بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يزيدُ في الخلق ما يشاء، الرحمنِ الذي يخشاه من عباده العلماء، الرحيمِ الذي بحكمته تستمسك الأرض والسماء.
وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ سورة الملائكة دَعَتْه يوم القيامة ثمانيةُ أبوابِ الجنة أن ادخل من أيِّ الأبواب شئتَ" (^٢).
وهذه السورة مكيةٌ، وهي ستٌّ وأربعون آية، وقيل: خمس وأربعون، والخلاف في سبع الآيات: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ ﴿لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
وكلماتها سبعُ مئة وخمس وسبعون، وحروفها ثلاثة آلاف ومئة وخمس وأربعون (^٣).
وانتظام أول السورة بآخر تلك السورة: أنه ذكر في آخر تلك السورة أن الكفار في شكٍّ مريبٍ لتركهم التأمُّل في تلك الآيات، وذكر في أول هذه السورة
_________________
(١) في (ر) و(ق): "سورة الملائكة".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٩٧)، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. وانظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٤٨)، و"الفوائد المجموعة" للشوكاني (ص: ٢٩٦).
(٣) انظر: "البيان في عد آي القرآن" (ص: ٢١٠)، وفيه: كلمها سبع مئة وسبع وسبعون كلمة وحروفها ثلاثة آلاف ومئة وثلاثون حرفًا.
[ ١٢ / ٢٨٣ ]
من الآيات ما لا يبقَى معه ريب عند التأمل فيه، وهو خلق الأرض والسماوات.
وانتظام السورتين: أنهما مكيتان، وهما في محاجَّة المشركين، ومدحِ الموافقين، وذمِّ المنافقين المخالفين.
* * *
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: خالقِهما من غير شيءٍ ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ إلى النبيين ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ يطيرون بها ينزلون من السماء إلى الأرض، ويعرجون منها إلى السماء في يوم وأقلَّ منه، ومسيرةُ ما بينهما ألفُ سنة نزولًا وعروجًا، ولولا ما قوَّاهم بذلك لَمَا أَمْكنهم ذلك.
﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: أي: من الملائكة مَن له جناحان كما للطيور التي في الهواء، ومنهم مَن له ثلاثةُ أجنحة، ومنهم من له أربعةُ أجنحة.
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾: أي: ويزيد بعضَهم على أربعةٍ (^١)، فقد روي أن جبريل صلواتُ اللَّه عليه له ستُّ مئة جناح (^٢)، لو نشر جناحًا له لسدَّ ما بين الخافقين، ولبعض الملائكة أكثرُ من ذلك، وهذا عامٌّ يتناول زيادةَ كلِّ شيء في كلِّ شيء، ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا أساس لحديث إرسال الرسل وبعثِ الخلق يوم القيامة.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "على بعض".
(٢) رواه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤)، من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١٢ / ٢٨٤ ]
وعن النبي -ﷺ- رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال في الآية: "هي (^١) الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن" (^٢).
وقال ابن عباس ﵄: في أجنحة الملائكة (^٣).
وقال ابن كيسان: في الجسم والعرض والطول، كما قال: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، يعني: طالوت.
وعن قتادة أنه قال: الملاحة في العينين (^٤).
وقيل: الكياسة في الطبيعة.
وقيل: الفصاحة في المنطق.
وقيل: الفهم عن اللَّه تعالى.
وقيل: السخاء.
وقيل: الرضا بالتقدير.
وقيل: علو الهمة.
وقيل: التواضع في الشرف.
وقيل: القناعة في الفقر.
_________________
(١) في (ر): "إنه".
(٢) ذكره تاج القراء الكرماني في "تفسيره" (٢/ ٩٤٤)، والزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٥٩٦). وأورده الحافظ في "تخريج أحاديث الكشاف" (ص: ١٣٨) ولم يذكر له تخريجًا.
(٣) رواه ابن أبي حاتِم عن السدي. انظر: "الدر المنثور" (٧/ ٤).
(٤) رواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٤٧)، والبيهقي في "الشعب" (١١٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٩٨).
[ ١٢ / ٢٨٥ ]
وقيل: الظَّرف في الشمائل.
وقيل: المحبة في القلوب.
وقيل: خفَّة الروح.
وقيل: سلامة الصدر من الشر.
وقيل الإمام القشيري: التعطُّف (^١) على الخلق.
وقيل: الشوق إلى الحق.
وقيل: تحرُّر القلب عن رقِّ الحدثان.
وقيل: ألا يطلب لنفسه منزلةً في الدارين (^٢).
* * *
(٢) - ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾: قيل: هي النبوة؛ كما قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾؛ أي: لا يتهيأ لأحدٍ ردُّها ولا (^٣) معارضتُها.
﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾: أي: يقطعْ في زمان الفترة ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: لا يمكن أحدًا فتحُ هذا الباب.
وقال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ بالتأنيث لسبق ذكر الرحمة، وقال: ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾
_________________
(١) في (ر): "العطف".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٩١).
(٣) "لا" ليست في (أ).
[ ١٢ / ٢٨٦ ]
بالتذكير لسبق ذكر قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾، ويجوز في العربية التأنيثُ فيهما لذكر الرحمة (^١)، ويجوز تذكيرهما لذكر ﴿وَمَا﴾ فيهما.
وقيل: الآية عامة لكلِّ نعمة، ويدل عليه ما بعده: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
والرحمة في القرآن جاءت للمطر: قال تعالى: ﴿نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وللرزق: قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨].
ولأشياء: قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ثم قال: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ [الزمر: ٣٨] وعلى هذا آيات.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: في مُلكه وجلاله ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله.
* * *
(٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: قيل: هو خطاب للمشركين ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: تذكَّروا.
وقيل: أي: احفظوا ما مَنَّ اللَّه به عليكم من أنواع النِّعم.
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالخفض على ظاهرِ قوله: ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾، وقرأ الباقون: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالرفع (^٢) لوجهين: هل غيرُ اللَّه
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "فيهما".
(٢) انظر: "السبعة" (ص: ٥٣٤)، و"التيسير" (ص: ١٨٢)، و"النشر" (٢/ ٣٥١).
[ ١٢ / ٢٨٧ ]
من خالق، و: هل خالقٌ غيرُ اللَّه، فإن ﴿مِنْ﴾ زائدة مؤكِّدة، فإذا حُذفت رفع ﴿خَالِقٍ﴾، وهو استفهام بمعنى النفي.
﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: بالمطر والنبات وغير ذلك.
وإذا لم يكن خالقٌ ولا رازقٌ غيرُه فلا إلهَ غيرُه، ولذلك قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أي: كيف تُصْرفون ومن أين تُصرَفون عن هذا الحق إلى غيره، والأفكُ بالفتح: الصرفُ، والإفك بالكسر: الكذب، وهو الكلام المصروف عن الصواب، وخرج الكلام على ما لم يسمَّ فاعله على مذهب العرب في قولهم للرجل: أين يُذهبُ بك؟ أي: أين تذهب؟ فكذا هذا معناه: فكيف ومن أين تنصرفون من الحق إلى الباطل؟ وهو استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ.
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن ذكر النعمةَ فهو صاحب عبادة ونائل زيادة، ومَن ذكر المنعِم فهو صاحب إرادةٍ ونائلُ زيادة، وفرقٌ بين زيادةٍ وزيادة، هذا زيادته عطاؤه وهذا زيادته لقاؤه.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ مَن عرف أنه لا رازق غيرُ اللَّه لم يُعلِّق قلبه بأحدٍ في طلبِ شيء، ولا يتذلَّل للارتفاق لمخلوق، وكما لا يرى رزقَه من مخلوق لا يراه من نفسه أيضًا، فيتخلَّص من ظلمات تدبيره واحتياله وتَوهُّمِ شيء من أشكاله وأمثاله (^١).
* * *
(٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمد فلا يَضِيقنَّ صدرُك فلستَ بأولِ مَن كذِّب
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٩١ - ١٩٢).
[ ١٢ / ٢٨٨ ]
مِن الرسل ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كذَّبهم أممهم ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: وإلى حُكم اللَّه تصيرُ الأمور في عواقبها، فيجعل العاقبةَ المحمودة للأنبياء والمرسَلين (^١) والمؤمنين والعاقبةَ المذمومةَ للمكذِّبين، وهذا وعد ووعيد.
* * *
(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهو عام للمكلَّفين ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾؛ أي: بالثواب والعقاب (^٢) جميعًا، لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ والوعدُ يقع على العذاب قال تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢].
