أنَّ عذاب ربك أشدُّ مِن عذاب فرعون وقومه (^٤).
ثم أظهرت آسيةُ إيمانها، فقتلَها بعدما (^٥) قتلَ الماشطة، وأظهر خربيل إيمانَه، وجادل فرعون وقومَه بعد كتمان إيمانه مدةً، وقتله فرعون مع السَّحَرة.
_________________
(١) = نسبة، وقال الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣): هو قول ابن عباس وأكثر العلماء.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣)، وروى الطبري في "تاريخه" (١/ ٤٠٧) عن وهب أن اسمه: حبرك.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣١١) عن السدي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٠) عنه وعن مقاتل.
(٤) في (أ): "بآية" وفي (ر): "يا أمة".
(٥) قصة الماشطة رواها الإمام أحمد في "مسنده" (٢٨٢١)، وابن حبان في "صحيحه" (٢٩٠٤) وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄. وفيه أن المتكلم صبي لها مرضَع وتكلم قبل إلقائه في النار، فلذا جاء في آخر الخبر: قال ابنُ عباس: تَكَلَّم أربعةٌ صغارٌ: عيسى ابنُ مريمَ ﵇، وصاحبُ جُرَيْجٍ، وشاهدُ يوسف، وابنُ ماشطَةِ ابنةِ فرعون.
(٦) في (أ) و(ف): "بعد".
[ ١٣ / ١٠٧ ]
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾: أي: بأنْ يقول، وهذا القول لا يُوجب القتل.
﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: بالحُجَج والمعجزات.
والحُجَج: ما ذُكِر في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] الآيات، وأما المعجزات: فهي اليد والعصا ونحو ذلك.
﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾: أي: وَبالُ كذِبِه.
قيل: أي: يُقتل إذا تبيَّنَ كذِبُه، فأما قبل التَّبيُّن فلا تقتلوه.
﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾: قيل: أي: كلُ الذي يعِدُكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣]: أي: كلَّه، وهو كقول الشاعر:
قد يُدرِك المُتأنِّي بعضَ حاجتِه وقد يكون مِن المستعجِلِ الزَّلَلُ (^١)
وقال لَبيد:
تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أَرْضَها أوْ يعتلِقْ بعضَ النُّفوس حِمامُها (^٢)
أي: كلَّ النُّفوس.
وقد جاء كلٌّ في إرادة البعض؛ كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وقيل: كان موسى ﵇ قال: إن العذاب على مَن كذَّب وتولَّى، وهذا
_________________
(١) البيت لعمير بن شييم القطامي يمدح عبد الواحد بن الحارث. انظر: "ديوانه" (ص: ١٩٣)، و"جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشي (ص: ٧٤)، و"تهذيب اللغة" للأزهري (١/ ٣١٠).
(٢) انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" (ص: ١١٣)؛ وهو من معلقته المشهورة.
[ ١٣ / ١٠٨ ]
عامٌّ، والذين خاطبهم خربيل ومَن آمن معه كانوا بعضَ الكل، فما يُصيبهم يكون بعضَ ما يُصيب الكل.
وقيل: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾: في الدنيا، وكمالُه في الآخرة، وهذا تخويفٌ لهم بالعاجل.
وقيل: كان يعِدُهم العذابَ إنْ كذَّبوه، والثوابَ إنْ صدَّقوه، فكان العذابُ بعضَ ما كان يعِدُهم، والوعدُ يقع على النوعين، قال تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢].
وقيل: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾: عاجلًا إذا قتلتُموه، ثم يترادف عليكم العذاب حتى يُصيبَكم كلُّ ما يعِدُكم.
وقيل: هو ترقيق الكلام؛ أي: إذا أصابكم البعض مما يقول ففيه كِفايةٌ، فلا تقومون له.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: يتَّصِل بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾؛ أي: يتبيَّنُ كذِبُه بالامتحان، إنَّ اللَّه لا يهدي إلى الصواب مَن هو مُسْرفٌ مُتَعَدٍّ لحدوده بالافتراء عليه والكذبِ فيما يُضيفه إليه.
* * *
(٢٩) - ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا﴾: أي: أنتم اليوم ملوك هذه البلاد، لكم الغلَبةُ على أهلها، تُصَرِّفونهم على ما تريدون، ويُطيعونكم فيما تأمرونهم، فهل فيكم وفيمَن تملكونهم مِن الناس
[ ١٣ / ١٠٩ ]
مانعٌ مِن عذاب اللَّه إنْ جاءنا؟! أي: إنْ كان موسى صادقًا، فأصابنا ما وعدَنا، وهو قولُه:
﴿مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾: أي: فإذا لم يكن لكم ناصر، فلا معنى للتعرُّض لِمَا لا يُمكننا دَفْعُه.
هذا الرجلُ كتَمَ إيمانه مدةً حين خاف على نفْسه، فدلَّ ذلك على أنه يُباح إخفاءُ الإسلام وإظهارُ كلمة الكفر عند خوف الهلاك على نفْسِه (^١).
وحين رأى قَصْدَهم قَتْلَ موسى أظهرَ اللَّه ذلك وحاجَّهم؛ لأنَّه رجا أنْ يكون في ذلك نجاةُ موسى وإنْ كان فيه هلاكُ نفْسِه، وذاك واجب، وهو السَّعْي في دفع الهلاك عن الأنبياء.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾: أي: ما أُبَصِّرُكم (^٢) صوابَ قَتْلِ موسى إلا وهو صوابٌ عندي في رأيي.
وقيل: أي: ما أختارُ لكم إلا ما أختارُ لنفْسي.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: وهو ما أقول مِن قَتْل موسى، وكَذَبَ عدوُّ اللَّه، فإنه لم يختَرْ لهم ما يختارُ لنفْسه، فإنه اختار لنفْسِه أنْ يكون معبودًا لهم، واختار لهم أنْ يكونوا عابدين له، وهداهم سبيلَ الضلال دون سبيل الرَّشاد، قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].
* * *
_________________
(١) في هذا الكلام نظر، فكتمان الإيمان لا يعني بالضرورة إظهار كلمة الكفر، بل حتى لا دليل على أن كتمانه كان خوفًا على نفسه، فلعله كتمه حكمةً ليكون نصحه مقبولًا عندهم على اعتبار أنه منهم.
(٢) في (ر): "ما أبصره لكم".
[ ١٣ / ١١٠ ]
(٣٠ - ٣١) - ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾: أي: يومًا ينزِلُ عليكم فيه العذابُ المستأصِل بتكذيبكم رسولَه، مثلَ يوم الكفار الذين تحزَّبوا على الأنبياء وتجمَّعوا عليهم بالتكذيب.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾: أي: مِثْلَ سُنَّة اللَّه في هؤلاء بإنزال العذاب عليهم لَمَّا كذَّبوا رسلَه.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: مِثْلَ قوم لوطٍ وقوم شعيبٍ والأُمَم بعدهم.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾: أي: وما يريد اللَّه أنْ يظلِمَ عباده، فيُعذِّبَهم بغير ذنب، وهذه الآية في عذاب الدنيا.
* * *
(٣٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾.
