بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باسم اللَّهِ مُفَصِّلِ الآيات، الرَّحمنِ مُقَدِّرِ الأقوات، الرَّحيمِ مُنَزِّلِ البِشارات.
روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "مَن قرأ: حم السجدة أُعْطِيَ بكلِّ حرف عشرَ حسناتٍ، ومُحي عنه عشرُ سيئات" (^٢).
وهذه السُّورة مكِّيَّةٌ، وهي أربعٌ وخمسون آيةً، وقيل: ثلاثٌ، والاختلافُ في قوله: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
وكلماتُها: سبعُ مئة وأربعٌ وتسعون.
وحروفُها: ثلاثةُ آلاف ومئتان وخمسةٌ وثمانون.
وانتظامُ أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه ذُكِرَ في آخر تلك السورة خُسْرانُ الكافرين، وذُكِرَ في أول هذه السورة سببُ خُسْرانهم، وهو الإعراض عن تفهُّمِ الكتاب المبين.
وانتظامُ السورتين: أنهما في ذِكْر المؤمنين ومواعيدهم، والكفار ووَعيدهم.
_________________
(١) في (ف): "سورة حم السجدة".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٢٣/ ٢٤٨) (ط: دار التفسير)، والواحدي في "تفسيره" (٤/ ٢٤)، وليس فيه قوله: "ومحي عنه عشر سيئات"، وهو قطعة من الحديث الموضوع في فضائل السور. انظر: "الفتح السماوي" للمناوي (٣/ ٩٧٨). وقد تقدم الكلام عليه مرارًا.
[ ١٣ / ١٤٧ ]
(١ - ٢) - ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿حم﴾: ذكَرْنا الأقاويل فيه.
﴿تَنْزِيلٌ﴾: مبتدأٌ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: خبرُه.
وقيل: ﴿حم﴾: مبتدأ، و﴿تَنْزِيلٌ﴾: خبرُه؛ أي: هذه السورة مُنَزَّلةٌ مِن اللَّه تعالى، مصدرٌ في معنى المفعول.
* * *
(٣) - ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿كِتَابٌ﴾: أي: هو كتاب ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: بُيِّنَتْ.
وقيل: أي: جُعِلَتْ فُصولًا في معاني مُنْقَسِمةٍ؛ مِن الأمر والنَّهي، والوَعْد والوَعيد، والحلال والحرام، ونحو ذلك.
وقيل: أي: فُرِّقَتْ في النُّزول، فلم تَنْزِلْ جُمْلةً؛ تثبيتًا في القلوب، وتمكينًا مِن تدبُّرها بالعقول.
وقولُه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: أي: مُنَزَّلًا بلسان العرب، ونصبُه مِن وجوه:
منها: فُصِّلَتْ قرآنًا عربيًا؛ أي: وقَعَ تفصيلُه بلسان عربي.
وقيل: نصبٌ على المدح.
وقيل: نصبٌ على القَطْع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِتَ به معرفةٌ.
وقولُه تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: لسانَ العرب، أو يُتَرْجَمُ لهم؛ أي: التَّفْصيل لهم.
يعني: لم يُكَلَّفْ فَهْمَه مَن لم يُعْطَ عِلْمَه.
* * *
[ ١٣ / ١٤٨ ]
(٤) - ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
وقولُه تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: نعتُ قولِه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي: فيه بشارةُ المُطيعين، وإنذارُ العاصين.
﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾: عن قبوله وتدبُّره مع تفْصيله وعلمهم بوجوه فَهْمِه.
﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أي: يَنفِرون عن سماعه؛ كما قال: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦].
وقيل: أي: لا يَقْبَلون.
وقيل: أي: لا يُطيعون.
وقيل: أي: يتصامُّون ولا يُفكِّرون فيه، كأنهم لم يسمعوه.
وقيل: لا يسمعون حقيقةً؛ لإعراضهم عن التالي (^١).
* * *
(٥) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾: قال مجاهد والسُّدِّي: أي: في أَغْطِيَةٍ (^٢)، جَمْع: كِنان.
_________________
(١) في (ف): "التأني".
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٧٧)، وعن مجاهد عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٦٨٨)، ولفظه فيهما: كالجَعْبة للنَّبْل.
[ ١٣ / ١٤٩ ]
قولُه: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾: أي: صَمَمٌ، وقَرَه اللَّهُ؛ أي: أصَمَّه، مِن باب: ضرَبَ، ووَقِرَ يَوْقَرُ؛ أي: صُمَّ، مِن باب عَلِمَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾: فلا نُبْصِرُكَ.
وقيل: أي: ساتِرٌ مِن جهة اختلاف الدِّين والتَّباين في العبادة، فلا تَطْمَعَنَّ في استماعنا منكَ (^١).
وقولُه تعالى: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾: أي: فاعمل عمَلَكَ، فإنا نعمَلُ عملَنا، قالوا ذلك لِيُؤَيِّسُوه عن إيمانهم به واتباعهم له.
وقيل: ﴿فَاعْمَلْ﴾ في هلاكنا، ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ في هلاكِكَ. قاله الفراء (^٢).
وقيل: أي: دع دعاءَنا إلى دينكَ، فإنا قد ترَكْنا دعاءكَ إلى ديننا.
* * *
(٦ - ٧) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أي: فلا تدْعُ لذلك دُعاءهم، وقل لهم: إني بشر مثلُكم مُناسبٌ لكم في الخِلْقَة، وذلك مما يُوجب الإشفاقَ، كأنه قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أُريدُ الخير بكم، ولستُ أدَّعِي أني ملَكٌ أو ملِكٌ لِتنفِروا مني لِتَعَظُّمي عليكم، يوحي إليَّ اللَّهُ -الذي تُقِرُّون أنه خالقُكم- أنَّه إله واحد لا شريك له.
وقولُه تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: أي: وجِّهوا وجوهكم بالعبادة والدعاء
_________________
(١) في (أ) و(ف): "عنك".
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٣/ ١٢).
[ ١٣ / ١٥٠ ]
والمسألة (^١) والإخلاص إليه، ولا تَعْدِلوا عنه إلى غيره، وهو كقولك: استقِمْ إلى منزلك؛ أي: لا تُعَرِّجْ في طريقك على شيء غيرِ القَصْد والمُضِّيِّ إليه.
﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: أي: سَلُوه أنْ يغفِرَ لكم ما سلف مِن ذنوبكم.
وقيل: أي: آمنوا به، فإن اللَّه تعالى وعَدَ عليه مغفرةَ ما قد سلَفَ، فكان الإتيان به سؤالًا لِما وَعَدَ عليه.
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: أي: لا يَقْبلونها.
وقيل: أي: لا يُعْطُون مِن أنفسهم الطَّهارةَ؛ فإن الزكاة هي الطهارةُ، قال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١]؛ وذلك بالتَّنَقِّي عن دَنَس (^٢) الكفر، قال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: أي: جاحدون.
* * *
(٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: أي: غيرُ مَقْطوع.
وقيل: غيرُ مَنْقوص، وهو ثواب الآخرة.
وقيل: غيرُ مَقْطوع عنهم في مرضهم وضعفهم وهرَمهم.
وقيل: أي: بعد موتهم أيضًا.
وقيل: أي: غيرُ ممنون عليهم به، فيتكدَّرَ بالمِنَّة.
_________________
(١) في (أ) و(ف): "والتأله".
(٢) في (ر): "دين".
[ ١٣ / ١٥١ ]
وقال الأخفش: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾: (مِن) للتوكيد، وهي زائدةٌ (^١).
وقال الحسن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾: علَّمَه التواضعَ (^٢).
وقال السُّدِّي: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾: يعني: بالتوحيد، ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: يعني: مِن الشرك (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: أي: لا يقولون: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه (^٤)، وهي زكاة الأَنْفُس.
وقال الضحاك: أي: لا يُنفقون في الطاعة (^٥).
وقال ابن كيسان: لا يرون إيتاءها خيرًا (^٦).
* * *
(٩) - ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: استفهام بمعنى التَّوْبيخ؛ أي: أتُنْكِرون وحدانية اللَّه تعالى وقد خلَقَ الأرض؟!
_________________
(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٠٤).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٨٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٦٤).
(٣) وقاله مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٧٣٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٧٩) ورجحه، والطبراني في "الدعاء" (١٥٣٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢٠٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٨٦)، والواحدي في "تفسيره" (٤/ ٢٥)، وليس في المصادر قوله: "محمد رسول اللَّه".
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٨٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٦٤) عن الضحاك ومقاتل.
(٦) ذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٨٦)، والواحدي في "تفسيره" (٤/ ٢٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٦٤) عن الحسن وقتادة، بلفظ: ولا يرون إتيانها واجبًا.
[ ١٣ / ١٥٢ ]
أو: أتُنْكِرون قُدْرة اللَّه على البعث وقد خلَقَ اللَّه الأرض على سَعَتها وبُعْدِ أطرافها؟!
أو: أتكفرون بنِعَم اللَّه وتتركون الشكرَ للَّه تعالى وقد أنعَمَ عليكم بخَلْق السماء والأرض، وتهيئة الأسباب بينهما؟!
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قيل: مِن أيام الدنيا.
وقيل: مِن أيام الآخرة، كلُّ يوم ألفُ سنة، وهو قول الكلبي ﵀ (^١).
وكذلك الأيام المذكورة بعدها على هذا الاختلاف.
وكان قادرًا على أنْ يخلُقَ السماء والأرض وأضعافَ ذلك في لحظة، لكن علَّمَ الناسَ تَرْكَ الاستعجال، والتثبُّتَ في الأفعال.
وقولُه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾: أي: أَشْباهًا وأَشْكالًا، وهي الأصنام.
وقولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: الذي خلَقَ الأرض في يومين هو مالِكُ الخَلْق ومُرَبِّيهم ومُصْلِحُهم.
* * *
(١٠) - ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾: أي: جبالًا ثوابتَ لاستقرارها.
﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: قيل: في الرَّواسي بالمياه والأشجار والثِّمار والذهب والفضة وما يكون في الجبال.
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٣٢٨) عن كعب والضحاك، ونقله ابن الجوزي في "زاد المسير" (٢/ ١٢٧) عن ابن عباس وكعب ومجاهد والضحاك.
[ ١٣ / ١٥٣ ]
وقيل: في الأرض بنباتها وأشجارها، وما يخرُجُ منها مِن الأغذية والمعادن وغيرها.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: قال قتادة: أي: أرزاقَها (^١)، ومعناه: الأرزاقَ التي فيها، أو: أرزاقَ أهلِها.
وقال مجاهد: أقواتَها مِن المطر (^٢).
وقال عكرمة: في هذه الأرض ما ليس في هذه مِن معاشها.
وعنه أيضًا قال: كلُّ قريةٍ فيها عمَلٌ لا يصلُحُ في الأخرى (^٣).
وقال حيَّان: قال الكلبي: قدَّرَ الخُبْز لأهل قُطْر، والتَّمْرَ لأهل قُطْر، والذُّرَة لأهل قُطْر، والسمك لأهل قُطْر، وكذلك أخواتُها (^٤).
وعلى هذا معناه: أسبابَ أقواتِها.
وقولُه تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾: أي: في يومين آخَرين مع اليومين الأوَّلَين، كان نَصْبُ الرَّاسِيات وتقديرُ الأقوات وإتمامُ العِمارات في يومين بعد خَلْق الأرض في يومين.