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: لا تغترُّوا بهذه الحياةِ الخاليةِ فإنها زائلةٌ، وأنتم مبعوثون للعرض والحساب والجزاء.
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: قيل: الدنيا.
وقيل: الشيطان بما يمنِّيكم على اللَّه من المغفرة مع الإصرار، وبما يزيِّن لكم من المُقام على الكفران (^٣).
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ قديم من وقتِ أبيكم آدمَ ﵇ وأمِّكم حواءَ ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ولا تتابعوه (^٤) ولا تطيعوه فتَهلِكوا.
_________________
(١) "والمرسلين" ليست في (أ).
(٢) في (ف): "والعذاب".
(٣) في (ف): "الكفر".
(٤) في (أ): "تبايعوه".
[ ١٢ / ٢٨٩ ]
﴿إِنَّمَا يَدْعُو﴾ إلى طاعته (^١) ﴿حِزْبَهُ﴾؛ أي: طائفته ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: ليسوقهم إلى نار جهنم ليكونوا من أصحابها؛ أي: أهلِها الذين لا يفارقونها.
وخصَّ حزبه بالذكر وإن كان يدعو كلَّ الناس؛ لأنَّهم هم الذين أجابوه.
وقيل: ﴿يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ على الخصوص دون الذين عَلِم أن اللَّه أخلصهم ومنه خلَّصهم.
وقيل: ﴿يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ هو الذين أجابوه إلى (^٢) الدوام عليه فيخلَّدون في النار.
* * *
(٧) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: هم الذين أطاعوا الشيطان ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: وهم الذين عادَوه، وهذا هو تحقيق قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هو وعدُ الكافرين بالعقاب ووعدُ المؤمنين بالثواب.
* * *
(٨) - ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾: أي: الكفرُ والمعصية ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ زَيَّنت له ذلك نفسُه باتِّباع الشهوات وتركِ النظر في الحجة، والشيطانُ بالوسوسة واتِّباع الشبهة، أو اللَّه تعالى بالتخليق والمشيئة وتحقيقِ الابتلاء والمحنة، وأضمر هاهنا: كمَن قبِّح له فانتهى عنه؛ أي: ليسا بسواء، استفهام بمعنى النفي.
_________________
(١) "إلى طاعته" ليس في (أ).
(٢) في (ف): "على".
[ ١٢ / ٢٩٠ ]
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: مَن علم منه اختيارَ الضلال أضلَّه اللَّه، ومَن علم منه اختيارَ الإيمان (^١) هَدَاه.
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾: أي: لا تُهلك نفسَك تأسُّفًا عليهم وتحسُّرًا، وهو كقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقد بينا وجوه ذلك في تلك الآية.
وقيل: الإضمار هاهنا ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ ذهبتْ نفسُك حسرةً عليه ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
ثم هذا الموصوف قيل: هو إبليس -لعنه اللَّه- زُيِّن له سوء عمله ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الكفار.
وقيل: مَن زُيِّن له سوءُ عمله هو الكافر، ووحِّد لفظُ (مَن) ومعناه الجمعُ وهم الكفار، وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يرجعُ إليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾: وعدٌ ووعيدٌ وتسليةٌ للنبي ﵇.
وقال القشيري: الذي يُؤْثِر على ربه شيئًا من المخلوقات فقد زُيِّن له سوء عمله، والذي يكتفي يوم القيامة بنجاته ورفعِ درجاته فقد زيِّن له سوء عمله؛ لأنَّه غفل عن حلاوة مناجاته (^٢).
* * *
(٩) - ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
_________________
(١) في (أ): "الاهتداء".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٩٤).
[ ١٢ / ٢٩١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: أي: تجمعُه بإثارته من مواضعه.
﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ أي: تسوقه الرياح بأمرنا وتقديرنا.
﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: أي: بالسحاب، هذا ظاهره، ومعناه: بالمطر الذي في السحاب، و(تثير) مستقبَل و(سقناه) و(أحيينا) ماضيان، والأول إضافةٌ إلى الريح، وهذا إلى نفسه، وهذا من تلوين الكلام ومن أقسام البلاغة والبيان.
﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾: أي: البعثُ بعد الموت.
* * *
(١٠) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
وقوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ يتصل بقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ والتغرُّر (^١) بالمال والسلطان والشرف في الدنيا.
﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾: هو العزيز بذاته والمعزُّ مَن يشاء مِن خلقه، وإنما يعزُّ المؤمنين والمطيعين بالإيمان والطاعةِ، لا الكفارَ المترفين بالمال والسلطنة، فقد قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ولا تُعارض هذه الآيةُ تلك الآيةَ؛ لأن عز الرسول والمؤمنين بإعزاز اللَّه، فله العزةُ جميعًا على الحقيقة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بعبادة الأصنام؛ كما قال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، وقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ أي: بتوحيد اللَّه يُنال العز؛
_________________
(١) في (ف): "والتعزز".
[ ١٢ / ٢٩٢ ]
كما قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤] (^١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: هو كلُّ قولٍ مَرْضيٍّ عند اللَّه لا خَبَثَ فيه.
﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾: هو كلُّ فعلٍ حسنٍ لا فسادَ فيه.
وذكر في الأول الصعود إليه وفي الثاني الرفع إليه، وتقديره: والعمل الصالح يرفعُه اللَّه إليه، ولا يُتوهَّم منهما المكانُ تعالى اللَّه عن ذلك، لكن المراد قبولُهما، ووجهُ ذلك: أن أعمال العباد تكتبها الحفَظة ويرفعونها في السماء إلى حيث أمر اللَّه تعالى، فتوضع للحفظ ثم يجاء بها يومَ القيامة للقراءة والحساب بها والجزاءِ عليها، وذلك قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وتقدير الآية: إلى السماء يصعد كتاب الكَلِم الطيب، والعملُ الصالح يرفعُ اللَّه كتابَه إلى السماء، فذكر أحدهما وصعودَه والآخرَ ورفعَه ومعناهما واحد.
وقيل: تقديره: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ أيضًا، فالصعود لهما جميعًا، ثم قال: ﴿يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: اللَّه تعالى هو الذي يرفع ذلك، ولم يقل: يرفعُهما؛ لوجهين:
أحدهما: أن معناه: يرفع ذلك أو يرفع المذكور؛ كما قال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] على الإفراد مع تقدم ذكر الاثنين.
والتاني: أن الكناية قد ترجعُ إلى أحد المذكورَين لفظًا ومعناه رجوعُها إليهما كما في آيات: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
_________________
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٤٧٣).
[ ١٢ / ٢٩٣ ]
وقيل: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: يرفع الكلِمَ الطيِّب، يريد به: أن اعتبار الكلام الحسن بالفعل (^١) الحسن، ولا ينفع قولٌ بغيرِ عملٍ؛ قاله المبرد.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾؛ أي: الوعدُ الحسن ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: إنجازُ ذلك الوعد وتحقيقه.
وقيل: ﴿يَرْفَعُهُ﴾؛ أي: الكلام الطيب هو الذي يرفع العمل الصالح، والكلم الطيب هو كلمة التوحيد، وبها قبول الأعمال ورفعها (^٢)، حكاه أبو معاذ عن بعض أهل العلم.
وقيل: العمل الصالح يرفعه اللَّه على الكلام الطيب؛ أي: العمل أفضل من الكلام.
وقيل: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ والهاء ترجع إلى قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: مَن أراد العزَّ فليعمل عملًا صالحًا، فإنه هو الذي يرفع العبد.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: قيل: يعني: والمتعزِّزون بالدنيا؛ أي: الذين يمكرون بالضَّعَفة بإدخال الشُّبَه عليهم وهي السيئات ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾؛ أي: يَهلك احتيالُهم ويَبطل، والبوار: الهلاك.
وقال أبو العالية: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هم الذين مكروا بالنبي ﵇ في دار الندوة ليقتلوه أو يُثْبتوه أو يُخرجوه (^٣) ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قيل: هو قتلُهم ببدر.
* * *
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "بالعمل".
(٢) انظر: "تأويلات أهل السنة" (٨/ ٤٧٣).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٠٢)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ٤٠٨)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٤١٥).
[ ١٢ / ٢٩٤ ]
(١١) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: أي: قدَّر كونكم في الابتداء من تراب ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (^١) وهو معنى قولِ مَن قال: خلق آدم الذي أنتم متفرِّعون عنه وهو أصلُكم ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذكرانًا وإناثًا للتناسل والبقاء في الدنيا إلى حينه.