ثم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾: أي: وأخاف عليكم -إنْ أصررتُم على الكفر ومتُّم عليه- عذابَ يوم الآخرة.
و﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾: يوم التَّنادي، وهو مِن النِّداء، وحُذِفَت الياء تخفيفًا؛ كما في ﴿التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] و﴿الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقرأ الحسن: ﴿يوم التنادي﴾: بالياء على الأصل (^١).
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢٠/ ٣١٩)، وذكر ابن مجاهد في "السبعة" (ص: ٥٦٨)، والداني في "التيسير" (ص: ١٩٢) أنها قراءة ابن كثير وصلًا ووقفًا، ورواية ورش في الوصل، ولقالون الوجهان. وورش وقالون هما الراويان لقراءة نافع.
[ ١٣ / ١١١ ]
وقرأ ابن عباس والضحاك: ﴿يوم التَّنادِّ﴾ بالتشديد (^١)، قال السُّدِّي: أي: يومَ التنافر (^٢)، وقد ندَّ نُدودًا؛ أي: نفَرَ، وهو كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية [عبس: ٣٤].
وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندُّوا هِرابًا (^٣).
وقراءةُ العامة: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بغير تشديد، وهو مِن النِّداء، ولهذا النِّداء وجوه:
منها: الاستغاثة: كما في قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ الآية [الأعراف: ٥٣]، وقولهِ تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ الآية [فاطر: ٣٧]، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] الآيات، ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ الآية [الكهف: ٤٩].
ومنها: تَنادِي أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨]، ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩].
ومنها: نداء الدُّعاء: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١]، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨]، ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]، ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢].
* * *
(٣٣) - ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: قيل: يوم تلتمِسون الفِرارَ
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٧٣)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ٢٧٥) ونسبها لابن عباس والضحاك، و"الكامل في القراءات" للهذلي (ص: ٦٣١)، وفيه: أنها قراءة الزعفراني وابن مقسم أيضًا.
(٢) روى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣١٦) عن الضحاك والسدي.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣١٨)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٧٥) واللفظ له.
[ ١٣ / ١١٢ ]
مما تُعايِنون مِن العذاب، فلا تجدون مِن عذاب اللَّه مانعًا، وهو كقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١٠]، ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣].
وقيل: يوم تنصرفون مِن الحساب مُدْبِرين عنه إلى النار، لا يعصِمُكم مِن عذابها عاصم.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: قيل: مَن يُضلِلْه عن الدِّين فلا مُرْشِدَ له إليه.
وقيل: ومَن يُهْلِكْه فما له مِن مُخْلِّص.
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: وقال هذا المؤمن: ولقد أتاكم يوسفُ النَّبيُّ ﵇ مِن قَبْلِ موسى بالبينات؛ أي: بالآيات مِن عند اللَّه الدالَّة على أنَّ دِين بني إسرائيل هو الحقُّ دون دين القِبْط.
وقال ابن عباس ﵄: وهو تعبير الرُّؤيا، وقدُّ القميص (^١).
﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾: أي: فبَقِيَ أسلافُكم طُولَ مدةِ يوسف في شك مما جاء به، يتوهَّمون أنَّ ذلك ليس مِن عند اللَّه، مع علمهم بقُصور قوى البشر عنه؛ لعَجْزهم عن الإتيان بمثله.
﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾: أي: فلما مات يوسف ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾؛ أي: مَن يدَّعي الرسالة؛ لأنَّه لا يأتي أحدٌ بمِثْل ما أتى به يوسفُ مِن
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" (٧/ ٢٢١) عن ابن السائب الكلبي، فلعله مما روي من طريق الكلبي عن ابن عباس.
[ ١٣ / ١١٣ ]
الشُّبَه والمخاريق، وقد استرحنا مِن مُدَّعي الرِّسالات (^١)، فقد أعرضتُم عن الاستدلال وقبول الحق، وأسرفتُم في التَّمادي، وأصررتم على العِناد، فأدَّى ذلك منكم إلى قَصد قتْلِ موسى الآن.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾: أي: يَخذُلُ مَن أسرف وارتاب، ولا يوفِّقُه إذا علِمَ منه اختيار الضلالة ولُزومَ الجَهالة.
وقيل: ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾: كان تمنِّيًا منهم بعثَ رسولٍ، وتأسُّفًا على فَوْت يوسف ﵇، يقول: فأنتم الآن كذلك تفعلون بموسى ﵇، ولعلكم تتمنَّونه بعد فَوْته.
ويؤكِّدُ هذا التأويلَ قراءةُ ابن مسعود ﵁: (قلتُم ألن يبعث اللَّه) بألف الاستفهام (^٢).
* * *
(٣٥) - ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.
قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾: قيل: هو ترجمةٌ عن قوله: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ﴾، وهذا جَمْعٌ، وذاك واحدٌ، لكنه اسمُ جنسٍ، فصلَح للجَمْع معنًى.
وقيل: هو مبتدأ، وللابتداء وجهان:
أحدُهما: أنه كلام ذلك المؤمن.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "النبوات".
(٢) انظر: "تفسير السمعاني" (٥/ ١٩)، و"المحرر الوجيز" (٤/ ٥٥٩)، ونسبت لأبيٍّ أيضًا.
[ ١٣ / ١١٤ ]
وقيل: هو ابتداءٌ مِن كلام اللَّه تعالى.
﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾: أي: بغير حُجَّةٍ أتتْهم مِن عند اللَّه تعالى.
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: مَن كان كذلك فهو مُبْغَضٌ عند اللَّه وعند المؤمنين أشدَّ بُغْض.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾: أي: كما فعَلَ بهؤلاء المجادلين يَفعلُ بقلبِ كلِّ مُتعظِّمٍ مُترَفِّعٍ لا ينقاد للحق.
وتَرْكُ التنوين على الإضافة (^١)، والنَّعتُ بالمتكبِّر والجبَّار لصاحب القلب، والتنوينُ على أنهما مِن نعت القلب، وهو نفورُ القلب عن اعتقاد الحق وقبوله وتصديقه.
والطَّبْع: هو الخَتْم على القلب بالإضلال، وهو مِن اللَّه تعالى في حق مَن علِمَ منه اختياره (^٢)، وعلى الكفر إصرارَه.
والتنوينُ قراءةُ أبي عمرو، وتَرْكُ التنوين قراءةُ الباقين (^٣).
* * *
(٣٦ - ٣٧) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "للإضافة".
(٢) في (ر): "اختياره الضلال".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩١).
[ ١٣ / ١١٥ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾: أي: بِناءً عاليًا طويلًا على هيئة القَصر؛ أي: قال فرعون -حين حاجَّه خربيل بهذه المحاجَّة، وخاف على القوم اتِّباعَه، وأراد تلبيس الأمر على الضَّعَفة- لوزيره هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾: أي: قصرًا عاليًا.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾: ترجمة عنه؛ أي: أبوابَ السماء وطرُقَها الموصِلةَ إليها.
﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنَّصْب بالفاء في جواب التمني، وقرأ الباقون بالرفع عَطْفًا على قوله: ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (^١)؛ أي: فأنظر إليه نظَرَ مُشْرِفٍ عليه توَهُّمًا منه -أوْ إيهامًا- أنه جسم تحويه الأماكن، حتى تكونُ بعض الأماكن فوقه، تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا.
إذ كان فرعون موصوفًا بهذا، ويدَّعي مع ذلك إلهيَّةَ نفْسِه، وكان أراد بما أضافه إلى اللَّه تعالى تقريبَ معنى إلهيَّةِ نفْسِه مِن نفوس الجهَلة مِن قومه؛ أي: فإنْ وجدتُّه هناك نظرْتُ في أمري وأمره، وهل هو كما يصِفُه موسى أم لا؟ وإنْ لم أجِدْه فهو معدوم ليس بموجود؛ لخُلُوِّ السماوات والأرض منه، وكفى خِزْيًا للمُجسِّمة أنْ يكون اعتقادهم في اللَّه كاعتقاد فرعون.
وقيل: كان هذا إيهامًا لضَعَفة قومه (^٢) الذين لا تمييزَ لهم أنه تمكَّنَ مِن صعود السماء -وإنْ كان عند نفْسِه عالمًا بامتناع ذلك عليه- إرادةَ التَّسْكين منهم، فإنْ لم يكن هذا، فقد كان فرعون في غاية الجهل والغِواية والغَباوة.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾: أي: وإني لأتيقَّنُ بكون موسى كاذبًا فيما يدَّعيه، ولكنْ أفعل هذا لإزالة الشُّبهة عمن لا يتيقَّنُ تيقُّني.
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٢).
(٢) في (ر) و(ف): "للضعفة".
[ ١٣ / ١١٦ ]
قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي: وكالذي ذكَرْناه ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: في الشرك والتكذيب والجدال في آيات اللَّه.
﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الصاد؛ أي: مُنِعَ، وقرأ الباقون بفتحها؛ أي: أعرَضَ (^١).
والسَّبيلُ: هو الطريق الحق إذا أُطلِق؛ لأنَّه ما يُفْضي بسالكه إلى المقصود، فما لا يُفْضي بسالكه إلى الصواب فليس بسبيل.
﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾: قيل: في بُطلان. وقيل: في خَسار. وقيل: في هلاك. وقيل: في ضلال.
وقال وهب بن مُنبِّه ﵁: فجمَعَ هامان العمال والفَعَلَة، فلم يتركْ أحدًا بيده مِهْنة مِن عمل البنيان إلا جمَعَ لذلك الصَّرْح، حتى اجتمع فيه خمسون ألف بنَّاء يبنون، سوى مَن يطبُخُ الآجُرَّ والجَصِّ، وينجُرُ الخشب، ويُصوِّر الأبواب، ويضرِبُ المسامير، فأولئك عِدَّةٌ يُحصيها إلا اللَّه، فلم يزَلْ كذلك، ويرفع اللَّه بُنيانه، ويُملي له ويستدرجه، حتى إذا ارتفع بُنيانه على ما أراد ارتفاعًا لم يبلُغْه بُنْيانُ أحدٍ منذُ يومِ خَلَق اللَّه السماوات والأرض، لا يزداد بُنْيانه إلا شدةً وارتفاعًا في السماء (^٢)، ولا يأمرُ فيه بأمر ولا يُشارُ عليه فيه بأمر إلا أمضاه اللَّه تعالى له، يَكيدُه بذلك ويستدرجُه وهو لا يشعُرُ، وكلما همَّ موسى بجهاده أوحى اللَّه تعالى إليه: أنْ دَعْه وما يريد، فإني أوشك أنْ أفجعَه في ساعة واحدة، وأُبطِلَ كل شيء عمِلَه، فكفَّ موسى ينتظر أمرَ اللَّه ووحيَه، حتى إذا كان يومٌ مِن الأيام، وقد بلَغ الصرْح مبلغًا لم يبلُغْه بُنْيانٌ قطُّ، كان إذا
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣).
(٢) في (ر): "الهواء".
[ ١٣ / ١١٧ ]
طلَع قَرْن الشمس ضرَبَ ظِلُّ ذلك الصَّرْح مَيْلًا نحو المغرب، وإذا غرَبت ضرَب ظِلُّه ميلًا نحو المشرق، وكان أساسه على جبل، فزلزل اللَّه تعالى ذلك الجبل والصَّرْح مِن قواعده، والناس في أعلاه وأسفلِه وأوسطِه وحولَه، فانهدم بهم مِن غير وَهْن ولا ضَعْف في عمله، فدمر اللَّه تعالى أهلَه، حتى لم يُبْقِ منهم أحدًا إلا أهلكَه، فلم يَبْقَ أحد مِن خَلْق اللَّه عمِلَ فيه عملًا بشيء مِن أرض مصر إلا أصابه موت أو حريق أو عاهة، فأما مَن كان مِن نجَّار أو حدَّاد فيَبِست أيديهم، وأما الذين يطبُخون الآجُرَّ والجَصَّ فاحترقوا، وأما القَهارمة (^١) والعُمَّال فماتوا، فدمر اللَّه تعالى ذلك كله فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وكانوا يعملون فيه بالنهار، والليل بالسُّرُج لا يفتُرون، حتى أهلكهم اللَّه تعالى على شرِّ حال (^٢).
* * *
(٣٨ - ٣٩) - ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾: أي: قال ذلك هذا الذي آمنَ مِن آل فرعون.
﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾: أي: لا يغُرَّنكم ما أنتم فيه مِن المُلْك في الدنيا، والظُّهور في الأرض، فيَشغلكم ذلك عن تدبر آيات اللَّه، فإن اللَّه تعالى خلَقَ الدنيا دار نُقْلة يُتمتَّع بها قليلًا ثم تنقضي.
_________________
(١) القهارمة: مفرده: قهرمان، وهو الحفيظ على من تحت يده، وأصله فارسي. انظر: "المحكم" لابن سيده (٤/ ٤٥٩).
(٢) ذكره مختصرًا من سياق آخر: الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٥٠)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٢٠٨).
[ ١٣ / ١١٨ ]
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: قال قتادة: استقرت الجنة بأهلها والنار بأهلها (^١).
وقيل: أي: الدنيا لا ثباتَ لها، والآخرةُ دار الثبوت والخلود، مَن استقرَّ أمرُه فيها على شيء خُلِّدَ فيه ودام له.
* * *
(٤٠) - ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: أي: بالسيئة، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: وهذا واحد بظاهره.
ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: على الجَمْع؛ لأنَّه جنس، فصلَح للجَمْع معنًى.
﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: بلا تقديرٍ عليهم ولا تقتير، وله وجوهٌ أُخَر مرَّ بيانها مرات.
وقيل: يُجزى بالسيئة الواحدة مِثْلَها، وبالحسنة الكثيرَ الذي لا يحصرُه حساب.
* * *
(٤١ - ٤٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٣٠)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٢٨٩) إلى عبد بن حميد.
[ ١٣ / ١١٩ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾: بقولي (^١): ﴿اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد﴾.
﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾: وهو قول فرعون: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾، وكان ذلك دعاءً إلى الكفر.
﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾: هو تفسير قوله: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾، وليس شيئًا آخر؛ لأنَّه لا عاطِفَ بينهما.
﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: أي: لا علم لي بأن له شريكًا، بل أنا عالم أنه لا شريك له.
﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: أي: إلى دين اللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيع الذي لا يُغالَب إذا عاقب الكفار ﴿الْغَفَّارِ﴾: الذي يغفر للمؤمنين بالتوبة والاستغفار.
وقيل: ﴿الْعَزِيزِ﴾: الغنيِّ بعِزَّته عن الشركاء والأنداد ﴿الْغَفَّارِ﴾: المُتفضِّلِ بعفوه ومغفرته على العباد.
* * *
(٤٣) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾
﴿لَا جَرَمَ﴾: كلمة تحقيق، وقد مرَّ تفسيرها في سورة النحل بوجوهها.
﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾: إلى عبادته مِن دون اللَّه.
﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾: أي: لا يُنتفع بها في الدنيا ولا في الآخرة،
_________________
(١) في (أ): "بقول".
[ ١٣ / ١٢٠ ]
فوجودها كعدمها، وهو كقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨].
وقال السُّدِّي وقتادة: أي: الصَّنم لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة (^١).
وقال الزجَّاج: أي: ليس له استجابةُ دعوةٍ (^٢).
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾: أي: مَرْجِعَنا إلى جزائه.
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾: المُجاوزين حدودَ الشرع (^٣) بتكذيب الأنبياء، والجدال في آيات اللَّه، ودعاءِ الناس إلى عبادة غير اللَّه.
﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: الدائمون فيها.
* * *
(٤٤) - ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾: إذا رُدِدْنا إلى اللَّه. وقيل: في الدنيا.
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾: أي: أُسَلِّمُ أموري كلَّها إلى اللَّه (^٤) الآن، إني توكَّلْتُ عليه، وقطعتُ الرَّجاء عمن دونه.
﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: بما يُظهرونه وما يُضمرونه.
* * *
(٤٥) - ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾: أي: حفِظَه اللَّه تعالى عن مكاره
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٣٣) عن مجاهد وقتادة والسدي، واللفظ للسدي.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٣٧٦)، وفيه: أي: وجب بطلان دعوته.
(٣) في (ف): "اللَّه".
(٤) في (ر) و(ف): "إليه".
[ ١٣ / ١٢١ ]
مَكْرِ فرعون وقومه، فلم ينفُذْ عزمُهم في قتل أبناء الذين آمنوا معه واسترقاقِ بناتهم.
وظاهرُه يدلُّ على أنهم لم يَقْدِروا على قتل هذا المؤمن.
قال الضحاك: أرادوا قتله، فتراءى له جبل فصعِده، فكان مَن يأتيه مِن جنود فرعون تأكله السِّباع، أو يرجع عنه، حتى مات خربيل هناك (^١).
وقال ابن عباس ﵄: بعَثَ في طلَبه قريبًا مِن ألف، فمنهم مَن أكلَتْه السِّباع، ومنهم مَن رجع إلى فرعون فصلَبه (^٢).
وقد رَوَيْنا عن وهْب أنهم قتلوه مع السَّحَرة، وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَوَقَاهُ﴾ إشارةً إلى موسى ﵇، وهو تحقيق قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر: ٥١].
وقولُه تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: أي: نزل وأحاط بأشياع فرعون مع فرعون مكروهُ عذابِ اللَّه تعالى وشِدَّتُه، وما يَسوءُ منه.
* * *
(٤٦) - ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾: قال ابن عباس ﵄: تُعرَضُ أرواحُهم على النار (^٣).
_________________
(١) ذكر نحوه السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٢٣). وهو إلى الخرافة أقرب، فإن سنة اللَّه في المؤمنين أمثاله هي المحن والابتلاء، وكلما كان الإيمان أقوى كان البلاء أشد، فلا حاجة لاجتلاب قصص لم ترد في قرآن ولا سنة.
(٢) ذكر نحوه عن ابن عباس: أبو حيان في "البحر المحيط" (١٨/ ٤٣٢)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٥٩) من غير نسبة.
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٠٨) عن ابن عباس وقتادة ومجاهد.
[ ١٣ / ١٢٢ ]
﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: قَدْرَ الغُدُوِّ وقَدْرَ العَشِيِّ في الدنيا، وهذا في القبر.
وقال ابن مسعود ﵁: أرواحُهم في صُوَرِ طير سُودٍ يرَون منازلهم منها غُدْوةً وعَشِيَّةً (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: قُرِئ بقطع الألف، وهو مِن الإدخال؛ أي: يُقال للملائكة: أَدْخِلوا فرعونَ وآلَه أشدَّ العذاب.
وقُرِئ: ﴿اُدْخُلوا﴾: بضم الألف مِن الدخول (^٢)؛ أي: ويُقال لفرعون وآله: اُدْخُلوا آلَ فرعون؛ أي: يا آلَ فرعون.
﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾: أي: أغلظَه وأشقَّه، وإنما استحقوا ذلك لشِدَّة عِنادهم ومُكابرتهم بعد ظهور الآيات الحِسِّيَّة، وزوال الشُّبَه بالكُلِّيَّة.
* * *
(٤٧) - ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾: أي: يُقال لآل فرعون (^٣) ذلك يوم القيامة، وحين يتخاصم أهل النار فيها.
_________________
(١) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٨٠)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٠٨)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٥٩)، ولفظ عبد الرزاق: (. . . في صدر طير. . .). وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٣٧ - ٣٣٨) عن الهزيل بن شرحبيل والسدي والأوزاعي.
(٢) قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بقطع الهمزة وفتحها مع كسر الخاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم بوصل الهمزة وضم الخاء. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٢).
(٣) في (أ): "يقال للذين هم آل فرعون".
[ ١٣ / ١٢٣ ]
﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾: جمعُ تابع؛ كالخَدَمِ: جمعُ خادم، والسَّلَف: جمعُ سالف، والغَيَب: جمعُ غائب.
أي: كنَّا أتباعًا لكم فيما دعوتُمونا إليه مِن الشرك وتكذيب الأنبياء لاستضعافِكم إيانا.
وقولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾: أي: مُتحمِّلون عنا مِقْدارًا مِن النار التي نحن فيها، فيلحقَنا تخفيفٌ مِن جِهتكم؛ إذ لا أحدَ أحقُّ بالتحمُّل عنا منكم؛ لأنكم كنتم سببَ دخولنا النارَ بقولكم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، والغَناءُ: الكفايةُ.
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾: أي: إنَّا مَجموعون جميعًا في النار بحُكْم اللَّه، لا يَجري لنا على أنفسنا ولا عليكم حُكْمٌ.
وقولُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: أي: إذا يئسوا مِن كُبرائهم طلَبوا الفَرَجَ مِن عند خزَنَة جهنم؛ ظنًّا منهم أنهم يرِقُّون لهم لِمَا يرون مِن قِلَّة صبرهم وشدة جزَعِهم، وقالوا لهم: سَلُوا ربكم أنْ يُخفِّفَ عنا؛ أي: يُزيلَ العذاب عنا مقدارَ يومٍ مِن أيام الدنيا لنستريحَ في مقدار هذه المدة.