وفي الخبر: خلَقَ اللَّه الأرضَ يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلَقَ الجبالَ يوم الثلاثاء، وخلَقَ الشَّجَرَ والماء والعِمْران والخَراب يوم الأربعاء، وخلَقَ يوم الخميس السماء، وخلَقَ يوم الجمعة النجومَ والشمسَ والقمرَ والملائكةَ وآدمَ (^٥).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٨٥ - ٣٨٦) عن الحسن وابن زيد، وروى عن قتادة أن معنى: أقواتها: صلاحها، أو جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٨٦)، وهو في "تفسير مجاهد" (ص: ٥٨٥).
(٣) روى الأثرين عنه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٨٧).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٨٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٦٥).
(٥) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٨٣) عن ابن عباس ﵄.
[ ١٣ / ١٥٤ ]
﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: قرأ يعقوبُ: ﴿سواءٍ﴾، بالخفض نعتًا لأربعة أيام؛ أي: مُستَوِياتٍ.
وقرأ أبو جعفر: ﴿سواءٌ﴾، بالرفع؛ أي: هن سواءٌ؛ أي: مُستوياتٌ.
وقراءةُ العامة: ﴿سَوَاءً﴾، بالنصب على المصدر، وتقديرُه: استوَتْ استواءً للسائلين (^١).
قال قتادة والسُّدِّي: هو سؤالُ الاستخبار (^٢).
وقال ابن زيد: هو سؤال الاستعطاءِ؛ أي: الخبر هكذا على الصِّدْق لِمَن سأل، والأقوات مَبذولةٌ على الوجه لِمَن استبدلَ (^٣).
* * *
(١١) - ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: هو مَجازٌ عن إيجاد اللَّه تعالى السماءَ على ما أراد، مِن قول العرب: فعَلَ فلان كذا ثم استوى إلى عمَلِ كذا، يُريدون به أنه أكمَلَ الأول، ثم ابتدأ الثاني، فقرَّرَ اللَّه تعالى هذا في أفهام الخَلْق أنه أكملَ خَلْق الأرض ثم رتَّبَ عليه خَلْق السماء.
ولا يُفْهَم منه ما يُفْهَمُ مِن ترتيب فعل البشر أنَّ الأول ينقضي ثم الثاني يأتي؛ لأنَّ فِعْل اللَّه تعالى أزَلِيٌّ أبَدِيٌّ، لكنْ رتَّبَ ذِكْرَ الأشياء لترتُّبِ ظُهور الآثار في الأعيان.
_________________
(١) انظر: "النشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦).
(٢) رواه عنهما الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٨٩)، ولفظه: من سأل عن ذلك وجده كما قال اللَّه تعالى.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٩٠) بلفظ: قدَّر ذلك على قدْر مسائلهم، يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا شيء قد علمه قبل أن يكون.
[ ١٣ / ١٥٥ ]
ويُفهَمُ مِن ظاهر هذه الآية أنَّ خَلْق السماء كان بعد خَلْق الأرض، وبه قال ابن عباس ﵁ (^١).
وقولُه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ يدلُّ على أنَّ خَلْق الأرض كان بعد خَلْق السماء، وبه قال قتادة والسُّدِّي (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: يدلُّ على خَلْقهما معًا، وبه قال قوم.
وقد شرَحْنا الأقاويل الثلاثة بدلائلها في سورة البقرة.
﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾: قال ابن عباس: أوَّلُ ما خلَقَ اللَّه تعالى جَوْهَرةً طولُها وعرضُها مَسِيرةَ ألف سنة في مَسيرة عشرة آلاف سنة، فنظَرَ إليها بالهَيْبة فذابَتْ واضطربَتْ، ثم ثارَ منها دُخان فارتفع، واجتمع زبَدٌ فقام فوق الماء، فجعَلَ الزَّبَدَ أرضًا والدُّخانَ سماءً (^٣).
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: قال مجاهد: قال: يا سماءُ، أَبْرِزي شمسَكِ وقمرَكِ ونجومَكِ، ويا أرضُ، أَخْرِجي نباتكِ، وكذا (^٤).
_________________
(١) علقه البخاري جزمًا قبل الحديث (٤٨١٦)، ووصله الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٩٢)، والطبراني في "الكبير" (١٠٥٩٤)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٠٩). ووقع في بعض نسخ البخاري ذكر سنده في آخر الرواية، فعلى هذا يكون موصولًا. انظر: "تغليق التعليق" (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١)، و"فتح الباري" (٨/ ٥٥٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ١٤٥)، و(١/ ٤٦٢) عن السدي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٤/ ١٣٣) عن وهب، وأورده عن ابن عباس أبو البركات النسفي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٨)، ولعله لا يصح عن ابن عباس، وإنما هو مما أخذه وهب عن الإسرائيليات.
(٤) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٠) عن مجاهد، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٩١) عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، والحاكم في "المستدرك" (٧٣) وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨١٤) عن طاوس عن ابن عباس ﵄.
[ ١٣ / ١٥٦ ]
وقيل: هو كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي: إذا أراد تكوينَ شيءٍ كوَّنَه، وهو عبارة عن سرعة الإيجاد ونُفوذِ الإرادة في المراد.
﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أي: أتينا مع أهلنا، ولذلك جُمِعَ مع سَبْق ذِكْر التَّثْنية؛ لأن الأهل مُضْمَر فيه، فصار الكلُّ جَمْعًا.
وقيل: هو ظهورُهما على ما أراد مِن غير امتناع، لا على حقيقة القول، وهو كقول القائل:
امتلأَ الحوضُ وقال: قَطْني مَهْلًا رُوَيْدًا قد ملَأْتَ بَطْني (^١)
* * *
(١٢) - ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾: أي: فأتمَّ خَلْقَهُنَّ سَبعًا طِباقًا بعضُها فوق بعضها في يومين بعد تلك الأربعة الأيام، فتمَّ في ستة أيام؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقولُه تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾: قال السُّدِّي: أي: فعَلَ فيها ما أرادَه مِن مَلَك وغيره (^٢).
وقال قتادة: أي: خلَقَ فيها شمسَها وقمرَها ونجومَها وصلاحَها (^٣).
_________________
(١) البيت ذكره ابن الأنباري في "الزاهر" (٢/ ٣٢٣) من رجز أبي النجم العجلي، وهو دون نسبة في "إصلاح المنطق" (ص: ٥٠)، و"مجالس ثعلب" (ص: ٣٥)، و"معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٤٧).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٩٣)، بلفظ: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيه من البحار وجبال البرد وما لا يُعلم.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٣٩٣).
[ ١٣ / ١٥٧ ]
وقيل: أي: وأمرَ أهلَ كلِّ سماء بما أَمَرَ.
والأول على مجازِ قولِه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ الآية [يس: ٨٢]، فذلك على التكوين، فكذا في هذه الآية.
وقيل: الإيحاءُ في الأصل: هو الإلقاء، فكان مَجازًا عن إظهار ما أرادَ في كل سماء.
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: أي: التي تدنو مِن أهل الأرض.
﴿بِمَصَابِيحَ﴾: أي: بسُرُجٍ، وهي النجوم.
﴿وَحِفْظًا﴾: أي: وحفِظْناها عن السُّقوط، وقيل: عن استراق السمع بالرُّجوم.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾: أي: ما ذُكِرَ مِن خَلْق السموات والأرضين وغير ذلك تقديرٌ منه على ما عَلِمَ فيه اتِّصالَه بمصالح عباده ومنافعهم، أمضاه على ما أرادَ؛ لأنه عزيز مَنيع لا يُغالَبُ ولا يُنازَعُ، عليمٌ بالعواقب ومَقادير الأمور وحوائج الخَلْق.
وقال مقاتل بن حَيَّان: نزلت هذه الآيات في أبي جهل وأبي سفيان وعُتْبة وشَيْبة ابنَي ربيعةَ، اجتمعوا في دار أبي طالب، وخاصموا رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات (^١).
* * *
(١٣) - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾: أي: فإنْ تولَّوا عن التوحيد مع قيام هذه الأيام فقل يا محمد: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾؛ أي: خوَّفْتُكم ﴿صَاعِقَةً﴾؛ أي: عذابًا مُهْلِكًا هائِلًا يُزيلُ العقول قبل زُهوق الرُّوح.
﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾: أي: مِثْلَ عذابٍ على هذه الصفة حَلَّ بعاد وثمود.
_________________
(١) لم أقف عليه.
[ ١٣ / ١٥٨ ]
(١٤) - ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾: أي: جاء عادًا هودٌ النَّبيُّ، وثمودَ صالحٌ النبيُّ، ﵉، وكلُّ رسول يُخبر بسائر الرسل، فمجيئُه مجيءُ الرسل معنًى، وكذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وما جاءهم ظاهرًا إلا نوحٌ ﵇ وحدَه، وكذا قال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]، وقال: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩].
وقيل: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أي: جاءهم بيانُ حَقِّيَّةِ أمرِ (^١) الرسل مِن كل جِهة حين أحاطَ بهم البَيانُ مِن كل جانب، فحيثما انصرفوا (^٢) وجدوا بيانَهم قائمًا لهم.
وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الرسل المبعوثون في آبائهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الذين بعد أولئك الرسل.
وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أي: مُنذِرين بعذاب الدنيا والآخرة، وهو كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقيل: أي: داعين إلى العمل في الدنيا، والإيمان بالآخرة.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: أي: إذ جاءتهم الرسل بألا تعبدوا إلا اللَّه تعالى وحده لا شريك له، ولا تشركوا به شيئًا.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: أي: لو أراد اللَّه
_________________
(١) في (ر): "جاءهم بيان حقيقة"، وفي (ف): "جاءتهم حقيقة أمر".
(٢) في (أ) و(ف): "تصرفوا".
[ ١٣ / ١٥٩ ]
تعالى أنْ يُرسلَ رسولًا إلى عباده لأَنزلَ عليهم الملائكة رسلًا مِن عنده؛ إذ هم سُكَّان السماوات التي منها يَنزل الوحيُ، دون أنْ يجعلَهم مِن أهل الأرض، فإنا لهذا جاحدون لِمَا ادَّعيتم مِن الرسالة، وهذا جهل منهم بمواقع الحكمة على ما بيَّنَّاه في قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.
ثم بيَّنَ ما ذَكَرَ مِن صاعقة عاد وثمود، فقال:
* * *
(١٥) - ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أي: فتعظَّموا على نبيهم، وأفسدوا في بلادهم بغيرِ أنْ حُقَّ لهم ذلك.
﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أقوى منا في الأجسام والعدد.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: أي: أوَلمْ يعلموا عِلْمًا يقوم مَقامَ العِيان أنَّ اللَّه هو أوسعُ منهم قُدْرةً؛ لأنه قادرٌ على كل شيء بقُدْرة نفْسِه، وهم قادرون على بعض الأشياء بإِقْدار اللَّه تعالى إياهم، ولو شاء لَسَلَبهم ذلك؟ وهو استفهام بمعنى التوبيخ.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: يتَّصِلُ بقوله: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.
* * *
(١٦) - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
[ ١٣ / ١٦٠ ]
قولُه تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾: أي: باردةً مُهْلِكةً ببَرْدِها.
وقيل: شديدةَ الهُبوب.
وقيل: شديدةَ الصَّوت.
وقولُه تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾: أي: مشؤومات. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿نَحْسات﴾: بتسكين الحاء، والباقون بكسرها (^١)، وكلاهما نعت، وهي ما قال: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧].
ونُحوسَتُها: دوامُ تلك الريح فيها على حالة واحدة لا تفتُرُ.
﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾: أي: الفضيحة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ﴾: أي: أشدُّ فضيحةً ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾: أي: لا يُدْفَعُ عنهم عذابُ الآخرة.