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾: ثم إذا وقع التناسل فما يكون من حملٍ على أيِّ وصفٍ كان، والوضع في أيِّ وقتٍ كان، فذلك بعلمه وتقديره وتدبيره، ولا يخرج شيء من ذلك عن حكمه، ولا يَعْزُب عن علمه.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾: أي: هو يعلم أعمار الخلق ومقاديرها طالت أو قصُرت، وهي عنده في كتابٍ في اللوح المحفوظ كتَبه لمن أراد تعريفَه من الملائكة وغيرهم.
والمعمَّر: مَن أطيل عمرُه، وناقص العمر: مَن لم يَطُل عمره، فيُشْكِل قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ مضافًا إلى المعمَّر، ولا يجتمع طول العمر ونقصانه في شخص واحد، لكن له معنيان:
أحدهما: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلا يكتب في اللوح المحفوظ بيانُ عمره أنه (^٢) إلى كذا ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾: لا يمضي شيء منه فينقص مما قدِّر له إلا ذلك محفوظ عند اللَّه كم مضى وكم بقي، وكم مضى ظاهر للناس وكم بقي باطن لا
_________________
(١) بعدها في (ر) و(ف): "الأبوين".
(٢) في (ف): "في اللوح بيان عمر عبد أنه".
[ ١٢ / ٢٩٥ ]
تعلمه الخلق، فأخبر أنه يعلم كلَّ ذلك كما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ وهو باطن ﴿وَلَا تَضَعُ﴾ وهو ظاهر، واللَّه تعالى يعلم كلَّ ذلك.
والثاني -وهو قول الفراء وغيرِه-: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾؛ أي: من عمرِ آخَرَ، وهو كقولك: عندي درهمٌ ونصفه، أو: لك عندي ثوب ونصفه، فيكون النصف من درهمٍ آخر وثوبٍ آخر، لكنْ لمَّا كان لو أَظهر فقال: لك عندي ثوب ونصف ثوب، ودرهم ونصف درهم، صلح ذلك، جاز أن يقال: نصفه، فكذا هاهنا (^١).
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي: كتابة ذلك في الكتاب يسير على اللَّه تعالى، لا يتعذَّر عليه شيءٌ لا منها (^٢) لكثرتها وطولها (^٣) كما يتعذر على العباد كتابة مثلها ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
وقيل: أي: حفظُ ذلك على اللَّه بدون الكتابة يسير، وهذا كلُّه بيان قدرته واستشهاد به على قدرته على بعث الخلق بعد موتهم (^٤).
* * *
(١٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾:
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٦٨).
(٢) "شيء منها" ليس في (أ) و(ف).
(٣) في (أ): "وكمونها".
(٤) قوله: "بعد موتهم" ليس في (أ)، وقوله: "على بعث الخلق بعد موتهم" ليس في (ف).
[ ١٢ / ٢٩٦ ]
قال الخليل ﵀: البحر سمي به لاستبحاره؛ أي: انبساطه وسعته، وشقُّ الأذن سمي بحرًا لأنه يوسِّعها، وتبحَّر فلان في العلم؛ أي: توسَّع فيه (^١).
والفرات: المتناهي في العذوبة.
والملح: الماء الذي فيه ملوحة، ولا يقال: مالح، والأُجاج: أشدُّ المياه ملوحة، وهو الذي لشدة ملوحته يلتهِب، ويقال: أجَّجتُ النار؛ أي: ألهبتُها، والأجَّة: شدةُ الحر.
وقيل: الفرات: البارد، والأُجاج: الحار، وسائغ شرابه؛ أي: سهلٌ انحدارُه إلى الجوف، لا يتكرَّهه الشارب، نفى (^٢) الاستواءَ بين البحرين بتفاوت الوصفين.
وفيه نفيُ الاستواء بين الصالح والطالح، ووجوب التفرقة بينهما، وإذا لم تقع التفرقة بينهما في الدنيا فمِن ضرورته البعثُ والقيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾: أي: من كلِّ واحد من هذين البحرين ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾؛ أي: السمك، والطريُّ: الغضُّ.
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: أي: تغوصون على الدرِّ والمرجان، وتتخذون من ذلك حليةَ النسوان، إذا ضم ذلك إلى سائر الألوان، ويباع ذلك بأنفس الأثمان.
وفيه بيان النعمة والقدرة وإبطال الطبيعة، وهو كقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].
وقولُه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] يدل أيضًا على استخراجها (^٣) منهما.
_________________
(١) انظر: "العين" (٣/ ٢١٩).
(٢) في (أ) و(ف): "ففي".
(٣) في (ر) و(ف): "استخراجهما".
[ ١٢ / ٢٩٧ ]
وقيل: بل يستخرج من الملح، وأضيف إليهما لأنه منهما، وهو كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل أتوا من الإنس، فأضيف إليهما لأن الإنس منهما، فكذلك الملح منهما.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾: أي: السفن ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في كلِّ واحدٍ منهما ﴿مَوَاخِرَ﴾: جمع ماخرة.
قال أبو عبيدة: مخرتِ السفينةُ الماءَ؛ أي: شقته (^١).
وقال الفراء: مَخْرُها: خَرْقُها الماء (^٢). وصرفُه من باب صنع ودخل جميعًا.
وقال الكسائي: مخرتُ السفينة: إذا استقبلتُ بها الريحَ، والفرس يستمخِرُ الريحَ ويَمتخرها؛ أي: يستقبلها استرواحًا.
وقال مقاتل: ﴿مَوَاخِرَ﴾: مقبلةً ومُدبرةً، ترى سفينتين إحداهما مقبلةٌ والأخرى مدبرةٌ تجريان بمجرَى ريحٍ واحدة (^٣).
﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لتشكروا هذه النعمة.
* * *
(١٣) - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
_________________
(١) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ١٥٣).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٦٨).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٥٥٤).
[ ١٢ / ٢٩٨ ]
وقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: أي: يُدخل، فيأخذ من هذا ويزيد في الآخر ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ كذلك.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: أي: ذلَّلهما في المسير بالطلوع والغروب لا يمتنعان عما سخَّرهما له، وعلَّق بهما معايش العباد ومصالحهم كما علَّق ذلك بتفاوت الليل والنهار في الفصول.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: كلٌّ من الشمس والقمر يجري إلى وقتٍ قد جعله اللَّه له، فالقمر يقطع السماء في كلِّ شهرٍ مرةً والشمس في كلِّ سنةٍ مرةً.
وقيل: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾؛ أي: الليل والنهار والشمس والقمر على العادة في الدنيا إلى أن يجيء الأجل المسمى عند اللَّه تعالى في نقض هذه العادة بانقضاء الدنيا فخُسف القمر ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، وانفطرت السماء وانشقت، و﴿الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾، و﴿الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾: لا يخرج شيء من السماوات والأرض ومَن فيهما عن مِلكه ومُلكه، فإياه فاعبدوا دون الأصنام.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾: أي: تَدْعونهم آلهة، وقيل: أي: تعبدونهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون اللَّه ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ وهي القشرة التي على النَّواة، وإذا لم يملكوا هذا القَدْر على حقارته وصغره فما فوقه أبعد.
* * *
(١٤) - ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ بحوائجكم أو تنادونهم ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنهم جماد ﴿وَلَوْ
[ ١٢ / ٢٩٩ ]
سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾؛ أي: ما أَمْكنهم إعانتكم؛ لأنَّهم لا يقدرون على كشف الكروب.
وقيل: لو كانوا سامعين ما تابعوكم على الكفر.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: أي: يتبرؤون منكم ويجحدون أنكم عبدتُموهم، فإن كان هذا في الأصنام فجحودهم يوم القيامة بأنْ يُنطقهم اللَّه تعالى يومئذ، فيجحدون أن يكونوا أهلًا للعبادة، وأن تكون عبادة المشركين في الحقيقة لها، أو يجحدون أن تكون تلك العبادة حقًّا. وإنما ذكر أفعالهم بالواو والنون لأنه وصفهم بصفات العقلاء، فصار كما في قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وإن كان هذا في الملائكة والأنبياء فمعنى قولهِ: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لغيبتهم عنكم ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لأنهم يملكون ذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يقولون: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] بل كانوا يعبدون الجن، أو يجحدون أن يكونوا أمروهم بذلك، أو أن يكون ذلك حقًّا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: أي: لا يخبرُك عن الغيوب مثلُ مَن يحلم حقيقتَها وهو اللَّه تعالى؛ أي: وقد أخبرتك بما يكون من أحوال هؤلاء يوم القيامة فتيقَّنْه.