* * *
(٥٠) - ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
[ ١٣ / ١٢٤ ]
﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾: اعترفوا بمجيئهم، وزاد في آية أخرى: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٩].
﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾: أي: فادْعوا أنتم إذًا، فقد لزِمَتْكم الحُجَّة، ووقَعَ الإعذار، وحقَّتْ كلمة العذاب، ولا تبديلَ لكلمات اللَّه، ولن ندعوَ لكم؛ إذ لا سبيلَ لنا إلى الشفاعة إلا بإذن اللَّه، واللَّهُ لا يأذَن لنا بالدعاء لكم، فادعوا أنتم لأنفسكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: أي: وما دعاء الكافرين لأنفسهم في الآخرة بتخفيف العذاب عنهم إلا في بُطْلانٍ ومَيْلٍ عن الصواب، وهو في مُقابلة قولهم للأنبياء في الدنيا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩].
وقولُه تعالى: ﴿فَادْعُوا﴾: ليس بأمرٍ حقيقةً، لكن معناه: إنْ دعوتم لنْ ينفعَكم، وهو كقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦].
* * *
(٥١) - ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ذَكَرَ نَصْرَ موسى ﵇ ومؤمنِ آلِ فرعون على فرعون وآله، وأخبَرَ أنه ينصر أيضًا جميعَ رسُلِه، وجميعَ المؤمنين.
والنَّصْرُ: المَعونةُ على العدو بالاستعلاء عليه، وهو على وجوه:
نصرٌ بالحُجَّة (^١)، ونصرٌ بالغلَبَة والمُحاربة، ونصرٌ بعِقاب العدو، ونصرٌ بإكرام الولي بالثواب.
_________________
(١) في (أ): "أحدها: الحجة" بدل: "نصر بالحجة".
[ ١٣ / ١٢٥ ]
وقد نصَرَ اللَّه الأنبياء بإنجائهم وإهلاك أعدائهم (^١)، وما جرى على زكريا ويحيى وبعضِ الأنبياء مِن القتل، فقد نصرَهم اللَّه تعالى بعد قتلهم بالانتقام منهم على يد بُخْتَ نَصَّرَ، فهذا كله نصرٌ؛ لأنَّه إِعانةٌ (^٢) وانتقامٌ ومعونةٌ.
وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]؛ أي: فنحن ننتقم لكَ منهم إذا رجعوا إلينا، وقال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢ - ٢٤].
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾: وهو جَمْع شهيد؛ كشريف وأشراف.
وقيل: جَمْعُ شاهد؛ كصاحب وأصحاب.
وقيل: هو جمعُ جمعٍ: شاهدٌ، وشُهَّدٌ، وأشهاد.
وقال مجاهد: هم الملائكة (^٣).
وقال قتادة: هم الأنبياء (^٤).
وقيل: هم الخوارج.
وقيل: هم أهل الموقف، شهِدوه قائمين لرب العالمين، ونصرتُهم يومئذ للمؤمنين بالتمييز بين المُحِقِّ والمُبْطل (^٥) والوليِّ والعدوِّ بالثواب والعقاب.
_________________
(١) في (ر): "عدوهم".
(٢) في (ف): "إغاثة".
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٤٧)، وهو في "تفسير مجاهد" (ص: ٣٨٦)، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٦٨٣) عن قتادة.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٤٦) بلفظ: من ملائكة اللَّه وأنبيائه والمؤمنين به، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٢/ ١٤٤)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٦٣) عن الضحاك.
(٥) في (أ): "الحق والباطل".
[ ١٣ / ١٢٦ ]
وقيل: يلعن أهلُ الموقف الكفارَ، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
* * *
(٥٢ - ٥٣) - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾: لأنها باطلة، ولأنه لا يُؤذَنُ لهم فيعتذرون ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾: وهي جهنم.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾: وهو مِن النُّصْرة؛ أي: الرُّشْد في كل أموره.
﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، وجحلناهم يتوارثونها، فتنتقِلُ مِن سلَف إلى خلَف (^١).
وقيل: ﴿الْهُدَى﴾: الإنجاءُ مِن البحر، قال خبرًا عنهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
وقيل: وأورثناها: أي: بقَّيْناها لهم.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
﴿هُدًى﴾: يهتدون به في أديانهم ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: أي: ويتذكَّرون به وَعْدَ اللَّه ووعيدَه.
_________________
(١) في (أ): "من خلف إلى خلف".
[ ١٣ / ١٢٧ ]
﴿فَاصْبِرْ﴾: يا محمَّدُ على الدعاء للدِّين، وعلى أذى المشركين.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: بنَصْرِ (^١) الأنبياء والمؤمنين.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾: أي: وإنْ خطَرَ بقلبك مِن وَسْواس الشيطان استبطاءُ النَّصْر (^٢) لتأخُّره عنكَ، فاستغفرِ اللَّه تعالى مِن ذلك.
وقيل: إذا أتاكَ النَّصْر وخطَرَ بقلبكَ أنه بقوةٍ منكَ، فاستغفرْ مِن ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: أي: ودُمْ على التسبيح للَّه في الصلوات وخارج الصلوات بالغَدَوات والعَشَايا، فتنقطِعَ وساوس الشيطان عنكَ.
والعَشِيُّ: مِن زوال الشمس إلى الليل، والإبكار: مِن طلوع الفجر؛ أي: إلى طلوع الشمس.
* * *
(٥٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾: أي: إنَّ هؤلاء المشركين الذين يُخاصِمون في آيات اللَّه بالتكذيب والرَّدِّ بغير حُجَّة عندهم آلتْهم مِن عند اللَّه في عَقْل أو كتاب، ليس جدالُهم لأمرٍ وضَحَ عندهم يُجادلون لذلك، بل للحسَد والتَّعَظُّم الذي في صدورهم مِن التكبُّر عن الانقياد للحق، وما هُم ببالغي هذا الكِبْر الذي في صدورهم.
_________________
(١) في (أ): "بنصرة".
(٢) في (أ): "النصرة".
[ ١٣ / ١٢٨ ]
أي: إنَّ هذا لا يتِمُّ لهم على ما يُضمِرونه، بل أُعْلِيكَ عليهم، فينقادوا لكَ أو أبيدَهم بسيفكَ.
وقيل: أي: يتوهَّمون أنهم إذا أصرُّوا عليه نالوا به الرِّفْعة، واستداموا به الرِّياسة، وما هُم ببالغي ذلك، بل أُعْلِيكَ عليهم وأُصيِّرُهم إلى الهَوان في الدنيا والآخرة.
وقيل: أي: في قلوبهم حسَدٌ لكَ على نبوتكَ، وما هُم ببالغي النبوة، إنما يُؤتيها اللَّه تعالى مَن يشاء، والكِبْرُ على هذا التأويل أمرٌ كبيرٌ؛ كما قال: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: ١١].
وقيل: (في صدورهم كِبْرٌ)؛ أي: أمر كبير، وهو قصدُهم قَتْلَكَ، ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ بل لا يُميتُكَ اللَّه (^١).