وعن محمد بن كعب القُرَظي: أنَّ عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس قال ذاتَ يومٍ وهو جالس في نادي قريش: ألا أقومُ إلى هذا الرجل فأكلِّمَه فأعرضَ عليه أمورًا لعلَّه يقبلُ منها (^٢) بعضَها، فنعطيَه أيَّها شاء ويكُفَّ عنا، وذلك حين رأوا أصحاب محمد رسول اللَّه -ﷺ- يزيدون ويكثُرون، قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عُتْبة حتى جلس إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: يا ابن أخي، إنكَ مِنَّا حيث قد علِصْتَ مِن المكان في النَّسَب، وإنكَ قد أتيتَ قومكَ بأمر عظيم، فرَّقْتَ جماعتَهم، وعِبْتَ آلهتَهم ودِينَهم، وكفَّرْتَ مَن مضى مِن آبائهم، فإنْ كنتَ إنما تريد بما جئتَ به مالًا جمَعْنا لكَ مِن أموالنا حتى تكونَ أكثرَنا مالًا، وإنْ كنتَ تريد شرفًا شرَّفْناكَ علينا حتى لا نقطعَ أمرًا دونكَ، وإنْ
_________________
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٣).
(٢) في (ر) و(ف): "منا".
[ ١٣ / ١٦١ ]
كنتَ تريد به مُلْكًا ملَّكْناكَ علينا، وإنْ كان هذا الذي يأتيك رِئْيًا تراه -يعني: جِنِّيًّا- لا تستطيع أنْ ترُدَّه عن نفْسِكَ طلَبْنا لكَ الطبَّ، وبذَلْنا فيه أموالَنا حتى نُبْرِئَكَ منه، فإنه ربما غلَبَ التابعُ على الرجل حتى يُداوى منه، فلما فرَغَ منه قال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ الآية، فقام عُتْبة إلى أصحابه (^١)، فقال بعضهم لبعض: باللَّهِ لقد جاءكم أبو الوليد بغير وجهه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءَكَ؟ قال: سمعتُ قولًا ما سمِعْتُ بمِثْلِه قطُّ، واللَّهِ ما هو بشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كَهانةٍ، يا مَعْشَرَ قريش، أطيعوني وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فقالوا: واللَّهِ سحَرَكَ بلسانه، فقال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم (^٢).
وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ أبا جهل والملأَ مِن قريش بعثوا عُتْبة بن ربيعة إلى النبي -ﷺ-، فقال له: أنتَ يا محمد خيرٌ أم هاشمٌ؟! أنتَ خيرٌ أم عبد المطلب؟! فبِمَ تَشْتِمُ آلهتنا وتُضَلِّلُ آباءنا؟! فإنْ كنتَ تريد الرياسة عقَدْنا لكَ فكنتَ رأسًا ما بقِيتَ، وإنْ كنتَ تريد الباءةَ زوَّجْناكَ عشرَ نِسْوةٍ تختارها مِن أيِّ بنات قريش شئتَ، وإنْ كنتَ تريد المال جمعنا لكَ مِن أموالنا ما تستغني (^٣) به أنتَ وعقِبُكَ مِن بعدكَ، فلما فرَغَ قال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ الآية، فأمسَكَ عُتْبة على فيه وناشدَه بالرَّحِمِ أنْ يكُفَّ، فرجَعَ إلى أهله ولم يخرُجْ إلى قريش، واحتبَسَ عنهم، فقال أبو جهل: يا
_________________
(١) في (ر): "قومه".
(٢) رواه ابن إسحاق في "السيرة" (ص: ٢٠٨)، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (١٨٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٠٥).
(٣) في (ف): "تستعين".
[ ١٣ / ١٦٢ ]
مَعْشَرَ قريش، واللَّهِ ما نرى عتبة إلا وقد صبَأَ، فأتوه، فقال أبو جهل: واللَّهِ يا عُتْبةِ ما حبَسَكَ عنا إلا وأنَّكَ قد صَبَوْتَ إلى محمد وأعجبَكَ أمرُه، فغضِبَ وأقسَمَ ألا يُكلِّمَ محمدًا أبدًا، وقال: إني أتيتُه فقصَصْتُ عليه القصة، فأجابني واللَّهِ بقولٍ ليس بشِعْرٍ ولا بسِحْرٍ ولا كَهانةٍ، فأمسكْتُ على فيه وناشدتُه بالرَّحِمِ على أنْ يكُفَّ، وقد علِمْتُم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذبْ، فخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بكم العذاب (^١).
وقال الكلبي: إنَّ قريشًا قالت لعُتْبة بن ربيعة -وكان مِن أحسن الناس حديثًا-: إئتِ محمدًا فكلِّمْه، وانظرْ ماذا يردُّ عليكَ فأعلِمْنا به، فأتاه وهو في الحَطِيم، فلم يترُكْ شيئًا إلا قال له، ثم أجابه النبي -ﷺ-، وقرأ عليه: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ الآية، فوثَبَ عُتْبة فَزِعًا مَخافةَ أنْ يُصَبَّ عليه العذابُ الذي خوَّفَه به، فأتى قومه مَذْعورًا، فأخبرَهم بما قال لمحمد -ﷺ-، وبما ردَّ عليه محمد، فقالوا له: فما فهِمْتَ منه كلمةً واحدة؟ قال: لا، ولم أَهْتَدِ لجوابه، قال عثمان بن مَظْعون: ذلك واللَّهِ لتعلَموا أنه مِن رب العالمين، فلا تستطيعون جوابَه، وتابعَه رجالٌ مِن المسلمين على ذلك حين عَلَتْ أصواتُهم، ثم تفرَّقوا يلعَنُ بعضهم بعضًا، فقال الحارث بنُ عَلْقمة بنِ عبد الدار بنِ قصي بنِ كِلاب عند ذلك: لقد أفسدَ هذا الرجل -يعني: محمدًا- ذاتَ بينِنا، وفرَّقَ كلمتَنا، وايمُ اللَّهِ، لئِنْ بَقِيَ وبقِيتُم لَيكونَنَّ بطنُ الأرض خيرًا لكم مِن ظَهْرها، وإنما يتبيَّنُ لكم ذلك إذا خرَجَ مِن عندكم فانتهى إلى غيركم، فعند ذلك تنقطِعُ سبيلُ غزاتكم (^٢)، فذروه ما تركَكم.
* * *
_________________
(١) رواه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٢١)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٨٩)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٠٣).
(٢) في (ف): "غيراتكم".
[ ١٣ / ١٦٣ ]
(١٧) - ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: أي: فبيَّنا لهم الرُّشْد ودلائله.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾: أي: فآثروا الضلال على الرَّشاد.
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي: فنزَلَ بهم العذاب المُهْلِكُ المُهين بكَسْبهم، وهو شركُهم ومعاصيهم.
والهُوْن: الهَوان، وهو مصدر أُريدَ به النعت، أو هو بدل عن الأول؛ لأن العذابَ هو الهُون، والهُونُ هو العذاب، وتقديرُه: صاعقةُ العذابِ صاعقةُ الهُونِ.
وإضافةُ الصاعقة إلى العذاب إضافةُ النَّوع إلى الجنس على تقدير إضمار: مِن؛ أي: الصاعقة مِن العذاب.
* * *
(١٨ - ١٩) - ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: الكفرَ والمعاصيَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ (^١): قرأ نافع: ﴿نحشر﴾ بالنون، ﴿أَعْدَاءُ﴾ بالنصب، إخبارًا مِن اللَّه تعالى عن نفْسِه أنه يفعل ذلك، وقرأ الباقون: ﴿يُحْشَرُ﴾ بالياء مضمومةً وفَتْحِ الشين، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ هو بالرفع على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (^٢)، ذكَرَ عذابَهم في الدنيا، ثم عذابهم في الآخرة.
_________________
(١) في (ف): "ويوم نحشر. . . ".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٣).
[ ١٣ / ١٦٤ ]
ونصَبَ ﴿يومَ﴾ على إضمار: واذكُرْ يومَ يُجْمَعُ (^١) أعداءُ اللَّه، وهم هؤلاء وسائرُ الكفار، ويُساقون إلى النار.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: قال الكسائي (^٢): أي: يُدْفَعون (^٣).
وقيل: أي: يُحبَسُ أوَّلُهم على آخرهم، وقد وَزَعْتُ الجيش.
وقيل: أصلُه الكَفُّ، قالت عائشة ﵂: ما يزَعُ السُّلطانُ أكثرُ مما يزَعُ القرآنُ (^٤).
وفي الخبر: لا بُدَّ للناس مِن وَزَعةٍ (^٥)؛ أي: وُلاةٍ يكُفُّونهم عن التَّظالُم (^٦).
يعني: أنَّهم يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعًّا باستعجال، فينقطع أوَّلُهم عن آخرهم، فيُحْبَسُ الأوَّلون لِيلحقَ بهم الآخِرون.
* * *
_________________
(١) في (ف): "نجمع".
(٢) "قال الكسائي" ليست من (ف).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٢٩) عن ابن عباس ﵄، وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ١٩٧) له.
(٤) رواه ابن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ٩٨٨) من قول عثمان ﵁، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٥/ ١٧٢) من قول عمر ﵁، وذكره ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (ص: ١٨٥)، وابن قتيبة في "أدب الكاتب" (ص: ٣٤٦)، والثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٥) مرفوعًا من غير إسناد.
(٥) لم أقف عليه مسندًا، وقد ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" (٣/ ٢٢٨)، وابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص: ٢٣٢)، والمبرد في "الكامل في اللغة" (ص: ١/ ٢١٤) عن الحسن.
(٦) في (ر): "المظالم".
[ ١٣ / ١٦٥ ]
(٢٠) - ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾: أي: النار ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾؛ أي: آذانُهم، ووحَّدَ لأنه مصدر.
﴿وَأَبْصَارُهُمْ﴾: أي: عيونُهم ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾؛ أي: التي على سائر الأعضاء بسائر المعاصي.
وقيل: هي كناية عن الفُرُوج؛ أي: تشهد فروجُهم بزِناهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بهذه الأعضاء، وذلك إذا جحَدوا بألسنتهم وقالوا: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].
* * *
(٢١) - ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا﴾: أي: الجُلود ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾؛ أي: بالشهادة عليكم ﴿الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: كلَّ شيءٍ ناطقٍ.
﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: نُطْفةً ثم عَلَقةً ثم مُضْغةً ثم كذا وكذا حتى صِرْتُم ناسًا ناطقين.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي: ثم أنتم الآن راجعون إلى حُكْمه لا امتناعَ لكم منه، فمَن قدِرَ على هذا كلِّه قدِرَ على إنطاقنا.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾: قيل: هو خطابُ اللَّهِ لهم حينئذٍ.
وقيل: هو مِن كلام الجوارح في خطابهم؛ أي: وما كنتم تتَّقون شهادةَ الجوارحِ عليكم.
وقيل: ما كنتم تَسْتَخْفون مِن أنفسكم حذَرًا مِن أن تشهدَ عليكم الجوارح، أو لئلا تشهدَ عليكم الجوارحُ.
والاستخفاءُ مِن الأنفُس: هو تَرْكُ الذنوبِ أصلًا؛ كما يُقال: استَحْيِ مِن نفْسِك.
وقيل: معناه: ما كنتم لِتستتروا فتعملوا بغير مَشْهَد مِن جوارحكم؛ أي: هذا مما لا يُمكن، تستَّرْتُم عن الناس ولم (^١) يمكنْكُمُ التستُّرُ عن الجوارح، فهي شهودٌ (^٢) عليكم لا يُمكنُكم تكذيبَها.
﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: كانت طائفةٌ مِن الكفار بلَغَ جهلُهم أنْ ظنُّوا أنَّ اللَّه يعلم بعض الأمور ويخفَى عليه بعضُها.