* * *
(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: المحتاجون إليه ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾؛ أي: المستغني عنكم ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المستحِقُّ للحمد، ما أمركم أو نهاكم لحاجته إليكم بل لحاجتُكم إليه، ونفعُ ذلك لكم وضررُه عائد إليكم.
ووجه آخر: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى الأصنام، فإياه فاعبدوا.
[ ١٢ / ٣٠٠ ]
ووجه آخر: لا ترجوا الخلائق ولا تَسَلوهم فكلُّهم محتاجون، بل اللَّهَ فارجوا وإياه فاسألوا.
* * *
(١٦ - ١٧) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: كلَّكم شريفَكم ووضيعَكم ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ووحَّد ﴿جَدِيدٍ﴾ لأن لفظ الخلق واحد وأصله مصدر، ومعناه: بخلائق.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: أي: بعسيرٍ، وهو إذهابكم.
* * *
(١٨) - ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: ولا تحمل نفسٌ حاملة حملَ نفسٍ أخرى يوم القيامة، فلا تغترُّوا بقول كبرائكم المتعزِّزين (^١) بالدنيا، القائلين لكم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، فلا تُجزى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾: أي: نفسٌ مثقلةٌ بالذنوب ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ليُحمل من ذنوبها شيء ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ والكناية ترجع إلى ﴿حِمْلِهَا﴾.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾: أي ولو كان مدعوُّها قريبًا لها؛ من أبٍ أو أمٍّ أو أخٍ أو أختٍ أو نحوِ ذلك، وكل امرئ منهم له شأنٌ يغنيه.
_________________
(١) في (ر): "المتغرربن".
[ ١٢ / ٣٠١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾: أي: إن إنذارك إنما يقبلُه وينتفع به مَن يخشى اللَّه في حالة الغيب، فأما مَن لم يخشَه فلا ينتفِع بإنذارك، فكأنه لم يسمع إنذارك وكأنك لم تنذره وهو كقوله ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ وكقوله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وقال ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: ذكره بلفظ الماضي وذكر ﴿يَخْشَوْنَ﴾ بصيغة المستقبل لأن الخشية صفةٌ لازمةٌ دائمةٌ والصلاةَ مؤقتةٌ لها أوقاتٌ مخصوصة تنقضي بانقضائها وتنتهي بانتهائها.
﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾: أي: تطهَّر من الآثام ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ فنَفْعُ ذلك له.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: مرجع الكلِّ من الخاشعين المصلِّين المتزكِّين وغيرهم.
وقال بعض أهل المعرفة في قوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨]: ذكر الفقر في آية والغنى في آية، والمؤمن فقير خِلقةً وغني خِلعةً (^١).
وقال الإمام القشيري ﵀: مَن افتقر إلى شيء استغنَى بوجوده، فالمفتقِرُ إلى اللَّه مستغنٍ باللَّه، والمستغني باللَّه مفتقرٌ إلى اللَّه.
ومن آداب الفقير الصادق: إظهارُ التشكُّر عند كمال التكسُّر (^٢).
وقال: إن الحق لم يسمِّ عباده فقراءَ إزراءً (^٣) بهم فإن كرمه يتقدَّس عن ذلك، ولا
_________________
(١) في (ف): "فالمؤمن فقير خلقة وغني خلقة"، وفي (ر): "فالمؤمن فقير بخلقه وغني خلقة".
(٢) في (أ): "إظهار التكسر عند كمال التكسر"، وفي (ر) و(ف): "إظهار التكسر عند كمال التكثر". والمثبت من "اللطائف".
(٣) في (ر): "ازدراء".
[ ١٢ / ٣٠٢ ]
وصَف نفسه غنيًّا افتخارًا به فإن جلاله يتعالى عن ذلك، لكن أراد به تقويةَ رجائنا في كرمه وجوده بإعطائنا.
وقال: إذا لم تدَّع ما هو صفتُه من استحقاق الغنى، أولاك ما يُغنيك وأعطاك فوقَ ما يكفيك (^١).
* * *
(١٩ - ٢١) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: مَثَلٌ للضالِّ والمهتدي ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾: مَثَلٌ للضلالة (^٢) والهدى ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾: مَثَلٌ لجزاء المهتدي وجزاء الضال.
وقيل: ﴿الظِّلُّ﴾: الجنة؛ قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] و﴿الْحَرُورُ﴾: النار، وأصل الحرور: السَّموم، وهي الريح الحارَّة في الشمس، والظلُّ للراحة والحرورُ للتعب والشدة.
وقال الفراء: ﴿الْحَرُورُ﴾ يكون بالليل والنهار، والسَّموم لا يكون إلا في النهار (^٣).
وفي "ديوان الأدب": الحرور: شدة الحر بالنهار، ويقال: بل هي بالليل، والسموم شدة الحر بالليل، ويقال: بل هي بالنهار (^٤). كذا قال على الشك فيهما.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠).
(٢) في (أ): "للضلالات".
(٣) ذكره عن الفراء ابن فورك في "تفسيره" (٢/ ١٦٧)، ولم أجده في "معاني القرآن" للفراء.
(٤) انظر: "ديوان الأدب" (٣/ ٦٩ و٧١).
[ ١٢ / ٣٠٣ ]
(٢٢ - ٢٣) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾: قيل: هي مَثَلُ المؤمنين والكفار، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناه.
ويقال: هو مَثَل العلماء والجهَّال.
وأما تكرارُ (لا) في قوله: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ فقد قال الأخفش: هي زائدة، تقديرها: ولا الظلماتُ والنور، وكذا ما بعده.
وقال غيره: هي مقدَّرة، ومعناها: ولا الظلمات تساوي النور، ولا النورُ يساوي الظلمات، وكذا ما بعده.
والأصل إثباتُها في كلِّ موضع، فأما الأول ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ فـ (لا) بينهما مقدَّرةٌ على هذا، وتقديرها: وما يستوي الأعمى ولا البصير؛ أي: لا يساوي الأعمى البصيرَ ولا البصيرُ الأعمى (^١)، والآية تقريرٌ لِمَا قبلها فإنها في بيان الفريقين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾: يقول: إنك يا محمد قد أنذرت الكفار وما أنت بقادرٍ على أن تُسمع الموتى في القبور؛ أي تُدخل الإيمان في قلوب الكفار، بل ذلك من مقدور اللَّه تعالى، ولو شاء اللَّه لهداهم أجمعين ليس إليك إلا الإنذار وقد أنذرت.
* * *
(٢٤) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
_________________
(١) في (ف): "وتقديرها: وما يستوي الأعمى والبصير ولا البصير والأعمى".
[ ١٢ / ٣٠٤ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي: بالدِّين الذي يحقُّ اعتقاده ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة لمن آمن ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار لمن كفر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾: أي: وما (^١) من أمةٍ قبلَ أمتك ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: مضى فيها رسول، ما أخلينا أمةً عن رسول.
* * *
(٢٥) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾: أهلُ عصرك ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالحجج، وقيل: أي: بالمعجزات.
وقيل: أي: بالشرائع التي بانت صحتُها وحسنُها في العقول.
﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: أي: الأخبارِ عن الكتب المتقدمة المنزَلة على الأنبياء قبلهم.
﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: أي: الكتاب المنزل عليه المنوِّر الموضِّح لِمَا يحتاجون إليه.
* * *
(٢٦ - ٢٧) - ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: أستأصلتُ الذين كذبوهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؛ أي: تغييري عليهم.
_________________
(١) "وما" ليست في (أ).
[ ١٢ / ٣٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: وهذا من محاجَّة المشركين أيضًا، يقول: ألم تشاهد يا محمدُ عجائب صنع اللَّه تعالى فيما خلَق، وهذا خطاب له ولأمته معنًى، من ذلك أنه أنزل من السماء مطرًا.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾: رجوعٌ من المغايبة إلى الإخبار عن نفسه، وهو من تلوين الكلام.
وقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾: نصب لأنه نعتُ ﴿ثَمَرَاتٍ﴾ وهي منصوبة لأنها مفعولٌ بها، ولم يقل: مختلفةً؛ لأنَّه في معنى تقديم الفعل على الاسم؛ لأن تقديره: اختلف ألوانها.