وقيل: هو تمنِّيهم موتَكَ قَبْل أنْ يُكمِلَ اللَّه بكَ الدِّين، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، بل لا يُميتكَ اللَّه حتى يُكمِلَ بكَ الدِّين، ويقمَعَ بكَ المشركين.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: أي: فاستعذ مِن شرِّهم باللَّه، إنه هو السميع بما يقولون، والبصير بما يعملون.
* * *
(٥٧) - ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾: أي: إنَّ المشركين مُقِرُّون بأن اللَّه خلَقَ السماوات والأرض على كِبَرِهما وعِظَمِهما
_________________
(١) "بل لا يميتك اللَّه" ليس من (أ) و(ف).
[ ١٣ / ١٢٩ ]
والعجائب التي فيهما، وذلك أعظم شأنًا مِن خَلْق الناس، فكيف وصفوني بالقُدْرة على خَلْقهما وعجَّزُوني عن القُدْرة على خَلْق الناس بعد موتهم؟!
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يتدبَّرون، ولا يستدلُّون بالآيات فيعلموا ذلك.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾: هُمُ اليهود يُخاصمون في القرآن بغير حُجَّة ولا عُذْر أتاهم مِن اللَّه، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾: أي: ما في صدورهم إلا الكبر ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ يعني: بِنائِلي ذلك الكِبْر الذي في قلوبهم، وهم اليهود قالوا: يخرُجُ الدجال، ويخوض في البحر، وتسير معه الأنهار، وتطلُعُ الشمس فوقه إلى مغربها، ويرُدُّ إلينا المُلْك، فردَّ اللَّه عليهم فقال: ما هُم ببالغي ما قالوا، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ مِن فتنة الدجال ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم، ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأعمالهم (^١).
وقال مقاتل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: اليهود، قالوا للنبي -ﷺ-: إنَّ صاحبنا -يَعْنون: الدجال- يخرُجُ في آخر الزمان وله السلطان، ماءُ البحر إلى ركبته، والسَّحابُ دونه، وما هم ببالغي ذلك، ثم قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ يعني: الدجال (^٢).
* * *
_________________
(١) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد عزاه السيوطي بمعناه في "الدر المنثور" (٧/ ٢٩٤) إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم -وصححه- عن أبي العالية، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢٣/ ٢١٦) (ط: دار التفسير) عن المفسرين.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧١٧).
[ ١٣ / ١٣٠ ]
(٥٨) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾: أي: مَن عمِيَ عن رؤية الآيات والاستدلالِ بها ومَن أبصرَها فاستدلَّ بها، ولا يستوي الذين آمنوا والذين كفروا.
والمسيءُ: هو الكافر؛ لأنَّ المؤمن مُحْسِنٌ، وهو واحد لفظًا وجمع معنًى، و(لا) زائدة في قوله: ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾.
وقيل: معناه: ولا يُساوي المؤمنُ الكافرَ، ولا الكافرُ المؤمنَ، وقد شرحناه بأتمَّ مِن هذا في سورة الملائكة.
وقولُه: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: لا تتذكَّرون أصلًا، وهو كقولك: فلانٌ قليلُ الحياء؛ أي: لاحياءَ له.
* * *
(٥٩) - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾: أي: إنَّ القيامة لَقائمة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أي: لا شكَّ في إتيانها، وله ثلاثةُ أوجهٍ ذكَرْناها في أول سورة البقرة.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لا يُصدِّقون بكونها، وفيها تمييزٌ بين هذين الفريقين.
* * *
(٦٠) - ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
[ ١٣ / ١٣١ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: قال الضحاك: أي: اعبُدوني (^١)؛ كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، ويدلُّ عليه قوله: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.
وقال الكلبي: وحِّدوني (^٢).
وقال مقاتل: هو نفْسُ الدعاء (^٣).
﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: في سؤال المغفرة؛ لأن الإيمان طلَبُ المغفرة.
فإذا حُمِل الدعاء على التوحيد، كانت الاستجابة مغفرةً وتحقيقًا لقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وإنْ حُمِل على نفْس الدعاء، فالاستجابةُ هي الإجابة إلى ما سأَلَ.
والحاصل: أنَّ الآية إنْ حُمِلت على خطاب الكفار، فمعناها: وحِّدوني وأجيبوني في الدعاء إليه، أستجِبْ لكم في سؤالكم مغفرةَ ما قد سلَفَ.
_________________
(١) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٣٠١) للطبري وابن المنذر وأبي الشيخ في "العظمة" عن ابن عباس ﵄، وذكره عنه الواحدي في "الوسيط" (٤/ ١٩)، ونقله الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ١٧٥) عن مجاهد، وهو اختيار الطبري كما في "تفسيره" (٢١/ ٤٠٦). ورواه الحاكم في "مستدركه" (٣٠٨٦) عن جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁.
(٢) ذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢١١)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٥٢) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وأبو الشيخ في "العظمة" (١٦٧) من طريق آخر عنه.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٦٩٣). وذكره الماتريدي في "تفسيره" (٤/ ٤٦١)، والسمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢١١)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٨٠) من غير نسبة.
[ ١٣ / ١٣٢ ]
وإنْ حُمِلت على العصاة، فمعناها: اُدْعُوني بالتوبة والاستغفار، أستجِبْ لكم في قَبول التوبة، والعَفْو عن الجِناية.
وإنْ حُمِلتْ على المُطيعين، فمعناها: سَلوني بحوائجكم أُعْطِكم ما سألتم.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾: أي: يتعظَّمون عن توحيدي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾: للخُلود فيها ﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغرين، هذا على الأول.
وعلى الثاني: إن الذين يمتنعون عن التوبة وعن دعاء اللَّه -تفسُّقًا لا استحلالًا واستخفافًا- سيدخلون النار للتعذيب فيها مدةً إنْ لمْ يَعْفُ اللَّه عنهم بفضله.
ثم إجابةُ الدعوة؛ قيل: هي قولُ اللَّه: لبَّيْكَ، لعبدِه إذا قال: يا ربِّ! وهذا لكل داعٍ، فأما إعطاء المراد فذاكَ مُعلَّق بالمشيئة، قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، وهو موعود أيضًا بشرائطَ مِن العبد:
منها: إجابتُه اللَّهَ تعالى فيما دعا إليه؛ قال تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومنها: أكلُ الحلال: قال النبي -ﷺ-: "إنَّ الرجل لَيرفع يديه، فيقول: يا ربِّ يا ربِّ! ومَطْعَمُه حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ، فأنى يُستجاب لذلك" (^١).
وفي الحديث: "إنَّ الداعي لا يخلو عن إحدى ثلاث: إما أنْ يُعَجَّل له ما سأل، وإما أنْ يُدَّخَرَ له في الجنة ما هو خير منه، وإما أنْ يُصْرَفَ عنه مِن السوء ما هو أعظمُ منه" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١١١٣٣)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧١٠) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، بلفظ: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها".
[ ١٣ / ١٣٣ ]
وقيل: اُدْعُوني بلا غَفْلة، أستجِبْ لكم بلا مُهْلة.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: اُدْعُوني بالسؤال، أستجِبْ لكم بالنَّوال، اُدْعُوني بالتنصُّل، أستجِبْ لكم بالتفضُّل، اُدْعُوني بحسب الطاقة، أستجِبْ لكم بكشفِ الفاقة (^١).