قال ابن مسعود ﵁: اجتمَعَ صَفْوانُ بن أمية وربيعةُ وعبدُ يَالِيلَ الثَّقَفيان في الحَطِيم، فقال أحدهم: أترى أنَّ اللَّه يسمَعُ ما نقول؟ فقال الآخر: إذا رُفِعَتِ الأصواتُ سَمِعَ، وإذا خَفَضْنا لم يسمعْ، فقال الثالث: لئن كان يسمع النَّجْوى لقد يسمع السِّرَّ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (^٣).
_________________
(١) في (أ): "إذ لم"، وفي (ر): "ولا".
(٢) في (أ): "فهي شهد شهود".
(٣) رواه البخاري (٤٨١٦)، ومسلم (٢٧٧٥)، وليس فيهما أسماء المتحاورين، وهي زيادة رواها الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩١)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٠).
[ ١٣ / ١٦٧ ]
وقولُه تعالى: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: كلَّ ما تعملون، وهو كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]؛ أي: كلُّه.
وقيل: معناه: ولكنْ عمِلْتُم الذنوب (^١) عمَلَ مَن ظنَّ أنَّ اللَّه لا يعلم ما يَعمل، وهو كقوله: ﴿أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]؛ أي: فما أعمَلَهم بعمَل مَن يصبر على النار.
* * *
(٢٣ - ٢٤) - ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾: أي: أهلكَكم؛ يعني: سهَّلَ عليكم المعاصي فعمِلْتُموها وهلَكْتُم بها.
﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: ويجوز أنْ يكون نفْسُ الظنِّ هو المُهْلِكَ، فإنَّ ظنَّه أنَّ اللَّه لا يعلم ما عمِلَه كفرٌ منه، وهو مُهْلِكٌ.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾: أي: إنْ صبَروا أو لم يصبِروا فلا مَخْلَصَ لهم منها، فإن قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾: معناه: وإنْ لم يصبروا واستَعْتَبوا، وهو كقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦].
وقيل: هو على قوله: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾؛ أي: لو التمَسوا الكَفَّ عنهم وإزالةَ ما هم فيه بمسألة العُتْبى -وهو إظهار الرِّضا بأنْ يضمَنوا أنْ لا يعودوا إلى ما كانوا عليه- لم يُعْتَبوا؛ أي: لم يُجابوا إلى ذلك، وقد استعتبتُه فأعتبَني؛ أي: استرضيتُه فأرضاني.
_________________
(١) في (أ): "للذنوب".
[ ١٣ / ١٦٨ ]
وقرأ عمرو بن عبيد: (وإنْ يُسْتَعْتَبوا) على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، (فما هم مِن المعتِبين): بكسر التاء (^١)؛ أي: إنْ سُئِلوا بأنْ يعملوا بما يُرْضون به ربَّهم لم يفعلوا؛ أي: لم يُمكنهم ذلك ولم يَقْدِروا عليه؛ لأنَّهم فارَقوا دار المِحْنَة والعمل.
ويُقال: عتِبَ على فلان؛ أي: وجَدَ عليه مَوْجِد، فعاتبَه؛ أي: خاطبَه بإظهار المَوْجِدَةِ، فاستعتبَه؛ أي: استرضاه، فأعتبَه؛ أي: أرضاه، والعُتْبى: الرِّضى إذا زال سببُ المَوْجِدَةِ.
* * *
(٢٥) - ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾: وهذا قَبْل إنزالِ العذاب المستأصِلِ.
أي: قدَّرْنا. وقيل: هيَّأْنا. وقيل: سلَّطْنا. وقيل: أبدَلْنا.
﴿قُرَنَاءَ﴾: جَمْعُ قرين، وهم مِن الشياطين؛ كما قال: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]؛ أي: اختاروا الضلالة فسلَّطْنا عليهم شياطين يُضِلُّونهم ويُزِلُّونهم.
﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أي: زيَّنوا لهم ارتكابَ المعاصي والملاذِّ المحظورة، فهوَّنوا عليهم أمرَ الآخرة والحساب والجزاء، فقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الآخرة؛ لأنَّهم يأتونها، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الدنيا؛ لأنَّهم يتركونها.
وقيل: هو على القلب، ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا؛ لأنَّها حاضِرةٌ لهم؛ كما يُقال: قدَّمْتُ المائدةَ بين يديه، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الآخرة؛ لأنَّها مِن بَعد هذا تأتيهم.
_________________
(١) ذكرها ابن جني في "المحتسب" (٢/ ٢٤٥)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٢) عن الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسواري.
[ ١٣ / ١٦٩ ]
وقيل: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن أعمالٍ عمِلوها فصوَّبوها لهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما يترُكون مِن آثارهم بَعْدَهم.
وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: حسَّنوا إليهم (^١) أعمالَ الذين كانوا مِن قبلهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أعمالَ الذين حدَثوا معهم أو بعدهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: قيل: هو ما قال إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] وسائرُ ما قال أنه يفعل ببني آدمَ.
وقيل: هو ما قال اللَّه تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ أي: تحقَّقَ هذا الوعيدُ فيهم.
وقولُه تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾: أي: مع أُمَمٍ ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾: أي: عَمَّهم جميعًا في العقاب؛ لعُمومهم في الارتكاب، فهم جميعًا خاسرون، ترَكوا قُرناءَ الخير وهم الدُّعاة إلى الحق والدِّين، فعُوقبوا بالقُرَناء مِن الشياطين وذلك هو الخُسْران المُبين.
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن طُول الأمَل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: مِن نسيان الزَّلَل (^٢).
* * *
(٢٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾: وذكَرَ بعد قَبائحِ أولئكَ قبائحَ مُشركي عصرِ النبي -ﷺ- فقال: وقال مُشْركو قريش: لا تُصْغَوا إلى ما يقرؤُه عليكم محمد مِن الكتاب الذي يزعُمُ أنه مُنَزَّلٌ عليه مِن ربه.
_________________
(١) في (ر): "لهم".
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٢٦).
[ ١٣ / ١٧٠ ]
﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: أي: ائتوا فيه باللَّغْو مِن الكلام -وهو الباطل الذي ليس له معنًى مُفيدٌ- لِيختلِطَ عليه ما يقرأ، فلا يتمكَّنُ مِن قراءته، ولا يتمكَّنُ أصحابُه مِن سماعه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: أي: لِتغلِبوه على القراءة فيَتْرُكَ، أو يتشوَّشَ عليه فيعجِزَ، أو يخفى (^١) على السامع فلا يظهر.
قال ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: كان يُوصي بعضهم إلى بعض: إذا رأيتم محمدًا فعارِضوه بالرَّجَز والأشعار (^٢).
وقال مقاتل: ارفعوا أصواتَكم بالأشعار والكلام في وجهِه حتى تُلَبِّسوا عليه قوله فيسكُتَ (^٣).
وقال مجاهد: بالمُكاء والصفير (^٤).
وقال الضحاك: أكثِروا الكلامَ، فيختلِطَ عليه ما يقولُ (^٥)
وقال السُّدِّي: صِيحُوا في وجهه (^٦).
وقال أبو العالية: اطعَنوا فيه وعِيْبوه (^٧).
_________________
(١) في (ف): "فيخفى" بدل: "فيعجز أو يخفى".
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٢).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤١)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٣).
(٤) في (ر): "بالمكاء والتصدية"، وفي (ف): "بالمكاء والتصدية والصفير". والخبر رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤١٨)، وهو في "تفسير مجاهد" (ص: ٥٨٦)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٢).
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٢)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٣١).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٢)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧١).
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٣).
[ ١٣ / ١٧١ ]
وقال مقاتل: قاله أبو جهل لقريش (^١).
وقرأ عيسى بن عمرو: (وَالْغُوْا فِيهِ) بضمِّ الغين مِن باب: دخَلَ (^٢).
وقال الأخفش: مَن فتَحَ الغين كان مِن باب: صنَعَ (^٣).
وفي "ديوان الأدب" جعلَه مِن باب: علِمَ (^٤).
* * *
(٢٧ - ٢٨) - ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾: قيل: في الدنيا، وكان ذلك يومَ بدر.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: في الآخرة، فقد حبِطَ ما كان في صُورة الحسنات، وبقِيَت السيئات.
وقيل: كلاهما في الآخرة.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾: أي: ذلك الجزاءُ جزاءُ الكفار الذين هم أعداءُ اللَّه.
﴿النَّارُ﴾: ترجمة عن قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤١).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للنحاس (٦/ ٢٦٢)، عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق، و"المحتسب" (٢/ ٢٤٦)، وذكر أنها قراءة بكر بن حبيب السهمي.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش (٢/ ٥٠٦)، ولفظه: لأنها مِن: لَغَوْتُ يَلْغَى، مثل: مَحَوْتُ يَمْحَا. وانظر كذلك: "تفسير الثعلبي" (٨/ ٢٩٢)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١٣).
(٤) انظر: "ديوان الأدب" للفارابي (٤/ ٩٤).
[ ١٣ / ١٧٢ ]
﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾: أي: لهم في النار مَسْكَنُ الخُلود.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: في الدنيا، وهي آيات القرآن التي لغَوا فيها.
* * *
(٢٩) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: ويقول هؤلاء الكفار إذا صاروا في النار:
﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾: أي: كانا سببًا لضلالنا حتى وقَعْنا في هذا العذاب لذلك.
قال علي بن أبي طالب ﵁: يعني: إبليسَ الأبالسة، وابنَ آدم الذي قتلَ أخاه (^١). وإنما خُصَّا بالذِّكْر لأنهما سَنَّا الضَّلال والقَتْل (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾: أي: في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النار الذي أهلُه أشدُّ (^٣) عذابًا.
وقيل: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾: قرينٌ مِن الأنس، وقرينٌ مِن الجن، وهو ما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥]، يقولُ كلُّ كافرٍ ذلك، يُريد قرِينَيْه هذين.
والآثارُ على القول الأول.
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٧٧٥٨)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٢٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٦٤٧) وصححه.
(٢) في (ر) و(ف): "لأنهما سببا الضلال والقتل".
(٣) في (أ): "الذي أهلها أشد أهلها" بدل من: "الذي أهله أشد".
[ ١٣ / ١٧٣ ]
(٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: أي: نطَقوا بالتوحيد.
﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: أخلَصوا الإقرارَ للَّه بالرُّبوبية، ولم يعدِلوا عنه إلى غيره، ولا استبدَلوا به دِينًا سواه، ولا عمِلوا ما يخرجُ به عنه.
ذكرَ المؤمنين المُستقيمين وثوابَهم بعد ما ذكَرَ الكفارَ وعقابَهم.
وعن أنس ﵁ أنَّ النبي -ﷺ- قال لَمَّا نزلت هذه الآية: "أمَّتي وربِّ الكعبة، استقاموا وثبَتوا على: لا إله إلا اللَّه" (^١).
وقال أبو بكر الصديق ﵁: استقاموا فِعْلًا كما استقاموا قَوْلًا (^٢).
وعنه في رواية أخرى أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هذه الآية؟ قالوا: لم يُذنبوا، فقال: حمَلْتُم الأمر على أشَدِّه، قالوا له: فما تقول؟ قال معناه: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان (^٣).
_________________
(١) ذكره التستري في "تفسيره" (ص: ١٣٧) مرفوعًا، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤) عن ثابت عن أنس يرفعه. ورواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٤/ ٢٠٧) عن الحسن مرسلًا. وليس في جميع هذه الروايات قوله: "استقاموا وثبَتوا على: لا إله إلا اللَّه".
(٢) ذكره عن أبي بكر ﵁ الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ١٩٨). وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٧٩) من غير نسبة.
(٣) رواه إسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (٣٥٩٧)، واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (١٩٩٩)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٣٢٢) إلى ابن راهويه وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في "الحلية".