ثم اختلافُ ألوانها (^١) مع اتّفاق الماء والتربة دليلٌ على أن الفاعل بها ذلك هو اللَّه القادر الذي لا يُعجزه شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾: أي: طرائق، جمع جُدَّة؛ أي: طريقةٍ؛ كالمدَّة والمُدَد.
وقوله تعالى: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾: وتذكيرُ المختلف لِمَا مرَّ أنه مقدَّم على الاسم، ورفعُ هذه الكلمات بالابتداء والخبر، دون العطف على الأول بإيقاع الفعل عليها.
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: جمع غِرْبيبٍ، وهو الذي لونُه لونُ الغراب، ولذلك قال بعدها: ﴿سُودٌ﴾ لأن الأول دلالةٌ على السواد والثاني إفصاحٌ وتفسير، وهي من صفات الجُدَد، وبيانِ اختلاف ألوانها بالبياض والحمرة والسواد.
* * *
_________________
(١) في (ف): "طعمها".
[ ١٢ / ٣٠٦ ]
(٢٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾: وهو ابتداءٌ أيضًا، ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ على التذكير في قوله: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ وفي قوله: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ لِمَا أن كلمة (مِن) للتبعيض، ويقتضي أن يكون تقديره: ما يختلف ألوانه، فانصرف إلى البعض أو إلى كلمة (ما) وهو واحد في اللفظ، وقال: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ ولم يقل: لونه؛ للمعنى وهو جمع.
يقول: ومختلفٌ كذلك ألوانُ الناس والدوابِّ، وهو جمع دابة، وهي في الأصل اسمٌ لكلِّ ما يدبُّ على الأرض، وعند الإطلاق يقع (^١) على الخيل والبغال والحمير عند ذكر الركوب، قال: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم، وقد تقع على الإبل خاصةً على كثرة أصنافها وأجناسها وأنواعها (^٢)، ولا يجوز أن يكون كونُها بأنفسها واختلافُها بذواتها، بل بصانعٍ قديرٍ عالم مريدٍ خلَقَها كذلك، ومَن قدر على ذلك قدر على إحياء الموتى، ولا يكون من الحكمة أن يتركهم سدًى، بل ينهاهم ويأمرهم، وإذا خالفوه أو وافقوه فلا بدَّ من أن يجازيَهم على ذلك، وإذا لم يجازهم به في دار الدنيا فلا بد من دارٍ أخرى يجازيهِم بها فيها.
فمَن كان عالمًا بهذا كلِّه خشي اللَّه تعالى، وهو معنى قوله بعده:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾: وهؤلاء المشركون لا يخشون لجهلهم باللَّه؛ قال النبي -ﷺ-: "أنا أعلمُكم باللَّه وأخشاكم للَّه" (^٣).
_________________
(١) قوله: "وعند الإطلاق يقع" كذا في (ر) و(ف)، ولعل الصواب: (عند الإطلاق ويقع).
(٢) من قوله: "وعند الإطلاق. . . " إلى هنا ليس في (أ).
(٣) رواه البخاري (٢٠)، ومسلم (١١١٠) من حديث عائشة ﵂ ولفظ البخاري: "إن =
[ ١٢ / ٣٠٧ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: منيع لا يُعترَض عليه فيما يفعل بأهل المخالفة (^١) ﴿غَفُورٌ﴾: لا يعاجل بالعقوبة، ويغفر ذنوب أهل التوبة.
* * *
(٢٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: أي: القرآنَ، وهم العلماء الذين يخشون اللَّه، ويقرؤون كتاب اللَّه، ويتَّعظون بمواعظه، ويَيقون بوعده ووعيده.
وقيل: هو التوراة والإنجيل، وهو مدحُ مَن أسلم من أهل الكتاب.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: عطَف الماضي على المستقبل وهو سائغ، ولعل معناه: قد أطاعوا اللَّه في الماضي ويطيعونه في المستقبل أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: يجوز أن يكون في حقِّ الإنفاق خاصةً، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، ويجوز أن يكون في حق الصلاة أيضًا كذلك، وحاصله: أن الفرائض يُجهر بها والنوافلَ يُخفى بها (^٢) فيهما جميعًا (^٣).
﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾: هي للحال؛ أي: راجين بها متاجرةَ اللَّه تعالى تجارةً لن تكسدَ، وليسوا قاطعين القول بما يعملون من الطاعات أنهم يثابون عليها؛
_________________
(١) = أتقاكم وأعلمكم باللَّه أنا"، وهو عند مسلم بلفظ: "واللَّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه وأعلمكم بما أتقي".
(٢) في (أ): "بالمخالفة" بدل: "بأهل المخالفة".
(٣) "والنوافل يخفي بها" ليس في (أ).
(٤) "فيهما جميعًا" ليس في (ف).
[ ١٢ / ٣٠٨ ]
لأنهم يخشون ردَّها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
وهذا يبطل قول المعتزلة خذلهم اللَّه: إنه يجب على اللَّه أن يقبلها ويثيبَ عليها.
ومعنى ﴿لَنْ تَبُورَ﴾: أنهم يربحون فيها؛ لأن السلعة إذا كسَدت على صاحبها لم يَنتفعْ بها.
* * *
(٣٠) - ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾: أي: يتلون ويتصدَّقون ويصلُّون وينفقون ليتمِّم اللَّه لهم (^١) ما وعدهم من الثواب على الطاعات ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ على الموعود، فقد قال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ للذنوب الكثيرة ﴿شَكُورٌ﴾ للطاعات اليسيرة، يرضاها ويقبلها ويُثني عليها ويحب صاحبها، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
* * *
(٣١) - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: القرآن الذي يتلوه هؤلاء ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الصدق ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: موافقًا لِمَا قبله من التوراة والإنجيل وسائرِ الكتب في التوحيد والعبادة والإخبار عن الأمور الكائنة، ونُصب على القطع لأنه نكرةٌ نعت به المعرفة.
_________________
(١) في (أ): "ليتم اللَّه" بدل: "ليتمم اللَّه لهم".
[ ١٢ / ٣٠٩ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ﴾: يعلم ما يُضمرون ﴿بَصِيرٌ﴾: يرى ما يُظهرون.
وإذا حُمل قوله: ﴿يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ على التوراة والإنجيل، فقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ على الماضي؛ أي: وقد صلَّوا وزكَّوا قبل مجيء محمدٍ -ﷺ-، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هو ما قال ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤]؛ ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾؛ أي: لِمَا كان منهم قبل الإيمان بمحمد ﴿شَكُورٌ﴾ لإيمانهم به ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهو القرآن لا يخالفُ ذلك بل يوافقُه ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ لعلمه بهم وبمصالحهم أنزل عليكم وعليهم الكتبَ لبيان مصالح الدِّين والدنيا.
* * *
(٣٢) - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾: أي: ثم نخبركم أنَّا أعطينا الكتاب؛ أي: هذا الكتاب وهو القرآن.
وقال الإمام القشيري: سماه ميراثًا لأنه بغيرِ كسبٍ، والإرثُ يُستحقُّ بنسَب وسبب، والنسب هاهنا هو الإيمان والسبب الطاعة، ففي الأول (^١) يُبدأ بصاحب الفرض وقد يقل نصميبه، فكذا هاهنا بدأ بالظالم ونصيبُه أقلُّ من نصيب الآخرين (^٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾: أي: هذه الأمةَ الذين اخترناهم ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾؛ أي: وهم من خواصِّنا وهم ثلاثُ طبقات:
_________________
(١) في (أ): "الإرث".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٢٠٤)، والكلام فيه بنحوه.
[ ١٢ / ٣١٠ ]
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: وهو الذي يقترف الذنوب غيرَ مستحلٍّ لها ولا جاحدٍ تحريمها.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: هو الذي لم يبلغ النهايةَ من الطاعات مستكثِرًا منها، بل يسلك القصد في أعماله، فأتى بالفرائض دون النوافل، وبقليل من النوافل؛ كالمقتصد في النفقة الذي لا يُسرف ولا يقتِّر، أو خلَط عملًا صالحًا وآخَر سيئًا.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: مُبادِرٌ إلى كلِّها مستكثِرٌ منها مستفرِغٌ وُسْعَه في مواصلتها ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بتيسير اللَّه ذلك عليه لا باستبداده.
وقال الإمام القشيري ﵀: كأنه قال: يا ظالم ارفع رأسك فإنك وإن ظلمتَ فما ظلمتَ إلا نفسك، ويا سابق اخفِضْ رأسك فإنك وإن سَبقْتَ فما سَبقْتَ إلا بتوفيقي.