* * *
(٦١) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: مرَّ تفسيرُها مرات، وهي مِن الآيات التي تدلُّ على وحدانية اللَّه تعالى، ذكرَها بعد الأمر بالتوحيد، وهو مِن النِّعَم التي يجب الشكر عليها، فحثَّ على الشكر بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
* * *
(٦٢ - ٦٣) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: الذي خلَقَ الليل والنهار لكم هو مُربِّيكم ومُصْلِحُ أموركم.
وقولُه تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا يستحِقُّ العبادةَ غيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أي: فمِن أين تُصْرَفون عن توحيده؟!
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أي: كما انصرفتم عن الحقِّ
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣١٣).
[ ١٣ / ١٣٤ ]
مع وضوحه، صُرِفَ مَن قبلكم مِن الأمم الجاحدة عن ذلك، ولم يكن ذلك لقُصور الأدلة، بل لِمَا في صدورهم مِن الكِبْر الذي ليسوا ببالغيه.
* * *
(٦٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: أي: مُستقَرًّا ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾؛ أي: مَبْنيَّةً مرفوعةً فوقكم لمصالحكم وحوائجكم.
﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: أي: الأغذيةِ الشَّهِيَّة مِن الأطعمة والأشربة.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: جلَّ اللَّهُ، ودامَتْ بركاتُه، وتتابعتْ خيراتُه، وهو حَثٌّ على وصفه به.
* * *
(٦٥) - ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿هُوَ الْحَيُّ﴾: الذي لا يموت أبدًا بحياةٍ أزَلِيَّةٍ.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: فاعبُدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: العبادة والطاعة.
وقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: المُستحِقُّ للحمد هو.
ويجوز أنْ يكون حمِدَ نفْسَه تعليمًا للخَلْق.
ويجوز أنْ يكون أمرًا به، وقد شرَحْناه في أول الفاتحة.
* * *
[ ١٣ / ١٣٥ ]
(٦٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: قل يا محمَّدُ للمشركين: نهاني اللَّهُ تعالى أنْ أعبُدَ الأصنام التي تعبدونها مِن دون اللَّه لما جاءتني الدَّلائل (^١) الواضحة على وحدانيَّة اللَّه تعالى، وأمرني (^٢) أنْ أنقادَ لأمره، وأُخْلِصَ له في عبادتي، وأُسْلِمَ إليه نفْسي وأموري؛ إذ هو ربُّ العالمين، فلن أوافقَكم على ما تدعونني إليه.
وقال مقاتل: دعا كفارُ مكةَ رسولَ اللَّه إلى دينهم، وقالوا له: ما يحمِلُكَ على ما تتعاطاه مِن مُخالفة آبائك وأشراف قريش إلا الحاجةُ وقِلَّةُ المال، فنحن نجمَعُ لكَ ما يكفيكَ دهرَكَ، فأنزل اللَّه هذه الآية (^٣).
* * *
(٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: أي: أطفالًا، وقد فسَّرْنا هذه الآية مرات.
_________________
(١) في (ف): "البينات".
(٢) في (أ): "وأمرت".
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٦٧٢)، وروى مقاتل أيضًا أن هذه الحادثة نزلت في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾. انظر: "تفسير مقاتل" (١/ ٥٥٢).
[ ١٣ / ١٣٦ ]
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: أي: ثم يُرَبِّيكم لتبلغوا تَمامَ القوة، فتَصْلُحوا للتكليف والتعبُّد.
﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾: ثم يُدْرِجُكم إلى أنْ تصيروا شيوخًا.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾: أي: يُقبَضُ بالموت ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: قَبْلَ الشَّيْخُوخَة، وقبل (^١) بلوغ الأشُدِّ، وقبل الخروج مِن بطن أمه طفلًا.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ فَعَل ذلك، هذا مُضْمَرٌ في آخره؛ أي: ولِيَبْلُغَ كل منكم أجَلًا قد سماه اللَّه تعالى له.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: ولِتَعْقِلوا ذلك، وتستعملوا عقولكم في معرفة ذلك، والعملِ بما خلقتكم لذلك.
* * *
(٦٨ - ٦٩) - ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: أي: قدَّرَ شيئًا وأراد كونَه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: كوَّنه سريعًا، فهو المُستحِقُّ للعبادة.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أي: كيف ومِن أين يُعدَلُ بهم عن الحق؟! أي: فهل يُصْرَفون إلى شيء أوضحَ دلالةً وأحسنَ عاقبةً منه؟!
* * *
_________________
(١) في (ر): "وقيل" هنا وفي الموضع الآتي.
[ ١٣ / ١٣٧ ]
(٧٠ - ٧٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾: هو صفة المُجادلين.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾: أي: فسيعلمون بُطْلانَ ما هم فيه وسُوءَ عاقبته إذا أُدخِلوا (^١) النارَ، وغُلَّتْ أيديهم إلى أعناقهم، وجُعِلَتْ فيها السلاسِل.
﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾: أي: تجرُّهم خزَنة جهنم في الماء الذي تناهى حَرُّه.
وقال مقاتل: في حَرِّ النار (^٢).
﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾: أي: يُطْرَحون فيها، فيكونون وُقودًا لها.
وسجَرَ التَّنُّورَ: أحماه بإيقاد الوُقود.
والجَرُّ إلى الحميم: هو ترديدُهم بين النار والماء الحارِّ، وهو كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧].
* * *
(٧٣ - ٧٤) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾.
_________________
(١) في (أ) و(ر): "دخلوا" بدل من "أدخلوا في".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٢٠)، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢١٣).
[ ١٣ / ١٣٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يُوَبَّخون في هذه الحالة زيادةً في إيلامهم: أين الأصنامُ التي كنتم تُشركون باللَّه رَجاءَ شفاعتهم؟!
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: أي: هلَكوا وضاعوا.
﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾: أي: ما كنا نعبد شيئًا ينبغي أنْ يُعْبَدَ ويُدعى ويُرجى، بل كنا نرجو النَّفْع مما لا نَفْعَ فيه، وهو اعترافٌ منهم بأنهم لم يكونوا على شيء، وليس بإنكارٍ لعبادة الأصنام، بل اعترافٌ أنه لم يكن شيئًا يُعتبَر، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾: أي: كما أضلَّ هؤلاء المُجادلين يُضِلُّ سائر الكافرين الذين علِمَ منهم اختيار الضلالة عن الدِّين.
* * *
(٧٥ - ٧٦) - ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أي: ذلك العذاب إنما نالَكم بسبب إظهاركم في الدنيا السُّرورَ بالشرك وبالباطل.
﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾: أي: بِمَرَحِكم؛ أي: بَطَرِكم وخُيَلائكم وتِيهِكم.
﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: أي: يُقال لهم يوم القيامة: اُدْخُلوا أبواب جهنم؛ أي: يدخُل كلُّ فريق البابَ الذي جُعِلَ له، قال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤].