[ ١٣ / ١٧٤ ]
وروى زيد بن أسلم عن عمر ﵁: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: لم يرُوغوا رَوَغانَ الثَّعالب (^١)؛ يعني: لم يُنافقوا.
وقال عثمان ﵁: ﴿اسْتَقَامُوا﴾: أخلَصوا العمل للَّه تعالى (^٢).
وقال علي بن أبي طالب: ﴿اسْتَقَامُوا﴾: أدَّوا الفرائضَ (^٣).
وقال ابن عباس ﵄: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على ما افترض اللَّه عليهم (^٤).
وقال مجاهد: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: لم يُشْركوا بعد الإيمان حتى ماتوا (^٥).
وقال الحسن وابن سيرين: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: لم يَعْوَجُّوا (^٦).
وقال سفيان الثوري ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: عمِلوا على وِفاق ما قالوا.
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٥)، والإمام أحمد في "الزهد" (٦٠١)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٢٥)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٤/ ٢٠٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٣) عن الزهري عن عمر ﵁.
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٢)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ١٩٩).
(٣) انظر المصادر السابقة.
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٢٥)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٣)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٢)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ١٩٩).
(٥) رواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٢٤)، والطبراني في "الدعاء" (١٥٩٢). وروى نحوه الطبري أيضًا في "تفسيره" (٢٠/ ٤٢٢)، وأبو داود في "الزهد" (٣٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٣)، عن أبي بكر ﵁.
(٦) في (ر): "يعرجوا". وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤) عن ابن سيرين.
[ ١٣ / ١٧٥ ]
وقال الفُضيل بن عياض ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: زهِدوا في الفانية، ورغِبوا في الباقية (^١).
وقال مقاتل بن سليمان ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على المعرفة ولم يرتدُّوا (^٢).
وقال مقاتل بن حيان ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على أنَّ اللَّهَ ربُّهم (^٣).
وقال الرَّبيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أي: أعرَضوا عما سوى اللَّه مِن الأوثان وغيرها (^٤).
وقال القُشَيري ﵀: ﴿ثُمَّ﴾: تقتضي التراخي؛ أي: أقرُّوا بوحدانية اللَّه تعالى للحال، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: استداموا ذلك إلى المآل.
وقال أيضًا: لم يكتفوا بالمقالة دون صَفاء الحالة.
وقال: المُستقيمون قسمان:
مُستقيم في أصل التوحيد والمعرفة، وهذه صفةُ جميعِ المؤمنين.
ومستقيمٌ في الفروع مِن غير معصية، وهو للأقلِّين.
ثم الاستقامة لهم على حسَبِ أحوالهم: فمُسْتقيمٌ في عَقْده، ومُستقيمٌ في
_________________
(١) ذكر الأثرين الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤).
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤٢)، وذكره الواحدي في "البسيط" (٢٠/ ١٧٥)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٢) عنه، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤) عن مقاتل بن حيان.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤) عن مقاتل بن سليمان، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٧٩) عن أبي بكر ﵁ ومجاهد، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٢) عن أبي بكر ﵁.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٥).
[ ١٣ / ١٧٦ ]
عَهْده، ومُستقيمٌ في جُهْده ومُراعاةِ حدِّه، ومُستقيمٌ في قَصْده، ومُستقيمٌ في وُدِّه.
وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: في تصفية العَقْد، ثم في تَوْفية العَهْد، ثم في صحَّة القَصْد.
وقال أيضًا: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: بأقوالهم، ثم بأعمالهم، ثم بأحوالهم.
وقال أيضًا: أقاموا على طاعته، فاستقاموا في معرفته، وهاموا في محبَّتِه، وقاموا بشرائط خِدْمَتِه.
وقال أيضًا: استقامةُ الزاهدِ: أنْ لا يرجعَ إلى الدنيا، واستقامةُ العابدِ: أنْ لا يعودَ إلى الفَتْرة واتِّباعِ الشَّهوة، ولا يتداخلَ عملَه رياءٌ وسُمْعةٌ، واستقامةُ العارفِ: أنْ لا يشوبَ معرفتَه حظٌّ في الدارين، فيحجِبَه عن مولاه، واستقامةُ المُحبِّ ألا يكونَ له أرَبٌ مِن محبوبه، يكتفي مِن جُوده بوجوده، ومِن عطائه ببقائه (^١).
وقولُه تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: عند الموت بالبشارة مُترادِفين.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾: أي: بألَّا تخافوا؛ أي: ينزلون بهذه البشارة: لا تخافوا ما بين أيديكم مِن هَوْل المَطْلِع، والمُسائلةِ في القبر، والأَفْزاعِ يوم القيامة.
﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: أي: ولا تهتمُّوا، فلا يفوتكم (^٢) ما أُمِّلْتُم (^٣).
وقيل: لا تخافوا ما أنتم قادمون عليه، فلن تروا مَكْروهًا، ولا تحزنوا على ما خلَّفْتُموه مِن أهلٍ وولدٍ، فإنَّ اللَّه يخلُفُكم عليهم بخير.
وقيل: لا تخافوا ما أمامكم، فإنكم ستُكْفَون هَوْلَه، ولا تحزنوا على ما تركتموه
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٢) في (ر) و(ف): "يغرنكم".
(٣) بعدها في (أ): "وقيل: لا تخافوا ما أملتم".
[ ١٣ / ١٧٧ ]
وراءكم في الدنيا مِن نعيمٍ وأهلٍ وولدٍ، فإنَّ اللَّه يُعطيكم في الجنة أكثرَ مِن ذلك وأحسنَ، ويجمَعُ اللَّه بينكم وبين أهاليكم وأولادكم المسلمين في الجنة.
وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم، فإني أغفِرُها لكم (^١).
وقيل: لا تخافوا الوقوعَ في العُقوبة، ولا تحزنوا فلن تفوتَكم المثُوبة.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾: في الدنيا، فإنكم ستَصيرون إليها.
وقال حاتم الأصَمُّ: إنما يُقال عند الموت: لا تخَفْ ولا تحزَنْ، للخائف الحَزين، فأما الفرِحُ الآمِنُ فإنه يُقال له: خَفْ واحزَنْ (^٢).
وقال أبو بكر الوَرَّاق: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ ملائكةُ الرِّعاية: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ عَزْلَ الوِلاية، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما مضى مِن الجناية، ﴿وَأَبْشِرُوا﴾ بصدق العِناية ﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾: في البداية (^٣).
وقال محمد بن علي التِّرْمِذيُّ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾ ملائكةُ الرحمن عند مُفارقةِ الأرواحِ الأبدانَ، ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾: سَلْبَ الإيمان ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما كان مِن العِصْيان ﴿وَأَبْشِرُوا﴾: بدُخول الجِنان ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في سالف الأزمان (^٤).
وقال الإمام القُشَيريُّ ﵀: لا تخافوا مِن العذاب، ولا تحزنوا على ما خلَّفْتُم مِن الأسباب، وأبشروا بحُسْن المآب وجزيلِ الثَّواب.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٣).
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٦) عن بعض المتأخرين.
(٣) ذكره القشيري في "لطائف الإشارات" (٣/ ٣٢٩) من غير نسبة.
(٤) ذكره أبو البركات النسفي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٥)، وابن عجيبة في "البحر المديد" (٥/ ١٧٦).
[ ١٣ / ١٧٨ ]
وقال أيضًا: لا تخافوا مِن الذِّلَّة، ولا تحزَنوا بالزَّلَّة، وأبشروا بدوام الوُصْلَة (^١).
وقال وكيع بن الجراح: هذه البُشْرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وفي البعث (^٢).
وقال قتادة: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: إذا قاموا مِن قبورهم (^٣).
وقال الحسن (^٤): تستقبلُهم إذا خرجوا مِن قبورهم في الموقف (^٥).
وقال مقاتل: إنَّ المؤمن إذا خرج مِن قبره رأى ملَكًا قائمًا على رأسه، فيقول له: أنا الذي كنتُ أرفعُ عملَكَ الصالح، فلا تخَفْ ولا تحزَنْ وأبشِرْ بالجنة (^٦).
وهذا يدلُّ على أنَّ الملائكة المذكورين في الآية هم الحَفَظة، وبه قال جماعةٌ، منهم عكرمةُ (^٧)، وذلك قولُه:
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيرى (٣/ ٣٢٩).
(٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٣). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥٢٥٦) عن وكيع عن سفيان عن زيد بن أسلم، وذكره السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٥٠) عن أبي العالية الرياحي.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٤)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٤)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٣) عن قتادة ومقاتل.
(٤) في (ر) و(ف): "الحسن البصري".
(٥) ذكره الثمالي في "تفسيره" (ص: ٢٩٢)، والطوسي في "التبيان" (٩/ ١٢٣) وهو من مفسري الشيعة الإمامية.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤٢).
(٧) هو قول مقاتل كما في "تفسيره" (٣/ ٧٤٢)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٢٨) عن السدي، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٥)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٨٠).
[ ١٣ / ١٧٩ ]
(٣١) - ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾.
﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: نحفَظُ الأعمال.
وقيل: ملائكةُ قَبْضِ الأرواح يقولون لهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^١): أي: الآن إلى أنْ تخرُجوا مِن الدنيا نُعينُكم ونُقَوِّيكم، وندفعُ الشيطانَ عنكم.
وقيل: الملائكة أنواع، وهم مُوَكَّلون بالبشر مِن وقت تصوير الإنسان في الرَّحِم إلى الموت، وبعده إلى الجنة، وفيها إلى الأبَد يقومون بأمورهم، وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
وقيل على تفسيرهم بالحفَظة: نحن أولياؤكم تولَّيْنا كتابةَ أعمالِكم، ونشهدُ بها في القيامة لكم.
ثم ذكْرُ الملائكةِ في هذه الآية بمقابلةِ ذِكْرِ الشياطين في الآية المتقدمة: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، فالشياطينُ قُرَناءُ الكفار في الدنيا والآخرة، والملائكةُ أولياءُ المؤمنين في الدنيا والآخرة.
وقيل: هذا خطاب اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾؛ كما قال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهو في مُقابلة ما قال في الكفار: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ (^٢) [فصلت: ١٩].
وقولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾: أي: في الجنة.
﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾: ما تنزِعُ إليه شهواتُكم مِن الطَّيِّبات والملاذِّ.
_________________
(١) بعدها في (ر): "أي نحفظ الأعمال".
(٢) في (ف): "ويوم نحشر. . . "، وهما قراءتان تقدم ذكرهما.
[ ١٣ / ١٨٠ ]
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: أي: ما دعوتُم به؛ أي: ما التمستُموه.
وقيل: أي: ما أضفتُموه إلى أنفسكم.
وقيل: أي: ما تمنَّيْتُموه بدَلًا عما خلَّفْتُم في الدنيا مِن القليل المُنْقَطِع الفاني.
* * *
(٣٢ - ٣٣) - ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وقولُه: ﴿نُزُلًا﴾: أي: رِزْقًا أقامَه اللَّه تعالى لكم لإنزالِكم (^١) الجنةَ.
وقولُه: ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾: أي: ممَّن غفَرَ لكم ورحِمَكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي، وهو تعجيب مِن المشركين الذين لغَوا في قراءة النبي -ﷺ- وهو يدعو إلى اللَّه تعالى ويعملُ صالحًا، ويقولُ: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
يقول: كيف يجوزُ لكم مَعاشِرَ قريشٍ مع ادِّعائِكم رَجاحةَ العُقول أنْ تتواصَوا باللَّغْو في قراءة النبي -ﷺ-؟! وأيُّ قولٍ أحسَنُ مِن قوله؟! وأيُّ قائلٍ أحسنُ قولًا منه وهو يدعو إلى اللَّه تعالى ولا تُهْمةَ فيه؟! فإنه يعملُ بما يقول، ويُظهِرُ دينَ الإسلام الذي هو دينُ أبيكم إبراهيم ﵇.