وقد كثُرت الأقاويلُ فيها مما (^١) رُوي في الحديث ونُقل عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم:
قال عمر ﵁: سابقُنا سابقٌ، ومقتصدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مغفور له (^٢).
_________________
(١) في (أ): "مما".
(٢) روي مرفوعًا وموقوفًا، فالمرفوع رواه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٤٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٨٠)، والواحدي في "الوسيط" (٣/ ٥٠٥)، من طريق الفضل بن عميرة، عن ميمون بن سياه، عن أبي عثمان النهدي عن عمر ﵁. والفضل بن عميرة ضعيف، وقال العقيلي: لا يتابع عليه. ورواه البيهقي في "البعث والنشور" (٦١) من طريق ميمون بن سياه عن عمر ﵁. وهذا منقطع كما ذكر البيهقي. والموقوف رواه سعيد بن منصور في "سننه" عقب الخبر (٢٣٠٨)، والبيهقي في "البعث والنشور" =
[ ١٢ / ٣١١ ]
وقال عثمان ﵁ سابقنا أهل الجهاد منا، ومقتصدُنا أهلُ حضرنا، وظالمنا أهل بَدْونا (^١).
وقالت عائشة ﵂: السابق بالخيرات من مضى على عهد رسول اللَّه -ﷺ- من أصحابه فيشهد له رسول اللَّه -ﷺ- بالحياة والرزق، والمقتصِدُ مَن اتَّبع أثره من أصحابه، والظالم لنفسه مِثْلي ومِثْلُك ومَن اتَّبعنا (^٢).
وقال الربيع بن أنس: الظالم: صاحب الكبائر، والمقتصد: صاحب الصغائر، والسابق: المجتنِب للصغائر والكبائر.
وقال السدي: السابق هو السابق إلى الإسلام والهجرة، والمقتصد هو السابق إلى الهجرة، والظالم: الذي أسلم بعد الهجرة قبل فتح مكة.
وقال عكرمة: السابق أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، والمقتصد مَن يليهم من التابعين، والظالم قوم يكونون في آخر الزمان.
وقال عطاء ﵀: السابق أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، والمقتصد التابعون، والظالم مَن يجيء بعد التابعين.
_________________
(١) = عقب الخبر (٦٢). وإسناده غير قوي كما قال البيهقي، وانظر: "الكاف الشاف" (ص: ١٣٩).
(٢) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٣٠٨)، والبيهقي في "البعث والنشور" (٦٢)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٠). وإسناده غير قوي كما قال البيهقي.
(٣) رواه الطيالسي في "مسنده" (١٤٨٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٩٣)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأن فيه الصلتَ بن دينار، قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بالقوي. وقولها ﵂: (مثلي ومثلك. . .) هو من باب التواضع وهضم النفس كما هو دأب الصالحين من المؤمنين.
[ ١٢ / ٣١٢ ]
وقال مقاتل بن حيان ﵀: الظالم يعذَّب بذنبه ثم يخرج من النار، والمقتصد ينجو بالشفاعة، والسابق ينجو برحمة اللَّه.
وقال سفيان الثوري ﵀: الظالم آكل الحرام، والمقتصد آكل الشبهة، والسابق آكل الحلال.
وقال الحسن ﵀: الظالم مَن رجحت سيئاته على حسناته، والمقتصِد مَن استوت حسناته وسيئاته، والسابق مَن رجحت حسناته على سيئاته (^١).
وقيل: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلِّم، والسابق العالم.
وقيل: الظالم طالبُ الدنيا، والمقتصد طالب العُقبى، والسابق طالب المولى.
وقيل: الظالم الذي يسعى للمعاش، والمقتصد الذي يسعى للمعاش والمعاد، والسابق الذي يسعى للمعاد.
وقيل: الظالم الذي ظاهرُه خيرٌ من باطنه والمقتصد الذي ظاهره مثلُ باطنه، والسابق الذي باطنه خيرٌ من ظاهره.
وقيل: الظالم الذي يَجمع الحرام، والمقتصد مَن يجمع الحلال، والسابق الذي لا يجمع شيئًا.
وقيل: الظالم الذي يرائي في كل الأعمال، والمقتصد الذي يرائي في بعضها ويخلِص في بعضها، والسابق الذي يخلِص في كلِّها.
وقيل: الظالم الذي إذا أُنعم عليه بخل به، والمقتصِد الذي إذا أُنعم عليه جاد به، والسابق الذي إذا مُنع شكَر عليه.
_________________
(١) ذكره السلمي في "تفسيره" (٢/ ١٦١)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١٠٩)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ٤٢٤).
[ ١٢ / ٣١٣ ]
وقيل: الظالم المصِرُّ، والمقتصد التائب، والسابق المتَّقي.
وقيل: الظالم الذي يعبد اللَّه ليَخلص من النار، والمقتصِد الذي يعبد اللَّه ليدخل الجنة، والسابق الذي يعبد اللَّه لأنه عبدُه.
وقيل: الظالم الذي يعظُ بقوله، والمقتصِد الذي يعظُ بفعله، والسابق الذي يعظُ بسرِّه.
وقيل: الظالم الذي يجزع في البليَّة، والمقتصد الذي يَصبر فيها، والسابق الذي يتلذَّذ بها.
وقيل: الظالم الذي يفرح بوجود الدنيا، والمقتصِد الذي يتمنَّى زوالها عنه، والسابق الذي لا تخطر بباله الدنيا.
وقيل: الظالم الذي يعتمد على فعله، والمقتصِد الذي يعتمد على دينه (^١)، والسابق الذي يعتمد على ربه.
وقيل: الظالم الذي هو في الطريق، والمقتصد الذي هو على الباب، والسابق الذي هو على البساط.
وقيل: الظالم الطالب، والمقتصد الواجد، والسابق المطلوب.
وقيل: الظالم الذي هو بلا ذِكرٍ، والمقتصد الذي هو مع الذِّكر، والسابق الذي مع المذكور.
وقيل: الظالم الذي يظلم نفسه، والمقتصد الذي وهب نفسه، والسابق الذي خرج عن نفسه.
_________________
(١) في (أ): "ذنبه".
[ ١٢ / ٣١٤ ]
وقيل: الظالم الذي ينظر إلى الطاعة (^١)، والمقتصد الذي ينظر إلى التوفيق، والسابق الذي ينظر إلى الموفِّق.
وقيل: الظالم الذي يعاقَب، والمقتصد الذي يعاتَب، والسابق الذي يُعتذَر منه.
وقيل: الظالم الضاحك، والمقتصد: المتبسِّم، والسابق الباكي.
وقيل: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال.
وقيل: الظالم الذي يَعْمُر البيت، والمقتصد الذي يَعْمُر القبر، والسابق الذي يَعْمُر القلب.
وقال الإمام القشيري ﵀: الظالم مَن جاد بنفسه، والمقتصد مَن جاد بقلبه (^٢)، والسابق من جاد بروحه.
وقيل: الظالم مَن له علم اليقين، والمقتصدُ مَن له عين اليقين، والسابق مَن له حقُّ اليقين.
وقيل: الظالم طالب النجاة، والمقتصِد طالب الدرجات، والسابق طالب المناجاة (^٣).
وقال أسامة بن زيد وأبو سعيد الخدري ﵄ عن النبي -ﷺ- في هذه الآية أنه قال: "كلُّهم في الجنة" (^٤).
_________________
(١) في (ف): "الظالم الذي يطلب التوفيق".
(٢) في "اللطائف": (الظالم من جاد بماله، والمقتصد من لم يبخل بنفسه. . .).
(٣) انظر: "لطائف الإشارات": (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٤) حديث أسامة ﵁ رواه الطبراني في "الكبير" (٤١٠)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٩٦): فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ. =
[ ١٢ / ٣١٥ ]
وقدم رجل من الشام إلى المدينة فلقي أبا الدرداء، فقال له أبو الدرداء ﵁: ألَا أحدِّثك حديثًا أُتحفك به ما حدَّثتُ به غيرك منذ سمعتُه من رسول اللَّه -ﷺ-، سمعتُه تلا هذه الآية إلى قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ قال: "يدخل السابق بالخيرات الجنةَ بغير حساب، ويحاسب المقتصد حسابًا يسيرًا، ويُحبس الظالم لنفسه في طول المحشر (^١)، ثم يتلقَّاهم اللَّه جميعًا برحمته، فعند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ " (^٢).