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: في جهنم.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: الذين تعظَّموا عن قبول الحق، وجادلوا بالباطل.
[ ١٣ / ١٣٩ ]
(٧٧) - ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾: يا محمَّدُ، على أذى الكفار وجِدالهم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: بنَصْرِ الرسل والمؤمنين في الدنيا والآخرة.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أي: أنتقِمُ لكَ منهم في الدنيا، وإنْ توفَّيْتُكَ قَبْل ذلك فإليَّ مَرْجِعُهم في الآخرة، فأُعذِّبُهم فيها وأُظْهِرُكَ عليهم به.
وظهر به (^١) أنَّ النَّصْر المذكور في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] منه ما يقع في الدنيا بالإعلاء والإظهار، ومنه ما يقع في الآخرة بالانتقام والعذاب.
وقال مقاتل: كان النبي -ﷺ- أخبرَ كفار مكة أنَّ العذاب نازلٌ بهم فكذَّبوه، فأمرَه اللَّه تعالى بالصبر؛ أي: اصبرْ على تكذيبهم، إنَّ العذاب نازل بهم؛ يعني: ببَدْرٍ (^٢).
* * *
(٧٨) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾: وإنَّ كلَّهم قد أتوا أُمَمَهم بآياتٍ أجراها اللَّه على أيديهم حُجَجًا لهم على صدقهم.
_________________
(١) في (أ): "له"، وليست في (ر).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٢١).
[ ١٣ / ١٤٠ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: فلم يكن مِن أولئك الرسل أحدٌ أتى قومه بآية مِن قِبَل نفْسه، بل إنما أتى بما آتاه اللَّه وأجراه على يده، فكذا أنتَ مع قومك إنما تأتيهم بالآيات مِن عند اللَّه، ولا معنى لجدالهم إياكَ في الآيات التي تأتي بها أنْ يقولوا: هي سِحْرٌ، وهي كذا، و﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ (^١) [الإسراء: ٩٠]، وكذا وكذا، ويطلبون منكَ الآيات المُقترَحات.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: قيل: أي: جاء بما تسألونه اقتراحًا.
﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾: بينكَ وبينهم؛ أي: كان ذلك فَضْلًا لا بَقِيَّةَ بعده، إنْ (^٢) كذَّبوا به استُؤْصِلوا؛ لأنَّهم مُبْطِلون.
وقولُه تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾: قيل: معناه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقد جئتَهم بما أذِنَ اللَّه تعالى لكَ فيه بما فيه كفايةٌ ومَقْنَعٌ، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بإقامة القيامة قضى بالواجب فيها، فأَدخَلْتُكَ وأتباعَكَ الجنةَ، وأَدخلْتُ الكفارَ النَّارَ ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ مَن كان على الباطل.
* * *
(٧٩ - ٨٠) - ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: أي: بعضها.
_________________
(١) في (أ): "لن نؤمن لرقيك" بدل من: " ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ".
(٢) في (ر): "وإن".
[ ١٣ / ١٤١ ]
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾: غير الركوب والأكل؛ مِن صُوفٍ ووَبَرٍ وشَعْرٍ وجِلْدٍ ولَبَنٍ ونحو ذلك.
﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾: مِن قَطْعِ المسافات البعيدة؛ كما قال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ [النحل: ٧].
﴿وَعَلَيْهَا﴾: في البَرِّ.
﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾: في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾.
ويتَّصِلُ هذا بالآيات التي مرَّتْ في آيات الوَحْدانِيَّة وأنواع النِّعَم مِن قول اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤]، و﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [غافر: ٦١]، و﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية [غافر: ٦٧].
* * *
(٨١ - ٨٢) - ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: أي: هذه الأشياءَ وغيرَها.
﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾: مِن هذه الآيات، الاستفهامُ بمعنى التَّوْبيخ.
وقولُه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: فسَّرْناها في هذه السورة مرَّةً.
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: فما نفَعَهم ولا دَفَعَ عنهم العذابَ كَسْبُهم الأموالَ والرِّجالَ، ونَصْبُهم الآثارَ مِن القُصور والبُيوت والحُصون في الجبال وغيرها.
[ ١٣ / ١٤٢ ]
(٨٣) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقولُه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أي: أُعجِبوا بما كان عندهم مِن تقليد آبائهم في الشرك، وقالوا في معجزات الأنبياء: هي تخابيل (^١)، وذلك جهلٌ في الحقيقة توهَّموه عِلْمًا، وتمسَّكوا به مُغْتَبِطين بذلك.
وقيل: بما عندهم مِن عِلْم أمور الدنيا مِن الصناعات، ولم يُقْبِلوا على علوم الدِّين.
وقيل: هو في أهل الكتاب، فرحوا بما عندهم في كتابهم، فلم يَقْبَلوا غيره مِن الكتاب المُنْزَل، وخبَر النبي المُرْسَل.
وقولُه تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يعني: ونزَلَ بهم ما كانوا يستهزئون به مِن العذاب الذي كان يتوعَّدُهم به.
وقيل: أي: نزَلَ بهم ضرَرُ استهزائِهم بالرسل والآيات.
* * *
(٨٤ - ٨٥) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: أي: عذابَنا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾: أي: تبرَّأْنا مِن الشرك.
وقيل: أي: مِن الأوثان التي أشركناها باللَّه.
_________________
(١) في (ف): "تخاييل".
[ ١٣ / ١٤٣ ]
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: أي: فكان حُكْمي فيهم ألَّا ينتفعوا بالإيمان حالةَ البَأْس؛ لأنَّه حالَ زَوالِ الغَيْب، وفواتِ الاختيار، وتحقُّقِ الاضطرار.
﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾: أي: كَسُنَّةِ اللَّه تعالى في الكفار الذين مضَوا قبلهم أنَّ إيمانهم حالةَ البَأْس لم ينفعْهم، ولم يقبَلْه اللَّه تعالى منهم؛ كما قال في حقِّ فرعون: ﴿إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [يونس: ٩٠]، وغير ذلك.
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾: أي: هلَكوا حينئذ.
وقيل: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: أي: العذابَ في القبر.
وقال مقاتل: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾: في الأمم الخالية أنَّ الإيمان لا ينفعُهم عند مُعايَنة العذاب (^١).
وقال الكلبي: سُنَّة اللَّه أنَّ مَن كفَرَ باللَّه عذَّبَه اللَّه.
نعوذُ باللَّه مِن الكُفْر والكُفْران، ومِن اكتساب الذُّنوب والعِصْيان، ومن الفُرْقة والهِجْران، والغَفْلة والنِّسْيان، والذِّلَّة والهَوَان، والخِزْية والخُسْران، ونسألُه المغفرة والرِّضْوان، وعُلُوَّ الرُّتْبة والجِنان، والحُور والقُصور والوِلْدان والغِلْمان (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٢٣)، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢١٦). وروى الطبري نحوه في "تفسيره" (٢٠/ ٣٧٤) عن قتادة.
(٢) في (أ): "والحمد للَّه" بدل قوله: "نعوذ باللَّه. . . " إلى هنا.
[ ١٣ / ١٤٤ ]
سورة فصلت
[ ١٣ / ١٤٥ ]