وتتَّصِلُ هذه الآية أيضًا بقوله: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو كقوله: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقولُه تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ هو كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.
_________________
(١) في (ر) و(ف): "لإنزاله إياكم".
[ ١٣ / ١٨١ ]
وقالت عائشة ﵂: ما أُراها إلَّا نزلَتْ في المؤذِّنين (^١). وبه قال مجاهد (^٢).
وقال أبو أمامة الباهلي ﵁: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: صلَّى السُّنَّةَ والتَّطوُّعَ بعد الأذان (^٣).
وقال مقاتل: جميعُ الأئمة والدُّعاة إلى اللَّه تعالى (^٤)؛ نظيرُه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤].
وقال الإمام القُشَيري ﵀: الدَّاعي إلى اللَّه هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاءِ باللَّه، وترْكِ طلَبِ العِوَض مِن اللَّه، بأنْ يكِلَ أمرَه إلى اللَّه، ويرضى مِن اللَّه بقِسْمة اللَّه.
وقولُه تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أي: كما يدعو إلى اللَّه، فلا يتخلَّفُ هو عن اللَّه.
ويُقال: هم الذين عرَفوا طريقَ اللَّه، ثم سلكوا طريقَ اللَّه، ثم دعوا الناسَ إلى اللَّه (^٥).
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾: أي: لا يستوي ما أنتَ عليه يا
_________________
(١) رواه عنها ابن وهب في "تفسيره" (١١٨)، والفضل بن دكين في "الصلاة" (١٩١) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٣٤٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٧).
(٢) ذكره عنه السمعاني في "تفسيره" (٥/ ٥١)، ونقله ابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٥٢) عن عائشة ومجاهد وعكرمة.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٦)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٤).
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٦).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٣١).
[ ١٣ / ١٨٢ ]
محمد مِن التوحيد والاستقامة والدعاء إلى اللَّه تعالى، وما عليه المشركون مِن الشِّرْك باللَّه، والصَّدِّ عن سبيل اللَّه، والتَّواصي بتَرْك الاستماع لكلام اللَّه تعالى.
أي: فأنتَ على حقٍّ وهم على باطل، وأنتَ في حِكْمة وهم في سفَهٍ، فاعملْ بما يَليقُ بمحَلِّكَ، ودعْهم وما يليقُ بمحَلِّهم.
وتكرارُ: ﴿وَلَا﴾ ذكَرْنا معناه.
وقيل: لأن كل واحدة منها تصلُحُ أنْ يلِيَها (لا) لو ابتُدِئَ بها.
وقولُه تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أي: ادفَعْ بحقِّكَ باطِلَهم، وبحِلْمِكَ (^١) سفهَهم.
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾: أي: فإذا استعملْتَ هذا لانَتْ لكَ جوانبُ أعدائِكَ المشركين، ومالتْ قلوبُهم إليكَ بالمودَّة، فأقبَلوا على ما تدعوهم إليه، واستمعوا له، ورُجِيَ بذلك أنْ يستجيبوا لكَ، ويصيرَ مَن يُعاديكَ منهم بالكُفْر بإسلامه كالوليِّ القَريب.
وحميمُكَ: قريبُكَ الذي يهتَمُّ لأمرِكَ.
حثَّه على مُلاطفتِهم ومُجادلتِهم بالأحسن، ثمَّ ليس هذا بقَطْعِ القول على أنهم يؤمنون إذا فعَلَ ذلك بهم، فقد فعَلَ، لكنَّه تنبيهٌ على أنهم يَلينون له، فيستمعون ويتدبَّرون، ثم بعد ذلك يقعُ له الرَّجاءُ في إسلامهم، لكنْ يُنْصفُ بعضٌ فيُسْلِمُ، ويُعانِدُ بعضٌ فيُصِرُّ على كفره، وهو إطماعٌ له كما في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، هذا لإطماعِ موسى وهارون، لا لتحقيق وجودِ الإيمان مِن فرعون.
_________________
(١) في (ف) و(أ): "وبحكمتك".
[ ١٣ / ١٨٣ ]
(٣٥) - ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾: أي: وما يُعطى هذه الخَصْلةَ، وهي دَفْعُ السيئة بالحسنة، وما يُوَفَّقُ لتلَقِّيها؛ أي: قبولِها واستقبالِها وأخْذِها.
وقيل: أي: الموعظة.
وقيل: أي: الكلمة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: ووطَّنوا أنفسَهم على الصبر للَّه على المَكاره.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: أي: ذو نصيبٍ وافرٍ مِن العقل والعلم.
قال قتادة: أي: ذو حَظٍّ عظيمٍ مِن ثواب اللَّه (^١).
وقيل: هي مِن قولهم: رجلٌ مُلَقًّى؛ إذا كان تكثر عليه المكارهُ؛ أي: لا يَحْمِلُ هذا الحِمْلَ إلا كذا.
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: (إنْ) شرطٌ، و(ما) صِلَةٌ، والنون توكيا وقسَمٌ؛ أي: وإنْ يُخطِرِ الشيطانُ بقلبكَ وسوسةً، ويصدَّكَ بها عن تلَقِّي هذه الموعظة ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: يسمعُ استعاذتَكَ، ويَعلمُ إرادةَ الشيطان استزلالَكَ، ويَعلمُ ما يربطُ به جأشَكَ.
والنَّزْغُ: الإفسادُ.
_________________
(١) روى عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧١٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٣٤) عن قتادة: أن الحظ العظيم هو الجنة.
[ ١٣ / ١٨٤ ]
وقيل: نزلت هذه الآيات في إيذاء أبي جهل -لعنَه اللَّه- رسولَ اللَّه -ﷺ-، أمرَه بمُداراته، ثم أمرَه بقِتاله (^١).
وقال قتادة: ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾: يعني: أبا سفيان بنَ حَرْب، صار وليًّا بعد ما كان عدوًّا (^٢).
* * *
(٣٧) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: أي: العلاماتِ الدَّالَّةِ على وحدانيَّته.
﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: خلَقَها لمنافع خَلْقِه ومصالحِ عِبادِه.
﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾: فإنهما مخلوقان.
﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾: أي: خلَقَ النَّهارَ واللَّيلَ والشَّمسَ والقمرَ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: لأنَّ شرطَ عبادةِ اللَّه تعالى ألَّا نسجدَ لِمَن دونه، فمَن عبَدَ معه غيرَه لم يكن له عابدًا.
قال السُّدِّي ﵀: ولما نزل هذا قال المشركون: لا نسجُدُ إلا للَّاتِ والعُزَّى (^٣)، فنزلَ قولُه:
* * *
(٣٨) - ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾.
_________________
(١) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤٣)، ورواه عن مقاتل البيهقىُّ في "السنن الكبرى" (١٣٢٩٨)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٧)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٨٢) من غير نسبة.
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٧)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٤) عن مقاتل.
(٣) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٧٤٤).
[ ١٣ / ١٨٥ ]
﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾: أي: هؤلاء المشركون عن إخلاص العبادة للَّه، فليس ذلك بمُقَلِّلٍ عددَ مَن يُخْلِص للَّه العبادةَ.
وقولُه: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: الملائكةُ الذين هم سُكَّان السماوات، ومُقرَّبون عند اللَّه بالدَّرَجات والكرامات.
﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أي: يُنَزِّهونه.
وقيل: يسجدون (^١) ويسبحون فيه.
وقيل: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: أي: يُصَلُّون، وفيها السجودُ وغيرُه.
وقولُه تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾: أي: لا يمَلُّون ولا يفتُرون، وهم أكثرُ عددًا ممَّن في الأرض، فلا يُخْطِرَنَّ الشيطانُ بقلبكَ أنَّ في الموحدين للَّه قِلَّةً.
* * *
(٣٩) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: أي: ومن علاماته الدَّالَّة على كمال قُدْرته.
﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: مَيِّتَةً (^٢).
وقال الضحاك: أي: ذَليلةً (^٣).
وقال قتادة: أي: غَبْراءَ مُتَفَتِّتةً (^٤).
_________________
(١) "يسجدون" ليست في (أ).
(٢) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٨٥) دون عزو، وذكر الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٧) عن ابن عباس قوله: مقشعرة.
(٣) لم أقف عليه عن الضحاك.
(٤) في (ر): "متقشفة"، وفي (ف): "متشققة". والخبر رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧١٥)، =
[ ١٣ / ١٨٦ ]
وقال مقاتل: غَبْراءَ مُتَهَشِّمَةً لا نباتَ بها (^١).
وأصلُ الخشوعِ: السُّكونُ والخُضوعُ، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾، وهذا كقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾: أي: تحرَّكَتْ بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: ازدادتْ وانتفخَتْ بنُمُوِّ النبات في جَوْفها إلى أنْ يخرُجَ منها بانصداعها عنه.
وقيل: اهتزازُها: تحرُّكُ نباتِها، وكذا رُبُوُّها: رُبُوُّ نباتِها.
وقيل: هو مِن قولكَ: اهتزَّ فلانٌ ببِشارةِ كذا؛ أي: استبشرَ، وهذا مجازٌ عن تزيُّنِ الأرض في الربيع، ولذلك يُقال: ضحِكَتِ الأرضُ ببُكاءِ السَّماء.
﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾: لا فَرْقَ بين الموتين والحَياتين في التدبُّرِ.
﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن هذا وغيرِه.
وقال الإمام القُشَيري ﵀ في الآيتين: إنَّ الشمسَ وإنْ علَتْ، والقمرَ وإنْ حسُنَ، فلأجلكم خلَقْناهما، فلا تسجدوا لهما واسجُدوا لنا.
وقال أيضًا: خلَقَ الملائكة وقرَّبَهم ورفعَ منزلتَهم، ثم أمرَهم بالسجود لأبيكم آدم، فامتنَعَ أحدُهم، فلُعِنَ على الأبد.
وقال لكم: يا أولادَ آدمَ، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر والملائكةِ ولا لشيءٍ دُوني.
وقال: أمرَكَ بصِيانة وجهِكَ عن الشمس والقمر والملائكة والبَشَر، ثم تبذُلُ وجهَكَ لكل خسيسٍ لأجلِ حظٍّ خَسيسٍ؟!
_________________
(١) = والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٣٨) بلفظ: غبراء متهشمة.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤٤). وانظر التعليق السابق.
[ ١٣ / ١٨٧ ]
وقال في الآية الثانية: الأرضُ إذا صحِبَتْها جُدُوبةُ الشتاء، ففي وقت الربيع إذا أُنْزِلَ عليها المطرُ اهتزَّتْ بالثبات واخضَرَّتْ؛ كذلك القلوبُ إذا خشَعَتْ وتماوتَتْ بما ألمَّتْ به مِن الذُّنوب، ونظَرَ إليها الحقُّ سبحانه، فاهتزَّتْ وتحرَّكَتْ للنَّدَم، يُعْفى عنها ما قصَّرَتْ في صِدْق القَدَم، وكذلك إذا وقعَ للعبد فَتْرٌ في مُعاملتِه، وغَيبةٌ عن بِساط خِدْمَتِه، فإذا تعهَّدَه الحقُّ سبحانه بما أدخَلَ عليه مِن التَّذَكُّر عادَ عُودُ رَشادِه غضًّا طَرِيًّا، وشجَرُ وِفاقِه بعد ما أَجْدَبَ بماء العِناية مَسْقِيًّا (^١).