وروي عن أبي مسلم الخولاني ﵁: أن رجلًا من أهل الكتاب أسلم فقال له ناس: ما حملك على الدخول في ديننا؟ فقال: رغبتي فيكم، وسأحدثكم أيها الأمة: إنكم تنزلون يوم القيامة على ثلاث فرق:
فأما فرقه: فيدخلون الجنة بغير حساب.
وأما فرقة فيحاسبون حسابًا يسيرًا.
وأما الثالثة فتقوم الملائكة فيقولون: ربنا هؤلاء أصحاب الدماء الحرام والأموال السهام والفروج الحرام، غير أنَّا وجدناهم لا يشركون بك شيئًا، قال: فيقول: اجعلوا خطاياهم على أهل النار وأدخلوهم الجنة.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: أي: توفيقُ اللَّه تعالى السابقَ إلى الخيرات بالسَّبق إفضالٌ من اللَّه كبير.
_________________
(١) = وحديث أبي سعيد رواه الإمام أحمد في "المسند" (١١٧٤٥)، والترمذي (٣٢٢٥)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٧٦). قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: في إسناده من لم يُسمَّ.
(٢) في جميع النسخ: "الحبس"، والمثبت من المصادر.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٤٩)، والإمام أحمد في "المسند" (٢١٦٩٧) و(٢٧٥٠٥)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٧٥). وإسناده ضعيف، ينظر الكلام عليه في حاشية "المسند".
[ ١٢ / ٣١٦ ]
وقيل: إنزال الكتاب ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
وقيل: هو اصطفاؤهم.
وقيل: هو إضافتهم إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾.
* * *
(٣٣ - ٣٤) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أي: بساتينُ إقامةٍ ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: هذه الفرق الثلاث ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وفي ذلك اللذةُ والزينة، وقد بينَّا تفسيره والقراءةَ فيه في سورة الحج.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾:
قيل: هو حزنُ الحبس في موقف (^١) الحساب على ما روينا.
وقيل: هو حزن الفزع الأكبر، كما قال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
وقيل: هو حزن الموت، يقولون ذلك حين يذبح الموت.
وقيل: هو حزن الدنيا والاهتمامُ بالفوت (^٢) ونحو ذلك.
قال عطاءٌ الخراساني ﵀: هو حزنُ الحشر، وهو عام.
ويجوز أن يكون كلُّ ذلك مرادًا (^٣).
_________________
(١) في (أ): "موضع".
(٢) في (ف): "للقوت".
(٣) في (أ): "ويجوز لأن يكون مرادًا".
[ ١٢ / ٣١٧ ]
وقيل: هو حزن الأخذ بتقصير الطاعات، والعقوبةِ على ارتكاب (^١) الجنايات، ويدلُّ عليه ما بعده: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾؛ أي: غفر الجنايات الكثيرة، وقيل: الطاعات اليسيرة.
* * *
(٣٥) - ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: قيل: هو نعتُ قوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾.
وقيل: هو عطف على قوله: ﴿شَكُورٌ﴾.
وقيل: تقديره: هو ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾؛ أي: الإقامة ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: هذا بفضله لا باستحقاقنا.
قوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا﴾: أي: في دار الإقامة ﴿نَصَبٌ﴾؛ أي: تعب، من حدِّ علم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾: أي: لا يصيبنا فيها إعياء، وصرفُه من بابِ دخل؛ أي: لا سعي عليهم في أسباب المعاش فلا تعبَ ولا إعياء، ولا تهتمُّ قلوبهم بعدم مراد فلا مشقَّة ولا عناء.
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا أرادوا أن يروه لم يحتاجوا إلى قطع مسافةٍ، ولا إلى تحديقِ مقلةٍ نحو جهة (^٢).
* * *
(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "فعل".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٢٠٧).
[ ١٢ / ٣١٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾: هو وعيدٌ المخالفين بعد وعد الموافقين.
﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾: أي: لا يموتون فيستريحوا، فيقولون (^١): ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]؛ أي الموت، وقوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]؛ أي: أماته.
﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾: فيستريحوا بعض الراحة، ولا يعارضه قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧] لأن الآلام لا تنقطع وإن خبت أحيانًا.
ثم تقسيم (^٢) الفرق الثلاث على المؤمنين فى الآية الأولى قولُ عامة المفسرين، وهو نظير قوله ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] وبعدها: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وبعدها: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦].
وبعضهم حملوها على غير هذا:
قال ابن عمر ﵄: هذه الثلاثة كما في سورة الواقعة ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] وفي آخر السورة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠] ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] (^٣).
فعلى قوله الظالم نفسَه هو الكافر.
قال ابن عباس ﵄ أيضًا في هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ هو الكافر (^٤).
_________________
(١) "فيقولون" من (ف).
(٢) في (ر) و(ف): "تفسير".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٧٢) عن قتادة.
(٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٤٥)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٧٢).
[ ١٢ / ٣١٩ ]
وعن الحسن: هو المنافق (^١).
فعلى قول هؤلاء قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ لا يرجع إلى قوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ وإنما يرجع إلى قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾؛ أي: فمن عبادنا خلقه كافر وكذا وكذا، وقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ يرجع إلى قوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ لا إلى عموم قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ وإلى الظالم لنفسه والمقتصد والسابق، ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ بيانُ موضع الظالم لنفسه، ويستقيم أيضًا على نظمه وظاهره قوله تعالى:
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾: مبالغةٌ في الكافر، وهو الذي يجحد اللَّه أو رسله أو كتبه أو البعث أو شيئًا مما أخبر به النبي -ﷺ- أنه كائن.
* * *
(٣٧) - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾: أي: يستغيثون في النار بصوتٍ عال، والصراخ: الصوت العالي في الاستغاثة.
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾: هذا بيان صراخهم، يقولون: ردَّنا إلى دار الامتحان نعملِ الطاعات غيرَ الذي كنا نعملُ من المعاصي.
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾: وهذا رد عليهم، ويضمر في أوله: فيقال لهم: أولم نجعلْ لكم من العمر في الدنيا ما يمكِن التذكُّر والاتِّعاظ فيه بالكتب ومقالات الرسل، وهذا استفهامٌ بمعنى التقريعِ والتوبيخ.
وتقدير قوله: ﴿مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ أي: مَن أراد أن يتذكر.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٤٣)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٧٢).
[ ١٢ / ٣٢٠ ]
﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾: أي: الرسول المنذِر.
وقيل: هو إلزام الحجة عليهم بالعقل والسمع، فإن التذكُّر من باب العقل، والإنذارَ من باب السمع.
وقيل في قوله ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾: إنه سبعون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة.
وقال الحسن ﵀: عشرون سنة (^١).
وقال ابن عباس ﵄: ثماني عشر سنة (^٢).
وقيل: يوم واحد فما فوقه.
وقيل: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾؛ أي: الشيب (^٣).
﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: وهذا يقوِّي قولَ مَن حمل قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ على الكافر؛ لأنَّه ختم وعيدَ الكفار بتسميتهم بهذا الاسم.
_________________
(١) لم أقف عليه عن الحسن، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٤٤١) دون عزو. وذكر الماوردي في "النكت والعيون" (٤/ ٤٧٦)، والسمعاني في "تفسيره" (٤/ ٣٦١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٤٤١)، عن الحسن أنه البلوغ، زاد الماوردي وابن عطية: لأنه أول زمان التذكر. وذكر النحاس في "معاني القرآن" (٥/ ٤٦١)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١١٤)، والواحدي في "البسيط" (١٨/ ٤٣٢)، والبغوي في "تفسيره" (٦/ ٤٢٥)، عن الحسن قوله: (أربعون سنة).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١١٤) عن الكلبي، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٦/ ٤٩٤) عن عطاء ووهب وأبي العالية وقتادة. أما ابن عباس فروى عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٤٥٥)، والطبري في "تفسيره" (١٩/ ٣٨٥) قوله: (ستون سنة).
(٣) روي في "تفسير مجاهد" (ص: ٥٥٧) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٢ / ٣٢١ ]
(٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يعلم أنه لو ردَّكم إلى الدنيا لم تعملوا غيرَ الذي كنتم تعملون ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: خفيَّات القلوب، يعلم أنكم كاذبون في هذا الكلام.
وقيل: الآية مبتدأةٌ عامة شاملة للترغيب والترهيب.
* * *
(٣٩) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: كما أورثكم الكتاب أورثكم الأرضَ فجعلكم خلفاء لمن تقدَّمكم فيها، فجعل سلطانها لكم، أنعم عليكم بذلك لتشكروا له.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾؛ أي: فمَضرَّةُ كفرانه النعمة راجعةٌ إليه (^١).
﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾: أي: بغضًا.
﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾: إلا هلاكًا، وقيل: إلا غبنًا بذهاب رؤوس أموالهم (^٢).
* * *
(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾.
_________________
(١) بعدها في (ر): "أي إلى الكافر".
(٢) "بذهاب رؤوس أموالهم" ليس في (أ).
[ ١٢ / ٣٢٢ ]
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ﴾: وهذا من محاجة المشركين أيضًا، يقول: قل يا محمد للمشركين: أخبروني عن الأصنام التي جعلتُموها شركاء لي (^١).
﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تدعونهم آلهة، وقيل: تعبدونهم.
وقيل: أي: تدعونهم في حوائجكم وتستغيثون بهم.
﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: أعلِموني -وقيل: أشيروا إليَّ عِيانًا- أيَّ شيءٍ خلقوه من الأرض (^٢).
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أم خلقوا شيئًا في السماوات فكان لهم فيها شركةٌ أو نصيب بذلك.
﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾: أي: نزلنا عليهم كتابًا فيه تصويب شركهم وأن الأصنام شفعاءُ لهم ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾؛ أي: حجةٍ وبصيرةٍ فلا يمكِنهم أن يَدَعوا شيئًا من ذلك، فإذًا لا حجة لهم عقلًا ولا سمعًا، فالعقل أن يخلقوا كخلقي، والسمع أن ينزل بذلك كتابي، فإذا عُدما لم يكن فعلهم إلا ضلالًا وجهالة.
﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾: أي: ما يَعِدُ، وهو وعدُ الشيطان للكافر كما قال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] منَّاهم أن تشفعَ لهم أصنامهم وتقرِّبَهم إلى اللَّه زلفى.
وقيل: هم المشركون يقول بعضهم لبعض: إن آلهتنا هذه تنفعنا عند اللَّه.
* * *
_________________
(١) في (ف): "شركائي" وفي (ر): "شركاء في".
(٢) "أي: أعلموني، وقيل: أشيروا إلي عيانًا أي شيء خلقوه من الأرض" من (ف).
[ ١٢ / ٣٢٣ ]
(٤١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: أي: فإن لم يكن لآلهتهم شركٌ في السماوات والأرض فيستحِقُّوا أن يُعبدوا فاعلموا أني أنا المستحِقُّ لها؛ لأني أنا خالقُهما وحافظهما، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] ولو لم أمسكهما لزالتا.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾؛ أي: من أن تزولا.
وقيل: أي: لئلا تزولا؛ كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]؛ أي: لئلا تميد بكم.
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: ما أمسكهما أحدٌ من بعد إمساكه إياهما، وقيل: أي: بعد زوالهما. وقيل: أي: غيرُه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: تعليل بمعنًى اقتضاه قولُه تعالى: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: ولو زالتا لردَّهما اللَّه تعالى إلى مكانهما وأمسكهما كما كانتا لمصالح العباد؛ لأنه ﴿كَانَ حَلِيمًا﴾ قادرًا لا يعاجل بالعقوبة ﴿غَفُورًا﴾ ساترًا لذنوب العباد، ماحيًا لها إذا تابوا.
ووجه آخر في تفسير تمام الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ولو لم يمسكهما (^١) لزالتا لفظاعة مقالة المشركين في اللَّه، وهو كما قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (^٢) [مريم: ٨٨ - ٩٠]
_________________
(١) في (أ): "ولولا أمسكهما".
(٢) في (ف) و(أ) بدل ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾: "ينفطرن"، وهي قراءة سبعية تقدمت في موضعها.
[ ١٢ / ٣٢٤ ]
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ لا يعاجلُ الكفار بالعقوبة ويَستر عليهم في الدنيا.
* * *
(٤٢) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾: أي: وحلف هؤلاء المشركون قبل أن يَبعث اللَّه محمدًا باللَّه أيمانًا بالَغوا في تأكيدها على أنفسهم: لئن جاءهم رسول من اللَّه ينذرهم كما جاء مَن قبلهم من الأمم ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: أشدَّ اتِّباعًا له من أهل الكتاب لأنبيائهم، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يُظهرون الفضل لأنفسهم على العرب بالكتاب والنبوة فيهم، فكان العرب يَسوؤهم ذلك لِمَا كانوا عليه من الأَنَفة والحميَّة، فكانوا يتمنون أن يكون منهم رسول.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾: وهو محمد -ﷺ- ﴿مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾؛ أي: ما ازدادوا مع مجيئه ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحق، وهو كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥] والسورة لا تَزيد إيمانًا ولا رجسًا، لكن المراد هذا، والإضافةُ إلى النذير والسورة للتسبُّب.
وعن ابن عباس ﵄: لمَّا بلغ قريشًا أن اليهود والنصارى كذَّبوا رسلهم وجحدوهم قالوا: لعن اللَّه اليهود والنصارى، لئن جاءنا رسول لنكونَنَّ أهدى منهم (^١).
_________________
(١) ذكره بنحوه الواحدي في "البسيط" (١٨/ ٤٣٩)، وورد دون عزو في كثير من التفاسير. انظر: "تفسير =
[ ١٢ / ٣٢٥ ]
ونظيرُه قولُه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وقولُه: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
* * *
(٤٣) - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا﴾: أي: نفروا عنه ليكون لهم الكبرياءُ والعلوُّ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في بلادهم ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾؛ أي: وليخدعوا الضعفاء التابعين لهم بالاحتيال، ويصدُّوهم بذلك عن الإيمان ليكونوا أعوانًا لهم كما كانوا يقولون: نحن أكثر أتباعًا وأعزُّ نفرًا.
وإضافة المكر إلى السيِّئ إضافةُ الشيء إلى نفسه كإضافة الحق إلى اليقين ونحوِ ذلك، ووصفه بالسيئ لأنه كان للصدِّ عن الحق، وقد يكون المكرُ حسنًا إذا كان احتيالًا للدعاء إلى الحق.
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾: أي: لا ينزل إلا بهم (^١).
وقال الزهري: بلغنا أن النبي -ﷺ- قال: "لا تمكُرْ ولا تُعِنْ ماكرًا، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ولا تَبْغِ ولا تُعِنْ باغيًا فإن اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ولا تنكُثْ ولا تُعِنْ ناكثًا فإن اللَّه يقول: ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] " (^٢).
_________________
(١) = مقاتل" (٣/ ٥٦٠)، و"معاني القرآن" للزجاج (٤/ ٢٧٤)، و"معاني القرآن" للنحاس (٥/ ٤٦٥)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ١١٥)، و"تفسير البغوي" (٦/ ٤٢٦).
(٢) "إلا بهم" ليس في (أ) و(ف).
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٧٢٥).
[ ١٢ / ٣٢٦ ]
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: فما ينتظرون إلا طريقةَ الأولين أن ينزل بهم (^١) ما نزل بالأولين حين كذَّبوا أنبياءهم ومكروا بهم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢].
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾: أي: إن اللَّه تعالى لا يبدل هذه الطريقةَ في الكفار ولا يحوِّلها عنهم، أضاف السنَّة إليهم مرةً وإلى نفسه مرةً لأنها سنَّةُ اللَّه فيهم، وهو كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤] وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: ٣٤].
* * *
(٤٤) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: فيعرفوا كيف كان سنَّةُ اللَّه فيهم.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ليس من صفة اللَّه العجزُ عن شيء من إنزال العذاب بالأعداء وغير ذلك ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾: عالمًا بكل شيء قادرًا على كل شيء.
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.
_________________
(١) في (ر): "عليهم".
[ ١٢ / ٣٢٧ ]
ثم بيَّن أن تأخير العذاب عنهم (^١) ليس للعجز بل لحكمة، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾: أي: يعاقبهم ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: من الكفر والمعاصي ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾؛ أي: ظهر الأرض، ولم يتقدم ذكرها لكنه معلوم المراد ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ أي: حيوان يدبُّ على وجه الأرض؛ لأن الناس إذا خلت عنهم الأرض وكان سائر الحيوانات خلقت لهم أهلكوا أيضًا ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معلومٍ عنده لكلِّ قوم.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: وقتهم عذبهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾: عالمًا بهم وبوقت عذابهم.
* * *
_________________
(١) في (ف): "عليهم" وليست في (ر).
[ ١٢ / ٣٢٨ ]
سورة يس
[ ١٢ / ٣٢٩ ]