* * *
(٤٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾: أي: إنَّ الذين يَميلون عن الحق في آياتنا، فيقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾، ويكفُرون بالقرآن، ويزعُمون أنه ليس مِن عند اللَّه، وأنَّ محمدًا تَقَوَّلَه على اللَّه، وأنه أساطيرُ الأولين، ويُعرِضون عن تدبُّره.
وقيل: أي: الذين يُلحِدون في آيات وحدانيَّتِنا مما سبَقَ ذِكْرُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ بتركِ تدبُّرِها والاستدلالِ بها على ما هي علامةٌ دالَّةٌ عليه.
﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾: بل نعلَمُ بهم، فنُجازيهم على وَفْقِ أعمالِهم، وهو تهديدٌ بليغٌ.
وقيل: إنَّ المُنجِّمين داخلين في هذا الوعيد؛ لأنهم يُلْحِدون في هذه الآيات، فإن الشمس والقمر والنجوم جعلَها اللَّه تعالى دلائلَ على وحدانيَّته، وهم يجعلونها دلائلَ على السَّعادة والشَّقاء والغِنى والفقر ونحوِ ذلك.
_________________
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
[ ١٣ / ١٨٨ ]
وقولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: قيل: هاهنا مُضْمَرٌ: فلا يخفون علينا وقد أعدَدْنا لهم الجزاءَ، وهو إلقاؤُهم في النار، أفهؤلاء خيرٌ أم مَن لم يُلْحِدْ في آياتنا، فيأتي آمنًا يوم القيامة مِن هذا؟!
وهذا استفهامٌ بمعنى التَّوْبيخ؛ لأنَّ جوابَه: بل مَن يأتي آمنًا يوم القيامة، فكان هذا تقريرًا لهم على قُبْحِ أعمالِهم.
وقولُه تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾: أي: فلْيختَرِ امرؤٌ لنفْسِه ما شاء مِن هذين، وهما الوُقوعُ في النار، والأمنُ منها، وليعمَلْ ما يراه، فإنه إنْ عمِلَ بعمَلِ أهلِ النار أُلقِيَ فيها، وإنْ عمِلَ غيرَ ذلك أَمِنَها.
وهي كلمةُ زَجْرٍ وتهديدٍ، وعُرِفَ بما بعده وما قَبْله أنه زَجْرٌ لا أَمْرٌ.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فيَجزي كلَّ عاملٍ جزاءَ عمَلِه.
* * *
(٤١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: أي: بالقرآن؛ لأنَّ فيه ذِكْرَ جميع (^١) ما يُحتاجُ إليه، وجوابه محذوفٌ، وهو ثابتٌ تقديرًا (^٢): هلَكوا به وشَقُوا به.
وقيل: خبرُه: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾: أي: لا يَقْدِرُ أحدٌ مِن العِبَاد بمِثْلِه.
وقيل: أي: كريمٌ، مِن حَقِّه أنْ يُعَزَّ وأنْ يُجَلَّ، فلا يُلْغى فيه ولا يُعْرَضَ عنه ولا يُلْحَدَ في آياته.
_________________
(١) "جميع" ليست من (أ).
(٢) في (ر): "تقديره".
[ ١٣ / ١٨٩ ]
وقال ابن عباس ﵄: ﴿عَزِيزٌ﴾: أي: كريم على اللَّه (^١).
وقيل: ﴿عَزِيزٌ﴾: لا يوجد مِثْلُه في نَظْمه وكثرة فوائدِه.
وقال مقاتل: مَنيعٌ أنْ يُبْطِلَه مُبْطِلٌ (^٢).
وقال السُّدِّي: أي: غيرُ مخلوق (^٣).
وقيل: أي: غالبٌ لِشُبَهِ المُبتدعين والكافرين، مِن قولهم: مَن عَزَّ بَزَّ (^٤).
وقال الإمام القُشَيري ﵀: ﴿عَزِيزٌ﴾: لأنه كلامُ ربٍّ عزيزٍ إلى رسولٍ عزيزٍ بسَفارةِ ملَكٍ عزيزٍ إلى أُمَّةٍ عَزيزةٍ.
وقيل: عزيزٌ على المؤمنين لأنه كتابُ حبيبِهم، وكتابُ الحبيبِ إلى الحبيبِ عزيزٌ (^٥).
* * *
(٤٢) - ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾: أي: لا يعترِضُ عليه الباطلُ مِن شيء أُنْزِلَ مِن الكُتُبِ قبله، ولا ينزِلُ كتاب بَعْدَه، بل هو الحُجَّةُ إلى قيام الساعة.
وقيل: أي: لا يقع فيه الكذِبُ مِن أخبار ما كان، ولا مِن أخبار ما يكون.
_________________
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٨) عن ابن عباس ﵄، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٦) عن الكلبي عنه، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٨) عن الكلبي.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤٤)، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٩)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٨)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩).
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٨)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩).
(٤) انظر: "الأمثال" لأبي عبيد (ص: ١١٣)، و"الكامل" للمبرد (٤/ ٣٤).
(٥) انظر: "لطائف الإشارات" (٣/ ٣٣٥).
[ ١٣ / ١٩٠ ]
وقيل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾: أي: المُبْطِل، وأنشَدوا فيه:
كِلِيني لهَمٍّ يا أُميمةُ ناصبِ وليلٍ أُقاسيه بَطِيءِ الكواكبِ (^١)
أي: مُنْصِب.
وقيل -وهو قولُ الكلبي ومقاتل رحمهما اللَّه-: لا يأتيه التَّكذيبُ مِن الكِتَاب الذي قَبْلَه، ولا يجيءُ مِن بعده كتابٌ يُكَذِّبُه (^٢).
وقال قتادة: أي لا يستطيع الشيطان أنْ يُبطِلَ منه حقًّا، أو يزيدَ فيه باطلًا (^٣).
ومجازُ هذا: أنَّ ما بين يدَيِ الشيء هو ما حضرَه، والحقُّ في القرآن كذلك، وما خَلْفَ الشيء ما ليس فيه، وكذلك الباطلُ ليس في القرآن.
ووجهٌ آخَرُ: أنَّ الحقَّ مِن حَقَه أنْ يُقَدَّمَ، والباطلَ مِن حَقِّه أنْ يُخلَّفَ.
وقيل: مجازُه: أنَّه مُمتنِعٌ مِن أنْ يلحقَه تحريفٌ أو تبديلٌ أو زيادةٌ أو نُقْصانٌ أو إبطالٌ بجِهةٍ مِن الجهات.
وقولُه تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾: مصدر بمعنى المفعول؛ أي: هو مُنزَلٌ مِن ربِّ حكيمٍ مُصيبٍ في أقواله وأفعاله.
﴿حَمِيدٍ﴾: محمودٍ بكل صفاته، مُستَحِقٍّ لحَمْد خَلْقِه.
_________________
(١) البيت للنابغة. انظر: "ديوان النابغة الذبياني" (ص: ٤٥)، و"تفسير الطبري" (١٤/ ٤٤)، و"تفسير الثعلبي" (٥/ ٣٣٧).
(٢) ذكره عنهما السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٢٩)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٨).
(٣) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧١٩)، والمحاسبي في "فهم القرآن" (ص: ٢٨٤)، والدارمي في "الرد على الجهمية" (٣٢٢)، وابن الضريس في "فضائل القرآن" (١٢٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٤٤).
[ ١٣ / ١٩١ ]
(٤٣) - ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: كفَرَ المشركون بهذا الكتاب، وألحَدوا في آياته، ونسَبُوكَ إلى افترائه، ولكنْ ما قالوا لكَ إلا وقد قالت الأممُ السَّالفةُ لأنبيائهم كذلك، فاصبِرْ كما صبَروا تَظْفَرْ كما ظَفِروا، وهو معنى قولِ قتادة والسُّدِّي (^١).
وقيل: يعني: ما يُوحى إليك إلا ما أُوحِيَ إلى الرسل المُتقدِّمين مِن إخلاص العبادة للَّه.
وقيل: قولُه تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وهو قولُه:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾: للمؤمنين، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾: للكافرين.
* * *
(٤٤) - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾: العَجَمِيُّ: المنسوبُ إلى العجَمِ، وهم غيرُ العرب، فصيحًا كان أو غير فصيح، والأعجميُّ المنسوبُ إلى الأَعْجَم، وهو الذي لا يُفْصِحُ عربيًّا كان أو غيرَ عربيٍّ.
وقولُه تعالى: ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: أي: هلَّا بُيِّنَتْ (^٢) آياتُه: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾؟!
_________________
(١) رواه عن قتادة عبدُ الرزاق في "تفسيره" (٢٧٢٠)، وعنهما الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٤٦)، ولفظ قتادة: يعزي نبيه كما تسمعون، ولفظ السدي: ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك.
(٢) في (ر): "تبينت".
[ ١٣ / ١٩٢ ]
أي: أيكونُ كتابٌ أعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ؟!
يقولُ: لو أنزَلْنا هذا الذِّكْرَ قرآنًا؛ أي: كتابًا يُقرأ ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾؛ أي: بلُغةٍ غيرِ فَصيحةٍ مِن لُغات الأعاجم، ﴿لَقَالُوا﴾: أي: لقالَ هؤلاء المشركون: هلَّا بُيِّنَتْ آياتُه باللغة الفَصيحة، فيتحقَّقَ لنا فَهْمُها، ويقرُبَ مِن قلوبنا وعقولنا الوقوفُ على المراد بها.
﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾: أي: فكيف يكون هذا أنْ يكون كتابٌ أعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ وإنما أُرْسِلَ بالكِتاب ليكون بيانًا لقومه وآيةً له على صِدْق دعواه؟!
وكيف يكون (^١) آيةً على قوم وهو شيءٌ لا يعرِفونه ولا يقِفون (^٢) على جنسه لِيمتحِنوا قُواهم في مُعارضته، حتى إذا عجِزوا علِموا أنه سماويٌّ خارجٌ عن قوى البشر؟!
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾: أي: مُرْشِدٌ مِن الضلالة ﴿وَشِفَاءٌ﴾ أي: شافٍ مِن الجَهالة.
وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾: أي: ثِقلٌ وصَمَمٌ عن سماعه وفَهْمه.
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾: أي: عمًى لقلوبهم لتركِهم تدبُّرَه.
﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: أي: هم كمن يُنادى مِن مسافةٍ بعيدةٍ، فينقطعُ صوتُ المُنادي عنه فلا يسمعُه.
وقال مجاهد: لبُعْدِه عن قلوبهم (^٣).
_________________
(١) في (ف): "يكون له".
(٢) في (ف): "يفقهون".
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٥١)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣١).
[ ١٣ / ١٩٣ ]
وقال الضحاك: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: في القيامة؛ أي: كما يُنادى المُبعَدون عن الكرامة بأقبح الأسماء (^١).
وقرأ ابن عباس: (وهو عليهم عمٍ) بكسر الميم؛ أي: مُلْتَبِسٌ (^٢).
* * *
(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، كما آتيناكَ القرآن.
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: أي: اختلَفوا في كتابه، فقالوا: سِحْرٌ، ونحوَ ذلك؛ كما اختلَفَ المشركون عليكَ في كتابكَ، فقالوا ما قالوا.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: وليس تأخيري العذابَ عنهم لعَجْزٍ، ولا لتَسْويةٍ بين المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ولا لإهمالِ الفريقين، ولكنْ سبَقَ قولي أنِّي لا أُعاجِلُ هذه الأمةَ بالعذاب المستأصِل؛ لِعِلْمِي بمَن يخرُجُ مِن المؤمنين مِن أصلابهم.
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾: أي: وإنَّ الكفار لا يكفُرون به لتيقُّنِهم ببُطْلانه، لكن يشُكُّون فيه لتَرْكِهم التأمُّلَ في الدلائل.
﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِعٍ للرِّيبَة؛ أي: التُّهْمة.
_________________
(١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٥١)، وذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣١)، والماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٨٧).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٢٠/ ٤٥٠)، و"تفسير الثعلبي" (٨/ ٢٩٩) ورواها عن ابن عباس ومعاوية وعمرو بن العاص.
[ ١٣ / ١٩٤ ]
(٤٦) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾: أي: فلنفْسِه نَفْعُه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾: أي: فعليها ضرَرُ إساءتِه.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: أي: لا يُعَذِّبُ أحدًا بغير ذنب، ولا يُنْقِصُ أحدًا ثوابَ طاعتِه، ولا يزيدُ في العذاب على معصيته.
أي: يقضي بين هؤلاء المُخْتلِفين في القيامة على هذا.
* * *
(٤٧) - ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾.
ولَمَّا سألوا عن وقت القيامة قال: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾: أي: لا يَعْلَمُ متى تقوم الساعةُ غيرُه، وكلُّ عبدٍ سُئِلَ عنها ردَّ عِلْمَها إليه؛ كما قال لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾: جَمْعُ: كُمٍّ، وهو غِلافُ الثَّمَر.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿مِن ثَمَرَاتٍ﴾: على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿من ثَمَرَةٍ﴾: على التوحيد (^٢).
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾: ﴿مِن﴾ للتأكيد.
﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾: أي: كلُّ ذلك بعِلْم اللَّه وتقديرِه، يجري ذلك كلُّه على
_________________
(١) ذكره مقاتل في "تفسيره" (٣/ ٧٤٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٩٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٤).
[ ١٣ / ١٩٥ ]
عِلْمِه وقُدْرته، وكذلك الساعةُ، وهو كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد: ٦] إلى أن قال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾: أي: وفي هذا اليوم يُخاطِبُ اللَّه هؤلاء، فيقول: أين الذين كنتم تُشْرِكونهم بي، ويقولون: هؤلاء شفعاؤُنا، وإنما نعبُدهم ليُقَرِّبونا إلى اللَّه زُلْفى.
وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾: قيل: أي: يقول المشركون: نُؤذِنُكَ -أي: نُعْلِمُكَ- ما مِنَّا مِن أحدٍ يشهَدُ (^١) بأنَّ لك شَريكًا، أو بأنه كان لكَ شريكٌ.
ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه مِن أمور الآخرة، وهو كائنٌ لا محالةَ فأُلْحِقَ بالموجود.
ويَحتملُ أنَّهم كانوا قالوا ذلك قَبْل هذا الخطاب، فقد أخبَرَ أنهم يتبرَّؤون مِن ذلك يومَ القيامة، فيكون قوله: ﴿آذَنَّاكَ﴾: أي: قلنا قبل هذا: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾.
ثم هذا الإعلامُ لا يجوز أنْ يُفْهَمَ منه إيقاعُ العِلْم، لكنْ طريقُه طريقُ قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١]، وقد فسَّرْناه في تلك الآية.
وقال القُتَبيُّ: هذا قول المعبودين، يقولون: ما مِنَّا مِن شهيد للمشركين على ما قالوا (^٢).
* * *
(٤٨ - ٤٩) - ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾.
_________________
(١) في (أ): "شهيد".
(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص: ٣٩٠).
[ ١٣ / ١٩٦ ]
وقولُه تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: أي: بطَلَ ﴿كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: في الدنيا.
﴿وَظَنُّوا﴾: أي: علِموا وأيقَنوا ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: أي: مَعْدِلٍ مِن النار.
ويجوز أنْ يكون الظنُّ على غلَبة الظنِّ، فإنهم يطمَعون في الخروج، ولذلك يسألونه.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾: قال مقاتل: نزلت في أبي حُذيفة بن المُغيرة (^١).
يقول: لا يمَلُّ هذا المشركُ الجاحدُ بالقيامة مِن مسألة اللَّه الذي هو مُقِرٌّ بأنه خالقُه ورازقُه السَّعَةَ في المال، والسَّلامةَ في النَّفْس، والظَّفَرَ بكل محبوب.
﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: أي: نالَه المكروه.
﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: أي: يَيْأَسُ مِن زوال ما به، ويظُنُّ أنْ يدومَ عليه، ويقنَطُ مِن رحمة اللَّه.
* * *
(٥٠) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾: أي: نِعْمةً.
_________________
(١) لم أقف عليه، وقد اختلف فيمن نزلت، فذكر السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٢) عن الضحاك أنها نزلت في النضر بن الحارث. وذكر مكي بن أبي طالب في "الهداية" (١٠/ ٦٥٤٤) أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، أو: في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف. وليس التعيين هنا بمهم، فإن الآية عامة في كل من هذه صفته.
[ ١٣ / ١٩٧ ]
﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: أي: شِدَّةٍ أصابَتْه.
﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾: أي: أنا أهلُه ومُسْتَحِقُّه.
وقيل: أي: بسببِ خيرٍ عندي.
وقيل: أي: بعملي (^١).
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: أي: وما أحسَبُ القيامةَ كائنةً.
﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾: أي: ولئن كان ما يقول محمد وأصحابُه حقًّا مِن قيام الساعة.
﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾: يعني: الجنَّةَ وكلَّ حالةٍ حسنةٍ، ولا يُعذِّبُني اللَّه؛ لأنَّه إنما يُعَذِّبُ مَن يَهونُ عليه، لا مَن يَكْرُمُ عليه، وأنا كريم عليه، فقد أكرمَني بالنِّعَم في الدنيا.
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾: وأُجازيهم عليه، فيعلمون أنَّ الساعةَ قائمةٌ، وأنَّ الحُسْنى لغيرهم.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: شديدٍ دائمٍ.
* * *
(٥١) - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾: أي: على هذا الكافر.
﴿أَعْرَضَ﴾: أي: عن ذِكْرنا والتدبُّرِ في آياتنا.
وقال مقاتل: أعرضَ عن الدعاء (^٢).
_________________
(١) في (ر): "بعلمي".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٧٤٨).
[ ١٣ / ١٩٨ ]
وقال الكلبي: عن الإيمان (^١).
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أي: بعُدَ وولَّى جانِبَه.
وقال أبو عَوْسجَةَ: تباعدَ عما أُمِرَ به (^٢)؛ أي: تكبَّرَ، وهو كتصعير الخَدِّ، وهو إمالتُه.
وقال نِفْطَوَيْهِ: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أي: امتنَعَ بقوَّتِه وحالِه (^٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾: أي: فهو ذو دُعاءٍ كثيرٍ.
والطُّولُ والعَرْضُ يُستعملُ في الكَثْرة والكِبَر مجازًا.
وقيل: العريضُ أبلَغُ مِن الطويل؛ إذ العَرْضُ يدلُّ على الطُّول، والطُّول لا يدلُّ على العَرْض؛ إذ قد يصِحُّ طويلٌ ولا عَرْضَ له، ولا يصِحُّ عريضٌ ولا طُولَ له؛ لأنَّ العَرْضَ انبساطٌ في خِلاف جِهة الطُّول، والطُّولَ امتدادٌ في أيِّ جِهةٍ كانت.
* * *
(٥٢) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: أي: قل يا محمد: إنْ كان ما يُخبِرُ به محمد مِن الوَعْد والوَعيد صِدْقًا مِن عند اللَّه ثم كذَّبْتُموه في ذلك، كنتم مُشاقِّين للَّه؛ أي: مُعادِين له مُخالِفين.
_________________
(١) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٣)، وأورده الماوردي في "النكت والعيون" (٥/ ١٨٨) من غير نسبة.
(٢) في (أ): "أمرته". والخبر ذكره عنه الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٩/ ٩٧).
(٣) ذكره عنه أبو عبيد في "الغريبين" (ص: ٣٧٣)، وهو من غير نسبة في "شرح السنة" للبغوي (١٤/ ٢٥٢).
[ ١٣ / ١٩٩ ]
وقولُه تعالى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: أي: خِلافٍ بعيدٍ عن الوِفاق، ومُعاداةٍ بعيدةٍ عن الموالاة، استفهامٌ بمعنى النفي.
* * *
(٥٣) - ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: يعني: علاماتِ عذابِنا في البلاد، وهو ما كان نزَلَ بعادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ، وهم يَرون ذلك إذا سافروا.
وقولُه تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: يُبْتَلون في أنفسهم بالبَلايا.
ويُقال: قَتْل أصحابِهم مِن الكفار في الحروب.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾: الذي قلْتَ هو الحق (^١)، فيُصَدِّقونك.
وقال مجاهد: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: يعني: ما يفتَحُ اللَّهُ على محمد مِن القُرى، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: فتحُ مكةَ (^٢).
وقال الضحاك: إنَّ أبا جهل -لعنَه اللَّه- قال للنبي -ﷺ-: ائتنا بعلامة، فأشارَ إلى القمر، فانشَقَّ نِصْفَين، فقال أبو جهل: يا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، إنَّ محمدًا قد سحَرَ القمر، وجَّهوا رسُلَكم في الآفاق: هل عايَنوا القمرَ كذلك؟ فإنْ عايَنوه كذلك فهو آيةٌ، وإلَّا
_________________
(١) في (ر): "الصدق".
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢٧٢٣)، وروى نحوه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٤٦١) عن السدي، وذكره الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٠)، والبغوي في "تفسيره" (٧/ ١٧٩) عن مجاهد والسدي والحسن.
[ ١٣ / ٢٠٠ ]
فهو سِحْرٌ، فوجَّهوا فإذا أهلُ الآفاق تحدَّثوا بانشقاق القمر، فقال أبو جهل لعنَه اللَّه: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، فنزلَتِ هذه الآيةُ (^١).
وقيل: معناه: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ آياتِ وحدانيَّتِنا، ﴿فِي الْآفَاقِ﴾: مِن سَيْرِ النُّجوم وجَرَيان الشمس والقمر بحُسْنِ التَّدبير، وكذلك ما في الأرض، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: ما يُشاهدون فيها مِن آثار الحدَثِ والتَّنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ أي: يظهَرَ لهم البيانُ الذي ينقطِعُ به العُذْرُ.
وقولُه تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ أي: أنَّ اللَّهَ هو المعبودُ الحقُّ الذي لا شريكَ له، وأنَّ البعثَ حقٌّ لا شُبْهةَ فيه، فإنَّ مَن قدِرَ على ذلك قدِرَ على إحياء الموتى.
وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: أي: شاهدٌ، ويشهد أنَّ القرآنَ مِن عند اللَّه، وأنَّكَ رسولُه.
وقيل: يشهدُ بهذا كلِّه.
قال الكلبي: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أنه أخبرَهم بذلك وشهِدَ به لِيعلموا (^٢) وإنْ لم يُسافروا في الآفاق (^٣).
وقيل: أي: عالمٌ بفِعْلِكَ يا محمد وبأفعالهم، فيَجزي كُلًّا على وَفْق عمَلِه، وهو مِن قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣].
* * *
_________________
(١) ذكره السمرفندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٣).
(٢) بعدها في (ر) و(ف): "أنه".
(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" (٣/ ٢٣٣).
[ ١٣ / ٢٠١ ]
(٥٤) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾: أي: شَكٍّ ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: مِن مَجيء القيامة، وحسابِ اللَّهِ (^١) الخَلْقَ، والجزاءِ.
وقولُه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾: أي: عالمٌ بالأشياء كلِّها، قاهرٌ لها، لا يُعجِزُه هاربٌ، ولا يفوتُه مطلوبٌ.
* * *
_________________
(١) لفظ الجلالة "اللَّه" من (أ).
[ ١٣ / ٢٠٢ ]
سورة الشورى
[ ١٣ / ٢٠٣ ]